الخميس، 24 أكتوبر 2013

تاريخ مصحف عثمان

تاريخ مصحف عثمان

011 المكان الذي تحفظ به النسخة الأصلية من المصحف الشريف
تشير المصادر الأوزبكستانية إلى أن مصحف عثمان بن عفان (ع) هو من أبرز الآثار الثقافية والتاريخية الإسلامية، ومحفوظ اليوم في مكان خاص بمدرسة باراك خان في طشقند، ويستقطب الكثيرين من الباحثين والزوار والسياسيين والسياح الذين يزورون أوزبكستان من العديد من دول العالم.


مدرسة بارك خان
وبدأ القرآن الكريم حياته على الكرة الأرضية في الـ24 من رمضان عام 610 وفق التاريخ الحديث. وفي هذا اليوم وبالتحديد في الليل بدأ الله عز وجل بتنزيل "كتاب الكتب" القرآن الكريم إلى عالم الأرض. وحتى ذلك التاريخ "أم جميع الكتب" كانت في السماء السابعة تحت عرش الله عز وجل ولم يبدعها أحد بل أبدعها الحي الباقي.
وعندما قرر الحي الباقي فتحها للناس. وللنبوة اختار أحد سكان مكة المكرمة، وهو محمد (ص) التاجر والمرافق للقوافل والبالغ 40 عاماً من العمر ومن قبيلة قريش العربية. وعن سبب اختياره للنبوة لم يسأل محمد (ص) أبداً، لأنها إرادة الله (ج). ومن يسأل في هذه الحالة ؟
ويجب القول أن النبي (ص) كان متواضعاً جداً وتفهم دوره في تنزيل القرآن الكريم. وكان مقتنعاً تماماً بأن مبدع القرآن الكريم هو الله (ج) وأنه ليس سوى وسيطاً يوصل بأمانة وإخلاص ما ينزل عليه من كلمات الله (ج). واعترف محمد (ص) بأن ما أنزل عليه كان مفاجئاً له، وأن ماسمعه، سمعه للمرة الأولى ولم يحاول إضافة أو تغيير كلمة واحدة من كلمات الله (ج) التي أنزلت عليه.
والحي الباقي أنزل القرآن على نبيه المختار عبر الوحي جبريل تباعاً خلال أكثر من عشرين عاماً، وفعلياً حتى وفاة النبي (ص). وكان الوحي ينزل على محمد (ص) عملياً نهاراً أو ليلاً، وأثناء النوم والإستلقاء، وأثناء خلوته عن الناس، وكان ما يوحى إليه من القرآن طويلاً أو قصيراً. وأن مضامينه كانت تامة وتضمنت كل منها واحدة من قواعد الإيمان.
وبعد ثلاثة سنوات من بدء الدعوة للدين الجديد بدأ محمد (ص) بالدعوة للإسلام علناً. وفي البداية حازت الدعوة على نجاح كبير. وطالب عبدة الأصنام بمعجزات، واعتبر النبي (ص) القرآن الكريم من أكبر معجزات الدين الفتي.
وكان عمر محمد (ص) آنذاك 43 عاماً وهو سن اكتمال العقل. وبقيت الأوصاف الخارجية للنبي (ص) عن معاصريه: "كان إنساناً متوسط الطول، معتدل الجسم، أكتافه عريضة؛ شعره مجعد كثيف، ولحيته سوداء طويلة، ورأسه كبير، بجبهة مفتوحة، وقوس أسود من الحاجبين المتراكمين فوق الأنف، ورموشه طويلة، وعيناه كبيرتان لامعتان، وأنفه معقوف، وخطواته ثقيلة وجريئة". ويمكن القول أن هذه من الصفات النموذجية للعربي.
كما وتثير الصفات الشخصية للنبي (ص) الإعجاب على قدم المساواة، لأنه لم يكن إلهاً بل إنساناً عادياً. ويقول المؤرخون العرب أن محمد (ص) كان إنساناً يتمتع بسمعة لا غبار عليها، وتميز بأخلاق ممتازة، من الصدق والأمانة والنزاهة والذكاء وخفة الدم. وكان النبي (ص) بعيداً عن الغرور والسعي للنجاح الشخصي. وعندما أصبح رئيساً للقبائل العربية رفض اللقب الملكي "مالك" الذي عرض عليه. وكانت حياته بسيطة كرسها لصالح الأمة، والمجتمع الإسلامي. واعتبر نفسه رسولاً من الله (ج) والأخير في سلسلة الرسل و"خاتم الأنبياء".
وكانت مهمته الدينية ختم القرآن الكريم، كتاب الله (ج) الضخم الذي يتكون من 114 سورة، وتنقسم بدورها إلى آيات. ومجموع آياته 6247 آية أو 6360 آية إذا أضفنا لكل سورة تقريباً لفظ الجلالة: "بسم الله، الرحمن الرحيم". وبلغ عدد كلمات القرآن الكريم نحو 78 ألف كلمة.


