الجمعة، 14 أغسطس 2009

التجربة الديمقراطية في جمهورية أوزبكستان

التجربة الديمقراطية في جمهورية أوزبكستان
دراسة أعدها أ.د. محمد البخاري: مستشار رئيس معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية في العلاقات الدولية. عضو هيئة التدريس بقسم العلاقات الدولية والعلوم السياسية والقانونية بكلية الاقتصاد والعلاقات الدولية.
تعتبر انتخابات أجهزة الإدارة المحلية، والبرلمانية التي جرت في الخامس من كانون أول/ديسمبر 1999، والانتخابات الرئاسية التي أعقبتها في التاسع من كانون ثاني/يناير 2000، وفقاً للدستور والقوانين الانتخابية النافذة، الثانية والأهم منذ إعلان استقلال جمهورية أوزبكستان في 31/8/1991 بالطرق السلمية البرلمانية الديمقراطية.
وقد جاءت تلك الانتخابات في مرحلة جديدة من مراحل التطور الاقتصادي والسياسي والديمقراطي الذي تشهده أوزبكستان في ظل التعددية الحزبية، التي تؤكد على مبدأ انتقال السلطة بالطرق الديمقراطية الدستورية والسلمية وحدها، وانتصاراً للخط العلماني الذي يقوده إسلام كريموف صانع استقلال، وأول رئيس لهذه الجمهورية منذ الانتخابات العامة التي جرت وللمرة الأولى بعد استقلال أوزبكستان في كانون أول/ديسمبر 1991، وفاز بها بعد أن حصل على 86 % من أصوات الناخبين، على منافسه الذي حصل على 12,3 % فقط. وعاد الناخب الأوزبكستاني وأكد ثقته بالرئيس كريموف في الاستفتاء الشعبي العام الذي جرى في أذار/مارس 1995 من خلال التأييد الشعبي الكبير لصالح تمديد ولايته حتى عام 2000.
وأثبتت الانتخابات الأخيرة التي شاركت فيها خمسة أحزاب سياسية ومجالس الإدارة المحلية ولجان المبادرة الشعبية، زيادة في رسوخ مفهوم التعددية السياسية الذي يشير إلى مشروعية تعدد القوى والآراء السياسية، وحقها في التعايش، والتعبير عن نفسها، والمشاركة في التأثير على القرار السياسي في مجتمعها، والاعتراف بوجود التنوع الذي يترتب عليه الاختلاف في المصالح والاهتمامات والأولويات. وأن تكون التعددية في إطار دستوري وقانوني معين. (1)
وتأتي أهمية عنصر الانتخابات الديمقراطية في أوزبكستان اليوم، من مفهوم الديمقراطية بمعناها الحديث الذي هو أوسع من مجرد الانتخابات الدورية، حيث تتضمن عناصر أخرى عديدة مثل كفالة حرية تأسيس الأحزاب والتنظيمات السياسية، وتوفير الضمانات واحترام حقوق الإنسان بمعناها الواسع، واحترام مبدأ التداول السلمي للسلطة، وتأسيس ثقافة سياسية ديمقراطية. لأن الانتخابات الدورية والنزيهة تعتبر ركناً أساسياً من أركان الديمقراطية، ولا يمكن الحديث عن تطور ديمقراطي حقيقي وجاد، دون أن تكون هناك انتخابات تتسم بالحرية والشفافية، يتمكن المواطنون خلالها من ممارسة حق الاختيار بين أكثر من شخص، وأكثر من حزب، وأكثر من برنامج سياسي. (2)
وتزداد أهمية هذا الأمر في الدول التي تمر بمرحلة انتقال أو تحول من صيغة سياسية غير ديمقراطية، إلى أخرى ديمقراطية، (كالحالة الأوزبكستانية التي انتقلت من النظام الاستعماري الشيوعي الشمولي إلى النظام الديمقراطي المنفتح محلياً ودولياً) أو على الأقل تتسم بدرجة من درجات الديمقراطية. (3) وتعتبر أوزبكستان واحدة من تلك الدول، التي كشفت الانتخابات الأخيرة فيها من ضمن هذا الإطار، عن واقع خريطة توزع القوى والتوازنات السياسية والاجتماعية فيها، خلال مرحلة الإصلاحات الجذرية الجارية بعد الاستقلال، والمتجهة أكثر نحو مجتمع التعدد والتنافس الديمقراطي الحر. وكشفت عن تأييد الرأي العام لأولويات الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يقودها الرئيس إسلام كريموف.
سطور من حياة إسلام كريموف رئيس جمهورية أوزبكستان

ولد إسلام بن عبد الغني كريموف في الثلاثين من كانون أول/يناير عام 1938 بمدينة سمرقند، ووالده كان موظفاً حكومياً، أوزبكي القومية. وتخرج إسلام كريموف من معهد البوليتخنيكا في آسيا الوسطى، كمهندس ميكانيك، وتخصص بعدها في الاقتصاد بمعهد الاقتصاد الوطني في طشقند.
وبدأ إسلام كريموف حياته العملية في عام 1960 كمهندس في مصنع طشقند للآلات الزراعية "طاش سيلماش". وخلال الفترة الممتدة من عام 1961 وحتى عام 1966 عمل مهندساً، وخبير تصميم في مجموعة مصانع شكالوف لصناعة الطائرات في طشقند. وفي عام 1966 انتقل للعمل في هيئة تخطيط الدولة بجمهورية أوزبكستان السوفييتية الاشتراكية، التي تدرج فيها، في العمل من متخصص رئيسي، إلى النائب الأول لرئيس هيئة تخطيط الدولة في الجمهورية. وبعدها في عام 1983 عين إسلام كريموف وزيراً للمالية في جمهورية أوزبكستان السوفييتية الاشتراكية، وفي عام 1989 عين نائباً لرئيس مجلس وزراء جمهورية أوزبكستان السوفييتية الاشتراكية، ورئيساً لهيئة تخطيط الدولة فيها. وخلال الفترة الممتدة من عام 1986 وحتى عام 1989 عمل سكرتيراً أولاً للجنة الحزب في محافظة قشقاداريا. ومن حزيران/يونيو 1989 شغل منصب السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي الأوزبكستاني.
وأنتخب إسلام كريموف رئيساً لجمهورية أوزبكستان السوفييتية الاشتراكية خلال جلسة المجلس الأعلى للجمهورية المنعقدة في 24 آذار /مارس 1990. ويعتبر بحق صانع استقلال جمهورية أوزبكستان، عن الإتحاد السوفييتي السابق، والذي أعلنه على الملأ في 31 آب/أغسطس 1991. وفي الانتخابات الشعبية التي جرت على أساس من المنافسة الشريفة بتاريخ 29 كانون أول/ديسمبر 1991، تم انتخاب إسلام كريموف كأول رئيس منتخب من قبل الشعب لجمهورية أوزبكستان بعد استقلالها. ونتيجة للاستفتاء الشعبي العام الذي جرى في 26/3/1995، مددت فترة رئاسته حتى عام 2000. وفي الانتخابات الشعبية الحرة والمباشرة التي جرت في التاسع من كانون ثاني/يناير 2000، فاز إسلام كريموف بهذا المنصب الرفيع لفترة ثانية بعد المشاركة الكبيرة التي أدلى فيها 12,123,199 ناخباً بأصواتهم، من أصل 12,746,903 ناخب مسجل في القوائم الانتخابية، صوت منهم لصالح الرئيس كريموف 11,147,621 ناخباً، أي نسبة 91,9 % من إجمالي عدد الناخبين.
وإسلام كريموف متزوج، وله ابنتان، وثلاثة أحفاد. وزوجته تاتيانا. أ. كريموفا متخصصة في الاقتصاد، وتعمل في البحث العلمي.
ويحمل إسلام كريموف لقب "أوزبكستان قهرماني" (بطل أوزبكستان)، وتقلد أوسمة "مستقليك" (الاستقلال)، و أمير تيمور، لقاء إسهاماته الكبيرة في بناء سيادة واستقلال أوزبكستان، وإقامة المجتمع الإنساني الديمقراطي ودولة القانون فيها، والحزم والثبات في تأمين السلام الوطني والوفاق القومي. كما وتقلد إسلام كريموف أوسمة وميداليات العديد من دول العالم، ومن المنظمات الدولية الهامة. وإسلام كريموف عضو عامل في أكاديمية العلوم الأوزبكستانية. إضافة لمنحه درجة الدكتوراه الفخرية في العلوم، من الجامعات وأكاديميات العلوم في تسعة من الدول الأجنبية، لقاء إسهاماته الكبيرة في تطوير الاقتصاد والعلوم والتعليم.
ويربط الشعب الأوزبكستاني المنجزات الكبيرة التي تحققت خلال سنوات الاستقلال باسم وشخصية إسلام كريموف، الذي يعتبر المبادر الأول وقائد التحولات التاريخية التي جرت في أوزبكستان تحت قيادته المباشرة، فقد أعد ونفذ:
برنامج متكامل للتطور المستقل لأوزبكستان. وأعد دستور جمهورية أوزبكستان الذي أقر ليلبي كل متطلبات الديمقراطية بالمقاييس الدولية؛
والبرنامج الجديد لبناء الدولة والمجتمع، وإصلاح نظام الإدارة المركزية وفي مواقع الإدارة المحلية، مع الحرص على تطبيق مبادئ التوفيق بين مصالح الدولة والمجتمع والإنسان؛
والنموذج الخاص والجديد للتطور الاقتصادي، الذي أعترف به حتى خارج أوزبكستان، والمبني على المبادئ الخمسة المعروفة: تخليص الاقتصاد من الإيديولوجية؛ وسيادة القانون؛ والإصلاح على مراحل؛ وإشراف الدولة على المرحلة الانتقالية؛ والسياسة الاجتماعية القوية.
وإصلاح القوات المسلحة، وقوات حرس الحدود والأمن الداخلي، على أسس حديثة تجعلها قادرة على حماية وحدة أراضي، وسلامة حدود جمهورية أوزبكستان؛
والرئيس إسلام كريموف: أظهر شجاعة كبيرة في الدفاع عن شرف وكرامة الشعب الأوزبكي خلال السنوات التي حاولت خلالها القوى التي قادتها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، تلطيخ سمعة الشعب الأوزبكي، من خلال قيامها بأعمال ومطاردات غير مشروعة على أرض أوزبكستان؛ وفي رفع مستوى علاقة الاحترام للمقدسات الدينية للشعب الأوزبكي إلى مستوى السياسة الحكومية، بما فيها بعث وتطوير الدين الإسلامي الحنيف، والمحافظة على العادات والتقاليد، والتراث التاريخي القيم؛ وقدم إسهامات كبيرة كان من شأنها، رفع مستوى احترام وتعزيز موقع أوزبكستان على الساحة الدولية؛ وقدم إسهامات كبيرة في تكوين الوعي الاجتماعي على أسس أيديولوجية قومية، مبنية على مبادئ التقاليد الإنسانية والقيم القومية؛ ويسهم إسهاماً كبيراً في إيجاد والمحافظة على السلام والاستقرار والوفاق الوطني بين مختلف القوميات وتعزيزه في أوزبكستان؛ ويعتبر مؤلف البرنامج القومي لإعداد الكوادر الوطنية المعترف بها اليوم في جميع أنحاء العالم، والمبادر لتحقيقه على الصعيد العملي؛ ويعتبر المبادر لتحقيق مشاريع بناء المنشآت الضخمة، والمنشآت الثقافية وشبكات الاتصال، التي أعطت دفعة قوية للتطور الاقتصادي في أوزبكستان، التي غيرت بشكل جذري وجه العديد من المدن والقرى، وفي المقدمة العاصمة طشقند، إضافة لإسهاماته القيمة في تحسين أوضاع أضرحة الأجداد العظام للشعب الأوزبكي.
إضافة لقيادته المباشرة لعملية إرساء أسس الدولة القومية والمجتمع العادل، الذي يعزز فيه على السلام، والطمأنينة للمواطنين بالتساوي. وهو الذي حدد أهم الأفضليات لاتجاهات التطور الراسخ والازدهار في أوزبكستان، الذي يوفر ارتفاع مستوى حياة الشعب الأوزبكستاني متعدد القوميات في مطلع القرن الجديد. (4)
وقد رشح إسلام كريموف لهذا المنصب القيادي الرفيع للفترة الرئاسية الثانية، الحزب القومي الديمقراطي "فيدوكورلار"، وأيدته معظم الأحزاب والقوى السياسية على الساحة الأوزبكستانية، رغم عدم إشارة برنامجه الانتخابي لانتمائه لأي حزب سياسي، وفاز على منافسه مرشح حزب الشعب الديمقراطي وأمينه العام عبد الحفيظ جلالوف، الذي صوت لصالحه 4,17 % فقط من الناخبين. بينما حصل الرئيس كريموف على 91,9 % من أصوات الناخبين، أو 11,147,621 صوتاً، في الانتخابات التي جرت في التاسع من كانون ثاني/يناير 2000، وأدلى فيها 12,123,199 ناخب من أصل 12,746,903 ناخب مسجل في القوائم الانتخابية. وتعتبر هذه النتائج بحد ذاتها أفضل تعبير للتأييد الكبير الذي يبديه الشعب الأوزبكستاني للخط الذي ينتهجه الرئيس كريموف بثبات، والمتمثل بالتحولات الديمقراطية والإصلاحات الجذرية الجارية بقيادته على جميع الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، منذ إعلان استقلال أوزبكستان وحتى اليوم. وخاصة بعد أحداث التفجير المجرمة التي وقعت في طشقند يوم 16 شباط/فبراير 1999 وراح ضحيتها عشرات القتلى والجرحى من المواطنين الأبرياء، وأثبتت المحاكمات العلنية التي جرت لاحقاً للمجرمين الذين ألقي القبض عليهم ضلوع جهات خارجية فيها.
وجاءت تلك الانتخابات بجو من الحرية والتنافس والاختيار الحر تحت أنظار مئات المراقبين الحياديين المحليين والدوليين، ومن بينهم البروفيسور محمد السيد سليم مدير مركز الدراسات الآسيوية التابع لجامعة القاهرة، الذي ألف مع آخرين كتاباً بعنوان "أوزبكستان الدولة والقائد" نشر في مصر، وتحدث فيه عن التجربة الأوزبكستانية بعد الاستقلال، والنموذج الديمقراطي الفريد الذي نهجه الرئيس إسلام كريموف. وهذا الاهتمام من جانب مدير أحد المراكز البحثية الكبرى في مصر والشرق الأوسط ليس بجديد على العلاقات الثنائية التاريخية بين مصر وأوزبكستان، والتي تؤكد على خصوصية تلك العلاقة، حتى أن السفير المصري في طشقند الدكتور ممدوح شوقي كان السفير العربي والإفريقي الوحيد الذي حصل في 22 كانون ثاني/يناير 2000 على وسام الصداقة الأوزبكستاني لخدماته الجليلة في مجال توسيع التعاون التجاري والاقتصادي والثقافي بين مصر وأوزبكستان، وكان من بين الذين تابعوا باهتمام أنباء سير الانتخابات أيضاً الدكتور نبيل لحام السفير الفلسطيني في طشقند، والسيد رأفت السبع المستشار الإعلامي في السفارة المصرية بطشقند.
وقد جاء تفصيل التحولات الديمقراطية والإصلاحات الجذرية التي يقودها بنجاح الرئيس إسلام كريموف وأكدها في برنامجه الانتخابي للانتخابات الأخيرة باتجاه واضح نحو تعميق الخطوات التي تضمن تحقيق كل الأهداف الواردة في الخطاب السياسي للرئيس كريموف منذ توليه مقاليد الحكم وحتى اليوم، والتي يمكن تلخيصها بالتالي:
بناء السيادة والاستقلال الحقيقي لأوزبكستان. والتخلص نهائياً من الاستعمارين الروسي والسوفييتي، وبناء دولة القانون، والديمقراطية، التي تحترم فيها حقوق وحريات المواطن، بغض النظر عن انتمائه القومي، أو الديني، أو معتقداته السياسية. بحيث يكون الشعب هو وحده مصدر السلطات في الدولة. وتوجيه السلطات نحو تأمين رخاء الإنسان والمجتمع، والحياة الكريمة لكل مواطني أوزبكستان. وضمان البنية السياسية والحكومية للمجتمع المتجدد، والحرية في اختيار الإنسان لأشكال السياسة، والاقتصاد، والحياة الاجتماعية التي يريدها.
