الأربعاء، 16 يوليو 2014

الإسماعيليون تاريخهم وعقائدهم


تحت عنوان "الإسماعيليون: تاريخهم وعقائدهم" نشرت جريدة الغد الأردنية يوم 14/3/2014 مقالة جاء فيها:  الإسماعيليون ثاني أكبر جماعة شيعية في العالم الإسلامي بعد الاثنا عشريين. إذ يقدر عددهم اليوم بحوالي 12 مليونا، ينتشرون في أكثر من 25 بلدا في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا. وقد بدأوا في السنوات الأخيرة يتواصلون مع العالم ويعرفون بأنفسهم. ويعد مركز الدراسات الإسماعيلية في لندن أهم مركز للنشر والدراسات حول الإسماعيلية، وقد أصدر كتاب "الإسماعيليون: تاريخهم وعقائدهم"، تأليف فرهارد دفتري؛ والذي يعتبر، كما يقول الناشر، أول تأليف شامل عن الإسماعيليين؛ تاريخهم وتطور عقائدهم. وقد ترجم الكتاب إلى العربية، ونشر بالمشاركة مع دار الساقي (2012(.


أقام الإسماعيليون دولتين مهمتين في التاريخ الإسلامي: الفاطمية والنزارية (آلموت). لكنهم لم يظفروا بأي ظهور سياسي منذ تدمير دولتهم وقلاعهم على يد المغول (1256م)، ودخلوا في مرحلة طويلة من السرية والاضطهاد حتى منتصف القرن الثامن عشر، عندما ظهر أئمتهم إلى العلن، وشاركوا في أحداث سياسية مهمة في إيران والهند، واكتسبوا شهرة عالمية فيما بعد بلقبهم الوراثي الآغا خان.
ابتدأت الإسماعيلية مجموعة شيعية مستقلة بعد وفاة جعفر الصادق العام 756م. وضمت المجموعة التي تؤيد إمامة اسماعيل بن جعفر الصادق. وتعتبر الفترة الممتدة بين نشأة الإسماعيلية في منتصف القرن الثامن الميلادي/ الثاني الهجري وحتى تأسيس الدولة الفاطمية (297هـ/ 909م) فترة غامضة، ما تزال المعلومات عنها قليلة. وكان الإمام جعفر الصادق قد نص على الإمامة بعده لابنه إسماعيل، لكنه توفي قبل والده (حسب أغلب المصادر التاريخية). وطبقا للرواية الإسماعيلية، فإن الإمام بعد محمد بن اسماعيل هو ابنه عبد الله الذي أمضى حياته متخفيا عن العباسيين، ولم يكشف هويته ومكان إقامته إلا لعدد قليل من الموثوقين. وقد أقام فترة من الزمن في السلمية في سورية، متظاهراً بأنه تاجر، وتوفي فيها. وخلفه ابنه أحمد، مؤلف "رسائل إخوان الصفا"، ثم ابنه عبد الله المهدي، مؤسس الدعوة والدولة الفاطمية/ المهدية.
وفي هذه الفترة انتشرت الدعوة الإسماعيلية على يد الدعاة والعلماء والنشطاء الإسماعيليين في أنحاء واسعة من العالم الإسلامي، وبخاصة في خراسان وما وراء النهر، وحققت حضورا مهما في بلاط الدولة السامانية في بخارى )أوزبكستان(. وقامت الدولة الفاطمية في المغرب العام 909م (297هـ)، وهي أهم مشروع سياسي للإسماعيليين؛ فقد أقاموا امبراطورية واسعة ممتدة مزدهرة، عنيت بالفكر والعلم والعمارة والتجارة والزراعة.
بعد وفاة الحاكم بأمر الله (1020م)، استقلت مجموعة كبيرة من الإسماعيليين في بلاد الشام بنفسها، تحت قيادة كبير الدعاة لدى الحاكم؛ وهو حمزة الدرزي، وصاروا يسمون الدروز. وبعد وفاة المستنصر (1094م)، انقسم الإسماعيليون إلى مجموعتين: النزارية أتباع نزار بن المستنصر، والمستعلية أتباع المستعلي بن المستنصر.
وقد لجأ النزاريون إلى قلعة آلموت، وأقاموا من هناك شبه دولة قوية منيعة، تتخذ من القلاع محطات ومراكز للدفاع ونشر الدعوة. وظلت هذه الدولة قائمة حتى اجتاحها المغول. لكن الإسماعيليين النزاريين تمكنوا من البقاء والاستمرار بعد الاجتياح المغولي للعالم الإسلامي (1256)، ودخلوا في مرحلة من السرية والتقية. وتعتبر فترة القرنين التاليين للغزو المغولي الأكثر غموضا في التاريخ الإسماعيلي؛ فقد تطورت الجماعات الإسماعيلية مستقلة عن بعضها، ثم ظهر الأئمة النزاريون في منتصف القرن الخامس عشر في أنجدان بإيران. وفي القرن التاسع عشر، لجأ إمام النزارية إلى الهند، وصار يعرف بالآغا خان. وما تزال إمامة الإسماعيليين قائمة علنا في مومباي في الهند، وإمامهم الحالي هو الآغا خان الرابع كريم علي.