نسخة مخطوطة من القرآن الكريم
والقرآن الكريم لم يأخذ شكل "كتاب" لأنه ليس كتاباً بالمعنى الحرفي للكلمة. ولا يمثل حياة قديسين، وهو ليس عملاً تاريخياً. ووفقاً لما جاء في القرآن الكريم هو "رسالة من رب العالمين"، و"كلمات الله (ج)"، "أنزله الحي الباقي خالق الأرض والسماوات". والقرآن الكريم هو وحي من الله (ج) و"كلمات، أنزلها على رسوله الكريم".
ويتنوع مضمون القرآن الكريم بشكل كبير. وفيه أحس القصص، والأمثال، والمواعظ والشرع الإلهي، ولعنة الله، والصلوات، وقصص التوعية، وغيرها. وكلها تشكل معاً تعاليم الدين الإسلامي التي من أعلى مراتبها التواضع وطاعة الله (ج)، و" لا إله إلا الله ومحمد رسول الله".
ولغة القرآن الكريم هي اللغة العربية. وإلى هذه النقطة هناك إشارة واضحة من العلي القدير: "إنا أنزلناه قرآناً عربياً، وإنا له لحافظون". و القرآن الكريم يقرأ باللغة العربية وفقاً للتقاليد الإسلامية، لأنها اللغة التي أنزله بها الوحي، وهي جزء لا يتجزأ من الرسالة نفسها. ونصوصه المترجمة إلى اللغات الأخرى ما هي إلا تفسير لمعانيه وهي ليست ترجمة كاملة. ومن هنا حاءت النصيحة لجميع المؤمنين بتعلم اللغة العربية.
وليس عبثاً تسمية الإسلام بالدين العالمي. والقرآن الكريم يشير إلى أنه يتوجه ليس للعرب وحدهم بل للبشرية جمعاء: "قل يا أيها الناس، إني رسول الله لكم جميعاً". وخلال السنوات الأولى من إنتشار الإسلام عقد المسلمون معاهدات مع أتباع الديانات الأخرى، واحتفظوا بحق ممارسة أديانهم بحرية: المسيحية، واليهودية، أو الزرادشتية مقابل قبولهم بالرعاية والحماية. وفي ذلك الوقت أعلن ما ذكر في القرآن الكريم عن المساواة في الإيمان والتسامح الديني: "لا إكراه في الدين". وكان من الأفضل لو تذكرت الشعوب هذه الكلمات دائماً.
ومن السمات الهامة للقرآن الكريم أنه خلال أربعة عشر قرناً مضت بقي على شكله دون تغيير. وترجع هذه الحقيقة إلى أن بعد جمع النصوص الحقيقية للقرآن الكريم، العمل الذي اكتمل في عام 651م، لم يستطع أي إنسان تغيير ولا حتى حرف واحد مما أبدع الله (ج). ومن ضمنها ليس للحكام الحق بسن القوانين، وما يحق لهم إصدار المراسيم فقط. "والمبادرات التشريعية" هي للحي الباقي، "يسن الله ما يريد، وعنده أم الكتب".
وفي البداية تناقل القرآن الكريم كان يجري شفهياً، من مستمع إلى مستمع، وما كتب منه كان مجزءاً وغير ممنهج، على الرغم من أن النبي (ص) دعا إلى المحافظة على كل كلمة من كلمات الله (ج).
ومما زاد الأمر صعوبة أن النبي (ص) بأمر من الله (ج)، عدل بعض أحكام القرآن الكريم أثناء حياته على الأرض، وبأسلوبه الخاص: "عندما بدلنا أية علامة أو أمر لم ننساه بل أعطينا أفضل منه أو مساو له". وعلى هذا الشكل وزعت آيات القرآن الكريم إلى "ملغاة" أو "معدلة"، ووفقاً لهذه النظرية الدينية جرى تعديل أكثر من ثلث سور القرآن الكريم.
ووفاة النبي (ص) عام 632م لم تسبب الحزن فقط، بل كانت مصدر قلق كبير في أوساط المجتمع الإسلامي. إذ توقف نزول الوحي الإلهي وكان الكتاب المقدس لم يزل مجزءاً، ولم يجري جمعه. وضعفت صفوف أصحاب النبي، ومنهم من غادر الحياة بسبب الشيخوخة أو المرض أو الجراح التي أصيب بها أثناء المعارك. وكان هناك خطر فقدان نصوص من القرآن الكريم، المحفوظة لدى المؤمنين مجزأة ومفككة.
وهنا ظهر على مسرح التاريخ الخلفاء الأربعة الراشدون: أبو بكر (ر)، وعمر (ر)، وعثمان (ر)، وعلي (ر). ووفقاً للمصادر كان المبادر الأول لجمع القرآن الكريم عمر (ر)، الذي نصحه سلفه أبو بكر (ر) بإتمام هذا العمل طاعة لله (ج). وكان أبو بكر (ر) قد أسند هذه المهمة لزيد بن ثابت، الذي كان كاتباً عند النبي (ص) خلال سنوات حياته الأخيرة.
وزيد كان متحمساً لهذا العمل. ووفقاً للمنقول قام بجمع ومقارنة الكتابات المتفرقة المكتوبة على العظام، والحجارة، والجلود، وسعف النخيل، أي كل ما استخدم في الكتابة آنذاك. وبالإضافة لذلك أخذ بكتابة قصص معاصري محمد (ص)، وكل مابقي في ذاكرتهم من "آيات الله".
وأعيد النظر فيها من قبل "هيئة التحرير" وكتبت على أوراق منفصلة في النسخة الأولى من القرآن الكريم التي وضعت بين "غلافين"، ولكن لم يجري نسخها لعدة نسخ. وفي ظروف الصراعات السياسية التي جرت أيام الخلفاء الراشدين أخذت تظهر كتابات وقوائم مماثلة، خلقت أرضية لحدوث اختلافات في القراءة. ووضع الخليفة عثمان (ر) وهو من السلالة الأموية حداً لهذه الخلافات الخطيرة خلال الفترة الممتدة من عام 644م وحتى عام 656م.
وكان عثمان (ر) إنساناً غير عادي معززاً بنشاطه وقوة سلطته الروحية، الخلافة، وقام بضبط الحياة الاقتصادية، ووسع حدود الدولة الإسلامية لتشمل إيران ووسط آسيا. وكانت سلطة عثمان (ر) قوية لأنه ارتبط بصلة القرابة مع النبي (ص) وتزوج على التوالي من إبنتيه رقية، وأم كلثوم، وبفضل ذلك حصل على اللقب الشريف "الفائز بالنجمتين".
وكان عثمان (ر) ملتزماً في نشاطات بأحكام القرآن الكريم بشدة. ولكن كان يجب إنجاز الكتاب المقدس ليكون خالياً من الجدل والتناقضات. ولهذا كلف عثمان (ر) بهذا العمل زيد بن ثابت. وشكل لإنجاز هذا العمل ما يشبة لجنة التحرير من صحابة النبي (ص). وفي البداية جرى اختيار "آيات الله" المكتوبة والموجودة عند بعض الأشخاص. وجرى مقارنتها مع النسخة الأولى من القرآن الكريم وتم قبولها أو رفضها أو أعيدت كتابتها، وفي النهاية تم تحقيق صياغة موحدة للقرآن الكريم.
 ومن أجل هذا أقدم عثمان (ر) على خطوة عرضته للكثير من الإنتقادات سواء من رجال الدين أو من العلماء. وأمر بإتلاف كل المصادر المكتوبة اٍلأصلية التي جمعها قسراً أو طوعاً. وتم الانتهاء من إعداد النص الموحد النهائي من القرآن الكريم في عام 656م. وحصل زيد بن ثابت من الخزنة على مبلغ 100 ألف درهم، ونسخ الكتاب المقدس بخمسة نسخ، أرسلت إلى أهم مراكز الخلافة وهي: مكة المكرمة، والمدينة المنورة، ودمشق، والكوفة، والبصرة. وأبقى عثمان (ر) النسخة الأصلية لنفسه. ويذكر أن عثمان (ر) كان يقرأ هذه النسخة من القرآن الكريم عندما جاء المتمردون لقتله، وبقيت على صفحاته بقعة من دم الخليفة الصالح. واعترفت المذاهب السنية الإسلامية المتعددة بالنص الموحد للقرآن الكريم.
والآن يمكن الإشادة فقط بأولئك الذين أسهموا في إعداد المخطوطة القديمة العظيمة، ونسخوها وزينوها. وكتبوها بالخط الكوفي القديم على 353 صفحة من الرق القوي السميك، على جهة واحدة ملساء صفراء اللون وبيضاء من الجهة الأخرى، مع تجاعيد صغيرة. واتسعت كل صفحة لإثنى عشرة سطراً. ومع ذلك شغل النص مساحة كبيرة. واستبدلت 69 صفحة من الصفحات المفقودة أو الممزقة بأوراق مقلدة من الرق. وفصلت كل سورة عن المجاورة لها بخط من المربعات أو المستطيلات المزخرفة. ولم تكتب أسماء السور، وكلها بدأت بكلمات "بسم الله الرحمن الرحيم" باستثناء السورة التاسعة.
وبعد ذلك جرت وقفة عند مصير قرآن عثمان. واختفت هذه النسخة من الكتاب المقدس. وبعد مضي بعض من الوقت ظهرت في العالم الإسلامي عدة نسخ من القرآن الكريم مع بقع دم على صفحاتها، وادعي أن كلاً منها هي النسخة الأصلية من قرآن عثمان. ومن الممكن أن تكون النسخة الأصلية بينها، ولكن إثبات أصالتها غير ممكن الآن. ومع ذلك مثل هذا الإثباتات لم تهم أحد في المجتمع الإسلامي. واعتبر التشكيك بأصالتها تدنيس للمقدسات الإسلامية.
ووفقاً لما ذكره المستشرق المجري المعروف أرمين وامبيري، الذي قام برحلة إلى وسط آسيا في عام 1863م متستراً بصورة درويش، ذكر أنه شاهد في سمرقند عند ضريح الأمير تيمور، وعلى منصة مرتفعة في وسط المقبرة نسخة كبيرة من القرآن الكريم كتبت على جلد الغزال. وكتب "سمعت من الناس الموثوقين الكثيرين، أنها تلك النسخة التي كتبت أيام الخليفة الثاني. جلبها القائد العسكري الشهير الأمير تيمور معه من خزائن السلطان التركي بايزيد في بورصة".
وعندما دخلت قوات القيصرية الروسية إلى سمرقند عام 1868م، وضمت إلى منطقة زرفشان بإقليم تركستان، حفظ القرآن الكريم في مسجد حجي أحرار، شيخ الطريقة الصوفية، الذي عاش في القرن الـ15 الميلادي. وكان الحجاج يزورون المسجد طلباً للبركة. وخلال أيام الأعياد الكبيرة يخرج الكتاب من المسجد ليراه الناس.
واهتم قائد المنطقة العسكرية الجنرال أبراموف من بين أعماله الأخرى بالنسخة النادرة لمخطوطة القرآن الكريم. وكانت هناك توقعات عديدة عن كيفية وصول قرآن عثمان إلى سمرقند. واعتقد بعض العلماء أن العالم الديني أبو بكر كفال الشاشي أحضرها من بغداد في القرن العاشر الميلادي. وهناك مقولات أخرى تقول، بأن أحد مريدي وتلاميذ حجي أحرار، أثناء عودته من مكة المكرمة وأدائه لفريضة الحج، عالج حاكم القسطنطينية من المرض وشفاه، وكمكافأة له على ما فعل طلب أن يهديه قرآن عثمان. بينما يعتبر الكثير من الباحثين أن المقولة الأكثر احتمالاً هي أن الأمير تيمور استولى على القرآن الكريم أثناء واحدة من حملاته على سورية أو العراق وحفظه في مكتبته. وبعد مضي بعض الوقت وفي ظروف غير معروفة وصل إلى مسجد حجي أحرار.
والآن من المستحيل تحديد أسباب وظروف وجود مصحف عثمان خارج جدران المسجد. وعلى كل حال وقع الكتاب في أيدي أبراموف لقاء مكافأة رمزية بلغت 100 روبل.