و تأكيد مبادئ الديمقراطية الحقيقية، واحترام تطلعات كل الجماعات والشرائح الاجتماعية، وحقوق الأقليات القومية، واحترام عادات وتقاليد، وأديان، ولغات كل الأقليات القومية التي تعيش على أراضي الجمهورية، وبناء الدولة القومية على أساس الفصل بين السلطات التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، والقضاء نهائياً على احتكار الأيديولوجية الواحدة للسلطة والمجتمع كما كان في العهد السوفييتي، والاعتراف بتعدد المؤسسات السياسية، بما فيه التعدد الحزبي، ومنع الأحزاب والحركات التي تدعو أهدافها إلى تغيير السلطة بالقوة، أو تهدد سيادة الدولة، ووحدة أراضيها، وتهدد أمنها عن طريق إثارة النعرات الدينية والطائفية والعرقية، أو تتطاول على الأسس الدستورية التي يقوم عليها المجتمع.
وإقامة اقتصاد دائم التطور مستقر وقوي، يعتمد على اقتصاد السوق الذي يخدم المجتمع، ويشجع العمل الحر، ويحمي حقوق الملكية الخاصة، ويلغي المركزية الاقتصادية والاحتكار.
وتعزيز المعاني الإنسانية المعلنة في الإعلان الدولي لحقوق الإنسان، وإحياء التراث الديني الإسلامي الحنيف، وتأكيد القيم الثقافية والأخلاقية، وتطوير اللغة الأوزبكية، وتقديم المساعدة اللازمة لكل مسلم لأداء فريضة الحج إلى مكة المكرمة (خلال سنوات الاستقلال التسع أدى فريضة الحج أكثر من 30000 حاج، والعمرة أكثر من 50000 معتمر (3))، وتطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية، وتوفير الخدمات الطبية الجيدة للجميع، ورعاية الأمومة والطفولة، وتوفير التعليم العام للجميع، وتوفير الأمن والطمأنينة لجميع المواطنين، وحماية الأسرة عماد المجتمع.
ويؤكد الخطاب السياسي للرئيس كريموف في مجال السياسة الخارجية على المصالح القومية والتعاون المتساوي، واتباع سياسة خارجية مستقلة، وأن تختار أوزبكستان طريقها الخاص لدخول المجتمع الدولي، وأن تحدد بنفسها اتجاهات وأولويات العلاقات بين الدول. بعد أن كانت أوزبكستان في ظل حكم النظام الفاشي الشيوعي محرومة من الإنفتاح المباشر على المجتمع الدولي، وخاضعة بالكامل لاحتكار موسكو لمواردها وتجارتها وعلاقاتها الخارجية.
وتعهد الرئيس كريموف في برنامجه الانتخابي على احترام المبادئ الأساسية التالية في سياسته الخارجية:
أولاً: مراعاة المصالح المشتركة، وأفضلية المصالح القومية على المصالح الحكومية، وتجنب الدخول في مجال تأثير أي من الدول العظمى، وهذا يشمل ليس روسيا وحسب بل كل مراكز القوى العالمية.
ثانيا: العمل على تعزيز والأمن والسلام العالمي، وتسوية الخلافات عن طريق التفاوض وبالطرق السلمية وعدم المشاركة في العدوان، وإبقاء أوزبكستان منطقة خالية من الأسلحة الذرية، وعدم المشاركة في الأحلاف العسكرية، واحترام القانون الدولي والمواثيق الدولية، وحقوق الإنسان، ومبدأ عدم الاعتداء، والامتناع عن استخدام القوة والتهديد بها لحل الخلافات. ونلمسها من خلال المبادرات العديدة التي تقدم بها الرئيس كريموف من على المنابر الدولية ومنها مبادرته المعروفة لإعلان آسيا المركزية منطقة خالية من الأسلحة الذرية، ومبادرته 6+2 لحل المشكلة المستعصية في أفغانستان.
ثالثاً: بناء السياسة الخارجية على مبادئ المساواة والمصالح المشتركة، وعدم التدخل بالشؤون الداخلية للدول الأخرى، وإقامة علاقات ثنائية وجماعية وتعميق التعاون ضمن المنظمات الدولية، إنطلاقاً من مبادئ الاحترام المتبادل.
رابعاً: إتباع مبدأ الانفتاح في السياسة الخارجية، بغض النظر عن الإيديولوجية ووجهة النظر، وإقامة علاقات خارجية واسعة مع كل الدول المحبة للسلام، من خلال اختيار الأفضليات في العلاقات الدبلوماسية التي تراعي الحقائق التاريخية والاقتصادية، والثقافية، والقومية والتقاليد الدينية، والمصالح الأوزبكستانية. وتعزيز علاقات الأخوة والصداقة مع الجمهوريات المستقلة في آسيا المركزية (قازاقستان، وقرغيزستان، وتركمانستان، وطاجكستان) وتعميق وتطوير العلاقات الاجتماعية، والاقتصادية، والعلمية والثقافية معها. وتعزيز العلاقات مع الدول الإسلامية، والدول العربية، وخاصة مع المملكة العربية السعودية. ليتمكن الشعب الأوزبكي من التعرف على التراث الثقافي والديني الذي يربطه معها. وهي المسيرة التي بدأت في الزيارتين التاريخيتين للرئيس كريموف إلى مصر والمملكة العربية السعودية عام 1992، وزيارته لفلسطين أثناء زيارته لإسرائيل عام 1998.
وأكد على أن التعاون مع العالم الغربي ينطلق من مبدأ الحصول على التكنولوجيا المتقدمة، وجذب الاستثمارات للمجالات الصناعية، والزراعية واستثمار الموارد الطبيعية بشكل كامل. والحصول على المساعدة اللازمة لإعداد الكوادر، وخاصة في مجالات البنوك والإدارة، وشبكات المعلومات، وإقامة الصلات مع بورصات العالم الكبرى، ودراسة الخبرة التشريعية للدول الأجنبية المتقدمة. (4)
كما ويمكن هنا الإشارة إلى حقيقة هامة أخرى، وهي أن نتائج الانتخابات الأخيرة جاءت متفقة والمبادئ الأساسية الأربع لمفهوم التعددية السياسية، الذي هو عند هنري كاريل، بأنها: "ترتيبات مؤسسية خاصة لتوزيع السلطة الحكومية والمشاركة فيها" (5) من خلال:
1. الإقرار بحق التنظيم السياسي، بمعنى الاعتراف بحق القوى السياسية والاجتماعية في تنظيم نفسها على شكل أحزاب وجمعيات. وهذا يؤكده مشاركة خمسة أحزاب سياسية في الانتخابات الأوزبكستانية، إضافة لمجالس الإدارة المحلية ولجان المبادرة الشعبية التي تشكل من قبل مئة مواطن بغض النظر عن الانتماء الحزبي.
2. التعدد المتكافئ للأحزاب الشرعية بمعنى إتاحة الفرصة المتكافئة لجميع الأحزاب في الاتصال بالقاعدة الجماهيرية. وهو ما أكدته الحملة الانتخابية الأخيرة في أوزبكستان.
3. الحماية الدستورية، وتعني البعد المؤسسي الذي يوفر الحماية لمختلف القوى. وهو ما وفرته القوانين الدستورية النافذة والتي تكاملت وأصبحت أكثر وضوحاً في أوزبكستان عشية الانتخابات.
4. حرية تداول السلطة عبر الانتخابات الدورية والتعاقب المنتظم للحكام. (6)
إضافة إلى أن القوانين الانتخابية الأوزبكستانية استندت حسب رأي أكمال سعيدوف مدير المركز القومي لحقوق الإنسان في جمهورية أوزبكستان، إلى:(7)
1) الوثائق الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة، وخاصة إعلان حقوق الإنسان لعام 1948، ووثيقة الحقوق السياسية للمواطنين لعام 1966.
2) وثائق مجلس التعاون والأمن في أوروبا، وخاصة وثائق مؤتمر كوبنهاجن لعام 1990.
3) وثائق الإتحاد البرلماني الذي يضم في عضويته 129 دولة من ضمنها جمهورية أوزبكستان، وخاصة إعلان حرية وعدالة الانتخابات الصادر عام 1994.
القاعدة القانونية للانتخابات
يعتبر الدستور الدائم لجمهورية أوزبكستان (8) الذي أقره البرلمان الأوزبكستاني في 8/12/1992، أن: الشعب هو المصدر الوحيد للسلطات الحكومية (المادة 7)، ويتشكل الشعب الأوزبكستاني من جميع مواطني الجمهورية بغض النظر عن الانتماء القومي أو الديني أو العرقي (المادة 8)، وأن القضايا الهامة والحيوية التي تهم المجتمع والدولة يتم عرضها على الاستفتاء العام (المادة 9)، وأن الممثل الشرعي للشعب الأوزبكستاني هو عالي مجلس (البرلمان) ورئيس الجمهورية المنتخبون من قبل الشعب، ولا يحق لأي غيرهم مهما كان حزباً سياسياً، أو إتحاداً أو حركة شعبية، أو أية شخصية التحدث بإسم الشعب (المواد 10،76-97)، وانطلق من مبدأ تقسيم السلطات إلى تشريعية وتنفيذية وقضائية (المواد 11، 76-116)، والتعددية السياسية والفكرية، وعدم جواز إتباع الدولة لأية إيديولوجية (المادة 12)، معتمدة على الديمقراطية والمبادئ الإنسانية وحقوق الإنسان (المادة 13)، والعدالة الاجتماعية وسيادة القانون (المادة 14)، وعدم جواز تعارض القوانين مع الدستور (المادة 16)، ومساواة جميع المواطنين أمام القانون (المادة 18)، وضمان مبدأ حق المواطنين في الإتحاد ضمن النقابات والأحزاب والحركات السياسية، وحماية حرية المعارضة والأقليات، ومنع إقامة تنظيمات سرية (المواد 34-56-57-58)، ومسؤولية الحكومة عن ضمان الحقوق والحريات التي ينص عليها الدستور (المواد 43-58)، وفصل المنظمات الدينية عن الدولة، وعدم تدخل الدولة في شؤون المنظمات الدينية (المادة 61). كما وكفل الدستور حق الانتخاب لجميع المواطنين رجالاً ونساء البالغين من العمر 18 عاماً يوم الانتخاب، عدا أولئك الصادرة بحقهم أحكاماً قضائية تمنع ذلك (المادة 117).
وقد جرت الانتخابات الأخيرة على قاعدة واضحة من القوانين أساسها قانون "انتخاب رئيس الجمهورية" الصادر في 18 تشرين ثاني/نوفمبر 1991، وقانون "انتخابات عالي مجلس (البرلمان)"، الصادر بتاريخ 28 كانون أول/ديسمبر 1993، وقانون "اللجنة المركزية للانتخابات" الصادر بتاريخ 30 نيسان/أبريل 1998، والمعدلين بتاريخ 26 كانون أول/ديسمبر 1997، و19 آب/أغسطس 1999. (9)
وجاء في المبادئ العامة لتلك القوانين أن انتخاب رئيس الجمهورية لفترة رئاسية مدتها خمس سنوات، يتم من قبل مواطني الجمهورية عن طريق الاقتراع الحر والسري والمباشر، من بين المرشحين لهذا المنصب، الذين يشترط إتمامهم سن الخامسة والثلاثين من العمر، وإتقان اللغة الرسمية للدولة (أي الأوزبكية)، ويعيشون في أوزبكستان بصورة متصلة لمدة عشر سنوات قبل موعد الانتخابات.
وفي انتخابات عالي مجلس (البرلمان)، الذي يضم 250 عضواً يتم انتخابهم على أساس جغرافي لمدة خمس سنوات، من قبل المواطنين، بالانتخاب الحر والسري والمباشر. ويشترط في المرشح بلوغ الخامسة والعشرين من العمر يوم الانتخابات. بينما منح المشرع حق التصويت لجميع مواطني الجمهورية من الجنسين البالغين من العمر 18 عاماً يوم الانتخاب بالتساوي، صوت واحد لكل مواطن. باستثناء أولئك الصادرة بحقهم أحكاماً قضائية.
كما وضمن القانون العلنية في الإعداد وإجراء الانتخابات التي تنظمها وتشرف عليها اللجنة المركزية للانتخابات، استناداً لأحكام الدستور والقوانين النافذة بشكل مستقل وعادل، وتشكل بقرار من عالي مجلس الجمهورية، من بين الشخصيات المستقلة التي لا تنتمي لأي حزب سياسي.
وقضت القوانين أن يتم تمويل الحملة الانتخابية من قبل موازنة الدولة فقط، مع إمكانية التبرع لصالحها بأموال تحول لحساب لجنة الانتخابات المركزية التي تستخدمها خلال الحملة الانتخابية.
وضمنت القوانين حق تقديم مرشح واحد لكل حزب، لمنصب رئيس الجمهورية لقيادات الأحزاب السياسية المسجلة في وزارة العدل قبل ستة أشهر من تاريخ تحديد موعد الانتخابات، من بين أعضاء الحزب أو من بين الشخصيات المستقلة، وجوغارغي كينيسا (برلمان) جمهورية قره قلباقستان، ومجالس الإدارة المحلية في المحافظات بغض النظر عن الانتماء الحزبي للمرشح. شريطة تقديم لوائح تحمل تواقيع 1 % من عدد الناخبين في الجمهورية تؤيد الترشيح للمنصب، ولا تقبل طلبات تسجيل المرشحين الذين سبق وصدرت بحقهم أحكاماً قضائية، والذين هم تحت المحاكمة، والعاملين في المنظمات الدينية. وهي خطوة صائبة لتجنب إقحام المنظمات الدينية في الصراعات الحزبية والسياسية. ويبلغ عدد المنظمات الدينية المسجلة في الجمهورية 1671 منظمة، منها 1555 إسلامية، و 100 مسيحية و 8 بهائية و 8 يهودية، وفق معطيات تقرير منظمة undp التابعة لمنظمة الأمم المتحدة عن التطور الإنساني في أوزبكستان لعام 1999. (3)
بينما اشترط المشرع حصول الأحزاب السياسية على تواقيع 50 ألف ناخب في لوائح خاصة، تؤيد اشتراك الحزب المذكور في الحملة الانتخابية لعضوية عالي مجلس، واشترط حصول مجالس الإدارة المحلية على تواقيع 8 % من الناخبين الخمسين ألف في كل دائرة انتخابية، وتواقيع 100 مواطن للجان المبادرة الشعبية تؤيد اشتراكهم في الحملة الانتخابية.
وأعطى لكل حزب من الأحزاب السياسية، وجوغارغي كينيسا (برلمان) جمهورية قره قلباقستان، ومجالس الإدارة المحلية حق ترشيح 250 مرشحاً، أي مرشح واحد عن كل دائرة انتخابية تضم 50 ألف ناخب، دون تدخل أحد في طريقة اختيارهم لأولئك المرشحين. كما وأعطى الحق للمواطنين المستقلين تشكيل لجان مبادرة تضم أكثر من مئة ناخب، لترشيح مرشحهم الخاص (مرشح واحد) في الدائرة الانتخابية التي ينتمون إليها. واشترط المشرع أن لا يكون المرشح قد صدرت بحقه أحكاماً قضائية، وأن يكون مقيماً بشكل دائم في أوزبكستان لمدة خمس سنوات على الأقل قبل تحديد موعد الانتخابات، وأن لا يكون في الخدمة العسكرية، أو أجهزة الأمن القومي، أو أجهزة وزارة الداخلية وغيرها من الأجهزة العسكرية، أو العاملين في المنظمات الدينية، وأعضاء الحكومة، والقضاء، والنائب العام، والمسؤولين في النيابة العامة، ومدراء الوزارات والأجهزة الحكومية ونوابهم، والمسؤولين في أجهزة الإدارة الحكومية، باستثناء حكام الولايات والمناطق والمدن، ما لم يستقيلوا من مناصبهم.
وضمنت التشريعات الحق المتساوي للمرشحين والأحزاب السياسية، القيام بحملتهم الانتخابية من تاريخ تسجيل ترشيحهم، واستخدام وسائل الإعلام الجماهيرية ضمن الحدود التي تضعها لجنة الانتخابات المركزية، وعقد اللقاءات بالشكل المناسب للناخبين، وألزمت اللجان الانتخابية بالاشتراك مع السلطات الحكومية وأجهزة مجالس الإدارة المحلية بتهيئة الأماكن لتلك اللقاءات وتجهيزها بالتجهيزات اللازمة، وتقديم كل المساعدات للمرشحين في تنظيم تلك اللقاءات، وتقديم كل المعلومات المطلوبة لهم. وضمنت حق المرشحين والأحزاب السياسية بتقديم برامجهم الانتخابية للناخبين شريطة أن لا توجه تلك البرامج ضد استقلال وسلامة أراضي وأمن الجمهورية، وأن لا تتعدى على الصحة والأخلاق العامة، وأن لا تدعو للحرب، وأن لا تثير النعرات القومية والعرقية والدينية، وأن لا تدعو لاستخدام العنف لتبديل النظام الدستوري، وكل ما يحد من الحقوق الدستورية وحريات المواطنين.