الآغا خان مع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة

في ظل الدولة الفاطمية، بدأت عمليات بناء الأسس الفكرية والعلمية للمذهب الإسماعيلي. ويعتبر القاضي النعمان الفقيه الإسماعيلي الرئيس. وكتابه "دعائم الإسلام" كان يعتبر التشريع الرسمي للدولة الفاطمية، والمصدر الأساسي للفقه الإسماعيلي.
وتعتبر أركان الإسلام في الإسماعيلية سبعة، هي بالإضافة إلى الأركان الخمسة لدى أهل السنة (الشهادتان، والصلاة، والصوم، والحج، والزكاة): الولاية (تسمى لدى الشيعة الإمامة)، والطهارة. ويدور الخلاف بين الإسماعيليين (ومعهم الشيعة) وبين السنة حول الإمامة؛ فهي بالنسبة للشيعة المرحع النهائي لتفسير الإسلام، والإمام عند الإسماعيليين هو المفسر الذي يؤول المعنى الباطني للقرآن والشريعة. وتعتبر آراء وتفسيرات الإمام هي المصدر الثالث للفقه بعد القرآن والسنة، ولم يقبلوا بالإجماع والقياس، وهما المصدران الثالث والرابع لدى أهل السنة.

الاثنين، 14 يوليو 2014

الجغرافي الشهير محمد بن نجيب بكران


الجغرافي الشهير محمد بن نجيب بكران


ولد الجغرافي الشهير محمد بن نجيب بكران بمدينة طوس في دولة الأنوشتيغينيديين بشاهية خوارزم. وخصص أبحاثه العلمية الأساسية لدراسة نيشابور، وعاصمة الدولة الخوارزمية غورغانجا.
وكان "جاهان نامه" العمل العلمي الأساسي الذي كتبه نجيب بكران، ويتألف العمل من ملحق لخريطة العالم المدورة التي رسمها وأهداها بكران لآخر حكام خوارزم محمد خوارزم شاه. وتميزت الخريطة بأنها كانت تحتوي على خطوط درجات الطول والعرض، لالإضافة لحدود الدول.
كما احتوت "جاهان نامه" على أسماء 600 موقع جغرافي. وتضمن الملحق وصفاً شاملاً للربع المأهول من الأرض، وللبحار، والبحيرات، والأنهار، والجبال، والصحارى، وثروات الأرض المعدنية، وغيرها.

وترجمت "جاهان نامه"، التي كتبها نجيب بكران إلى العديد من اللغات العالمية.


أعده أ.د. محمد البخاري، في طشقند بتاريخ 14/4/2014 بتصرف نقلاً عن محمد بن نجيب بكران. // طشقند: وكالة أنباء Jahon، 13/7/2014.

السبت، 12 يوليو 2014

الأديب والدبلوماسي والمؤرخ غياث الدين نقاش


الأديب والدبلوماسي والمؤرخ غياث الدين نقاش


الأديب والدبلوماسي والمؤرخ غياث الدين نقاش عاش وعمل في عصر التيموريين بقصر شاه روح في هيرات. وعاش خلال الأعوام 1419م و1422م في الصين بصفته سفيراً.
 وتعتبر "اليوميات" من أهم أعمال غياث الدين نقاش العلمية، التي كتبها أثناء رحلاته في الصين. واحتفظ بها أساساً في مؤلف حافظي عبرو التاريخي "زبدة التواريخ"، كروايات يومية وصفت الطريق التي قطعها السفير، وتحدثت عن الطبيعة، والمدن، والسكان، والعادات والتقاليد في الصين، والكثير غيرها.
وتعتبر "يوميات" غياث الدين نقاش مصدراً مكتوباً قيماً، يشير إلى الحياة على طريق الحرير العظيم، والعلاقات الدبلوماسية، والتجارية، بين دولة التيموريين والصين خلال الربع الأول من القرن الخامس عشر الميلادي.
ويعرف هذا العمل أيضاً كأثر تفصليلي وحيد مكتوب عن الصين خلال القرون الوسطى في الشرق الإسلامي، واستخدمه العديد من المؤرخين في أعمالهم خلال القرون اللاحقة. وهناك ترجمات منشورة له بعدة لغات.

أعده أ.د. محمد البخاري في طشقند، 12/2014 بتصرف نقلاً عن غياث الدين نقاش. // وكالة أنباء Jahon، 11/7/2014؛