قرآن عثمان
وقام بإرسال قرآن عثمان إلى كوفمان الحاكم العام للإقليم في طشقند. الذي بدوره تبرع به وأرسله إلى سانت بيتربورغ، حيث حفظ بقسم المخطوطات بالمكتبة العامة. ولأول مرة وبعد عدة قرون أخرج الكتاب المقدس لدى المسلمين إلى خارج العالم الإسلامي.
ولكن وكما هو معروف العمل السيء يقابله وجه طيب، وحصل العلماء على فرصة لدراسة الكتاب النادر عن كثب. وأثبت المستشرق الروسي أ.ف.شيبونين، أن المخطوطة تعود لبداية القرن الثامن الميلادي، وأنها صنعت على الأراضي العراقية، ويعتقد أنها نسخت من النسخة المخطوطة لقرآن عثمان، التي أرسلت إلى البصرة بعد كتابة النص الموحد.
وأثارت أعمال العلماء اهتماماً كبيراً في الأوساط الإجتماعية بقرآن عثمان. وتم تصوير بعض صفحاته، وطبعت باسلوب الطباعة الحجرية وطرحت للبيع. وفي عام 1905 أعدت نسخة فاخرة من قرآن عثمان مصورة بأسلوب الفاكسميل بالحجم الطبيعي وطبعت بعدد نسخ محدودة بلغت 50 نسخة.


نسخة مصورة
ويقال أن لكل كتاب مصيره. ومصير قرآن عثمان لم ينتهي بعد. ففي عام 1917 حدث إنقلاب أكتوبر في روسيا وجاء البلاشفة إلى السلطة، برئاسة لينين. وقائد العمال في العالم كما نعرف كان ملحداً، وبطبيعة الحال لم يصدق بقداسة الكتب الدينية. ولكنه كان سياسياً وفهم جيداً فاعلية الدعاية التي يمكن الحصول عليها من إعادة قرآن عثمان للمسلمين، وحصل ما سعوا إليه بالفعل.
حيث وجه المؤتمر الإقليمي للمسلمين الذي انعقد في بتروغراد بتاريخ 14/12/1917 رسالة إلى لجنة مفوضي الشعب لشؤون القوميات أشار فيها إلى أن قرآن عثمان يعتبر "كنزاً مقدساً وملكاً لكل العالم الإسلامي ويجب أن يكون بأيدي المسلمين. وأن كل مسلمي روسيا يريدون هذا".
وفي الـ 19 من ديسمبر/ كانون أول أي بعد خمسة أيام، اتخذ مجلس مفوضي الشعب قراراً "بتسليمه لهم على الفور". وأعطى لمفوض الشعب للتعليم أ.لوناتشارسكي تفويضاً بذلك.
وأرسل أ.لوناتشارسكي المخطوطة الثمينة إلى أوفا، حيث مقر الإدارة الدينية للمسلمين في كل أنحاء روسيا، وسلمت المخطوطة لجماعة دينية محلية. وبقيت الخطوة الأخيرة بإعادتها إلى مكانها التاريخي في تركستان. وهو ما سعت إليه الشخصيات الدينية والإجتماعية في إقليم تركستان. وفي عام 1924 نقل قرآن عثمان بعربة قطار خاصة إلى طشقند. والمكان الدائم لحفظ المخطوطة لم يحدد مباشرة، ويمكن القول أن الأمر تمتع بأهمية محلية. وفي عام 1941 أصبح المكان الدائم لحفظ المخطوطة متحف تاريخ شعوب أوزبكستان في طشقند.
وخلال تنقلات المخطوطة كلها بقيت مصطبتها الضخمة المصنوعة من المرمر بمكانها في سمرقند، بمسجد بيبي خانم. وجرت محاولات لتحريكها من مكانها وفشلت كلها بسبب الوزن الهائل. وفي عام 1989 سلمت مخطوطة قرآن عثمان للإدارة الدينية لمسلمي أوزبكستان، وفي الوقت الراهن هي محفوظة في مكان خاص بمكتبة الإدارة، الواقعة في مدرسة باراك خان.


مكان حفظ النسخة الأصلية
وهذا كان مصير أحد نسخ القرآن الكريم خلال عدة قرون، والكتاب المقدس للمسلمين ويؤمن بتعاليمه أكثر من مليار إسان على وجه الكرة الأرضية. وقرآن عثمان آثر تاريخي بارز في التاريخ والثقافة الإسلامية ولا يزال حتى اليوم يجذب الباحثين والحجاج والسياح من العديد إلى أوزبكستان من دول العالم.
بحث أعده أ.د.محمد البخاري، في طشقند، 22/10/2013 نقلاً عن الصفحة الإلكترونية:   http://www.uzbekembassy.org/r/historical_places/

الأحد، 20 أكتوبر 2013

عبد الخالق غيحدواني

عبد الخالق غيحدواني



مجمع عبد الخالق غيحدواني في غيجدوان
يعتبر عبد الخالق غيحدواني، مؤسس مدرسة تصوف مستقلة في وسط آسيا بالقرن الثاني عشر الميلادي. وعرف نظام حجه خان المتبع آنذاك بتشدده وثبات وطهارة إيمانه بالإسلام. ووضع عبد الخالق غيحدواني أسس الطريقة النقشبندية المشهورة في العالم الإسلامي. وولد العالم الإسلامي عبد الخالق أبو الجليل غيحدواني في أسرة متدينة عام 1125م.. وكان أبوه إمام مسجد في السوق الكبيرة بمدينة غيجدوان في ولاية بخارى (أوزبكستان). وكان عبد الخالق غيحدواني من طفولته المبكرة محاطاً بالتقاليد الصوفية الإسلامية. وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب في سن التاسعة من عمره. ومن سن العاشرة من عمره شارك بالعبادات التي كان يقيمها الدراويش. ولم تكد تمضي ثلاث سنوات حتى فهم أنه يعاني من قلة المعرفه. وترك عبد الخالق غيحدواني والديه وتوجه إلى بخارى التي كان يحكمها آنذاك القرخانيون. وكان القرخانيون من حماة السنة والإسلام الصحيح. وكانت بخارى آنذاك من المراكز الثقافية الكبيرة في وسط آسيا. وسعى عبد الخالق غيحدواني للدخول إلى عالم الكتب والمعرفة، ولم يقطع صلاته بالدراويش والصوفيين الشباب.
وفي سن الـ22 حصل عبد الخالق غيحدواني على صفة رجل دين بارز في بخارى، وكرس حياته لخدمة الله (ج). وفي بخارى التقى بالشيخ الشهير أبو كعب يوسف الحمداني وسرعان ما أصبح من تلاميذه المحببين. وأعجب الشيخ بذكاء هذا الشاب وقدمه لجماعة الصوفيين وسرعان ما سبق معلمه وأصبح شيخاً للطريقة. وفي ذلك الوقت كان الشيخ الصوفي المعروف والفيلسوف والشاعر أحمد يسوي طالباً عند الشيخ يوسف الحمداني. ودعى عبد الخالق غيحدواني إخوته إلى خيار الفقر ووقف ضد اشتغالهم بمناصب ووظائف حكومية. وألزمهم بعدم العمل. وفي أحد المرات وخلال أحد الأعياد الإسلامية زار الخضر (ع) عبد الخالق غيحدواني، وعلمه الذكر الصامت، واعتبره إبناً له. ووفقاً لتعاليم عبد الخالق غيحدواني على الدراويش الإلتزام بالتعاليم الثلاثة للنبي محمد (ص) الواردة في القرآن الكريم السورة 33 الأحزاب الآيتين 41 و42؛ والسورة 18 الكهف الآيتين 23 و24؛ والسورة 13 الرعد الآية 28 والتي تنص على: "يا أيها الذين آمنو ا اذكروا الله ذكراَ كثيراً"، "وسبحوه بكرة وأصيلاً"، "ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غداً"، "إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا"، "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب". واعتبر الصوفيون أن أدء الذكر هو المطلب الرئيسي من الساعين لبلوغ الله (ج). وفي وقت لاحق وعندما ازداد عدد الجماعات الصوفية، تحول الذكر إلى تقليد صعب.
وأكد الشيخ عبد الخالق غيحدواني في تعاليمه على أنه قبل الذكر يجب التمكن من أسلوب التنفس (التحكم بإدامة حبس التنفس)، من أجل تركيز الإنتباه وأداء كلمات الذكر وفقاً للشهيق والزفير وتوافق حركة الجسد. وفي ذلك الوقت كان في العالم الإسلامي تقليدين للذكر: الذكر الفردي، الذي يقوم به شخص واحد بصوت جهور أو بالهمس في الحجرة مع منديل على الرأس. وذكر جماعي جهري خلال إجتماعات الجماعة (وعادة في ليلة الخميس إلى الجمعة) أو ما سمي "سماسي" أو "حضراسي"، حيث يكون النبي (ص) حاضراً في الاجتماع. واستخدمت بعض الجماعات وسائل مثيرة للأحاسيس، مثل شرب القهوة، والمشروبات الساخنة والمخدرات، والموسيقى، والرقص، من أجل تغيير الحركة، وتغيير وضع الجسد، ومن أجل التركيز على اسم الله (ج)، الذي يعاد ذكره أحياناً عشرات آلاف المرات.
وأدخل عبد الخالق غيحدواني ذكراً جديداً صامتاً هادئ. وطور 8 طرق أساسية للتدرب على الطريقة. وأضاف عبد الخالق غيحدواني على هذه الطرق الـ 8 المقدسة ثلاثة طرق أصبحت في وقت لاحق الأساس الروحي للطريقة النقشبندية. واستعملت هذه الطرق خلال 500 مئة عام وحتى يومنا هذا في المناطق التي تتبع هذه الطريقة. وتوفي يوسف الحمداني عام 1440م بعد أن بلغ سن الـ 98 سنة. وكان أول خليفة له أحمد يسوي، الذي لم يرأس الطريقة لفترة طويلة، إذ عندما بلغ سن النبي (ص) أقسم أن يعيش منفرداً، وغادر إلى موطنه مدينة ياسي. ليخلفه عبد الخالق غيحدواني.
وسلم المسبحة المقدسة التي ترمز للسلطة الروحية لنائبه الشاب عبد الخالق غيحدواني. وكان الدراويش يحترمون هذه المسبحة كثيراً، لأنها تحمل "البركة" التي وضعها فيها الشيوخ وهم يذكرون اسماء الله الحسنى خلال حياتهم. وكان قد أحضر هذه المسبحة المقدسة يوسف الحمداني من مكة، حيث أدى فريضة الحج 38 مرة. وحافظ عبد الخالق غيحدواني على المسبحة في صندوق خاص بحراسة شيخ الصباح. واستمر عبد الخالق غيحدواني على نظرية معلمه وطور نظام التسلسل الروحي للطريقة النقشبندية. وعاش عبد الخالق غيحدواني 95 سنة وتوفي في عام 1220م ودفن في مسقط رأسه.