ومنع المشرع تقديم المرشح من خلال حملته الانتخابية، التسهيلات والخدمات (عدا المعلوماتية) والسلع المجانية والأموال للناخبين، وألزم بوقف الحملة الانتخابية يوم الاقتراع.
ومنح المشرع المرشحين لمنصب رئيس الجمهورية وعضوية عالي مجلس من تاريخ تسجيلهم وحتى نهاية الانتخابات الحصانة القانونية، وحق الإجازة مدفوعة الأجر واستخدام وسائط النقل الحكومية بالمجان خلال حملتهم الانتخابية، وتسمية مندوبيهم في الدوائر الانتخابية.
واشترط المشرع للفوز بمنصب رئيس الجمهورية، وعضوية عالي مجلس، حصول المرشح على أكثر من نصف أصوات المشاركين في التصويت، وفي حال عدم حصول أحد على النسبة، تعاد الانتخابات بين المرشحين الذين حصلا على أعلى نسبة من أصوات الناخبين خلال أربعين يوماً من إعلان النتائج الأولى لانتخاب رئيس الجمهورية وأسبوعين لأعضاء عالي مجلس.
الانتخابات البرلمانية الأوزبكستانية
عشية الاستقلال في عام 1989 ولأول مرة عرف التاريخ المعاصر لجمهورية أوزبكستان الحياة الديمقراطية التي دعى إليها البيان العالمي لحقوق الإنسان، عندما انتخب المجلس الأعلى لجمهورية أوزبكستان السوفييتية الاشتراكية إسلام كريموف رئيساً للجمهورية، وشكل لجنة الانتخابات المركزية الدائمة، التي توضحت معالم مهامها القانونية بعد إصدار البرلمان الأوزبكستاني الأول، إثر الاستقلال قانون "اللجنة المركزية للانتخابات" في نيسان/أبريل 1998، والذي شكل البرلمان على أساسه لجنة مركزية دائمة للانتخابات من 21 عضواً منهم ثلاثة دائمون، وجدد تشكيلها في 20/8/1999. ومهمتها إجراء الانتخابات على منصب رئيس الجمهورية وعضوية عالي مجلس (البرلمان) على أسس ديمقراطية وضمان حرية اختيار الناخبين لممثليهم من بين المرشحين المسجلين.
وعشية انتهاء فترة البرلمان الأوزبكستاني الأول بعد الاستقلال، وفترة رئاسة الرئيس إسلام كريموف، جدد البرلمان في دورته الأخيرة اللجنة المركزية للانتخابات برئاسة الشخصية المستقلة والمعروفة في الأوساط العلمية البروفيسور نجم الدين كاميلوف لإجراء الانتخابات على منصب رئيس الجمهورية وعضوية البرلمان الثاني في ظروف صعبة تعرضت فيها الجمهورية لضغوط وأعمال عدوانية خارجية كان هدفها تقويض الخط السياسي الذي اتبعه الرئيس كريموف منذ توليه لمنصبه منذ فجر الاستقلال.
وحدد البرلمان تاريخ إجراء الانتخابات التشريعية يوم 5/12/1999، وانتخاب رئيس الجمهورية يوم 9/1/2000. معلنا بدء العد التنازلي للمعركة الانتخابية بين القوى السياسية في الجمهورية التي بلغت العام التاسع للاستقلال في إطار ديمقراطي تعددي لم يعرفه تاريخها من قبل، فقد جرت الانتخابات الأولى عام 1991 في جو من التعددية السياسية يهيمن فيها الحزب الشيوعي الأوزبكستاني الذي حل نفسه قبل الانتخابات، وانطلاقاً من قاعدة قانونية غير واضحة، وغياب الخبرة الديمقراطية بعد فترة من الاحتلال الروسي قاربت الـ 130 عاماً، منها أكثر من 70 عاماً من الحكم الشمولي الشيوعي المتسلط، الذي سبب لأوزبكستان عزلة دولية تامة. بينما جاءت الانتخابات الأخيرة في جو من المشاركة الدولية، حيث شارك فيها مراقبون من دول أجنبية ومنظمات دولية عديدة، أدلوا بآرائهم حول الانتخابات عبر وسائل الإعلام الوطنية والأجنبية.
القوى السياسية على الساحة الأوزبكستانية عشية الانتخابات
أعلنت لجنة الانتخابات المركزية، عشية الحملة الانتخابية استناداً للقوانين النافذة في الجمهورية، أن خمسة أحزاب سياسية مسجلة في وزارة العدل الأوزبكستانية، مؤهلة قانونياً لخوض المعركة الانتخابية للفوز بمنصب رئيس الجمهورية وعضوية البرلمان، وهي: (أنظر الدول رقم 1)
الجدول رقم 1: القوى السياسية عند بدء الحملة الانتخابية
اسم الحزب       تاريخ التأسيس
حزب الشعب الديمقراطي الأوزبكستاني  15 تشرين ثاني/نوفمبر 1991
حزب "وطن ترقياتي"  10 تموز/يوليو 1992
الحزب الاجتماعي الديمقراطي الأوزبكستاني "عدالات"  18 شباط/فبراير 1995
الحزب الديمقراطي "مللي تيكلانيش"  9 حزيران/يونيو 1995
الحزب القومي الديمقراطي "فيدوكورلار"  4 كانون ثاني/يناير 1999
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
أعربت جميعها عن رغبتها المشاركة في الحملة الانتخابية للبرلمان، بينما شهدت الحملة الانتخابية ولأول مرة حركة شعبية واسعة لتسجيل لجان المبادرة الشعبية لترشيح المستقلين، إضافة لتسجيل مجالس الإدارة المحلية، وجرى قيدهم من قبل لجنة الانتخابات المركزية وفق الأصول القانونية النافذة في الجمهورية دون أية اعتراضات تذكر.
وأعلنت اللجنة المركزية للانتخابات في 31/10/1999 وفقاً للقوانين النافذة انتهاء فترة الترشيح لعضوية البرلمان الأوزبكستاني، ونشرت الصحف المركزية الأوزبكستانية يومي الرابع والخامس من تشرين ثاني/نوفمبر أسماء المرشحين لعضوية البرلمان والبالغ عددهم 1242 مرشحاً، إضافة لنشر البيانات الانتخابية للمرشحين والقوى السياسية، وهي سابقة لم تكن متبعة في الانتخابات السابقة، وظهر فيها مدى التنافس الشديد بين القوى السياسية المشتركة في الحملة الانتخابية كان في مقدمتها مرشحي حزب الشعب الديمقراطي الذي كان له 35,34 % من عدد المرشحين، ينافسه المستقلون 27,79 %، من أصل 1242 مرشحاً يتنافسون على 250 مقعد في البرلمان. ومعروف من الخبرة العالمية أن أكثر الأحزاب السياسية تلجأ لأسلوب ترشيح مرشحين مستقلين للفوز بمقاعد إضافية في البرلمان، أو تقدم من لم يرشحه الحزب السياسي الذي ينتمي إليه، كمرشح مستقل، إضافة للمرشحين المستقلين فعلاً ولا ينتمون لأي حزب سياسي. ولكن المشرع الأوزبكستاني اشترط أن يكون ترشيح المستقلين من قبل لجان المبادرة الشعبية، أو من قبل مجالس الإدارة المحلية كما سبق وأشرت أعلاه. (أنظر الجدول رقم 2)
الجدول رقم 2: عدد المرشحين لشغل مقاعد البرلمان الثاني
القوة السياسية  عدد المرشحين  النسبة المؤوية
حزب الشعب الديمقراطي 439  (35,34)  مستقلون، ومرشحو مجالس الإدارة المحلية 345  (27,79)
الحزب القومي الديمقراطي 171 (13,77)
الحزب الاجتماعي الديمقراطي 117 (9,42)
الحزب الديمقراطي 100 (8,05)
حزب "وطن ترقياتي" 70 (5,63)
المجموع 1242 (100)
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
ومن المعروف أن التركيبة السكانية في جمهورية أوزبكستان خلال فترة الاستعمار الطويلة التي خضعت لها، ونتيجة لسياسة التهجير القسري، وسياسة تشجيع الهجرة الداخلية التي اتبعتها الإمبراطورية الروسية والسوفييتية من بعدها، تحول المجتمع الأوزبكستاني إلى مجتمع متعددة القوميات يشكل فيه غير الأوزبك حوالي 30% من السكان، (أنظر الجدول رقم 3) فإضافة لأبناء الشعوب الإسلامية من الأصول التركية والطاجيكية الفارسية، هناك مواطنون أوزبكستانيون من أبناء الشعوب السلافية المسيحية الروس، والأوكران، والبيلاروس، ومن الأرمن، والكوريين وغيرهم من الشعوب.(10) وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا التركيب على التركيبة القومية للمرشحين المتنافسين لشغل المقاعد البرلمانية، فكان المرشحون بشكل رئيسي من الأوزبك، والقره قلباق، والطاجيك، والروس، والقازاق، إضافة لمرشحين ينتمون للقوميات القرغيزية، والتركمانية، والتترية، والأوكرانية، واليونانية، والأرمينية، والإيرانية، والكورية، والتركية، والويغورية، واليهود. (أنظر الجدول رقم 4)
الجدول رقم 3: التركيب القومي للمجتمع الأوزبكستاني
القومية عدد السكان (نسمة إحصاء عام 1989) (%)
أوزبك 14142500 (71,4)؛ روس  1653500 (8,3)؛ طاجيك 933600 (4,7)؛ قازاق 802200 (4,1)؛ تتر 656600 (3,3)؛ قره قلباق 411900 (2,1)؛ قرغيز 174900 (0,9)؛ كوريون 183100 (0,9)؛ أوكرانيون 153200 (0,8)؛ تركمان 121600 (0,6)؛ أتراك 106300 (0,5)؛ يهود 93900 (0,5)؛ أرمن 50500 (0,3)؛ أذربيجان 44400 (0,2)؛ ويغور 35800 (0,2)؛ بيلاروس 29400 (0,1)؛ فرس 24800 (0,1)؛ ألمان ؟ (0,1)؛ آخرون 191900 (1,0)؛ المجموع (ألف نسمة) 19810100 (100)
المصدر: أحميدوف إ.، سعيد أمينوفا ز.: جمهورية أوزبكستان. دار "أوزبكستان" للنشر، طشقند 1992. ص 62.
الجدول رقم 4: المرشحين للبرلمان الثاني في جمهورية أوزبكستان وفق الانتماء القومي
القومية عدد المرشحين النسبة المؤوية
أوزبك 1106 (89,05)؛ قره قلباق 52 (4,18)؛ طاجيك 22 (1,77)؛ روس 16 (1,3)؛ قازاق 13 (1,06)؛ المجموع 1209 ()100
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
وشهدت القوائم المتنافسة على مقاعد البرلمان الثاني وللمرة الأولى في تاريخ أوزبكستان الحديث، نشاطاً ملحوظاً للنساء اللاتي دخلن معترك الحملة الانتخابية البرلمانية بشكل واسع، وبلغت نسبة المرشحات للتنافس على مقاعد البرلمان نسبة 14,01 % أو 174 امرأة من إجمالي عدد المرشحين البالغ 1242 مرشحاً. (أنظر الجدول رقم 5)
الجدول رقم 5: المرشحون للبرلمان الثاني في جمهورية أوزبكستان حسب الجنس
القوة السياسة رجال؛ نساء؛ المجموع؛ النسبة المؤوية
حزب الشعب الديمقراطي 219؛ 28؛ 247؛ 11,33
مرشحو مجالس الإدارة المحلية 203؛ 36؛ 239؛ 15,06
الحزب القومي الديمقراطي 185؛ 37؛ 222؛ 16,67
الحزب الاجتماعي الديمقراطي 130؛ 24؛ 154؛ 15,58
حزب "وطن ترقياتي" 119؛ 15؛ 134؛ 11,19
المستقلون 110؛ 22؛ 132؛ 16,67
الحزب الديمقراطي 102؛ 12؛ 114؛ 10,53
المجموع 1068؛ 174؛ 1242؛ 14,01
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
وكان من الملاحظ أن أحدث الأحزاب السياسية في جمهورية أوزبكستان، الحزب القومي الديمقراطي، كان أكثر تحمساً لمشاركة المرأة الأوزبكستانية في الحياة البرلمانية في البلاد، وكان كل سادس مرشح له يمثل الجنس اللطيف. وشاركه هذا التوجه المرشحون المستقلون. بينما كانت أقل الأحزاب السياسية تحمساً لمشاركة المرأة، الحزب الديمقراطي الذي رشح 12 امرأة فقط من أصل مرشحيه الـ 102 أو ما نسبته 10,53 %.
كما وكان الحزب القومي الديمقراطي أيضاً السباق في مضمار ترشيح الشباب لشغل مقاعد البرلمان الثاني، دون سن الخمسين من العمر. بينما انفرد حزب الشعب الديمقراطي، ومرشحي أجهزة السلطات المحلية بترشيح أكثرية من هم فوق سن الخمسين من العمر. إضافة لظاهرة قلة عدد المرشحين من الفئات العمرية فوق سن الستين الذين بلغت نسبتهم المؤوية من إجمالي عدد المرشحين 8 % فقط، وهو ما يشير إلى تحمس الشباب لدخول المعترك السياسي في الجمهورية وهو من المؤشرات الإيجابية لحركة التجديد المستمرة في أوزبكستان منذ الاستقلال. (أنظر الجدول رقم 6)
الجدول رقم 6: المرشحين للبرلمان الثاني وفق السن
القوة السياسية الفئة العمرية 25-29؛ 30-34؛ 35-39؛ 40-44؛ 45-49؛ 50-54؛ 55-59؛ 60-64؛ 65-69؛ 70-74
حزب الشعب الديمقراطي -؛ 2؛ 14؛ 44؛ 62؛ 70؛ 36؛ 14؛ 5؛ -
الحزب القومي الديمقراطي 6؛ 19؛ 63؛ 63؛ 31؛ 28؛ 6؛ 3؛ 2؛ 1
الحزب الاجتماعي الديمقراطي -؛ 2؛ 11؛ 42؛ 40؛ 28؛ 15؛ 10؛ 6؛ -
الحزب الديمقراطي -؛ 2؛ 3؛ 25؛ 29؛ 27؛ 11؛ 15؛ 1؛ 1
حزب "وطن ترقياتي" 2؛ -؛ 10؛ 31؛ 28؛ 39؛ 16؛ 5؛ 2؛ 1
مستقلون -؛ 2؛ 16؛ 22؛ 31؛ 35؛ 15؛ 9؛ 2؛ -
مرشحو مجالس الإدارة المحلية 1؛ 1؛ 10؛ 49؛ 50؛ 71؛ 37؛ 17؛ 3؛ -
المجموع 9؛ 28؛ 127؛ 276؛ 271؛ 298؛ 136؛ 73؛ 21؛ 3
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
ومن الملاحظات الهامة والبارزة أيضاً ارتفاع نسبة المثقفين من بين المرشحين، وخاصة حملة الدرجات والألقاب العلمية والأكاديميين، بالمقارنة مع حملة الشهادات الجامعية الدنيا، وذوي التعليم المتوسط الفني والثانوي. (أنظر الجدول رقم 7) وتوزع المرشحين على مختلف المهن والاختصاصات العلمية والاجتماعية، وخاصة العلمية كالمهندسين والأطباء، إضافة للمدرسين والاقتصاديين، ونسبة 2% من المرشحين المتخصصين في العلوم السياسية، والكيميائية، والحيوانية، والميكانيكية، والجيولوجية، والفنون، والعمارة، وغيرها من التخصصات. (أنظر الجدول رقم 8)
الجدول رقم 7: المرشحون للبرلمان الثاني حسب الحالة التعليمية والنسبة المؤوية
عدد المرشحين؛ النسبة المئوية
عالي 1218؛ 98,07
متوسط ثانوي 8؛ 0,65
جامعي غير تام 5؛ 0,40
متوسط فني 11؛ 0,88
المجموع 1242؛ 100
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
الجدول رقم 8: المرشحون وفق التخصصات المهنية
التخصص العدد؛ النسبة المؤوية
مهندسون 332؛ 26,73
مدرسون 276؛ 21,50
اقتصاديون 193؛ 15,54
أطباء 101؛ 8,13
مهندسون زراعيون 71؛ 5,72
حقوقيون 54؛ 4,35
صحفيون 43؛ 3,46
تقنيون 43؛ 3,46
أدباء 28؛ 2,25
دون تخصص 21؛ 1,69
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
ولكن الأهم في دراستنا هذه تبقى الإشارة لعامل التنافس بين المرشحين في الدوائر الانتخابية، البالغ عددها 250 دائرة انتخابية مركزية، و 7650 دائرة انتخابية فرعية تضمها التقسيمات الإدارية لجمهورية أوزبكستان، التي تشمل جمهورية قره قلباقستان، و12 ولاية إضافة للعاصمة طشقند. فقد تراوح التنافس أثناء الحملة الانتخابية مابين 2 إلى 8 مرشحين على المقعد الواحد في البرلمان الثاني في الدائرة الواحدة. (أنظر الجدول رقم 9) وهو ما يوضح واقع التنافس الشديد على مقاعد البرلمان الثاني في أكثرية الدوائر الانتخابية، وقلة عدد الدوائر الانتخابية التي كان التنافس فيها بين مرشحين أو ثلاثة. وانعدام دوائر المرشح الواحد من قائمة التنافس على التمثيل الديمقراطي في البرلمان. وقد سجل التنافس أعلى معدلاته 8 مرشحين على المقعد الواحد في البرلمان، في الدائرة الانتخابية رقم 94 بولاية نمنغان.