و http://msth.uz/deyateli-vostoka/giyasaddin-nakkash/

الخميس، 10 يوليو 2014

مرور 10 سنوات على تأسيس غرفة التجارة والصناعة بجمهورية أوزبكستان


مرور 10 سنوات على تأسيس غرفة التجارة والصناعة بجمهورية أوزبكستان


أسست غرفة التجارة والصناعة بجمهورية أوزبكستان بموجب قرار رئيس جمهورية أوزبكستان إسلام كريموف، الصادر بتاريخ 7/7/2004، وهكذا تكون قد أتمت بتاريخ 7/7/2014 السنة الـ 10 من عمرها.
ولغرفة التجارة والصناعة بجمهورية أوزبكستان إسهاماتها القيمة في تعزيز دور القطاع الخاص في البلاد. ولها مكاتب وفروع في كل مناطق البلاد، من بينها: 14 إدارة في المناطق، و127 مركز للمعلومات والاستشارات والتجارة، و14 محكمة في المناطق، و3 مراكز للموارد والتدريب، و21 منشأة موحدة، وتتعاون غرفة التجارة والصناعة بفاعلية مع أجهزة السلطة والإدارة الحكومية، الأمر الذي سمح بتعزيز الثقة بين رجال الأعمال وتقوية الشراكة بينهم وبين الأجهزة الحكومية.
ولغرفة التجارة والصناعة بجمهورية أوزبكستان علاقات مباشرة مع المؤسسات المشابهة ورجال الأعمال في بعض الدول العربية وخاصة مع: الإمارات العربية المتحدة، ومصر، والبحرين، والجزائر، وعمان، والسعودية.
ولا يسعني بهذه المناسبة إلا أن أهنئ العاملين في غرفة التجارة والصناعة بجمهورية أوزبكستان وعلى رأسهم رئيس الغرفة علي شير شايخوف وأن أتمنى لهم استمرار النجاحات في نشاطاتهم لما فيه مصلحة أوزبكستان وتقوية علاقاتها التجارية والاقتصادية مع دول العالم الأخرى.


الأربعاء، 9 يوليو 2014

الخطاط الكبير عبد الله طباخ الهراوي


الخطاط الكبير عبد الله طباخ الهراوي

تحت عنوان "الطريق للوطن" نشرت وكالة أنباء Jahon نقلاً عن صحيفة "سمرقند فستنيك"، يوم 9/7/2014 مقالة جاء فيها: في أبو ظبي نظم عام 2012 معرض للتحف التاريخية، وجذب اهتمام هواة التحف القديمة من كل أنحاء العالم. وإلى جانب التحف النادرة المعروضة فيه، عرضت مخطوطة للقرآن الكريم تعود للقرن السادس عشر الميلادي، خطها الخطاط الشهير عبد الله طباخ، المعروف باسم عبد هراوي. والأعمال الإبداعية للفترة المبكرة من حياة فنان الخط الرائع هذا يمكن الإطلاع عليها في قلب أوزبكستان، سمرقند. ولكن المصير المدهش لهذا الكتاب القديم ينطوي على تاريخ مذهل حتى عودته إلى سمرقند، فقبل مئات السنين خطت يد عبد الله طباخ الهراوي سطوره المبدعة على صفحاته، ونقط بأرقى الكتابات العربية. ويرتبط عودة هذه التحفة التاريخية إلى أوزبكستان مباشرة بافتتاح الشركة الأوزبكستانية البريطانية الدولية الشركة المساهمة المحدودة، منشأة British American Tobacco Uzbekistan المشتركة في أوزبكستان، والتي كان من أسس مبادئ شراكتها الإسهام في التطور الاقتصادي والإجتماعي في أوزبكستان، ودعم المشاريع البيئية، والفنية، والثقافية، والمساعدة على حفظ التراث التاريخي. وقدمت إدارة المنشأة لأوزبكستان وللمدينة العريقة هدية فريدة، فقد اشترت مخطوطة عبد الله الهراوي من مكتبة المتحف البريطاني وأعادتها إلى وطنها. وعندما احتفلت سمرقند للمرة الأولى بيومها بتاريخ 18/10/1997، وجدت المخطوطة التي سبق وتناقلتها الأيدي من يد إلى يد خلال سنوات طويلة مأوى لها. وبتاريخ 4/11/1997 وبمراسم احتفالية سلمتها إدارة المدينة لاتحاد سمرقند الحكومي للمتحف التاريخي والعمراني والفني والمحميات. وفي عام 2003 كان لمجمع ريغستان شرف تقديم المخطوطة في قرآن خانة، بالمعرض الذي حمل الاسم الرمزي "روائع المخطوطات الشرقية". وبعد ترميم وتجديد متحف ميرزة ألوغ بيك أخذت المخطوطة مكانتها اللائقة بين معروضاته، إلى جانب إبداعات وأعمال علي كوشتشجي، الكرة الأرضية، والأسطرلاب، وخريطة نجوم السماء لعالم الفلك العظيم. وبقيت المخطوطة بحالة جيدة، والسطور المنسابة على صفحاتها أشبه بأشكال معقدة، ولكن بدقة متناهية. وامتلأت الصفحة الأولى من المخطوطة بكتابات ذهبية لرئيس مجموعة شركة British American Tobacco Uzbekistan، لورد كيرنس. وزين أعلى كل صفحة من صفحاتها بنقوش نباتية ملونة. وفي بداية ونهاية إبداعه كتب الخطاط "خطها عبد الله الهراوي. رمضان عام 855 هـ (1451م) كملاذ للسلام والهدوء لسمرقند، ليحميها الله من كل الشرور"، "خطت في سمرقند ليحفظ الله هذا الكتاب". وتجدر الإشارة إلى أن عدد صفحات المخطوطة يبلغ أكثر من أربعمئة صفحة. ولهذا يمكننا تصور كم يوماً وليلة، وكم من قوة ومثابرة، والأهم كم من مهارة احتاج أن يضعها عبد الله الهراوي في عمله الإبداعي. فالفنان الموهوب، الناسخ تعامل بوقار مع معاني كلمات الحي الباقي وعرف أهمية عمله لمعاصريه وأحفاده. ومن بين ما نشر عن عبد الله الهراوي كتبت العالمة المشهورة غالينا بوغاتشنكو، أنه "كان فنان خط فني، وامتلك يد صلبة ومدربة جيداً، وامتلك مهارات وأساليب مختلف الخطوط، وعرف كيف يحافظ في كل مخطوطاته على مقاييس الحروف، وتشابه كتابتها، وحرية واستقامة مواضع السطور، وتطابق الخط من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة". ومن المعروف أن خطاط المخطوطات بالإضافة لكمال امتلاكه للقلم، خط نقوش في مساجد سمرقند وهيرات. وكتب عدد كبير من المخطوطات، ومن ضمنها، نحو 50 قرآن كريم، بعضها فقط بقي حتى أيامنا هذه.