قبر الشيخ عبد الخالق غيجدواني
وفي عام 1433م شيد ألوغ بيك مدرسة إلى جانب قبر عبد الخالق غيحدواني. وشيدت المدرسة ضمن مخطط تشييد المباني المعمارية للقرن الثاني عشر ميلادي. وبعد ذلك كسي القبر بألواح من المرمر وأطلق عليه اسم "ضخم"، وتم بناء المدرسة إلى جانبه. وساحة المبنى تشبه "حظيرة" تحيط بالقبر من كل جوانبه.
المصدر: 8 سبتمبر/أيلول 2012م / http://ziyouz.uz/ru
بحث أعده أ.د. محمد البخاري، طشقند، 20/10/2013م

السبت، 19 أكتوبر 2013

أحمد المروزي

أحمد المروزي
اسمه الكامل حبش الأحمد بن عبد الله المروزي الحاسب، ولد في مرو حوالي عام 770م وتوفي في بغداد عام 870م، وهو عالم رياضيات، ومؤرخ بارز من وسط آسيا عمل في "بيت الحكمة" ببغداد مع الخوارزمي، والفارابي، وغيرهم من العلماء البارزين في العالم الإسلامي، وعمل في دمشق. وشارك في تحديد طول درجة واحدة من خط الطول.
سيرة حياته
ألف أحمد المروزي "كتاب الدوائر الثلاث المتلامسة وخصائص تلامسها"، و"كتاب الكرة الأرضية"، و"كتاب الإسطرلاب الكروي"، و"كتاب المجال الكروي"، و"كتاب المسافات إلى الأجرام السماوية وحجومها"، و"كتاب المزولة (الساعة الشمسية)". وألف ثلاثة "زيج"، واحدة منها كانت شرحاً للجداول الهندية، التي سميت في المراجع العربية "السند والهند"، والإثنتان الأخريان وضعهما وفقاً لمتابعاته الشخصية.
وأدخل أحمد المروزي مفاهيم: علم المثلثات، وجداول التماس، وظل التمام، ووضع قائمة لوظائفها، وكانت مفاهيمه الأقدم في تاريخ العلوم العالمية. وقدم طريقة تكرارية لحل المعادلات التجاوزية T = θ – ksinθ، التي استخدمت في نظرية المنظور (وأطلق على هذه المعادلة لاحقاً اسم معادلة كبلر).
المصدر:
http://www.ziyonet.uz/ru/people/ahmad-al-marvazi/

بحث أعده أ.د. محمد البخاري، في طشقند، 19/10/2013

برامج ووسائل العلاقات العامة 3 من كتابي "العلاقات العامة بين النظرية والتطبيق"