الجدول رقم 9: عامل التنافس على المقعد البرلماني والواحد في الدوائر الانتخابية
عدد المرشحين المتنافسين؛ عدد الدوائر الانتخابية؛ النسبة المؤوية
8؛ 1؛ 0,4؛ 
7؛ 18؛ 7,2
6؛ 48؛ 19,2
5؛ 100؛ 40
4؛ 73؛ 29,2
3؛ 8؛ 3,2
2؛ 2؛ 0,8
المجموع 250؛ 100
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
وعشية إجراء الانتخابات البرلمانية أعلنت اللجنة المركزية للانتخابات في 4/12/1999 نتائج التحضيرات النهائية للانتخابات المقرر إجراؤها في اليوم التالي لشغل مقاعد البرلمان الثاني لجمهورية أوزبكستان، وتضمنت أن:
عدد الناخبين المسجلين في القوائم الانتخابية بلغ 12,644,122 ناخب.
وعدد الدوائر الانتخابية المركزية 250 دائرة.
وعدد الدوائر الانتخابية الفرعية 7723 دائرة.
وعدد المرشحين الذين سجلوا حتى نهاية فترة الترشيح 1242 مرشحاً.
وعدد المرشحين الذين تم شطبهم من قوائم المرشحين 228 مرشحاً.
وعدد المرشحين الذين تضمنتهم القوائم الانتخابية 1014 مرشحاً، موزعين حسب المناطق الجغرافية. (أنظر الجدول رقم 10)
الجدول رقم 10: المرشحين وفق التوزيع الجغرافي
المنطقة الجغرافية عدد المرشحين؛ النسبة المؤوية
مدينة طشقند 113؛ 11,14
ولاية فرغانة 112؛ 11
ولاية سمرقند 95؛ 9,36
ولاية نمنغان 91؛ 8,97
ولاية أنديجان 90؛ 8,87
ولاية طشقند 90؛ 8,97
ولاية قشقاداريا 73؛ 7,19
ولاية بخارى 64؛ 6,31
ولاية خوارزم 64؛ 6,31
ولاية سورخانداريا 62: 6,11
جمهورية قره قلباقستان 59؛ 5,81
ولاية نوائي 41؛ 4
ولاية جيزاك 38؛ 3,74
ولاية سرداريا 22؛ 2,16
المجموع 1014؛ 100
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
وكان أكبر عدد للمرشحين للحزب القومي الديمقراطي 208 مرشحين، ومرشحي مجالس الإدارة المحلية 206 مرشحين، وأقلهم كان للحزب الديمقراطي 93 مرشحاً. ولم تتقدم أية قوة سياسية بـ 250 مرشحاً المسموح بها بموجب القوانين الانتخابية النافذة كما سبق وأشرت، وهذه تعتبر إشارة واضحة لمدى انتشار القاعدة التي تستند عليها كلاً من القوى السياسية المتنافسة، أي غياب القوة السياسية التي تشمل قاعدتها الانتخابية الدوائر الانتخابية المركزية الـ 250. (أنظر الجدول رقم 11)
الجدول رقم 11: المرشحين موزعين على القوى السياسية المتنافسة على مقاعد البرلمان الثاني
القوة السياسية عدد المرشحين؛ النسبة المؤوية
الحزب القومي الديمقراطي 208؛ 20,51
مرشحو مجالس الإدارة المحلية 206؛ 20,31
حزب الشعب الديمقراطي 181؛ 17,85
الحزب الاجتماعي الديمقراطي 119؛ 11,73
حزب "وطن ترقياتي" 108؛ 10,65
مستقلون 99؛ 9,76
الحزب الديمقراطي 93؛ 9,17
المجموع 1014؛ 100
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
المشاركة في الانتخابات
وجرت الانتخابات بجو من الهدوء ودون حوادث أمنية تذكر، من الساعة السادسة صباحاً وحتى الساعة الثامنة مساء يوم الأحد 5 كانون أول/ديسمبر 1999 بمشاركة مراقبين دوليين وعن الهيئات الدبلوماسية المعتمدة في جمهورية أوزبكستان، وممثلين عن المنظمات الدولية المعتمدة في الجمهورية، بلغ عددهم 120 مراقباً من 26 دولة، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلية والدولية، الذين وضعت تحت تصرفهم كل الخدمات الفورية اللازمة وخاصة وسائل الاتصال في المركز الصحفي الذي أنشأته لجنة الانتخابات المركزية خصيصاً لهذا الهدف، واستفدت شخصياً من خدماته كأستاذ جامعي، وهو ما لم يحدث في الانتخابات السابقة.
وتم إعلان النتائج النهائية لتلك الانتخابات بعد خمسة أيام، في المركز الصحفي يوم 10/12/1999، وجاء فيها:
أن الانتخابات جرت بجو من التنافس الديمقراطي في الدوائر المركزية الـ 250، والدوائر الفرعية الـ 7723، وأن القوائم تضمنت أسماء 1010 مرشحين نتيجة لانسحاب أربعة مرشحين يوم الانتخابات. ولابد أن الأسباب كانت المساومات السياسية التي تجري عادة بين القوى السياسية و المرشحين في الدائرة الانتخابية الواحدة لتركيز الأصوات لصالح مرشح معين، أو نتيجة للتفوق الواضح لأحد المرشحين عن سواه مما يضطر المرشح الأضعف للانسحاب. لتصبح المنافسة موزعة بين مرشحي القوى السياسية المتنافسة لشغل مقاعد البرلمان الـ 250، كما هي موضحة في الجدول رقم 12.
الجدول رقم 12: عدد المرشحين وفق القوى السياسية
القوة السياسية عدد المرشحين؛ النسبة المؤوية
الحزب القومي الديمقراطي 207؛ 20,49
مرشحو مجالس الإدارة المحلية 205؛ 20,29
حزب الشعب الديمقراطي 180؛ 17,82
الحزب الاجتماعي الديمقراطي 119؛ 11,78
حزب "وطن ترقياتي" 108؛ 10,69
مستقلون 98؛ 9,70
الحزب الديمقراطي 93؛ 9,20
المجموع 1010؛ 100
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
ورغم الانسحابات الطفيفة بقي التنافس بين المرشحين على المقعد الواحد في البرلمان على أشده، ففي تسعة مراكز كان التنافس بين سبعة مرشحين على المقعد الواحد، بينما لم يتجاوز عدد المراكز التي تنافس فيها مرشحين فقط الـ 28 مركزاً. (أنظر الجدول رقم 13) ويؤكد انعدام دوائر المرشح الواحد، وتوفر شروط المنافسة الحقيقية بين المرشحين، وإمكانية الاختيار الواسع للناخبين للتصويت لأحد المرشحين المتنافسين، خلافاً للمرشح الوحيد للحزب الشيوعي الأوزبكي المنحل كما كانت الحالة في الانتخابات الشكلية قبل الاستقلال.
الجدول رقم 13: واقع النافس بين المرشحين على المقعد الواحد في المراكز الانتخابية
عدد المراكز الانتخابية؛ النسبة المؤوية؛ عدد المرشحين المتنافسين؛ النسبة المؤوية
9؛ 3,6؛ 7؛ 22؛ 8,8
6؛ 53؛ 21,2
5؛ 82؛ 32,8؛ 4
57؛ 22,8؛ 3؛ 
28؛ 11,2؛ 2
المجموع 250؛ 100
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
وسجلت الانتخابات مشاركة ملحوظة للناخبين المدرجة أسماؤهم في القوائم الانتخابية والبالغ عددهم 12,692,202 ناخب، فقد أدلى بأصواتهم 12,061,266، أو 95,03 % من العدد الإجمالي للناخبين. وكانت أعلى نسبة للمشاركة الفعلية في التصويت بولاية نمنغان وبلغت 98,10%، وأقلها في العاصمة طشقند وبلغت 88,75%. وهو ما يوضح مدى وعي الناخبين لدورهم الهام والحاسم في تحديد مصير الإصلاحات الجارية في الجمهورية، وتمسكهم بالخط الديمقراطي الذي قارب العقد الأول من عمره بقيادة الرئيس كريموف، وثقتهم بالدور المسؤول الذي يلعبه المشرعون في البرلمان. (أنظر الجدول رقم 14) وهذا يشير إلى حقيقتين هامتين هما:
× ارتفاع الوعي السياسي لدى المواطن الأوزبكستاني حيثما كان، وشعوره بالواجب والمسؤولية الانتخابية.
× نجاح القوى السياسية المتنافسة في كسب تأييد وتعاطف الأعظمية المطلقة للناخبين الذي أوضحته النسبة العالية للمشاركين في التصويت، وأن تلك القوى موجودة فعلاً على الساحة الأوزبكستانية وتتمتع بالتأييد الواضح.
الجدول رقم 14: نسبة المشاركة في الانتخابات وفق المناطق الجغرافية لجمهورية أوزبكستان
المنطقة الجغرافية
نسبة المشاركة في التصويت
ولاية نمنغان 98,10؛ ولاية خوارزم 97,85؛ ولاية جيزاك 98,10؛ ولاية بخارى 97,68؛ ولاية أنديجان 97,27؛ جمهورية قره قلباقستان 97,08؛ ولاية سرداريا 96,84؛ ولاية قشقاداريا 95,98؛ ولاية فرغانة 95,92؛ ولاية سمرقند 94,92؛ ولاية طشقند 92,66؛ ولاية سورخانداريا 92,03؛ ولاية نوائي 90,34؛ مدينة طشقند 88,75
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
نتائج الانتخابات
وجاءت نتائج الانتخابات وفقاً للقوانين الانتخابية التي تفرض مشاركة أكثر من 50 % من الناخبين في التصويت، ونتيجة لفرز الأصوات فاز أحد المرشحين المتنافسين في 184 دائرة انتخابية مركزية، نشرت الصحف المركزية الأوزبكستانية أسماءهم بالكامل. وفاز مرشحو مجالس الإدارة المحلية بـ 98 مقعداً، وحزب الشعب الديمقراطي بـ 32، تلاهما الحزب القومي الديمقراطي، والمستقلون، والحزب الاجتماعي الديمقراطي، وحزب "وطن ترقياتي"، وجاء أخيراً الحزب الديمقراطي الذي حصل على ستة مقاعد فقط في البرلمان (أنظر الجدول رقم 15)، وهذا يوضح فوز ودخول كل القوى السياسية إلى البرلمان الثاني، وتفوق مرشحي مجالس الإدارة المحلية على جميع المنافسين لهم، وفوزهم بأكثرية المقاعد، يليهم حزب الشعب الديمقراطي. إضافة لدخول 11 امرأة المعترك السياسي البرلماني بعد فوزهن بمقاعد في البرلمان.
الجدول رقم 15: نتائج الانتخابات الأولية
القوة السياسية عدد الفائزين بمقاعد البرلمان الثاني؛ النسبة المؤوية
مرشحو مجالس الإدارة المحلية 98؛ 53,26
حزب الشعب الديمقراطي 32؛ 17,39
الحزب القومي الديمقراطي 19؛ 10,32
المستقلون 11؛ 5,97
الحزب الاجتماعي الديمقراطي 9؛ 4,89
حزب "وطن ترقياتي" 9؛ 4,89
الحزب الديمقراطي 6؛ 3,26
المجموع: 184؛ 100
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
كما وأظهرت النتائج فشل أحد المرشحين المتنافسين في 66 دائرة انتخابية مركزية بالفوز بالمقعد المخصص لدائرته الانتخابية في البرلمان. وهذا الرقم بحد ذاته يشير إلى مدى المنافسة الشديدة التي جرت بجو من الديمقراطية التي يعززها القانون. الأمر الذي تطلب إعادة الانتخابات في تلك الدوائر بين المرشحين الذين فازا بأكثرية أصوات الناخبين، حتى يتم فوز أحدهم بأكثر من نصف الأصوات المطلوبة للفوز بالمقعد البرلماني.
الانتخابات التكميلية
وجرت الانتخابات التكميلية بين المتنافسين الاثنين اللذين فازا بأكثرية الأصوات في الدورة الأولى للانتخابات، في الموعد الذي قررته اللجنة المركزية للانتخابات وهو يوم 19/12/1999. في كافة تلك الدوائر الانتخابية الـ 66، التي شهدت أشد التنافس بين المرشحين في جميع الولايات وعددها 14 ولاية، لشغل المقاعد الـ 66 الشاغرة بنتيجة الانتخابات الأولية. (أنظر الجدول رقم 16)
الجدول رقم 16: الولايات التي جرت فيها الانتخابات التكميلية
المنطقة الجغرافية عدد الدوائر الانتخابية
ولاية نمنغان 8؛ ولاية طشقند 8؛ ولاية فرغانة 8؛ مدينة طشقند 7؛ ولاية سمرقند 7؛ ولاية سورخانداريا 5؛ ولاية قشقاداريا 5؛ ولاية بخارى 4؛ ولاية أنديجان 3؛ ولاية سرداريا 3؛ جمهورية قره قلباقستان 3؛ ولاية جيزاك 2؛ ولاية نوائي 2؛ ولاية خوارزم ؛ المجموع 66
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
أي أنها شملت كل المناطق الجغرافية في الجمهورية، وشارك في تلك الانتخابات المعادة أكثر من ثلاثة ملايين ناخب، أي ربع عدد الناخبين المسجلين في الجمهورية. وأسفرت النتائج التي أعلنت، شغل 65 مقعداً من مقاعد البرلمان الثاني، وبقاء مقعد واحد شاغر، لعدم فوز أي من المرشحين بالعدد المطلوب من الأصوات للفوز به. وبذلك يكون توزع مقاعد البرلمان الأوزبكستاني، بين القوى السياسية فوز مرشحي مجالس الإدارة المحلية بـ 44و17 % من المقاعد، يليهم حزب الشعب الديمقراطي 19,27 %، فالحزب القومي الديمقراطي 13,65 %، فحزب "وطن ترقياتي" 8,03 %، فالمستقلين 6,42 %، فالحزب الاجتماعي الديمقراطي 4,41 %، وأخيراً الحزب الديمقراطي 4,01 %. (أنظر الجدول رقم 17)
الجدول رقم 17: النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية
القوة السياسية عدد المقاعد؛ النسبة المؤوية
مرشحو مجالس الإدارة المحلية 110؛ 44,17
حزب الشعب الديمقراطي 48؛ 19,27
الحزب القومي الديمقراطي 34؛ 13,65
حزب "وطن ترقياتي" 20؛ 8,03
مستقلون 16؛ 6,42
الحزب الاجتماعي الديمقراطي 11؛ 4,41
الحزب الديمقراطي 10؛ 4,01
المجموع 249؛ 100
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
وهو ما يوضح عدم تمتع أي من القوى السياسية في البرلمان بالأكثرية المطلقة، ويظهر مدى شفافية ميزان القوى داخل البرلمان الذي سينعكس حتماً على المساومات السياسية التي لابد وأن تجري بين تلك القوى، أثناء التشاور والتصويت على مختلف مشاريع القوانين التي تقدم للبرلمان، وتحقيق ما وعدت به تلك القوى السياسية ناخبيها في برامجها الانتخابية، التي خاضت على أساسها الحملة الانتخابية الحرة والديمقراطية التي شهدتها أوزبكستان للمرة الأولى في تاريخها المعاصر وفق أسس قانونية واضحة. ولكن يجب الإشارة هنا إلى أن معظم البرامج الانتخابية التي نشرتها وسائل الإعلام المحلية كانت متطابقة تقريباً، والاختلاف الوحيد كان في نظرة كل من تلك القوى السياسية في الطريقة الأمثل لتحقيقها. أي عدم وجود خلافات جوهرية بين القوى والأحزاب السياسية حول الخط الذي يتبعه الرئيس إسلام كريموف، وأنها تؤيده بالكامل، وهو ما يبشر بمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي في أوزبكستان، لمدة خمس سنوات قادمة، وتبشر باستمرار الخطوات التي بدأها منذ الاستقلال.