علي قوشتشي النجم الساطع في مرصد سمرقند الفلكي


علي قوشتشي النجم الساطع في مرصد سمرقند الفلكي

علاء الدين علي بن محمد قوشتشي ولد في سمرقند عام 1402م، وتوفي في اسطمبول عام 1474م. وكان نجماً ساطعاً من نجوم مدرسة علم الفلك في سمرقند. وعالماً في الرياضيات، والجغرافيا. ومن أقرب المقربين للعالم ميرزة أولوغ بيك.
وبعد وفاة ميرزة أولوغ بيك عام 1449م قاد الأبحاث العملية الجارية في مرصد سمرقند الفلكي.
وبتزكية من علي شير نوائي في عام 1472م حصل على تصريح سفر من السلطان حسين بايقاري وانتقل إلى اسطمبول مصطحباً معه مخطوطات أعمال المرصد الفلكي في سمرقند. وكانت شهرة مرصد سمرقند الفلكي آنذاك واسعة جداً حتى أن السلطان محمد الثاني عينه مدرساً في المدرسة التابعة لمسجد آيا صوفيا. وعاش علي قوشتشي في اسطمبول سنتين وخلال هذه المدة القصيرة استطاع نسخ العمل الرئيسي لمعلمه ميرزة أولوغ بيك إلى نسخ عديدة وترجمه إلى اللغة التركية.
وكتب علي قوشتشي تعليقات على "زيج" (كتالوك النجوم في القرون الوسطى، الذي وضعه ميرزة أولوغ بيك عام 1437م). وكتب نحو 30 مقالة علمية، من بينها:
- "الرسالة المحمدية في الحساب"، وتضمنت الحسابات الأساسية لعلم الفلك؛
- و"رسالة دار علم الهيأة"، وتضمنت شروحاً للأقسام النظرية من "زيج" ميرزة أولوغ بيك.
ولعبت هذه الأعمال دوراً بارزاً في تعليم الرياضيات وعلم الفلك في دول الشرقين الأوسط والأدنى خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين.
وحصل علي قوشتشي على اعتراف دولي كنجم ساطع من نجوم مدرسة علم الفلك في سمرقند، وأقرب المقربين للعالم ميرزة أولوغ بيك.
والأهم من ذلك أنه تمكن من إعداد الكثيرين من أتباع مدرسة علم الفلك السمرقندية. وليس صدفة أنه اعتبر مؤسس لمدرسة علم الفلك والرياضيات العثمانية. وبفضل علي قوشتشي وصلت "زيج" ميرزة أولوغ بيك إلى أوروبا عبر اسطمبول وحصلت على شهرة عالمية.
وفي عام 2008م تمكن العلماء الأوزبك من البحث عن قبر علي قوشتشي. واكتشفوا أنه مدفون في المقبرة التابعة لمسجد أيوب في اسطمبول، وعند مدخل المسجد علقت لوحة رخامية ضخمة كتب عليها: "علي قوشتشي (1402م-1474م)، رجل العلم"


أعده أ.د. محمد البخاري في طشقند يوم 9/7/2014 بتصرف عن مقالة رجل العلم علي قوشتشي. // وكالة أنباء Jahon، 8/7/2014