برامج ووسائل العلاقات العامة 3 من كتابي "العلاقات العامة بين النظرية والتطبيق"
3
برامج ووسائل العلاقات العامة
3- 1. برامج العلاقات العامة.
تتضمن إدارة العلاقات العامة عامة العناصر التالية:
1. تحديد المشاكل: لأن تحديد المشاكل يعتمد على الإتصالات القائمة مع الساحات المستهدفة، وتشمل إجراء محادثات مع المجموعات البشرية الرئيسية لإكتشاف: ما يعرفونه؛ وما لا يعرفونه؛ وما يجب معرفته. وتحديد المشاكل، والخطوات العملية لوضع الأهداف.
2. وضع الأهداف: لأن هدف برامج العلاقات العامة يجب أن يكون متلائماً مع أهداف ووظائف الإدارة.
3. تحديد الساحات المستهدفة: لأن تحديد أهداف مجموعات الساحات المستهدفة ضروري لحل المشاكل القائمة، وهذا يعني ضروة تحديدها، والإشارة لمستوى أهمية كل مجموعة.
4. وضع الإستراتيجية: التي تتحدث عن المفاهيم العامة وكيفية الوصول للأهداف.
5. تحديد تكتيكات التنفيذ بدقة: وهذا ضروري لإعداد الخطوات القادمة للوصول إلى كل هدف من الأهداف الموضوعة.
6. وضع مؤشرات تقويم التنفيذ: لأنه من الضروري امتلاك برنامج زمني محدد بدقة لتنفيذ برامج العلاقات العامة.
7. وضع موازنة للنفقات: مع ضرورة إضافة نسبة 10% على الأقل لمواجهة النفقات غير المتوقعة.
8. التصديق على إجراءآت التقييم: لأنه من الضروري تحديد مقايس التقييم قبل البدء بالتطبيق.
وتتضمن عناصر التكتيك أساساً، إختيار المعلومات وتحديد وسائل إعطائها للساحات المستهدفة. وتحديد العناصر التي يجب أن تأخذها العلاقات العامة بإعتبارها عند تحديد المداخل لمختلف القنوات المستخدمة لإعطاء المعلومات لمختلف الجماعات الإجتماعية.
3- 2. برامج العلاقات العامة ووسائل تنفيذها:
ومن المعروف أنه هناك كمية كبيرة من وسائل تنفيذ برامج العلاقات العامة. وفق الخصائص والأهداف، وتستطيع الجهات المعنية استخدام مختلف وسائل الإتصال الداخلية. ويعتبر العمل المشترك مع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرة جزءاً رئيسياً من نشاطات العلاقات العامة. ومع ذلك فهذا غير صحيح لأن العلاقات العامة تستخدم للتأثير على الرأي العام أساليب لتنظيم النشاطات التي ترافق الأحداث بأشكال مختلفة. وتشمل المناسبات التي تستخدم للوصول لأهداف العلاقات العامة، وهي تنظيم: الأسواق؛ والأمسيات الخيرية؛ وتنظيم أسواق إعادة تسويق المنتجات؛ والنشاطات الرياضية؛ والحفلات الموسيقية؛ والمعارض؛ وحفلات تقديم المنتجات والخدمات الجديدة؛ والمؤتمرات؛ وغيرها من النشاطات. وهنا لا بد من أن نشير إلى أن الهدف من المشاركة في المناسبات المتنوعة يختلف في المؤسسات التجارية عن غيرها من المؤسسات غير التجارية. بالإضافة إلى أن الكلمات والخطب تعتبر من الوسائل الفعالة للعلاقات العامة. كما أنه هناك ظواهر خاصة تستخدم كوسيلة للعلاقات العامة كالفضائح والشائعات. ومن المهم أثناء إدارة العلاقات العامة الأخذ بعين الإعتبار تأثير الأساطير والتكرار على سلوك الساحات المستهدفة.
3- 3. العلاقة المتبادلة بين العلاقات العامة ووسائل الإتصال:
تتميز نشاطات العلاقات العامة، بالتوجه المباشر للجماعات الإجتماعية المستهدفة. وفي هذه الحالة يؤخذ بعين الإعتبار الإقلال من الأخطار، التي قد تلحقها وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية أثناء نشرها لمعلومات محددة. ويمكن اعتبار حفلات تقديم الجديد أكثر سطوعاً في نشاطات العلاقات العامة، لأنها تعتبر أساساً لتهيئة الرأي العام بالشكل المناسب عن الجهة المعنية؛ ونشر المعلومات وجذب الانتباه من خلال الإتصالات العملية. ولكن حفلات التقديم يجب أن تقام في حال إذا كانت هناك مواد ومعلومات لنشاط محدد فقط؛ مع استمرار العمل أثناء إجراء حفلات التقديم القادمة، مع تحديد مهام النشاطات، التي ترتبط بها أحياناً استجابة الساحة المستهدفة وسلوكها بعد حفل التقديم؛ وبعد ذلك يحدد مكان ووقت الحدث، ووضع قائمة بالأوساط المدعوة والمشاركة؛ والمكان المناسب لإقامة حفل التقديم: مطعم؛ نادي؛ صالة في الفندق. ووضع قائمة بمندوبي وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية التي ترغب الجهة المعنية بوجودهم بين الموجودين في الحفل. وقبل وقت كاف يجب أن تعد قائمة بالمتحدثين؛ واختيار المتخصصين من الجهة المعنية الملمين أكثر بكيفية تغطية المسائل المطروحة، ويجيدون التحدث عنها علناً؛ وأن يعرف المتحدثون عناوين التقارير الأخرى؛ وأن يجيدوا عرض وتقديم المواد المعدة للحفل.
والجانب الآخر لحفل التقديم هو تجهيز المواد والهدايا لتوزيعها؛ وتجهيز المكان المخصص للإحتفال والذي يجب أن يتفق مع الشكل الخارجي لفريق التقديم ومع أهداف ومواضيع ومضامين النشاطات. كما ويجب على المنظمين الوصول حتماً لمكان إجراء حفل التقديم باكراً للتأكد من جاهزية كل شيء (وخاصة التقنيات). وتوجيه حركة النشاطات بالإتجاه الصحيح، واستخدم كلمات صغيرة لتحريك الوضع. واستخدام عروض مناسبة أو كلمات أثناء حفل التقديم. وفي الختام الأفضل التوجه نحو تقديم النتائج بعبارات ومقترحات مقنعة.
ومن أجل الوصول للأهداف تستخدم العلاقات العامة: الندوات؛ والمؤتمرات؛ واللقاءات حول الطاولة المستديرة؛ والمؤتمرات الصحفية. ومن أجل إضفاء وزن على الأحداث يحبذ دعوة مندوبين عن أجهزة السلطة إليها. والهدف من إجراء مثل هذه النشاطات هو بحث المسائل الهامة وتقديم موقف الجهة المعنية بالإتجاه المطلوب. وفي هذه الحالة تنقل الأفكار للساحة المستهدفة ليس بشكل مباشر، بل عن طريق وسائل غير مباشرة. والجزء الذي لا يتجزأ من نشاطات التقديم هي مائدة الطعام المعدة لما بعد الانتهاء من القسم الرسمي للحفل. وتسمح المحادثات غير الرسمية للمشاركين إيجاد لغة مشتركة بشكل أفضل.
وهنا لابد أن نشير إلى أنه بالإضافة لحفلات التقديم وغيرها من النشاطات المشار إليها، تستطيع الجهة المعنية إحداث واستخدام مختلف الأحداث لصالح أهدافها، من حملات، ونشاطات. ومهمة المتخصص في العلاقات العامة جذب اهتمام الصحافة والأوساط الإجتماعية بواسطتها ودفعها بالشكل المناسب للوصول إلى الأهداف الموضوعة.
3- 4. إلقاء الخطب، والإدلاء بالتصريحات، وإجراء المحادثات:
ويمكن الإشارة لجملة من الأساليب التي تعتبر من أفضل الأساليب لنشر المواد عبر إلقاء الكلمات أمام الساحة المعنية، وهي:
- أسلوب المخاطبة المباشرة والمقنعة، لأنه يعتبر اتصال مباشر مع ساحة مستهدفة حية؛
- والمساعدة على تقديم الجهة المعنية لتأخذ وجهة معيناً مرغوبة؛
- وتوفير الإمكانيات لإجراء حوار مباشر مع الساحة المستهدفة؛
- وإظهار انفتاح الجهة المعنية؛
- ورفع مستوى المتحدثين والجهة المعنية نفسها من خلال التنظيم الجيد لإلقاء الكلمات؛
- وتوصيل آراء الجهة المعنية إلى الساحة المستهدفة دون وسطاء؛
- وتقديم قاعدة من البيانات عبر مراحل الإتصالات القادمة.
ونشير هنا إلى أنه يمكن للكلمات الشفهية حل مهام عملية ضيقة، وتستطيع أن تكون من وسائل إقامة إتصالات حول سياسة الجهة المعنية، وهذا ممكن حتى من خلال نص الكلمة الملقاة، والمحادثات الهاتفية، لأنها كلها تعتبر من الوسائل الهامة للعلاقات العامة.
وتستخدم الكلمات الموجهة للعامة عادة للتوجه للأوساط الإجتماعية خارج الجهات المعنية، ولتحقيق أهداف داخلية أيضاً. وقد زاد لي ياكوكا في كلماته الرائعة ثقة العاملين وفرض عليهم العمل بنشاط. وحتى أن القيادات العليا تستخدم الكلمات الشفهية في سياستها لتشكيل الرأي العام وإقامة علاقات عامة تؤدي إلى تشكيل معارف محددة وخلق مقدرات جديدة. ومن نصائح لي ياكوكا ضرورة تعلم طرق التفكير أمام الساحات المستهدفة لتكون المعلومات المنقولة لها ناجحة؛ وأن يبدأ الإستعداد لإلقاء الكلمات من تحديد: الأهداف؛ والأفكار؛ والأفكار العامة؛ وأن التحدث أمام المستهدفين عما هو هام لهم يحظى باهتمامهم الكبير؛ وأن اللغة المستخدمة في الكلمة تتمتع بأهمية كبيرة، ويجب أن تكون مفهومة لدى الساحة المستهدفة؛ وأن يتم اختيار الظرف المناسب؛ وأن يتم اختيار البناء المنطقي للكلمة، ليصل مضمونها إلى الساحة المستهدفة بشكل أفضل. ومن حيث الجوهر هناك اختلاف بين اللغتين المكتوبة والشفهية. ولهذا ينصح لي ياكوكا بقراءة نص الكلمة بصوت جهري قبل إلقاءها أمام الساحة المستهدفة. ومن الأمثلة على ذلك قيام رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بيل كلينتون بحفظ كلماته الهامة أثناء إعدادها، ومراعاة تناسب المعلومات عن طريق اختيار فواصل الكلمة، وأسلوب الخطابة المناسب لعرض المادة، باسلوب فكاهي، مع أمثلة تاريخية مستمدة من الحياة الواقعية لتساعد على الإستحواذ باهتمام الساحة المستهدفة أكثر.