وهو ما أكدته نتائج التصويت السري لأعضاء البرلمان الثاني بدورته الأولى التي أدت لاحتفاظ إيركين خليلوف برئاسة البرلمان الأوزبكستاني للمرة الثانية.
ولكن الاستقرار السياسي لا يعني عدم قيام تحالفات جديدة داخل البرلمان الجديد، وهو ما حصل فعلاً وأدى إلى قيام تحالفات بين الكتل داخل البرلمان الجديد. أدت واحدة منها إلى الاندماج الكامل بين حزب "وطن ترقياتي" الذي يضم في صفوفه علماء ومثقفين ورجال أعمال ومزارعين، مع أحدث الأحزاب السياسية على الساحة الأوزبكستانية وهو الحزب القومي الديمقراطي "فيدوكورلار". وأعلن الحزبان الهدف من تشكيل الحزب الجديد بعد الاندماج الكامل، وهو: دعم أصحاب المهن الحرة، وتحفيز المواطنين على المشاركة في العملية الديمقراطية الجارية في الجمهورية. ويضم الحزب الجديد الذي احتفظ باسم (الحزب القومي الديمقراطي" فيدوكورلار") في صفوفه أكثر من 14 ألف عضو، وتتبع له منظمات "يوشلار كانوتي" (المنظمة الشبابية للحزب)، "فيدوكور عيولاري" (المنظمة النسائية للحزب)، و"يوش فيدوكور عالملار" (منظمة العلماء الشباب للحزب). وانتخب الحزب الجديد أ. تورسونوف رئيس المجلس السياسي المركزي لحزب "وطن ترقياتي"، سكرتيراً أولاً للجنة المركزية للحزب الجديد. وبذلك تصبح الكتلة البرلمانية للحزب الجديد داخل البرلمان مؤلفة من 54 عضواً، أو 21,68 % من الأصوات داخل البرلمان، وتمثل القوة الثانية بين الكتل البرلمانية بعد كتلة مجالس الإدارة المحلية. (12)
وأخيراً بقي أن أشير إلى حقيقة هامة أخرى، وهي أن الناخبين كانوا أكثر ميلاً للمرشحين الذين يفترض عدم انتمائهم لأي حزب سياسي، خاصة وأن تلك الأحزاب تلتقي من حيث الأهداف العامة، وتختلف في أسلوب تحقيق تلك الأهداف فقط، حيث كانت نسبة فوز المستقلين ومرشحي مجالس الإدارة المحلية معاً، مقارنة بعدد مرشحي هذه الفئة 52,36 %، بينما تراوحت نسبة الفائزين من بين مرشحي الأحزاب السياسية الأخرى مابين 9,4 % التي حصل عليها مرشحوا الحزب الاجتماعي الديمقراطي، و28,57 % التي حصل عليها مرشحو حزب "وطن ترقياتي"، ولعل السبب كان في قلة عدد مرشحي الحزب الأخير لخوض المعركة الانتخابية. بينما لم تتجاوز نسبة الثقة التي حصل عليها مرشحو حزب الشعب الديمقراطي عن 10,93 % رغم فوزه بنسبة 19,27 % من عدد مقاعد البرلمان، وهي المرتبة الثانية بين القوى السياسية الممثلة في البرلمان، يليه أحدث الأحزاب السياسية على الساحة الأوزبكستانية، وهو الحزب القومي الديمقراطي الذي فاز بـ 13,65% من عدد مقاعد البرلمان، بينما لم تتجاوز نسبة ثقة الناخبين بمرشحيه 19,88 %. (أنظر الجدول رقم 18) وهو ما يوضح اختلاف التكتيك الانتخابي الذي اتبعته القوى السياسية وتراوح مابين حشد أكبر عدد من المرشحين وانتظار النتائج، أو اختيار النخبة المؤيدة شعبياً من أعضاء الحزب لضمان فوزهم دون تشتيت أصوات الناخبين بين مرشحين لا يتمتعون بفرص كبيرة للفوز.
الجدول رقم 18: مقارنة بين عدد المقاعد التي فازت بها كل من القوى السياسية المتنافسة على مقاعد البرلمان الثاني وعدد مرشحي كل منها:
القوة السياسية مقارنة بعدد المقاعد؛ مقارنة بعدد المرشحين؛ نسبة المقاعد التي فازت بها كل قوة سياسية مقارنة بعدد المرشحين؛ عدد المقاعد؛ %؛ عدد المرشحين؛ %
المستقلون، ومجالس الإدارة المحلية 126؛ 50,6؛ 345؛ 27,77؛ 36,52
حزب الشعب الديمقراطي 48؛ 19,27؛ 439؛ 35,34؛ 10,93
الحزب القومي الديمقراطي 34؛ 13,65؛ 171؛ 13,76؛ 19,88
الحزب الاجتماعي الديمقراطي 11؛ 4,41؛ 117؛ 9,42؛ 9,4
الحزب الديمقراطي 10؛ 4؛ 100؛ 8؛ 10
حزب "وطن ترقياتي" 20؛ 8؛ 70؛ 5,63؛28,57
المجموع 249؛ 100؛ 1242؛ 100؛ 20
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
وجاءت نسبة تمثيل المرأة في البرلمان الجديد 6,9 % من أصل 14,01 % بين المرشحين، موزعين على أربع من القوى السياسية السبعة الممثلة في البرلمان، لتظهر ميل الناخب الأوزبكستاني للرجال في تمثيلهم بالبرلمان، رغم مساواة المرأة مع الرجل في حق الترشيح والانتخاب، أي أن المرأة الناخبة نفسها تميل لانتخاب ممثليها من بين الرجال، وهي إشارة واضحة لميول ونظرة المجتمع الأوزبكستاني نحو دخول المرأة المعترك السياسي البرلماني. (أنظر الجدول 19)
الجدول رقم 19: توزع أعضاء البرلمان الأوزبكستاني حسب الجنس
القوة السياسية عدد المقاعد؛ رجال؛ نساء؛ نسبة النساء
مرشحو مجالس الإدارة المحلية 110؛ 102؛ 8؛ 7,3
حزب الشعب الديمقراطي 48؛ 43؛ 5؛ 10,4
الحزب القومي الديمقراطي 34؛ 32؛ 2؛ 5,9
حزب "وطن ترقياتي" 20؛ 20؛ 0؛ 0
مستقلون 16؛ 16؛ 0؛ 0
الحزب الاجتماعي الديمقراطي 11؛ 11؛ 0؛ 0
الحزب الديمقراطي 10؛ 8؛ 2؛ 20
المجموع 249؛ 232؛ 17؛ 6,9
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
ومن حيث السن نرى أن الناخبين فضلوا الفئات الناضجة سياسياً والتي تزيد أعمارها عن الخامسة والثلاثين من العمر، باستثناء نائب واحد عن الحزب القومي الديمقراطي من الفئة العمرية 30-34 سنة، وعدم فوز أحد من المرشحين التسعة للفئة العمرية 25-29، وتركيز الناخبين على الفئات العمرية من 40 وحتى 59 بشكل ملحوظ. (أنظر الجدول رقم 20)
الجدول رقم 20: توزع أعضاء البرلمان حسب السن
القوة السياسية 30-34؛ 35-39؛ 40-44؛ 45-49؛ 50-54؛ 55-59؛ 60-64؛ 65-69
مرشحو مجالس الإدارة المحلية -؛ 3؛ 18؛ 30؛ 27؛ 19؛ 9؛ 4
حزب الشعب الديمقراطي -؛ 1؛ 8؛ 10؛ 14؛ 7؛ 6؛ 2
الحزب القومي الديمقراطي 1؛ 9؛ 6؛ 9؛ 7؛ -؛ 1؛ 1
حزب "وطن ترقياتي" -؛ 1؛ 7؛ 3؛ 4؛ 3؛ ؛1؛1
مستقلون -؛ 1؛ 3؛ 1؛ 5؛ 3؛ 3؛ -
الحزب الاجتماعي الديمقراطي -؛ 1؛ 1؛ 2؛ 1؛ 2؛ 2؛ 2
الحزب الديمقراطي -؛ -؛ 2؛ 1؛ 4؛ -؛ 2؛ 1
المجموع 1؛ 16؛ 45؛ 56؛ 62؛ 34؛ 24؛ 11
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
ومن بين ممثلي 16 قومية وردت أسماءهم في قوائم المرشحين، لم يصل منهم لعضوية البرلمان سوى النصف. وهم الأوزبك وكانت نسبتهم الساحقة من بين الفائزين بعضوية البرلمان 90,76 %، والروس 3,21 %، والقره قلباق 2,81 %، والقازاق 1,2 %، والطاجيك 0,8 %، بينما حصل الأوكران والأرمن والكوريين بمقعد واحد لكل منهم أو 0,4 %. (أنظر الجدول رقم 21)
الجدول رقم 21: أعضاء البرلمان حسب الانتماء القومي
القومية العدد؛ النسبة المؤوية
أوزبك 226؛ 90,76
روس 8؛ 3,21
قره قلباق 7؛ 2,81
قازاق 3؛ 1,2
طاجيك 2؛ 0,8
أوكران 1؛ 0,4
أرمن 1؛ 0,4
كوريون 1؛ 0,4
المجموع 249؛ 100
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
كما وأوضحت نتائج الانتخابات ميل الناخب الأوزبكستاني الواضح والصريح للشريحة المثقفة التي تحمل مؤهلات تعليمية عالية، ولم يختار الناخبون أي مرشح من مستوى التعليم قبل الجامعي، وأعتقد أن السبب يكمن في تركيبة المجتمع الأوزبكستاني نفسه الذي تنعدم فيه الأمية، ويتمتع بنسبة تعليم ثانوي عالية مقارنة بدول العالم الأخرى، تصل إلى 98 % بين الذكور، و 96 % بين الإناث (13)، وهو ما يوضحه الجدول رقم 22.
الجدول رقم 22: أعضاء البرلمان حسب الحالة التعليمية
المستوى التعليمي العدد؛ النسبة المؤية
عالي 248؛ 99,59
عالي غير تام 1؛ 0,4
المجموع 249؛ 100
(المصدر النشرة الإخبارية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية)
الخلاصة
أوضحت نتائج الانتخابات الأخيرة في جمهورية أوزبكستان متانة واستقرار وتماسك المجتمع داخلياً، وتكامل ووضوح القاعدة القانونية التي أصبحت تستند عليها عملية اختيار ممثلي الشعب في عالي مجلس (البرلمان)، وهي الصورة التي لم تكن واضحة بشكل كامل في الانتخابات السابقة. وهي ظاهرة تدعو للتأمل والدراسة المتعمقة والدقيقة.
حيث أثبتت أوزبكستان مرة أخرى أنها قوية ومستقرة، وأنها قد عززت من موقعها كعامل استقرار هام للمحافظة على الأمن والهدوء والاستقرار في منطقة آسيا المركزية برمتها. وأظهرت أن الرئيس إسلام كريموف بالفعل يتمتع بتأييد واسع من فئات المواطنين في أوزبكستان، وأنه نجح في تجنيب أوزبكستان خطر النزاعات العرقية والدينية التي حاولت وتحاول قوى خارجية إثارتها منذ استقلال الجمهورية قبل تسع سنوات وحتى اليوم، وظهرت سافرة خلال أحداث صيف عامي 1999 و2000 من خلال حوادث التسلل عبر الحدود الدولية لأوزبكستان من بعض الدول المجاورة، تلك الأفعال التي يستفيد واستفاد منها أعداء الأمة العربية والإسلامية وحدهم، وتلحق الضرر بشعوب المنطقة واقتصادهم وحكوماتهم الشرعية، وتزعزع الثقة بين الشعوب الشقيقة ولا تخدم هدف تعزيز التعاون المشترك وتوسيعه لمصلحة الشعوب العربية والإسلامية، وشعوب آسيا المركزية.
وأوضحت نتائج الانتخابات كذلك أن التأييد الكبير للرئيس الحالي جاء تأكيداً من الناخب الأوزبكستاني على تأييده للخط الذي يتبعه الرئيس كريموف على الأصعدة الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والداخلية، والخارجية. وأن تلك القوى الهاربة من وجه العدالة والقوى التي حوكمت وأدينت في طشقند عام 2000، بسبب تصرفاتها الرعناء التي أدت إلى قتل المواطنين الأبرياء، لا تتمتع بأي تأييد شعبي يذكر داخل المجتمع الأوزبكستاني.
والدرس الذي يمكن استخلاصه من الانتخابات الأخيرة هو أن الطريق إلى السلطة في أوزبكستان يمر عبر الأسس الدستورية فقط، التي تحميها حكومة شرعية قوية، وتحدده الجماهير وحدها، وهو يتطلب من كل القوى السياسية كسب ثقتها وتأييدها واحترامها، لا قتلها وإرهابها، والالتزام بالقوانين التي تنظم عملية انتقال السلطة بشكل سلمي ديمقراطي حر، دون أية ضغوط. وأن الطريق الوحيد إلى السلطة هو كسب ثقة تلك الجماهير والإخلاص للمصالح الوطنية، والعمل ضمن معارضة إيجابية داخل المؤسسات الدستورية، والتنظيمات السياسية الشرعية، التي تعمل بإخلاص من أجل تقدم البلاد ورفعتها وتعزيز منعة جبهتيها الداخلية والخارجية.
وأعتقد أنه آن الأوان لإعادة النظر بالسياسات التي تتبعها الدول العربية والإسلامية بشكل ثنائي بينها وبين أوزبكستان، وبشكل جماعي من خلال جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها من المنظمات الإقليمية والدولية لتعزيز العلاقات الودية مع أوزبكستان، وزيادة الاستثمارات الاقتصادية المشتركة في المجالات الصناعية والزراعية والتصنيع الزراعي والطاقة واستثمار الثروات الطبيعية وتصنيعها، لتوفير المزيد من فرص العمل للعاطلين عن العمل في الجمهورية، وفتح المزيد من الخطوط الجوية والبرية المباشرة وربط شبكات النقل بالسكك الحديدية التي تربط العواصم العربية والإسلامية بطشقند، ودول آسيا المركزية الأخرى، لأن أوزبكستان كغيرها من جمهوريات آسيا المركزية لا تملك منافذ على البحار المفتوحة. وإتاحة الفرصة أمام السياسة الخارجية الأوزبكستانية للتحرك من خلال توفير البدائل التي يمكن أن تختارها في صياغة سياسة خارجية أكثر انفتاحاً على العالمين العربي والإسلامي مما هي عليه اليوم.
وآن الأوان للدول العربية والإسلامية التي لم تبادر بعد لإقامة علاقات دبلوماسية مع أوزبكستان، أن تعيد النظر بسياستها الدبلوماسية حيال أوزبكستان، وأن تحذو حذو المملكة العربية السعودية، ومصر، والأردن، وفلسطين، والجزائر، وتركيا، وباكستان، وماليزيا، وبنغلاديش، وإندونيسيا، وإيران، وتقيم سفارات مقيمة لها في طشقند، لتعزيز فرص التعاون الأمني والاقتصادي والتجاري والمالي والسياسي والعلمي والتشاور لما فيه مصلحة الطرفين وخير الأمتين العربية والإسلامية.
وأعتقد أن تلك الفرص تبدأ بخلق الأجواء الطبيعية للاستثمارات المشتركة التي تبدأ من توقيع الاتفاقيات الثنائية والجماعية في مجال تشجيع وحماية الاستثمار، والاتفاقيات الاقتصادية التي تحدد مجالات الاستثمار اللازم للتنمية الصناعية والزراعية التي تدخل في خطط التنمية الحكومية لكلا الطرفين وتكفل خلق فرص عمل جديدة لمن يحتاجها، واتفاقيات التبادل التجاري من ضمن قوائم توضح وتحدد السلع والمواد الخام ونصف المصنعة التي يمكن تبادلها بأفضلية عن غيرها من السلع لتحقيق التكامل الإنتاجي، والاتفاقيات المالية التي تضمن تمويل المشروعات المشتركة، وفتح فروع للمصارف الوطنية في كلا الجانبين لضمان السيولة النقدية، وانتقال رؤوس الأموال دون عوائق. وتشجيع التعاون الثنائي والجماعي المباشر بين الغرف التجارية والصناعية والزراعية، وأخيراً فإني أعتقد أن التعاون والاستثمار المشترك الذي لا يعتمد على دراسات علمية واقعية مصيره الفشل، وهنا تبرز الحاجة للتعاون في المجالات العلمية بين مؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي لدى الطرفين، للقيام بالأبحاث والدراسات المشتركة والضرورية لدفع وتوسيع أطر التعاون المشترك في الاتجاه المطلوب والمنتظر.