الثلاثاء، 8 يوليو 2014

العالم الإسلامي والطبيب فخر الدين الرازي


العالم الإسلامي والطبيب فخر الدين الرازي


كان الفيلسوف، والطبيب، والعلامة في الشريعة الإسلامية، وعلم المنطق، واللغة، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين، المشهور بالإسم المستعار فخر الدين الرازي من بين مفكري الشرق المشهورين في العالم.
وعاش فخر الدين الرازي معظم حياته في المراكز العلمية والثقافية الكبرى في ما وراء النهر: بخارى، وسمرقند، وخوارزم. وتطالعنا الصفحات التاريخية أنه زار العديد من مدن ما وراء النهر سعياً نحو ظروف مادية وحياتية أفضل، وبحثاً عن المعرفة، والتقى هناك بالعلماء، والشعراء، والفلاسفة، ورجالات الدولة آنذاك.
وفي بخارى درس فخر الدين الرازي العلوم والفلسفة. وشارك في المناقشات العلمية التي كانت تجري آنذاك في قصر خوارزم شاه، وكان لثلاث سنوات من علماء القصر.
وكشخصية تنوعت ثقافتها آنذاك تمتع فخر الدين الرازي بذكاء خارق لا يقارن في مختلف العلوم. وخطت ريشته 146 مؤلف علمي، تناولت مختلف قضايا الفقه الإسلامي، ومن ضمنها تعليقات على بعض قضايا تراث الذين سبقوه.
وحدد فخر الدين الرازي في المؤلفات العلمية: "جامع العلومو"أطروحات حول العلوم الدينية والميتافيزيقيةو"تعليقات على كتاب ابن سينا"؛ و"روح وإرشادات"، موقفه من المقدمات الفلسفية لمسائل حياة العلماء.
وكشف فخر الدين الرازي في "أطروحة الوصول إلى الحقيقة"، و"ما وراء العقل"، و"أطروحة الروح"، عن نظرته لفهم نظريات المعرفة والمنطق. وخصص كتابه "علم المنطق"، لواحدة من المواد العلمية الثلاث في الفلسفة، وعن كيفية كتابة العلماء لمقدماتهم في هذه المسألة، من خلال ما توصلت إليه الفلسفة الشرقية وتطبيقاتها حتى العصر الذي عاش فيه.
وتجدر الإشارة إلى أن كتاب "جامع العلوم"، تضمن الشكل الأفضل والتفصيلي الكامل لنظراته من مختلف القضايا الفلسفية. كما ويستحق الأسلوب الذي اتبعه في تصنيف القضايا العلمية اهتماماً خاصاً.


واعتماداً على دراسات المفكرين القدامى، طور فخر الدين الرازي مواقف غيره من العلماء في مجال الطب، أمثال: الكندي، وزكريا الرازي، وابن سينا. ووضع أمام نفسه هدف الإجابة على جملة من الأسئلة الملحة والهامة، من خلال ربطها بالواقع.
وأعار فخر الدين الرازي اهتماماً كبيراً للعلوم الإسلامية أثناء تعامله مع مسائل تصنيف العلوم. ودرس النواحي الفلسفية النظرية والعملية للشريعة الإسلامية من كل الجوانب، ومن خلالها دخل إلى العلوم الطبيعية، والأخلاق، والسياسة، والهندسة المعمارية. وفي نفس الوقت سعى للنظر بتفصيل أكثر في مسائل تحديد دور العلوم في الوعي الديني.
وركز فخر الدين الرازي اهتماماً خاصاً على "علم الشطرنج"، وهو ما لم يسلكه أحد من أسلافه.
والنظرات الفلسفية لمفكر القرون الوسطى الكبير في الشرق الإسلامي فخر الدين الرازي أثرت تأثيراً كبيراً على الدراسات العلمية الجارية حتى وقتنا الراهن، وغدت موضوعاً لدراسات العلماء الأوزبك وغيرهم من رجالات العلوم الأجانب.

أعده أ.د. محمد البخاري في طشقند يوم 8/7/2014 بتصرف عن: ز. عزيز خانوفا: فخر الدين الرازي، من أكبر علماء القرون الوسطى في الشرق (1148م-1209م). // وكالة أنباء Jahon، 30/4/2014.


العالم والطبيب والصيدلي يوسف بن يوسف الطبيب الهيراوي


العالم والطبيب والصيدلي يوسف بن يوسف الطبيب الهيراوي

ولد يوسف بن يوسف الطبيب الهيراوي الملقب بصيدلي غيرات، في نهاية القرن الخامس عشر بمدينة هاف الخاضعة لسلطة خراسان. وكان والده طبيباً مشهوراً في غيرات، وهو مؤلف كتاب "عين الحياة". ولا توجد معلومات دقيقة عن مكان وعند من درس يوسف، ولكن بعض المعلومات تشير إلى أنه درس العلوم والمعاجم الطبية، وهذا يشهد على تأثير والده الكبير عليه. ومن المعروف أنه حصل على تعليمه الإبتدائي بمدينة هاف، وبعد ذلك انتقل مع والديه إلى غيرات حيث استمر بالدراسة لدى الأطباء المعلمين، الذين مارسوا التعليم في مدرسة "دار الشفا" التي أسسها المفكر العظيم ومؤسس الأدب الأوزبكي علي شير نوائي.