والساحة المستهدفة نفسها تشغل مكانة هامة، من حيث: مستوى التعليم؛ والحالة النفسية؛ التي يجب أخذها بعين الإعتبار وربطها بموضوع الكلمة. ومن الأمثلة على ذلك ندوات الطلاب، والمستمعين من كبار السن، في الندوات العلمية التعليمية. وكمثال سريع على ذلك: كلمة اللجنة الحكومية المسؤولة عن إعداد أول رائد فضاء للتحليق، أمام ملكة بريطانيا؛ حيث يجب اختيار مكان لإلقاء كلمة طويلة مع قدر كبير من الحقائق "مع" أو"ضد"؛ وأخذ بعين الإعتبار الضغط الكبير الذي تعرضت له الساحة المستهدفة، ولهذا اختصر المتحدث باسم اللجنة كلمته بأن: السفينة في المطار الفضائي، والإستعدادات الجارية ستنتهي. وأقترح السماح بإطلاقها مع إنسان. كما ويجب أن يؤخذ بعين الإعتبار عدد المستمعين؛ وإقامة صلات مباشرة مع المستمعين في ساحة صغيرة؛ والإهتمام بالمجموعات في الساحات كبيرة؛ واختيار أسلوب من أساليب الحركة أثناء تقديم المواد؛ واستخدام أساليب لبقة في العرض مع مراعاة الحالة النفسية لدى الساحة المستهدفة.
كما وتجدر الإشارة إلى استخدام المناقشات العملية من أجل التوصل لمختلف الأهداف والمهام في العلاقات العامة، كأسلوب: الحوار؛ واستخدام التكتيك اللغوي المطلوب المتوفر في المراجع بشكل واسع. ونشير إلى أنه يجب على المتخصص في العلاقات العامة الإلمام بفنون إدارة الأحاديث بالكامل لأنها جزء هام من عمل المتخصصين في العلاقات العامة.
3 – 5. تصدي العلاقات العامة للمواجهات الإعلامية والشائعات:
ويتبع أثناء عملية الإتصال أن يكمل التوجه إلى الساحة المعنية شكل من أشكال العمل المشترك بين الأطراف المعنية قبل القيام بالتكرار المطلوب. وهذا يعني أن العلاقات نفسها تنبع، من تفاعلات؛ ومواد؛ لتنظيم أساليب السلوك. أشار فيكيونتيف إلى أنها يجب أن تتضمن خصائص التكرار، وهي: - أن يكون تأثير المراقب الخارجي على اتخاذ القرار غير منطقي؛ - وأن الإنسان يعمل من خلال ما تشكل عنده من فلسفة فقط، لأن متابعات ديكارت اعتمدت على الخبرة المتميزة بتوفر المعرفة. وهكذا فإن 40% من الأمريكيين لا يتقبلون عدد الأسماك التي لم يجربوها أبداً. والتأثير على الساحة المستهدفة يجب أن يبنى على مبدأ التكرار. والتكرار يمكن أن يكون إيجابياً أو سلبياً. وعلى سبيل المثال: السيارات الأمريكية في أمريكا وفقاً لدعاية المنتجين الأمريكيين لا تعتبر متميزة، وهذا الوضع يشمل حتى اليابانيين، والأوروبيين؛ - ولأن التكرار يحدد علاقة المستهلك مع نفسه، ومع قنوات المعلوماتية، والبضائع، والخدمات، والجهات المعنية وقادتها. - وللتكرار تأثير كبير على السلوك الإنساني، حتى ولو أن التأثير الخارجي غير ملموس بالكامل؛ - وحجم التكرار السلبي عادة كبير، مقارنة بالإيجابي. ولهذا الإتصالات مع جماعات الأوساط الإجتماعية يجب بناءها من خلال السلبيات مع استخدام التكرار الإيجابي.
تنتشر في الفضاء المعلوماتي أساطير كثيرةً، وتستخدم كلها كأدوات للعلاقات العامة. مثل: أسطورة سندريلا (فكرة النسب المتواضع ويستخدم دائماً من قبل السياسيين الأمريكيين). وأسطورة المنقذ (كأسطورة ستالين، وأسطورة الرؤساء الأمريكيين عن نقل الحرية، والنجاحات الإقتصادية، وهكذا) أو المنتصرين (مقارنة المنتصر بالفاشل). والإنسان يحاول الخروج من إطار عدم الرضا دائماً من خلال دعوته للقيم الإسطورية. وتبقى الأساطير قريبة للبشر لأنها تعكس الجديد من المعلومات التي يمكن تقبلها وفهمها. ولهذا تستخدم الأساطير في إطار العلاقات العامة، للتأثير على الجماعات الإجتماعية الرئيسية عن طريق إدخال معلومات جديدة، وإدخال معلومات مفهومة ومعروفة للساحة المستهدفة. والأساطير عادة تدافع عن البشر وتحميهم من التبدلات غير المرغوبة، وتجعل من الجديدة أقل إيلاماً، وتحافظ على القبول العام، ولهذا تأخذ دراستها واستخدامها أهمية خاصة في إطار العلاقات العامة.
3- 6. مواجهة العلاقات العامة للفضائح والشائعات:
تمثل الفضائح، حدث غير طبيعي خارج عن إطار المنطق وعن سمعة الجهة المعنية. وعلى هذا الشكل الفضائح تجري في الحياة اليومية بمضمون إتصالي. وتبقى الفضائح وسيلة من وسائل العلاقات العامة، وتمثل عمل أو سلسلة من الأعمال لإثار ضجة كبيرة من خلال وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية تؤثر على الوعي الإجتماعي.
والفضائح يمكن أن تكون مؤثرة جداً على الأوضاع الراهنة والمستقبلية. وتميل وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية اليوم لاستخدام الفضائح كمادة إعلامية. رغم أنها غير متصلة بأحداث واقعية، أو بمواقف أو ببرامج الجهات المعنية. وأحياناً تكون الفضائح استجابة غير متوقعة لظاهرة يجري بحثها في المجتمع، وعلى سبيل المثال: عندما ظهور موضوع دفن جثمان لينين اتخذت مجموعة من الشباب موقفاً محدداً وقاموا بتنظيم مظاهرة بالقرب من متحف بوشكن للفنون يطالبون من خلالها بدفن الجثة المحنطة للفرعون التي أحضرت من مصر والمعروضة في صالة المتحف. وهذا العمل لم يكن مرتبط بأهداف إنشاء منظمة، ولكنه كان للفت أنظار وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية والأوساط الإجتماعية للموضوع. ولكن الفضيحة التي أثيرت توافقت معها، رغم توفر نوع من التنظيم ضمن الأوساط الإجتماعية والصحفية، فإن الفضيحة فقدت فاعليتها. ولكن هذا التصرف مكن من تدمير الشكل الإيجابي للتنظيم. وهكذا فالكثير من الشباب الذين يدعمون سلوك جيرونوفسكي كانت لديهم مواقف سلبية جداً عندما نظم جيرونوفسكي تظاهرة خطابية سياسية في مكان الحدث الإرهابي الذي جرى في موسكو.
والفضائح تعتمد على التكرر رغم أن قسماً محدداً منها يكون غير مقبول. وإذا كانت تجري دائماً فيكون تشكل موقف الأوساط الإجتماعية ناتجاً عن الضغوط الصحفية. ولكن في حال أذا أخذ الفعل المخطط شكلاً كوميدياً فإنه من الصعب الوصول للأهداف الموضوعة. ومن النادر أن تتحول الفضائح إلى فضيحة من أجل الفضيحة فقط.
ويلعب الإنتشار الشفهي للمعلومات نقلاً عن مصادر إعلامية غير موثوقة دوراً كبيراً في حياة البشر. وأثبت التاريخ الإنساني عدم القدرة على تكرار النواقص وهذا تقصير واضح ناتج عن نقص المعلومات. ولهذا يعوض عن طريق التطور الناتج عن إنتشار الشائعات. لأن الشائعات تشكل عنصراً هاماً للإتصال الشفهي وهو أمر طبيعي إلى جانب الخصائص التالية:
أولاً: الشائعات تنتقل كمعلومات تتوافق لحد ما مع الواقع.
ثانياً: المعلومات المتداولة في الشائعات  تعبر عن مواقف شخصية لناقليها دائماً.
ولهذا تكون الشائعات أداة قوية للتأثير الفعلي. وأحياناً تدعو الشائعات لضرورة اتخاذ إجراءات سريعة من قبل العلاقات العامة. وعلى سبيل المثال: الشائعات التي انتشرت عن استخدام شحم الخنزير لتصنيع صابون كريم كوغيت، الأمر الذي أدى إلى خفض مبيعاته في الدول الإسلامية. والشائعات توجه دائماً من أجل إزالة ضغوط نفسية، ولكن يمكن أن تكون أحياناً سلاحاً قوياً بيد مستخدميها. ومهام المتخصصين في العلاقات العامة، تحييد الشائعات السيئة التي تصيب الجهات المعنية، أو التي تنال من موضوع العلاقات العامة في حال ضرورة إثارة الشائعات للتهيئة أو الوصول لأهداف محددة. ومن أجل أن تأخذ الشائعات وزناً ملموساً من الضروري أن يكون مصدرها جذاباً للساحة المستهدفة وتسمح بتصديقه. ومن المعروف للمسوقين التجاريين أن إنتقال الإعلانات من فم إلى فم يعتبر أكثر فاعلية. ويمكن أن يظهر نشر الشائعات الخارجية بشكل عرضي نتيجة لتسرب معلومات. كما وتستخدم الشائعات أثناء العمليات الحربية، ومن أجل التهيئة للصدامات، وتستخدم فيها ثلاث تقنيات، هي:
- حذف خلفيات الأوضاع المترتبة عنها  أو االمؤدية للإهتمام بها.
- كشف حقائق الأوضاع المترتبة من أجل إرضاء الساحة المستهدفة وتلبية اهتماماتها.
- خلق فهم للمعلومات التي تتناولها الشائعات لدى الساحة المستهدفة. وخلق أحاسيس بأن الشائعات لا تبقى دون اهتمام الساحة المستهدفة وأنها تكشف عن حقائق.
وقد تكون محاربة الشائعات صعبة لأنها جزء من الإتصالات وهي ذاتية الإنتقال. وهذا يعني أن الإنسان الذي سمع الشائعة ينقلها للآخرين، لأن المعلومات المنقولة كشائعات ومعلومات وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية أحياناً لا تتطابق. وتعتبر الشائعات من أساليب المخاطبة بين الجماعات البشرية. وتعكس مواقف جماعية ومشاعر محددة. كما وتوصف الشائعات بأنها أحداث ساطعة تتحدث عن أبطال ولو أنها موجهة لجماعات مستهدفة محددة. آخذين بعين الإعتبار أن الشائعات هي سلبية وإيجابية وتتقبلها الساحة المستهدفة وتصدقها، ولهذا على المتخصصين في إدارة العلاقات الإجتماعية أن يعيروا اهتمام جيد للشائعات المتداولة واستخدامها لتحقيق الأهداف الموضوعة.
يتبع استراتيجية العلاقات العامة 4