هوامش
1. بوريبوي (بوري باي) أحمدوف، وزاهد الله منروف (منواروف): العرب والإسلام في أوزبكستان، تاريخ آسيا الوسطى من أيام الأسر الحاكمة حتى اليوم. شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت: 1996. ص 419.
2. عمرو عبد الكريم سعداوي: التعددية السياسية في العالم الثالث: الجزائر نموذجاً. مجلة السياسة الدولية، السنة 35، العدد 138، أكتوبر 1999. ص 57.
3. د. صالح محمد الخثلان: الجمهوريات الإسلامية والخيار الديمقراطي: دراسة وصفية تحليلية مقارنة للتغييرات السياسية في آسيا الوسطى. أوراق آسيوية، العدد 14. مركز الدراسات الآسيوية، القاهرة: 1997.ص ص 17-23.
4. Islam Karimov, Project director Maxim Penson, Tashkent 1998. P. 69.
5. صامويل هانتنجون: الموجة الثالثة: التحول الديمقراطي في أواخر القرن العشرين، ترجمة: د. عبد الوهاب علوب. القاهرة، مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية ودار الصباح، ط 1، 1993. ص 68.
6. د. حسنين توفيق إبراهيم: الانتخابات البرلمانية ومستقبل التطور السياسي والديمقراطي في اليمن. مجلة السياسة الدولية، السنة 34، العدد 131، يناير 1998. ص 57. - أوزبكستان: تقرير منظمة undp التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، عن التطور الإنساني لعام 1999. المستشار العلمي: أ.د. غالينا سعيدوفا، ومجموعة مؤلفين. دار نشر أوزبكستان، طشقند 2000. ص65. (باللغات الأوزبكية والروسية والإنكليزية)
7. إسلام كريموف: أوزبكستان على طريق المستقبل العظيم. ترجمة: أ.د. محمد البخاري. دار السروات، جدة 1999. و8. إسلام كريموف: أوزبكستان على عتبة القرن الواحد والعشرين. ترجمة: د. مفيد قطيش. السروات للطباعة والتصاميم، جدة 1999.
9. إسلام كريموف: أوزبكستان على طريق تعميق الإصلاحات الاقتصادية. شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت 1996.
10. إسلام كريموف: أوزبكستان على طريق الانبعاث الروحي. ترجمة: د. مفيد قطيش، د. فؤاد الجوابري. الإمارات العربية المتحدة، دبي 2000.
11. ملخص حياة والبرنامج الانتخابي لإسلام كريموف المرشح لرئاسة جمهورية أوزبكستان. دار نشر أوزبكستان، طشقند 1999. (باللغة الروسية)
12. عمرو عبد الكريم سعداوي، مصدر سابق.
13. نفس المصدر السابق. و- د. علي الدين هلال وآخرون: "الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي"، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1983؟ ص 338-339.
14. النظام الانتخابي في جمهورية أوزبكستان. وكالة الأنباء "جهان". طشقند 1999. ص 23. (باللغة الروسية)
15. دستور جمهورية أوزبكستان. دار "أوزبكستان" للنشر، طشقند 1998. (باللغة الروسية)
16. قوانين جمهورية أوزبكستان. دار "أوزبكستان" للنشر، طشقند 1999. (باللغة الروسية)
17. أحميدوف إ.، سعيد أمينوفا ز.: جمهورية أوزبكستان. دار "أوزبكستان" للنشر، طشقند 1992. ص 62. (باللغة الروسية)
18. صحيفة "نارودنويه صلوفا"، العدد 74 (2369) 18 نيسان/أبريل 2000. (باللغة الروسية)
19. أ.د. محمد السيد سليم، أ.د. نعمة الله إبراهيموف، د. إبراهيم عرفات، د. صالح إنعاموف: أوزبكستان: الدولة والقائد. مطابع الشروق، القاهرة 1999. ص 17.
20. صحف نارودنويه صلوفا، وبرافدا فاستوكا خلال الفترة من آب/أغسطس 1999 وحتى 25 كانون ثاني/يناير 2000. (باللغة الروسية)
21. النشرة الإخبارية اليومية للمركز الصحفي للجنة الانتخابية المركزية. (باللغة الروسية)
تمت مراجعتها بتاريخ 31/12/2000

الخميس، 13 أغسطس 2009

75 عاماً على صدور العدد الأول من مجلة زفيزدا فاستوكا الأوزبكستانية


75 عاماً على صدور العدد الأول من مجلة زفيزدا فاستوكا الأوزبكستانية

حوار مع رئيس التحرير أليكسي أوستيمينكو
أ.د. محمد البخاري.
جمهورية أوزبكستان بسكانها الـ 26 مليون نسمة، تأتي بالمرتبة الثالثة بعد روسيا وأوكرانيا في رابطة الدول المستقلة. بالإضافة للميزة الهامة التي تتمتع بها القاعدة السكانية من ارتفاع مستوى التعليم المتوسط، الذي يبلغ مستواه 99,15 % وفق معطيات عام 1998، وهو ما يضعها في مقدمة الدول الأكثر نجاحاً في القضاء على الأمية بين مواطنيها في العالم.
وتضم التركيبة الديموغرافية للسكان في جمهورية أوزبكستان نحو 130 قومية، تصل نسبة الأوزبك بينهم لأكثر من 75 %، وإلى جانبهم أقليات من أصول: روسية، وأوكرانية، وبيلاروسية، وألمانية، وفارسية، وطاجيكية، وقازاقية، وتترية، وقره قلباقية، وقرغيزية، وتركمانية، وتركية، وأذربيجانية، وويغورية، وكورية، ويهودية، وأرمنية، وعربية. وهو ما تطلب من القيادة الأوزبكستانية وفي مقدمتها الرئيس إسلام كريموف منذ الأيام الأولى للاستقلال عام 1991 إتباع سياسة ثابتة وإستراتيجية خاصة لصهر هذه التركيبة السكانية في بوتقة الانتماء للدولة الواحدة.
وفي هذا تلعب وسائل الإعلام دوراً هاماً لصهر الانتماء للدولة الواحدة وتدعيم الشعور الوطني، ولهذا أنشأت القيادة الأوزبكية بعد الاستقلال صندوقاً اجتماعياً لدعم وتطوير وسائل الإعلام المستقلة في أوزبكستان، وتصدر في أوزبكستان اليوم أكثر من 1000 وسيلة إعلامية مطبوعة ومسموعة ومرئية وإلكترونية بعدة لغات ومن بينها مجلة "زفيزدا فاستوكا" التي تصدر باللغة الروسية منذ 75 عاماً، وتتمتع بشهرة واسعة في أوزبكستان وخارجها، ورغم أنها قامت بتغيير خطابها الأدبي أكثر من مرة، إلا أنها حافظت على الكثير من تقاليدها الأدبية.
وفي إحدى الأمسيات الأدبية التقيت صدفة بالصديق القديم رئيس تحرير المجلة، الأديب والصحفي المعروف أليكسي أوستيمينكو، وطبعاً بدأ الحديث كالمعتاد عن الأوضاع في سورية وأسباب فتور العلاقات بين البلدين منذ تسعينات القرن الماضي ومتى سيعود الدفء إليها كما كانت في السابق، وما تضمنه آخر عدد حمله البريد من مجلة المعرفة وهنا انتهزت الفرصة وطلبت منه أن يخص قراء المجلة بحديث عن مناسبة مرور 75 عاماً على صدور المجلة وحرصت من خلاله على الابتعاد عن المقابلة التقليدية من سؤال وجواب وتركت المجال له ليتحدث كما يريد.
وبدأ حديثه بقوله أنت تعلم أننا ومنذ زمن بعيد لم يطلب منا أحد التحدث عن هموم مجلتنا، ولم يعرنا منذ وقت طويل اهتمامه أحد، ولهذا أرجو أن تسمح لي بالخروج عن التواضع في حديثي معك اليوم، وأعتقد أن لهذا أسباب، لأن لقاءنا هذا يتوافق مع الذكرى السنوية الـ 75 لصدور العدد الأول من مجلتنا الأدبية "زفيزدا فاستوكا" التي بدأت شق طريقها الأدبي منذ عام 1932 باسم يناسب ذلك الوقت "الأدب السوفييتي لشعوب وسط آسيا".
وبعد المؤتمر الأول للكتاب السوفييت الذي عقد في موسكو عام 1935، جرى تغيير اسم المجلة إلى مجلة "أوزبكستان الأدبية"، ومن نهاية عام 1937 وحتى بداية الحرب العالمية الثانية صدرت تحت اسم مجلة "الآداب والفنون في أوزبكستان"، ومن عام 1946 بدأت بالصدور باسمها المعروف على نطاق واسع حتى الآن مجلة "زفيزدا فاستوكا" (نجمة الشرق)، والمجلة خلال تلك الفترة الطويلة غيرت خطابها الأدبي أكثر من مرة، وخصصت صفحاتها لاتجاهات الأدب "الواقعي الاشتراكي".
وسارت المجلة منذ أربعينات وخمسينات القرن الماضي على خط التقاليد التي فرضتها تلك المرحلة التاريخية، وعالجت مواضيع الإنتاج والتعاونيات الزراعية، ولا أخفيك أن مطالعة مواد تلك المرحلة اليوم شبه مستحيل ولو أن أرشيف المجلة لم يزل يحتفظ بها كاملة. لأن كل تركيبة أدبية تفرض من الخارج تحمل نعشاً غير مرئي يخيم على إنتاج كل الأدباء اللذين يتأقلمون مع ما تم فرضه من أفكار وأبدعوا من خلالها. وعندما تطالع أدب تلك المرحلة تشعر بنفسك وكأنك تمر عبر مقبرة أدبية، ومع ذلك تصادف خلال جولتك تلك قليل من الإبداع الأدبي رغم أن عدد كبير من الأدباء الحقيقيين نشروا على صفحات المجلة آنذاك إبداعات أقلامهم، وأصبحوا اليوم كلاسيكيي أنواع أدبية كانت معروفة في أوزبكستان وفي الأدب العالمي، ولو أن المجلة أكثر من مرة فتحت صفحة جديدة، مختلفة تماماً، وهادئة بدأ معها إزهارها الأدبي، ومن الأمثلة على ذلك أسماء مميزة رافقت تلك المرحلة ويحتاج كل منها حديث متميز خاص، ويحتاج لتخيل الخط الموازي غير المخفي الذي يروي قصة تاريخية بديعة عاشتها المجلة.
ونشرت صفحات المجلة آنذاك أفضل الأعمال الأدبية لكتاب أوزبكستانيين كبار أمثال: عبد الله قهار، وعادل يعقوب، ومير محسن، وسيرغي بورودينا، ويافدات إلياسوف. وتضمنت الكثير من أعداد "زفيزدا فاستوكا" خلال عام 1959 أعمال الكاتب السوفييتي كونستانتين سيمونوف، الذي أبعده خروشوف من موسكو، وعاش حينها في طشقند، ونشر فيها أكثر رواياته شهرة "أحياء وأموات"، ولم تكن الرواية الأولى التي تنشرها المجلة آنذاك في الاتحاد السوفييتي السابق. وأثار أحد أعداد مجلة "زفيزدا فاستوكا" الصادرة بعد زلزال طشقند عام 1966 صدى كبيراً في البلاد، لماذا لأن الكثير من الكتاب والشعراء المشهورين قرروا آنذاك إرسال أعمالهم الأدبية للنشر على صفحاته، وطلبوا تحويل مكافآتهم عن النشر إلى صندوق إعادة بناء مدينة طشقند وهو ما فعلوه. وكان العدد بالفعل رائع وكان من الصعب الحصول عليه وتضمنت صفحاته أعمالاً أدبية لأدباء معروفين آنذاك أمثال: فوزنيسينسكي، وأخمادولينا، ويفتشينكو، وبعد سنوات طويلة من الصمت نشرت المجلة أعمالاً أدبية لميخائيل بولغاكوف، وأوسيب مانديلشتام، وإسحق بابيل.
ووجهت يلينا سيرغييفنا بولغاكوفا، زوجة الكاتب ميخائيل بولغاكوف، رسالة خاصة إلى هيئة تحرير المجلة تعطي موافقتها على نشر عمل بولغاكوف "كتابات على أطراف أكمام القميص"، وما أن نشرت حتى سرعان ما فقدت نسخ المجلة من الأسواق بعد صدورها مباشرة. وبالفعل تم تحويل مكافأة النشر إلى صندوق إعادة إعمار مدينة طشقند المنكوبة. ولكن الذي حصل بعد ذلك أن أعفي رئيس تحرير المجلة آنذاك فياتشسلاف كوستير، من منصبه، وتم تحوله بهدوء إلى شخصية غير مرغوب بها، ولا أدري إن قال له أحد ما آنذاك شكراً أم لا...
ومن بين كتاب المجلة الدائمين آنذاك كانت تاتيانا سيرغييفنا يسينينا، ابنة الشاعر سرغيه يسينين، والناقد الأدبي أ. فوليس، الذي قام بأول محاولة لرد اعتبار رواية ميخائيل بولغاكوف "ماستر ومرغريتا". وبدأت المجلة بنشر روايات وقصص من مختلف الصنوف الأدبية والخيال الأدبي، لتحقق شهرة أصبحت تتعمق مع ما تنشره على صفحاتها بشكل دائم تقريباً، وبلغت قمة الشهرة خلال تسعينات القرن الماضي.
"زفيزدا فاستوكا" كانت أول من نشر الترجمة الروسية الكاملة للقرآن الكريم
ووصل عدد النسخ المطبوعة والمباعة فعلاً من المجلة إلى 150 ألف نسخة والسبب كان شروعها ولأول مرة في الاتحاد السوفييتي بنشر الترجمة الروسية الكاملة للقرآن الكريم، ونشر مواضيع معنوية، وفلسفية، وتاريخية، أخذتها من الأرشيف المغلق وأفردت مكاناً ملائماً لها على صفحاتها.
وهكذا فتحت المجلة جبهة عريضة على نفسها وأخذت تشق طريقها نحو الأدب الكبير، وأخذت تضيق على الأدب التقليدي السائد آنذاك. وبدأ غصن كبير بالنمو وحمل لها ثمار الشهرة وأخذت تتناقله الأوساط الأدبية بعيداً حتى خارج أوزبكستان. ورشحت في عام 1992 للحصول على جائزة بوكيروفسكي العالمية للأدب وكان مجرد ظهورها على قائمة الجائزة بمثابة اعتراف بشخصيتها الأدبية على المستوى الدولي، ولكن الذي حدث بعد ذلك أنها بدأت وبالتدريج تعاني من صعوبات مالية، وعلى سبيل المثال عددها الدوري والوحيد عن عام 2005 خرج من المطبعة في نيسان/أبريل عام 2006 وكان ذلك العدد ولفترة طويلة العدد الأخير. وجاءت بدايات عام 2006 بمحاولات لإنعاش المجلة، وبدأ اتحاد الكتاب بتجديد هيئة التحرير، وترأس مجلسها الاجتماعي شاعر الشعب الأوزبكستاني أليكساندر فاينبيرغ، ورغم ذلك لم تتمكن حتى اليوم من إصدار سوى ثلاث أعداد بقالب جديد، ولا أخفيك أن العمل جار لإصدار أعداد أخرى.
المجلة حصلت على منحة الصندوق الاجتماعي لدعم وتطوير وسائل الإعلام المستقلة في أوزبكستان
ورغم كل ذلك تتابع المجلة سيرها كما في السابق على جبهة عريضة من بين جميع المجلات الأدبية، وأصبح غلافها مثيراً أكثر من ذي قبل وسينشر عليه من الآن فصاعداً أعمالاً قيمة لفنانين تشكيليين من آسيا المركزية.
وبعد حصولنا على منحة الصندوق الاجتماعي لدعم وتطوير وسائل الإعلام المستقلة في أوزبكستان، أصبح بإمكاننا العمل على أحدث الوسائل التكنولوجية الإلكترونية، وخرجنا إلى الساحة الدولية عبر صفحتنا الإلكترونية في شبكة الإنترنيت، ورغم ذلك بقيت المسألة الاقتصادية، هي المسألة الأولى التي تواجه استمرار المجلة كما كانت عليه في السابق.