علي شير نوائي
 وترك يوسف وراءه تراثاً علمياً غنياً شمل مختلف الاتجاهات العلمية. منها 6 مؤلفات في الطب كتبها باللغة الفارسية، وأكثر مؤلفاته الطبية نظمها شعراً.
وكان يوسف طبيب ظهير الدين محمد بابور الخاص. وفي عام 1526م وبطلب منه انتقل معه إلى الهند، حيث عين طبيباً في القصر. وكانت المؤلفات الطبية أثناء حياة بابور مشهورة جداً في الهند، وخرسان، وما وراء النهر.
وبعد وفاة بابور قام الحاكم الجديد همايون بتسمية يوسف سكرتيراً خاصاً (منشئ).
وفي عام 1544م توفي يوسف بن يوسف بمدينة دلهي في الهند.
أهم مؤلفات يوسف بن يوسف الطبيب الهيراوي:
- "علاج الأمراض". كتبه بأسلوب الرباعيات باللغة الفارسية. وتضمن 291 رباعية كل منها تناولت مرضاً معيناً مع مقترحات عملية لعلاجه.
- "جامع الفوائد". وكتبه بأسلوب النثر باللغة الفارسية. وهو عبارة عن تعليقات على مؤلفه الشعري "علاج الأمراض". وتناول فيه علاج الأمراض من الرأس وحتى القدمين.
- "رسائل المأكول والمشروب". وهو عبارة عن طروحات شعرية طبية تناول فيها أساليب تناول الطعام والشراب من أجل الحفاظ على الصحة باللغة الفارسية.
- "فوائد الخير". وهو عبارة عن أشعار تناول فيها بعض الأدوية البسيطة من مصادر نباتية، وحيوانية، ومعدنية.
- "ستة ضرورية". كتبه بأسلوبي النثر والشعر باللغة الفارسية. وتحدث فيه عن ارتباط صحة الإنسان بالهواء، والغذاء، والطعام، والنوم، واليقظة.
- "قصيدة دار أسماء وأجناس الأدوية". كتبه شعراً باللغة الفارسية. وتضمن أسماء الأدوية باللغتين العربية والفارسية.
إسهامه في تطوير العلوم العالمية:
قدم يوسف إسهاماً كبيراً في تطوير العلوم الطبية. ومؤلفاته تصف الطرق الجديدة آنذاك لمعالجة الأمراض، الواردة في كتاب "القانون في الطب" لابن سينا. وعلى سبيل المثال: كان يوسف الأول في تاريخ الطب عالج بنجاح الأمراض التناسلية بمساعدة وصفات وضعها بنفسه.
كان يوسف أول من استخدم الرباعيات لشرح مسائل العلوم الطبية، وحقق من خلالها تطويراً كبيراً. مقلداً أسلوب ابن سينا في الشعر. وقدم إسهاماً كبيراً في تطوير فن الرسائل، وهو ما يشير إلى أعماله "النادرة في فن الرسائل".
الإعتراف الدولي بخدماته:
عشرات النسخ من مخطوطات يوسف بن يوسف تحفظ اليوم في مخازن المخطوطات في العديد من دول العالم، ومن بين تلك الدول: إنكلترا، والهند، وبنغلاديش، وإيران، وغيرها من دول العالم، وأدخلت مؤلفاته في العديد من كاتالوكات المخطوطات الشرقية.
وترك تراث يوسف أثراً واضحاً في تاريخ ثقافة شعوب آسيا المركزية. وعلى سبيل المثال: مؤلفه "جامع الفوائد" ترجم إلى اللغة الأوزبكية مرتين في أوزبكستان. وحظيت مؤلفاته الشعرية الطبية على شهرة واسعة. وكتبت في الهند تعليقات على رباعياته. كما ترجم قسم من مؤلفه "جامع الفوائد" إلى اللغة الإنكليزية.

بحث أعده أ.د. محمد البخاري في طشقند بتاريخ 7/7/2014 بتصرف نقلاً عن: الطبيب يوسف بن يوسف الطبيب الهيراوي، العالم الطبيب، والطبيب الماهر، والموسوعي، والشاعر. شبكة ziyonet على الرابط: http://people.ziyonet.uz/ru/person/view/yusuf_ibn_yusuf_at_tabib_al_hiroviy ومصدر الحياة. وكالة أنباء Jahon، 6/7/2014