الجمعة، 18 أكتوبر 2013

عمر الخيام

عمر الخيام
اسمه الكامل غياث الدين فتح بن إبراهيم عمر الخيام النيشابوري. واشتهر عمر الخيام عالمياً كعالم في الرياضيات والفلك، وشاعر وفيلسوف. وكان أحد مؤسسي الشعر الكلاسيكي الفارسي الطاجيكي. وتعتبر إبداعاته ظاهرة فريدة في التاريخ الثقافي لشعوب وسط آسيا وإيران وكل الإنسانية. وترجمت اكتشافاته في مجالات الفيزياء، والرياضيات، والفلك إلى العديد من لغات العالم، وتتمتع حتى الآن بأهمية تاريخية كبيرة.
سيرة حياته


عمر الخيام
عاش عمر الخيام 75 سنة. وولد عام 1048م، في نيشابور ودرس فيها وبعدها انتقل للدراسة في أضخم المراكز العلمية آنذاك: بلخ، وسمرقند، وغيرها. وفي عام 1069م تقريباً كتب عمر الخيام في سمرقند مقالته "أدلة على مسائل الجبر والتجبير". وفي عام 1074م أسس أكبر مرصد فلكي بأصفهان.
وفي عام 1077م أنهى تأليف كتابه "تعليقات على صعوبة المسلمات في كتاب إقليدس". وفي عام 1079م وبمشاركة العاملين في مرصد أصفهان أدخل العمل بالتقويم. وخلال السنوات الأخيرة من القرن 11 الميلادي تغير حاكم أصفهان وأغلق المرصد الفلكي في أصفهان. وأتم عمر الخيام فريضة الحج بمكة المكرمة. وفي عام 1097م عمل طبيباً في خراسان وكتب مقالات باللغة الفارسية عن "شمولية الحياة".
وقضى عمر الخيام الخمسة عشرة عاماً الصعبة جداً الأخيرة من حياته وحيداً في نيشابور، وكان نادراً ما يتحدث إلى الناس وقرأ كثيراً. وكما ذكر بعض المؤرخين، قرأ في الساعات الأخيرة من حياته "كتاب الشفاء" لابن سينا. ووصل في قراءته إلى قسم "الوحدة والتعامل" وهو عمل فلسفي، ووضع مسواكه في الكتاب، ونهض ليصلي وتوفي.
وكانت إبداعات عمر الخيام ظاهرة مدهشة في تاريخ ثقافة شعوب وسط آسيا وإيران والعالم الإسلامي والإنسانية جمعاء. وترجمت اكتشافاته في مجالات: الفيزياء، والرياضيات، وعلم الفلك، إلى الكثير من لغات العالم ولم تزل تتمتع بأهمية تاريخية كبيرة. وقصيدته "كأنها لدعة ثعبان" أبهرت القراء بقدراتها الكبيرة حتى الآن، من حيث الإيجاز، والتصوير، والشكل، وبساطة الوسائل المستخدمة فيها، والمرونة، والإيقاع.
وفلسفة عمر الخيام قربته من الإنسانيين في عصر النهضة ("نحن غرض الخالق، وقمة الخلق"). وكان يندد بالنظام والعقائد الدينية القائمة، والشرور السائدة في المجتمع. وكثيراً ما سيطر عليه التشاؤم والتعصب الأعمي الذي كان شائعاً في القرون الوسطى وخاصة في الشرق. واعتبر أن العالم مؤقت وعابر. بينما كان رجال الدين وفلاسفة ذلك الوقت يرون أن الحياة الأبدية والسعادة يمكن أن تكون موجودة فقط بعد الموت.
وكل ذلك انعكس في إبداعات عمر الخيام. ولكن الشاعر أحب الحياة الواقعية، ووقف ضد عيوبها ودعى للإستمتاع بكل لحظاتها، رغم العادات القائمة والمحاكم التي لم تكن توافق على مثل هذه النظرات للحياة.
وتعتبر رباعيات عمر الخيام من الشعر الكلاسيكي الشرقي في القرون الوسطى، ولم تزل تستقطب كل محبي الكلمات الحكيمة.
وأثبت الباحثون والمؤرخون في المواد التاريخية إسهامات عمر الخيام كعالم قام بالعديد من الإكتشافات الهامة في مجالات: علم الفلك، والرياضيات، والفيزياء.
ومعروفة حتى اليوم النتائج الرياضية التي توصل إليها عمر الخيام في ثلاث مجالات هي: الجبر، ونظريات التوازي، ونظرية العلاقات، ودراسة الأرقام. وفي جميع المجالات كان من أبرز أسلافه وخلفائه من بعده في العالم الإسلامي. وفي الكثير من النواحي كان يتوجه إلى كلاسيكيي العلوم اليونانية والهلنستية: أرسطو، وإقليدس، وغيرهم، ومع ذلك كان من أبرز الباحثين في الرياضيات الجديدة وحدد وعرف عناصرها الحسابية والجبرية.
وبعد عمر الخيام جاء ناصر الدين الطوسي في نظرية العلاقات ودراسة الأعداد. وظهر في اوروبا الفهم الوحيد للعدد الحقيقي (الإيجابي أو السلبي) وفي نهاية القرن الـ16 الميلادي كانت لدى س. ستيفين، انتقادات كثيرة وجهت لنظرية العلاقات في الكتاب الخامس "البداية" من وجهة نظر الرياضيات الحسابية، ووردت في جملة من أعمال علماء الرياضيات في القرن الـ17م؛ والدور الرئيسي فيها كان لإعداد فكرة العدد الحقيقي الذي لعبه ر. ديكارت، وإ. نيوتن، الذان حددا العدد وجرداه من النسبة كوحدة من نفس النوع.
ومع ذلك لم تظهر نظريات الأعداد الحقيقية الدقيقة إلا في نهاية القرن الـ19 ميلادي. وعلى هذا الشكل كانت أعمال علماء الرياضيات في العالم الإسلامي، ومن بينها أعمال عمر الخيام فقرة حقيقية في سلسلة الأبحاث التي أدت إلى نظرية الأعداد الحقيقية، واستندت إلى تحليلاته في الرياضيات.
مؤلفاته:
من مؤلفات عمر الخيام  في الرياضيات:
- الصعوبات الحسابية (مشكلات الحساب) ولم يعثر على مكان وجود المخطوطة؛
- مقالة في الجبر دون اسم. والمخطوطة موجودة في طهران؛
- مقالة في إثبات مسائل الجبر والمقابلة (رسالة في البراهين على مسائل الجبر والمقابلة). والمخطوطة موجودة في باريس، وليدن، ولندن، ونيويورك، وروما؛
- تعليقات على الصعوبات في مقدمة كتاب إقليدس (شرح المشاكل من مصدرة كتاب إقليدس). والمخطوطة موجودة في ليدن.
ويمكن تقسيم مؤلفات عمر الخيام  في الجبر وفق تسلسلها إلى خمسة أقسام:
1) مقدمة؛
2) حلول معادلات من الدرجة الـ1 والـ2؛
3) حلول معادلات من الدرجة الـ3؛
4) معلومات عن المعادلات آنفة الذكر والتي تحتوي على معكوس مجهول؛
5) إضافات (نص هذه المقالة غير متوفر في الأقسام).
وفي المقدمة عثرنا وللمرة الأولى على تعريف مادة وطرق الجبر. "فن الجبر والمقابلة، المشار إليه فيها، هو فن علمي، ومادة تشكل العدد المطلق الذي يمكن قياسه، ويعتبر مجهولاً، ولكن وفقاً للأشياء يمكن تحديده. وهذه الأشياء هي عدد أو نسبة...".
وعلى هذا الشكل، موضوع الجبر هو عدد مجهول، منفصل (أو "عدد مطلق" ويعني عدد صحيح) أو مستمر (ويسمى عمر الخيام العدد المقاس: خط، السطح، والجسم، والزمن). والمجهول في العدد يمكن أن يكون علاقة صرفة. و"تصنيف" المجهول يأتي من صلب المعادلة. وأضاف عمر الخيام "الحلول الجبرية التي تأتي من خلال المعادلة، وهذا يعني كما هو معروف، مساواة مرحلة بغيرها". وباختصار الجبر هو علم المعادلات، وخاصة تلك المعادلات التي تسمى في الوقت الحاضر المعدلات الجبرية. ولأول نصادف هنا مصطلح "الجبرية"، "algebraists".