ونواجهه اليوم مشكلة تناقص أعداد المشتركين بالمجلة وهم الذين تحتاجهم المجلة كثيراً ونتمنى أن لا ينسوا العدد الخاص بمناسبة مرور 75 عاماً على صدور المجلة، كما لا نريد أن ينسانا الجميع لأننا نحتاج لمساندتهم. خاصة وأننا مجلة تصدر عن إتحاد الكتاب في جمهورية أوزبكستان ولكن ماذا يستطيع أن يفعل اتحاد الكتاب، ومشاكلنا مستمرة ولا تحلها الدفعات النقدية بين الفينة والأخرى. ويبقى القول الأول والأخير للقراء، وللمشتركين ولاشتراكاتهم المسبقة، وللمتبرعين المهتمين بصدور المجلة في مواعيدها أكثر من غيرهم، وبقدر ما يكون عددهم كبير بقدر ما سنتمتع بقوة توازي تلك التي تتمتع بها إصدارات أدبية أخرى، ونحن مستمرين حالياً دون دعم ولكننا بانتظار الدعم.
ومحفظة هيئة التحرير اليوم مليئة بمواد تتضمن قصصاً ومقالات أدبية وقصائد شعرية وكتابات في أدب الخيال والمغامرات، والقائمة تتضمن أسماء تهم القراء من بينهم: إيركين أغظاموف، وفلاديمير باغراموف، وفاليري غيرمانوف، وسراج الدين سعيد، وعثمان عظيم، وخير الدين سلطانوف، وسيرغيه سبيريخين، وفاديم موراتخانوف، وفيكتوريا أوسادتشينكو، وأولغا بوسلافسكايا، وتورسون علي، وأسطى علي، وشير علي توردييف، وأريادنا فاسيليفنا... وأتمنى أن لا ينسى مجلة "زفيزدا فاستوكا" الكاتب القره قلباقي الكبير توليببيرغين كايبيرغينوف.
وهناك أسماء من بين الذين غادروا وسط آسيا لأسباب مختلفة وبقيت إبداعاتهم مرتبطة بها دائماً، أمثال: صحبت أفلاطوني، الذي حاز على جائزة روسية عن مؤلفه "الرواية الطشقندية"، التي كتبها أثناء عمله في اليابان، وقال في إحدى المقابلات الصحفية التي أجريت معه: "بداية الوطن هي الغربة، وبداية الذاكرة هي الشوق والحنين". وهنا الشاعرية دقيقة مثل الرياضيات. وكلماته وضعت يدها على نقاط الألم والسعادة.
دار نشر روسية عرضت نشر مجموعة قصص لكتاب أوزبك
ومن خلال متابعاتي لما تنشره الصحافة المحلية أقرأ عن الاهتمام بالأدب الأوزبكستاني الآخذ بالارتفاع في الدول الأجنبية، وقرأت أخباراً عما نشرته الصحافة في المملكة العربية السعودية، والكويت، ومصر، وألمانيا، واليابان، وكوريا، وباكستان، وغيرها من الدول عن الآداب والفنون الأوزبكية خلال السنوات الأخيرة. وعرضت علينا احد دور النشر الكبيرة في موسكو نشر مجموعة لمؤلفات أفضل كتاب القصة الأوزبكستانيين باللغة الروسية. ونحن الآن وبالتعاون مع اتحاد الكتاب بجمهورية أوزبكستان عاكفين على التحضير لها. وسنحاول أن تكون المجموعة مثيرة وعلى مستوى أدبي رفيع. وعن هذا المستوى الرفيع أذكر أن أليكساندر أركاديفيتش فاينبيرغ طلب مني منذ مدة أن أقلل من نشر أشعاره وترجماته، ومع الأسف حالياً لا أستطيع أن ألبي طلبه ولو أني أفهم ما يسببه ذلك من إحراج لأحاسيسه المتواضعة، لأن اسم الشاعر الرائع فاينبيرغ، وكل قصيدة شعرية يكتبها هي هدية للمجلة، وهدية لقرائها. والإلهام الشعري بالنسبة لي مثله مثل أي أسلوب شعري يجب أن يتمتع دائماً بمستوى إبداعي رفيع. ومن السهل القول أننا نتخذ من الاسم الذي يحظى بالشهرة الأدبية قدوة على أمل أن يحذو الآخرون حذوه، لا أن يقفز بعض الكتاب من فوقه، وأن يفكروا بما يكتبونه اليوم وغداً.
وأنا لا أصدق أن الجيل الصاعد سيبقى بعيداً عن الأدب، ولا أصدق أنه سينسى الشعر وهناك شعراء شباب واعدون اليوم من بينهم: فيكتوريا أسادتشينكو، ولودميلا باكيروفا، ورستام موسرمان، وصاحب الشهرة المحدودة حالياً بهادر أحميدوف، ويجب الاهتمام بالمواهب المتوفرة دائماً، كي لا تبقى في خبر كان، ولا يجب كيل المديح لهم عبثاً بل كيل المديح لهم عندما يتمكنون من تقديم إبداعاتهم أولاً، ويقدموا مواهبهم وخبراتهم خلال سنين طويلة، وبعدها يمكن كيل المديح لهم بشكل مضاعف. وهذا أقل ما نستطيع فعله لهم. وأنا قرأ لكتاب شباب وسأقرأ على الدوام ما يكتبه جمشيد عبد اللاييف، وفاديم موراتخانوف، ويفغيني عبد اللاييف، بغض النظر عن المدرسة الأدبية التي ينتمون إليها.
وأعتقد أن هذا يكفي ولا أريد الإطالة بل إضافة تحية من الصميم لأسرة تحرير المعرفة السورية ولقرائها أينما كانوا. وشكراً.
طشقند في 15/10/2007

الأديب والسياسي الأوزبكي إيركين وحيدوف


الأديب والسياسي الأوزبكي إيركين وحيدوف



أ.د. محمد البخاري
تعود بي الذكريات لأول لقاء جمعني بالشاعر والأديب والسياسي الأوزبكي إيركين وحيدوف في ثمانينات القرن الماضي عندما كان رئيساً لتحرير مجلة "يوشليك" وزرته في مكتبه آنذاك وسلمته مادة كتبتها عن اتحاد شبيبة الثورة والشباب في سورية وأذكر الاستقبال الحار الذي لقيته منه ونشرت تلك المادة على صفحات المجلة الموجهة للشباب. وكان لقاءنا الثاني عندما أهديه نسخة من صحيفة البعث، التي نشرت لي مادة في عددها رقم 6371 الصادر عام 1984 تحت عنوان "مع الشاعر إركين وحيدوف" وتحدثت فيها عن الانطباعات التي تركتها عنده الزيارة التي قام بها لسورية في ذلك العام ونشرها في طشقند بعد عودته.
وتكررت لقاءاتنا في مناسبات عديدة بعد استقلال أوزبكستان، وكنت في كل مرة أجيب فيها على تساؤلاته الكثيرة عن الأوضاع في سورية ومتى ستفتح سفارتها في طشقند ؟ وأعبر خلال الأحاديث الشيقة معه عن رأيي بما نشرته الصحافة المحلية من أشعار، ومقالات سياسية كتبها. وفي لقاء جمعنا صدفة منذ مدة عند صديق مشترك أوجزت له الأوضاع الدقيقة التي تمر بها سورية وصمودها بقيادة الرئيس بشار الأسد، وأعربت له عن إعجابي بالطريقة التي يجمع فيها بين الكتابة وممارسة العمل السياسي خاصة وأنه يرأس لجنة الشؤون الدولية في البرلمان، وتساءلت عن كيفية توفيقه بين العمل السياسي والإبداع الأدبي ! فما كان منه إلا أن ابتسم وقال لي: نعم، أنا أعاني دائماً ومنذ تخرجي من الجامعة وعملي في دار النشر من ضيق الوقت، وكثرة الترحال والتنقل ولقاء الناس ولهذا تعودت على هذا الأسلوب المتعب للحياة وأشعر بنقص عندما يتغير هذا الأسلوب ولو لفترة قصيرة. ولا أخفيك أني كتبت أفضل أشعاري أثناء الطريق في أسفاري المتعددة، أو في ساعات الليل المتأخرة عندما أتفرغ لنفسي، ولا أبالغ إن قلت أن الإلهام الحقيقي أستمده من الناس اللذين ألتقيهم في كل مرة ومعايشتي لسعادتهم، وآلامهم، وإحباطاتهم، وآمالهم، وأعتبر كل إنسان ألتقيه معلماً لي آخذ منه الكثير ليكون جزءاً من وجداني وأعيد تلك الأحاسيس لقرائي من خلال كتاباتي.
وهنا ابتسمت وقلت له يعني أن الشعراء يولدون شعراء فهل هذا صحيح ؟ فبادلني الابتسامة وأردف قائلاً لا أعرف، ولكن على ما أعتقد أن الشعراء لا يحتاجون لدراسات جامعية عليا، ولا يمكن أن أتصور كيف يمكن إعطاء إلهام الكتابة لأحد، فعندما تكتب قصيدة عن الحب، فهي تعبير عن شعور ذاتي يتولد عندك لتكتب عن ذلك، ولا يمكن أن لا تكتب في مثل هذه الظروف، فعملية الإبداع نفسها، ليست صعوبة في الإبداع، ولكنها مجموعة من المشاعر تنتهي بك إلى الشعور بلذة الشعر، والشعر لا يكتب وإنما يسمع… وأنا سعيد جداً لأني أجد الوقت لكتابة الشعر دائماً ولو بشكل محدود.
والشعر بطبيعته هو ثورة، انتفاضة، وصراع عفوي، ضد الغضب، وضد الشعر المألوف، وضد أولئك الذين كانوا قبلك، الشعر يجب أن يتقدم، والأهم من ذلك يجب على الشاعر أن يثير إعجاب القراء وكل ظرف يحتاج لأصواته، ولشعرائه، والشاعر الحقيقي هو سلطان العقل، هذه الظاهرة ليست أدبية فقط، ولكنها ظاهرة شعبية، وهو ما أنتظره اليوم من الشعراء الشباب.
وفي خضم هذه الذروة عادت لذاكرتي أحاديث الطلاب أثناء دراستي الجامعية في جامعة طشقند الذين كانوا يثنون دائماً على قصيدة "أوزبيغيم" التي كتبها الأديب والسياسي إيركين وحيدوف في أيام الصحوة القومية التي عاشتها أوزبكستان خلال ستينات القرن الماضي، وكان الطلبة حتى ثمانينات القرن العشرين يتبادلونها مكتوبة بخط اليد، فتبادر في ذهني أن اسأله عن القصيدة التي جعلت منه محط أنظار الجميع آنذاك. وجاء رده بجدية شعرت بها من خلال تعابير قسمات وجهه، وقال: نعم القصيدة التي كتبتها عام 1968 وأهديتها لشعبي، لم تتضمن أي مداهنة، والأكثر من ذلك أنها حظيت بالشهرة مباشرة بعد كتابتها، ولحنت، وأضحت على كل لسان يرددها الجميع وهو ما أزعج الأجهزة المعروفة، التي سارعت للالتقاء بي، ولمناقشتي، ولمعرفة أسباب كتابة هذه القصيدة، ولمعرفة من أوحى لي بها، ومن ورطني في كتابتها، وسرعان ما تحولت القصيدة إلى "عمل بطولي"، وبعبارة أخرى كان بحثهم في أرض عارية لأنهم لم يبحثوا في الأحاسيس والمشاعر القومية. فتساءلت حينها لماذا لا يستطيع الشاعر أن يغني لوطنه، وأن يفخر بأنه أوزبكي الانتماء، وظلت هذه القصيدة الشعرية ولوقت طويل "رهن الاعتقال"، ورغم مرور سنوات طويلة على كتابتها لم أغير فيها أية كلمة من الكلمات التي كتبتها آنذاك. ورغم تبدل الظروف حتى الآن فأنا لا أشعر بالخجل من أي شطر شعري كتبته لأني كنت دائماً صادقاً فيما أكتب، ولا يوجد عندي أشعار جاءت بالصدفة، ولا توجد أشعار أجبرت على كتابتها، أو أشعار اختلقتها كرهاً عني فكل ما كتبته خرج من قلبي 99 % وحتى أشعاري التي نشرتها الصحف دخلت لاحقاً في مجموعاتي الشعرية، فالشاعر يكتب لشعبه ويعبر عن سعادته وآلامه، والشاعر يحمل أحاسيسه لسنوات طويلة ويقول كلمته في الوقت اللازم والمناسب.
والشعر فن، ولكل فن سر، وقلب الشاعر وأحاسيسه مليئة بالأصوات الخاصة به، وليس من الضروري أن تنقش الأشعار على ألواح محفورة، وليس من الضروري أن تحلل من خلال البحث في الشعر عن الفكرة أو المضمون، لأن كل ذلك هراء لا أكثر، بل يجب أن يترك الشعر لأسراره، ويجب أن تقيّم الكلمة، التي تجعلنا نسمو، وتصنع الناس، وعلينا أن نسعي دائماً لأن يكون الشعر في متناول الجميع، وأن يشغل الشعر مكانه المناسب في حياتنا.
فأنا أكتب باللغة التي تعلمتها من أمي "اللغة الأوزبكية" خاصة في ذلك الوقت الذي كادت فيه لغتي القومية أن تختفي، ولكن شعبنا ذواق للشعر ويقدر الكلمة القيمة، والفكر الصادق دائما، ويقدر ما يتضمنه الشعر العاطفي، والأغنية الجيدة، ولا أخفيك مدى ارتباكي والخلجات غير الطبيعية التي أحس بها عندما ألقي أشعاري أما جمع من الناس، وأنسى شطراً منها ليذكرني به الحضور من الصالة. وكم تكون حياتي مليئة بالسعادة لو كانت مشابهة لحياة رابندرانات طاغور، الشاعر العظيم والمفكر الذي جلب الشهرة لوطنه، ولكنه مع ذلك بقي ذلك الإنسان البسيط حتى نهاية حياته.
وأنا معجب بأعمال غوته، الذي كان يكتب شعراً عالمياً حتى سن متأخرة من حياته، وساهم في رفع الشعر إلى القمة ولم يفقد طوره أبداً بل بقي غوته كما كان وهو ما تساويه خاتمة "فاوست". وحياة الشعراء لا تقاس بالسنوات التي يعيشونها أو بالسنوات الطويلة التي يمكن أن تتحول إلى تراجيديا، وأعتقد هذا ما دفع فزنيسينسكي ليقول: تموتون في الوقت المحدد لكم، ولكن عندما يعجز الشاعر عن التعبير عن نفسه فعليه أن يغادر الحياة. ومن الصعب أن أتصور نفسي بدور العجوز الذي لا يرضى عن شيء، ولا يمكن أن أتصور ليرمانتوف وقد عاش حتى سن الشيخوخة، أو عبد الله توقاي، أو عثمان ناصر، أو تشولبان … فقد غادروا الحياة شباباً ولكنهم خالدون بفضل آثارهم الأدبية.
الإنسان مع الوقت يتغير، وأشعاري المبكرة كتبتها بتأثير من أشعار علي شير نوائي، وسعدي، وحافظ، وبوشكين، ويسينين، ومثل هذه المراحل يمر بها كل الشعراء، ولكن الوقت يملي علينا شروطه، ونحن ننصاع لتلك الشروط، والشاعر دائم البحث عن الأفضل والأكثر كمالاً.
وكان تطرقه لبعض الشعراء الشرقيين بمثابة دعوة عفوية لأطلب من الشاعر والأديب والسياسي الأوزبكي إيركين وحيدوف، التحدث عن موقفه من إبداعات شعراء الشرق الذي ينتمي إليه فأمثلته كانت مشبعة بالثقافة الروسية والأوروبية ! فما كان منه إلا أن أومأ قليلاً ثم تابع قائلاً يحزنني أنني لم أتعامل مع إبداعات شعراء الشرق لأني لم أستطع فهمها حتى النهاية من الترجمات والسبب أني أجهل اللغة العربية واللغة الفارسية التي كتبت بها تلك الأشعار ولا بد من إتقانها ليشعر المرء بإلهية وسحر شعر الشرق، وهذا لا يعني أن ترجمة الشعر غير ممكنة، وأنا نفسي مارست الترجمة، وترجمت لبوشكين، وبلوك، وغوته، وقسم من فاوست، ويسينين، والكثيرون يعتبرون أن ترجمتي ليسينين كانت أفضل من الأصل، لأني أقدر إبداعات هذا الشاعر، ووظفت أحاسيسي وحبي لأشعاره وترجمتها، وكتبتها بدقة، ومع ذلك أنا ترجمت أشعار ولم أكتبها بنفسي.
والشعر كالشطرنج، لأنها لعبة عادلة لا تعتمد على الحظ أبداً، فالشطرنج يربي الإنسان على الإيمان بالنصر، وكل خطوة لا تخضع لتفكير وحسابات دقيقة أو تنطلق من تأثيرات عاطفية نهايتها فاشلة، وحتى عندما تكون واثقاً بالنصر، يجب أن لا تنسى الهزيمة.