الاثنين، 7 يوليو 2014

العالم والطبيب أبو علي بن سينا


العالم والطبيب أبو علي بن سينا


أبو علي بن سينا
أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا، هو فيلسوف، وطبيب، وعالم بارز، عاش في وسط آسيا، وإيران، وكان طبيباً ووزيراً لدى العديد من الحكام. واشتهرت أطروحاته بشكل كبير في الشرق والغرب على حد سواء، وكتابه "القانون في الطب" كان بمثابة موسوعة شملت نظريات الطب القديمة، وجمعت خبرات الأطباء اليونان، والرومان، والهنود، في القرون الوسطى، وظل مرجعاً هاماً للأطباء في العالم طيلة قرون عدة.
وبعد وفاته بنحو مائة عام قام المتعصبون الدينيون في بغداد بإحراق كتب ابن سينا في الفلسفة، ولكن الذي حدث بعد اختراع آلة الطباعة في أوروبا أن طبعت كمية ضخمة من كتاب "القانون في الطب" بأجزاءه الخمسة، مباشرة بعد طباعة الكتاب المقدس.
وابن سينا ولد في قرية أفشانا الصغيرة بالقرب من مدينة بخارى. وأشار في سيرة حياته إلى أن: "أبي من بلخ، انتقل منها إلى بخارى أيام حكم الساماني نوح بن منصور ليشتغل في ديوان الرسائل آنذاك. كما شغل إدارة مركز خارمايسان، القريب من مدينة بخارى. وهناك اختار زوجة له فتاة من أفشانا، القريبة من خارمايسان، اسمها سيتارا "نجمة". وهناك ولدت أنا، ومن بعدي ولد أخي".
ورغم انتساب ابن سينا إلى سكان وسط آسيا، إلا أنه كان يتحدث بلغة داري-الفارسية. و كتب رباعياته القصيرة "راحة الروح" بهذه اللغة...".
وأشار ابن سينا في سيرة حياته إلى أن: والدي أحب اسم حسين. وقرر تسمية أول طفل من أطفاله حسين، وكما جرت العادة في البيوت النبيلة آنذاك كان يعطى للإبن كنية واسم نبيلين. "ابتسم عبد الله وقال من المؤكد أنه لأبني سيكون ابن. ولتخليص ابني حسين من العناء، سأعطي ابنه المستقبلي اسم علي. وستكون كنيته أبو علي". ولم يكن عبد الله يعلم، أن تعهده هذا كان عبثياً، وأنه لن يكون لابنه ابن، وحتى لن تكون له أسرة. وأن حسين سيتجول كل حياته من مدينة إلى مدينة أخرى على طرق القوافل، وسينتقل من قصر حاكم إلى قصر حاكم، وسيختار من الطريق بيت له، وسيكون الرحالة من أقرب المقربين له.
وحسين الصغير كان طفلاً فضولياً. والكلمة المفضلة عنده كانت "لماذا؟"، والأكثر استعمالا ضمن مفرداته اللغوية. وعندما بلغ الخامسة من عمره انتقلت الأسرة إلى مدينة بخارى. وألتحق الصبي بالمدرسة الإبتدائية الإسلامية ودرس فيها حتى بلغ سن العاشرة من عمره. "يطلق في ما وراء النهر تسمية "مكتب" على المدرسة حتى الآن، أما اسم مدرسة فكان يطلق على مؤسسات التعليم العالي حتى وقت متأخر من القرون الوسطى".
وحسين كان أصغر تلميذ بين التلاميذ الخمسة عشرة عند خطيب عبيد. وكان التلاميذ آنذاك يقرأون أجزاء القرآن الكريم والسور باللغة العربية. وأكثرهم كانوا يفهمون اللغة العربية بصعوبة. ولكن حسين سرعان ما بدأ بتوجيه الأسئلة لمعلمه، وكان جواب المعلم على كل أسئلته واحد: "إدرس القرآن الكريم. ففيه الجواب على كل أسئلتك". وفي نفس الوقت كان درس القواعد، وعلم البلاغة، واللغة العربية، لدى معلمين آخرين.
وذات مرة قال حسين الصغير للمعلم: "أنا حفظت القرآن الكريم. والآن أستطيع توجيه الأسئلة ؟" فغضب منه المعلم، وقال له: "خلال سنوات طويلة يدرس القرآن الكريم، وقليل من المسلمين يحفظونه عن ظهر قلب، لتمنح لهم الصفة الفخرية، حافظ". وبسرعة رد الفتى "يعني أنا حافظ !". وخضع حسين لإمتحان أسمع خلاله كل سور القرآن الكريم، دون أن ينسى أية كلمة. حتى أن خطيب عبيد لم يكن يعرف القرآن مثله. لينهى حسين بذلك دراسته في المكتب.
وهكذا أنهى حسين المدرسة الإبتدائية في سن العاشرة من عمره أي في عام 990م. وكان دائماً يذهل الجميع بذاكرته القوية، وتعليقاته على نصوص كاملة من القرآن الكريم، وكان الجميع معجبين بمعرفته المتميزة للأدب العربي. وهكذا حصل ابن سينا على لقب "شيخ" منذ ذلك الوقت. وأشار في سيرته الذاتية إلى ذلك: "حتى سن العاشرة درست القرآن الكريم والآداب والعلوم بنجاح أذهل الجميع".
ولوحظت مواهب الطفل المتميزة مبكراً، وما أن بلغ العاشرة من عمره حتى أخرجه أبوه من المدرسة الإبتدائية، ليتابع تعليمه على يد المعلمين الذين كانوا يزورونه في البيت. ودرس ابن سينا الرياضيات، والفيزياء، والمنطق، والفقه القانوني، وعلوم الفلك، والفلسفة، والجغرافيا، والطب، بتعمق ولكنه درس الطب بتركيز خاص. لأن المعارف الطبية آنذاك، والطب الشعبي كانت تحظى بأكثر اهتماماته.