ووظيفة الجبر هنا هي تحديد المجاهيل العددية والهندسية. وهنا أشار عمر الخيام إلى أن علماء الرياضيات في العالم الإسلامي استبدلوا البحث عن الحلول العددية بالمعادلات التكعيبية، وهذا يعني الحلول الحسابية النهائية. وكتب عن مختلف أشكال معادلات المرحلة الـ3: وهي "إثبات الأشكال ومن ضمنها الحالات التي تكون المسألة فيها عدد مطلق، وهذا غير ممكن لنا أو لأولئك الذين يمتلكون هذه الفنون. ويمكن للبعض من الذين سيأتون بعدنا معرفة هذه الحالات عندما يمتلكون ليس المراحل الـ3، بل عدد الشيء المربع". واكتشف الإيطاليون المعادلات التربيعية في بداية القرن الـ16 الميلادي، أي بعد 400 عاماً بعد وفاة عمر الخيام.
ومن مؤلفات عمر الخيام الهامة الأخرى، "تعليقات على الصعوبات في مقدمة كتاب إقليدس". وأظهرت "عناصر" إقليدس التي ترجمها الحجاج إلى اللغة العربية في حوالي العام 800م، ولعبت دوراً بارزاً في تطوير علم الرياضيات في العالم الإسلامي. وعلى الفور تقريبا أصبحت موضع تعليقات، وبعد ذلك موضع نقد؛ وحتى ذلك الوقت كتب عمر الخيام نحو 30 مؤلفاً باللغة العربية من هذا النوع. جذبت كلها اهتماماً خاصاً ببديهيات وتعاريف الكتاب الأول المبنية على النظرية الخامسة للمتوازيات، والنظرية العامة للمعادلات الواردة في الكتاب الخامس ونظرية المجاهل التربيعية الصعبة في الكتاب العاشر.
وقسمت "تعليقات" عمر الخيام إلى ثلاثة كتب، سبقتها مقدمة. وتحدث المؤلف في المقدمة عن مواضيع مؤلفاته وبعض الذين سبقوه. وأعطى تقييماً عالياً لأعمال أرسطو الفلسفية والمنطقية. وتقبل عمر الخيام تعاليم أرسطو حول بنية العلوم الإستنتاجية ونظرية الأدلة، وسار على درب علماء اليونان العظام في جملة من المسائل المطروحة للبحث.
وتضمن الكتاب الأول من الـ"التعليقات" نظرية المتوازيات. وبطبيعة الحال لم يشكك عمر الخيام في حقيقة مسلمات إقليدس الكلاسيكية، ولكنه اعتبر أن رأيه كان أقل وضوحاً من البديهيات التي رأى إقليدس أنها تحتاج للإثبات، مثل نظرية الزوايا المركزية المتساوية خارج أوساط الدوائر المتساوية والأقواس المتساوية. ورفض عمر الخيام بعض المحاولات التي بذلت من أجل إثبات المسلمة الخامسة، التي بذلها غيرون، ويفتوكي، والنيروزي، لأنها لم تكن منطقية. ورفض إثباتات ابن الهيثم، التي اعتمدت على نظرية المتوزيات وأكد على أن الخط المرسوم في النهاية العليا من طول الحركة العمودية إلى طول الطرف الأدنى من الخط هي خط مستقيم. وهو ما أكده ابن الهيثم في كتابه "التعليق على مقدمة كتاب إقليدس "البدايات" وكان يحاول إثباتها بمساعدة بعض الافتراضات غير المعلومة في نظرية خصائص العلاقة التي تساوي الخطوط الأفقية في الحركة. ولم يتفق عمر الخيام مع نهج ابن الهيثم من حيث المبدأ لأنه يسير خلف أرسطو، ولم يستبعد من الأشكال الهندسة أن "تعريف من هذا النوع يعطي مكانة للحركة".
والمصيبة أن العلماء السابقين وفق رأي عمر الخيام هي في "أنهم لم يراعوا مبادئ الفرضيات المأخوذة عن الفلاسفة"، والموجودة على شكل مبادئ قدمها أرسطو. وهي من المبادئ غير الموجودة في أعمال أرسطو المعروفة، وبدأ عمر الخيام من نظريته المتوازيات وأكد أن "الخطان المستقيمان المتوازيان الخارجان يتقاطعان، وأن الخطان المستقيمان القادمان لا يمكن أن يلتقيا ابداً لأنهما يسيران بالتوازي". والعبارات التي استخدمت في كلا الإثباتين وردا في مبادئ أرسطو وعمر الخيام وهي مسلمات متعادلة في المسلمة الخامسة.
والكتاب الثاني والثالث من "تعليقات على الصعوبات في مقدمة كتاب إقليدس" والمكرسة لنظرية العلاقات. سبق فيها عمر الخيام جملة من العلماء في التعليق وانتقاد الكتاب الخامس الـ"عناصر".
ولم ينفي عمر الخيام صحة التعريف الشهير بثنائية العلاقة الثنائية في الكتاب الخامس الـ"عناصر"، الذي قارن فيه المساواة الحرة بين الأول والثالث، والمتغيرات الثانية والرابعة التي تشكل النسبة. ومن وجهة نظره هذا التعريف يعاني من مشكلة، وهناك ثغرة مهمة، تكشف عن "المعنى الحقيقي للنسبة". ولكننا نستطيع القول أن عيون عمر الخيام لم تحدد ولم تكتشف خصائص قياس العلاقات، الأساسية لعلماء الرياضيات في العالم الإسلامي، والتي تشغل مكانة هامة في الحسابات التقريبية والعمليات العددية المجهولة. وسعى عمر الخيام لإعطاء تعريف محدد للعلاقات المتساوية، التي تعكس العلاقات الوظيفة للأعداد. وأراد الإنضمام إلى النظرية العامة للعلاقات في الكتاب الخامس، المناسبة للقيم المستمرة والقابلة للمقارنة، ونظرية علاقة الأعداد في الكتاب السابع. وهنا وقف عمر الخيام على الطريق الذي على ما يبدوا لم يسر عليه من سبقه: وأثبت معادلات تعريفات إقليدس بعدم مساواة العلاقات مع الجديد منها، وهو ما حرره مباشرة من نتائج كل نظريات الكتاب الخامس.
والكتاب الثالث من الـ"تعليقات" كرسه لدراسة وضع العلاقة، التي لم تتطور بشكل كاف عند إقليدس. وقدمت تلك الدراسات لعلماء الرياضيات في العالم الإسلامي بأهمية خاصة لأنها متصلة بنظريات الموسيقى، والأهم بعلم المثلثات. وهذا مفهوم تماماً إذا أخذنا باعتبارنا أن هذه العلاقات تتوافق مع تكاثر الأعداد. وقبل عمر الخيام بقليل قام البيروني بوضع قواعد عملية للعلاقات بمساعدة قواعد العلاقات العملية التي وضعها الهنود، والتي سميت بـ"تسلسل القواعد". وفي هذا الكتاب ابتعد عمر الخيام عن أرسطو بدراسة العدد. واعترف في أعقاب الكثير من العلماء القدماء بأن العدد في المعنى الصحيح هو عدد طبيعي، ومجموعة أجزاء، واقترح عمر الخيام إدخال مفهوم مجرد أوسع  من العدد كرقم إيجابي وحقيقي.
المصدر: http://www.ziyonet.uz/ru/people/omar-hayyam/
أعده أ.د. محمد البخاري، في طشقند، بتاريخ 17/10/2013