وعلى الشعراء المبتدئين أن يكونوا واثقين من أن الشعر يبدأ منهم، لأن للشباب دائماً أحلام وطموحات كبيرة وعليهم أن لا يخجلوا، لأن الأهداف والأحلام الكبيرة تصنع الشعراء الحقيقيين، وعليهم أن يتعلموا الكثير دون التخلي عن مشاعر الرحمة، ومشاعر احترام العلاقات الأسرية، وتربية الأطفال، والمشاعر الصادقة نحو الحي في المجتمع الشرقي، لأنك في الحي لا تشعر بأنك وحيد أبداً. ففي الحي الذي أسكنه هناك تاجر بنى لنفسه منزلاً من طابقين وكثيرون اعتقدوا أنه بيتي، رغم أني في سبعينات القرن الماضي كنت أول من اشترى سيارة في الحي ومع ذلك ولفترة طويلة لم أركبها، خجلاً من جيراني المعروفين والمحترمين، الذين يكدحون أكثر مني، ولم تكن عندهم سيارات فالقيم الحقيقة هي الضمير والسلوك الفعلي.
وما أخشاه اليوم الخلط بين التوجهات، ففي ذلك الحي نفسه يعيش اليوم أناس أغنياء وآخرون فقراء، أناس تربوا على علاقات عادلة في العمل ومن بينهم مدرسين، وعلماء، ومنتجين، وهبوا أنفسهم لعملهم، ولم يستطيعون التكيف مع متغيرات الوقت، ولم يتوجهوا للتجارة في الأسواق ولم يشتغلوا بالبيع والشراء، نعم ظهرت طبقة يسمونها اليوم بالتجار طبقة تتمتع بكل وسائل الراحة، يملكون البيوت الكبيرة، والسيارات المستوردة، ويقومون برحلات حول العالم. وهذه الطبقة من بشر لا يجدون الوقت حتى للتفكير بالحياة البسيطة، أو لقراءة كتاب، أو لزيارة متحف، في الوقت الذي أصبح فيه المدرس عاجزاً عن شراء ضروريات العمل من مراجع أدبية، وأعتقد أنها كلها صعوبات مؤقتة في طريقها للزوال، وما أتمناه للجميع الصبر، والعمل الجاد، والإيمان دائماً بمستقبل أفضل.
وأعود الآن لسؤالك الذي كان في بداية حديثنا وأعتقد أنه لا جواب عليه لأني أصبحت أكتب أقل من السابق، لماذا ؟ لأني ومنذ وقت طويل لا أجد الوقت لكتابة الشعر، ففي الآونة الأخيرة أصبحت أتحدث أكثر، وألقي كلمات، وأعطي مقابلات صحفية، وما أكتبه على الورق تدريجياً أصبح أقل، وهذا مؤلم، ولكن هناك أفكار كثيرة ومثيرة، ولكنها مجرد أفكار وقد ألحق لأنجز هذا أو ذاك ومن يدري !! وودعني مغادراً المكان الذي جمعنا صدفة.
والشاعر والأديب والسياسي الأوزبكي إيركين وحيدوف ولد بمنطقة ألتي أريق بولاية فرغانة عام 1936، وتخرج من كلية الآداب بجامعة طشقند الحكومية عام 1960، وعمل محرراً ورئيساً للتحرير في دار نشر "يوش غفارديا" التابعة للجنة المركزية لاتحاد الشباب الأوزبكي، وفي دار غفور غلام لنشر الآداب والفنون، وتولى رئاسة تحرير مجلة "يوشليك" (الشباب).
ومن مجموعاته الشعرية المنشورة: نفسات الفجر 1961؛ وإليكم أغنيتي 1962؛ والقلب والعقل 1963؛ والفجر 1963؛ ونجمتي 1964؛ ومن الصوت 1965؛ وأشعار عاطفية 1966؛ وديوان الشباب 1969؛ والقنديل 1970؛ والشباب الحالي 1971؛ والحب ، والكواكب الحية 1980، كما ونشرت له عدة أعمال مسرحية من بينها مسرحيته الكوميدية "الجدار الذهبي"، 1970 التي صور فيها حياة المعاصرين في أوزبكستان ولاقت قبولاً واسعاً لدى المخرجين وتم عرضها على مسارح أوزبكستان وبعض الدول الأجنبية.
ومارس الترجمة من اللغة الروسية إلى اللغة الأوزبكية ونشرت له مجموعات شعرية لسرغي يسينين، ومسرحية "فاوست" لغوته، وأشعار لبوشكين، وبلوك. كما وترجمت أشعار وقصائد الشاعر والأديب والسياسي الأوزبكي إيركين وحيدوف إلى اللغة الروسية وغيرها من لغات الاتحاد السوفييتي السابق. وحصل على وسام "شارة الشرف"، وميدالية "العمل المتميز"، وتقدير المجلس الأعلى (البرلمان) في أوزبكستان، وقرغيزيا، وبيلاروسيا. وعلى جائزة اتحاد الشباب، وحصل عام 1983 على جائزة حمزة في الأدب بجمهورية أوزبكستان. وتفرغ للعمل السياسي منذ الأيام الأولى لاستقلال بلاده جمهورية أوزبكستان في عام 1991 وانتخب لعضوية البرلمان منذ دورته الأولى وترأس فيه لجنة الشؤون الدولية منذ تأسيسه وحتى الآن.
طشقند في 23/12/2006

نداء القلب

نداء القلب

حوار مع عبد الله أريبوف رئيس اتحاد الكتاب بجمهورية أوزبكستان.
أجراه في طشقند أ.د. محمد البخاري
ولد عبد الله أريبوف: بطل أوزبكستان، ورئيس اتحاد الكتاب بجمهورية أوزبكستان، عام 1941 في قرية نيكوز بمنطقة كاسان التي يسكنها عدد كبير من المواطنين الأوزبك المنحدرين من أصول عربية في ولاية قشقاداريا. وتخرج في عام 1963 من كلية الآداب بجامعة طشقند الحكومية، وبعد تخرجه عمل من عام 1963 وحتى عام 1969، محرراً في دار النشر "يوش غفارديا" وبعدها من عام 1969 وحتى عام 1974 في دار النشر "غفور غلام" الأدبية، وخلال الفترة من عام 1974 وحتى عام 1976، عمل رئيس قسم في مجلة "شرق يولدوزي" (نجمة الشرق)، ومن عام 1976 وحتى عام 1982 مستشاراً أدبياً في إتحاد الكتاب بجمهورية أوزبكستان السوفييتية الاشتراكية، والسكرتير المسؤول عن فرع اتحاد الكتاب بولاية طشقند، ومن عام 1982 رئيساً لتحرير مجلة "غول خان".
ويكتب عبد الله أريبوف بلغته الأم الأوزبكية ومن أعماله الأدبية المنشورة: "النجمة" ديوان شعر عام 1965؛ و"أنتظرك" ديوان شعر عام 1967؛ و"أمي الحنونة" ديوان شعر عام 1969؛ و"النبع" ديوان شعر عام 1971؛ و"أوزبكستان" ديوان شعر عام 1971؛ و"رياح الوطن" ديوان شعر عام 1974؛ و"الإعجاب" ديوان شعر عام 1977؛ و"وجهاً لوجه" ديوان شعر عام 1979؛ و"الصيدلي والموت" ديوان شعر عام 1980؛ و"قلعة الأمل" ديوان شعر عام 1981.
وترجمت أشعاره إلى اللغة الروسية وصدرت في طشقند وموسكو. ويمارس عبد الله أريبوف الترجمة ومن ترجماته الأدبية إلى اللغة الأوزبكية "الكوميديا الإلهية" لدانتي، و"في التحصينات" ليسو أوكرايينسكي، و"عيد في كل منزل" لـ بيجاييف م.، وأبيات شعرية لبوشكين، ونيكراسوف، وفابتساروف ن. ، وغيرهم.
وحصل على وسام نجمة الشرف، وعلى جائزة الشباب في الأدب عن ديوانيه الشعريين "النبع" و"أوزبكستان" (1972)، وعلى جائزة حمزة الحكومية في الأدب.
ويعتبر عبد الله أريبوف مؤلف النشيد الوطني الأوزبكستاني، وعشرات الدواوين الشعرية، وهو إنسان يتمتع بحياة إبداعية متميزة فريدة، ينظر من خلالها إلى الحياة نظرة خاصة.
وفي لقاء خاص جمعنا صدفة أجريت معه الحوار التالي:
س- الشاعر والأديب عبد أريبوف أعرف أنكم من خلال عملكم تقيمون أعمالاً إبداعية فما هي النواحي التي تعتمدون عليها في تقيم العمل الإبداعي ؟
ج- من نواح مختلفة، وتجربتي الخاصة بغض النظر عن أني دائماً أكتب كثيراً، وأكتب دائماً كل ما يخالجني من أفكار، وما يمليه قلبي علي ومع ذلك هناك أوقات فراغ غير قليلة أمضيها في المطالعة والتقييم. وإن شاء القدر أن أبدأ من جديد، لاخترت نفس المهنة التي أزاولها، ولكن دون تكرار لبعض المواقف التي كانت مفروضة دائماً علي، لأن الكتابة بالنسبة لي حاجة نابعة من أعماق الروح.
س- يتردد أنكم غير محظوظين مع المترجمين ؟
ج- نعم، هذه حقيقة. لأن مواضيع الترجمة حساسة وصعبة جداً. هناك شعراء رائعون، أمثال: الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف، الذي ترجم له روبيرت رجديستفينسكي، ولا أحد، مثل روبيرت رجديستفينسكي، يمكن أن يكتشف الأسلوب والإيقاع الشعري لينقله إلى القارئ عبر النص الشعري المترجم إلى الروسية.
الترجمة مهنة صعبة المنال، ولا يستطيع الجميع القيام بها وحتى الشعراء أنفسهم.
س- ترجمات كثيرة لأشعاركم صدرت باللغة الروسية فمن أفضل من ترجم أشعاركم ؟
ج- المترجم نعوم غريبنيف، وأليكساندر فاينبرغ، وريما كازاكوفا، وإيغر شكلاريفسكي.
س- ترجمتم للكثير من الشعراء إلى اللغة الأوزبكية فلمن ترجمتم على سبيل المثال ؟
ج- ترجمت لبوشكين، ونيكراسوف، وليسو أوكراينسكي. وطيلة خمسة عشرة عاماً أعمل بشكل متواصل على ترجمة "الكوميديا الإلهية" لدانتي.
س- هل ترجمت لكم أبيات شعرية إلى اللغة العربية ؟
ج- لا أدري فالتواصل الأدبي مع الأوساط الأدبية العربية بعد استقلال أوزبكستان لم يزل ضعيفاً، وفي عام 2003 سمعنا عن ترجمة مختارات شعرية للشاعر الأوزبكي محمد علي، بعنوان: "من أنا"، و"الوطن"، و"الحماية"، و"الملك والشاعر". ومختارات شعرية للشاعرة الأوزبكية أيدين حجاييفا، بعنوان: "ليلة القدر"، و"الأوزبك". وقصة للأديب الأوزبكي سيد أحمد "عصيان الكنائن". وقصة للأديب الأوزبكي أولماس عمر بيكوف "أمانة القيامة". وقصة للأديب الأوزبكي أتكور هاشيموف بعنوان "الوليمة"، في ملف خاص عن الأدب الأوزبكي أعتقد أن مجلة "النوافذ" السعودية نشرته، ولكني لم أرى ذلك العدد الخاص، ولم أسمع عن ترجمة أي أبيات شعرية كتبتها أنا إلى اللغة العربية.
س- إبداع أي من الشعراء والكتاب أقرب إلى ذوقكم الشعري ؟
ج- الرد على هذا السؤال صعب جداً، فأنا لا أعتبر نفسي فيلسوفاً، ولكني أتقبل العالم المحيط بي من خلال شفافية أفكر بها. وأنا معجب دائماً بتراث علي شير نوائي، وسعدي، المتميز بمستواه الشعري الرفيع. وباهتمام ومتعة كبيرة أقرأ وأعيد قراءة أشعار بوشكين، ونيكراسوف، وباحترام كبير أنظر إلى بعض إبداعات تشولبان، وحميد عالم جان، وغفور غلام.
س- ما موقفكم من القيم الروحية والقيم المادية ؟
ج- القيم الروحية لا حدود لها، والمثل الأعلى للإنسان من وجهة نظري الصدق، ويمكن أن يكون هذا لأني في حياتي خدعت وأخدع كثيراً، ويمكن أن لا أشعر بالوحدة، إذا كان عندي أصدقاء، رغم عدم تطابق الأفكار. أما ما يتعلق بالقيم المادية، فلا أعرف ما ذا أقول ! فأنا لست من هواة جمع التحف والعاديات، ولا أملك طائرة، أو مزرعة، أو سوبر ماركت، ولا أهتم بأي شيء له علاقة بكسب الأموال وخزنها، ويمكن أن يكون هذا غير صحيح، وكان يجب أن أهتم بذلك ؟ لا أعرف !
س- كل منا يتعرض لأحداث تؤثر به فأي أحداث أثرت بكم وحولت شيئاً من مجرى حياتكم وأفكاركم ؟
ج- الحادي والثلاثين من آب/أغسطس 1991 عندما أعلن استقلال أوزبكستان. وعندما قالوا في النهاية أنه أصبح معترفاً بالأمير تيمور كشخصية تاريخية عظيمة، لأني أنظر للحياة من خلال الشخصية الفريدة لهذا القائد.
وكان من الغريب دائماً وغير مفهوم عندي كيف كان يمنع الحديث عن شخصيته وحتى ترديد اسمه. وكنت اعتقد حينها: أننا نعيش في عالم غير صحيح، في عالم يقرر بعض الأشخاص مصير شعوب بكاملها. وبعد الاستقلال مباشرة كتبت النص الدرامي المسرحي "صاحب قيران" الذي لم يزل يعرض على خشبة المسرح الأكاديمي الدرامي الأوزبكي بطشقند حتى الآن.
س- ما هو حلمكم الكبير وهل تحقق ؟
ج- نعم، حلمي الكبير تحقق، ووطني أصبح مستقلاُ. وأنا أكتب وأفكر بلغتي الأم الأوزبكية.
س- لكل منا قدره في الحياة فهل تؤمنون بالقدر ؟
ج- على ما أعتقد، أن الحياة نفسها هي قدر محتوم، وتخضع لقوانين منطقية، وفي توازن محدد بين النهار والليل، والحرب والسلم، والجيد في السيئ، والسيئ في الجيد.
س- كل منا يسعى للسعادة ما هي السعادة بالنسبة لكم ؟
ج- السعادة هي راحة الضمير، لأن اللص يمكن أن ينام بهدوء إذا غاب عنده الضمير، والمريض يرى السعادة في الشفاء، والأسرة المحرومة من الأولاد ترى السعادة في النسل.
س- وما هو الحزن ؟
ج- الحزن على ما أعتقد هو رفض الإنسان للحياة.
س- وما هو الحب ؟
ج- هو الشيء الذي كان موجوداً وهو موجود الآن وسيبقى إلى الأبد. وأنا أحس به وأحسست به وسأظل أحس به دائماً.
س- وما هو اليوم المحبب إليكم ؟
ج- عندما تكون أنت هادئاً والجميع حولك يتمتعون بالهدوء، عندما لا يكون هناك ديون، ولا يؤنبك ضميرك، عندما تحل المشاكل الكبيرة، وعندما تكون الأسرة في وفاق، وفوق رأسك سماء صافية يكللها السلام.
س- مع من ترغبون الحديث ؟
ج- مع أبي وأمي رحمهما الله، ليريا أحفادي، وليعرفوا بأني أصبحت بطل أوزبكستان.
س- من هو البطل المعاصر برأيكم ؟
ج- البطل المعاصر برأيي، قبل كل شيء هو إنسان طبيعي ومهما كان عالماً أم عاملاً أم فلاحاً المهم أن يكون مهتماً بالعمل الذي يتطلبه العصر. وهذا لا يعني أنه لا يوجد لديه مشاكل وكل شيء في حياته على ما يرام، ولا يوجد عنده نقائص تنغصه، وأنه خال من الأخطاء، لأن الحياة متنوعة وصعبة ليس للإنسان فقط، ولكن عليه أن يكون مثالاً في التواضع، والقناعة والسعي للوصول إلى الكمال.
س- ما هي تمنياتكم ؟
ج- أن أحقق ما لم يتحقق بعد، وأن أسامح من لم أسامحه، وأتمنى لمن هم من غير الأصدقاء الضمير الصافي.
طشقند 15/12/2007