وساعت الظروف الأسروية على تنشئة الفتى روحياً. فوالد ابن سينا كان إنساناً متعلماً غنياً، ومن المقريبين إلى حركة الإسماعيليين (خصوم المذهب السني الإسلامي)، الذين جعلوه تابعاً لهم. ولو أن ابن سينا عملياً لم يكن تابعاً للإسماعيليين، ولكنه على ما يبدوا أنه كان مهتماً بالمضامين التي دعوا إليها. ومن الممكن القول أن ابن سينا أخذ عن الإسماعيليين انتقاداته الدينية.
وكان أبو عبد الله الناتيلي من أتباع حركة الإسماعيليين، أول معلم درس ابن سينا الفلسفة، والرياضيات. وكانت دراسته ناجحة جداً حتى أن التلميذ سبق معلمه، وكان يضع معلمه في طريق مسدودة أكثر من مرة. وأشار ابن سينا في سيرته الذاتية إلى واحدة من تلك الحوادث: "قدمت له تحليل لتعريف لم يسمع به من قبل. تعجب مني وبعد ذلك نصح أبي قدر استطاعته بأن لا يشغلني بأي شيئ غير العلوم...
وذكر ابن سينا في سيرته الذاتية، هذا ما حصل مع كتاب اقليدس أيضاً: درست خمسة أو ست نظريات بمساعدة المعلم، والبقية درستهم بشكل مستقل. وسرعان ما ظهر أن المعلم لم يعد باستطاعته تعليمي. فقال: "إدرس بمفردك، وحل النظريات، وبعد ذلك تعال إلي وأرني النتائج التي توصلت إليها. ومنذ ذلك الوقت بدأت بدراسة الكتب بشكل مستقل، وبدى واضحاً أثناء ذلك أن المعلم يجهل الكثير من المسائل، وكان يدرسها مني".
واهتمام ابن سينا بالطب المبكر، شغل حيزاً كبيراً من مجالات اهتماماته. ولم يمض 12 عاماً على مولده حتى نصحه الطبيب والفيلسوف المشهور آنذاك أبو صلاح المسيحي بدراسة الطب. وذكر ابن سينا في سيرته الذاتية: "بعد ذلك توجهت لدراسة علوم الطبابة، وبدأت بقراءة كتب هذه العلوم. والعلوم الطبية ليست من العلوم الصعبة، وطبعاً نجحت فيها، وخلال فترة قصيرة أصبح أطباء ذلك الوقت المشهورين يأتون إلي من أجل المشورة. وكنت أزور المرضى، والتشخيص فتح آفاق طريق الخبرات أمامي نحو أبواب الشفاء، حتى أنه لا يمكني وصفها. ولم يتجاوز وقتها سني الـ 16 عاماً".
ودرس حسين تفاصيل علم الطب تحت إشراف أبو المنصور قمري، الطبيب المشهور في بخارى آنذاك، ومؤلف جملة من المؤلفات العلمية. واستمرت دراسته لدى قمري لفترة قصيرة، وسرعان ما بدأ ابن سينا الإهتمام بتطبيقاته الشخصية، وبلغت شهرته في المعالجة الشفاء حداً أنه دعي على إثرها إلى القصر لمعالجة المرض الشديد الذي عانى منه أمير بخارى آنذاك نوح بن منصور.
وذكر ابن سينا تلك الذكريات في سيرته الذاتية مشيراً إلى أنه: "ذات مرة أصيب الأمير بمرض شديد، حتى أن الأطباء لم يستطيعوا تشخيص مرضه. واسمي كان معروف لهم. فحدثوا الأمير عني وطلبوا دعوتي. وحضرت وشاركتهم بالمعالجة وكنت متميزاً بخدمته".
وكان المرض الذي عانى منه أمير بخارى مجهولاً، وكذلك الطريقة التي عالجه بها ابن سينا كانت أيضاً مجهولة، ولكن المعالجة ساعدت نوح بن منصور أمير بخارى للاستمرار في الحكم سنة أخرى. ونتيجة لعلاجه للأمير تمكن ابن سينا من الوصول لمحتويات خزانة كتب السامانيين الشهيرة، مكتبة بخارى، التي كانت آنذاك من أضخم وأشهر مجموعات الكتب. حتى أن ابن سينا اعتبر عمله في مكتبة بخاري من أهم مراحل تطور أعماله الإبداعية. وآنذاك أنهى تعليمه وبدأ طريقه المستقل في الحياة.
واستخدم ابن سينا مكتبة السامانيين لعدة سنوات. وأثناء عمله في مكتبة بخارى جاءته فكرة كتابة مؤلف جامع عن الطب، يمكن من خلاله العثور على أسماء الأمراض وأعراضها، والجمع بين كيفية ظهورها وطرق الشفاء منها. ولهذا الهدف جمع مجموعة من الملاحظات الضرورية اقتبسها من مختلف الكتب، والملخصات، وقام بدراستها بشكل دائم. وهكذا بدأت عملية تحضير مواد كتاب "القانون في الطب"، المؤلف الأساسي الذي عمل ابن سينا على تأليفه سنوات طويلة.
وفي عام 999م توفي والده عبد الله بن حسن، ووقع على عاتق ابن سينا واجب رعاية أقرباءه المقربين. ولكن السلطات كانت تتعامل بحذر كبير مع أسرة الإسماعيلي السابق، ولم تكن أوضاع ابن سينا مستقرة، بل وحتى كانت خطرة، لهذا قرر الإنتقال إلى غورغانج عاصمة خوارزم.
وحتى وفاته لم يستطع حسين العودة إلى موطنه، وتجول في الغربة من مدينة إلى أخرى. وأقام لدى حكام: خوارزم، وأبيويرد، ونيشابور، وتوس، وغورغان، وريا، وحمدان، وأصفهان، وزار الكثير من المدن والقرى. وتعرض للحرمان أكثر من مرة، وكان دائماً يصعد إلى قمة السلطة ويسقط منها، وكان وزيراً عظيماً، وأحياناً زج به في السجن، وجرب حياة الرفاهية، والفقر، ولكنه لم يتوقف يوماً واحداً عن متابعة أعماله العلمية الإبداعية.
وابن سينا لم يكن مهتماً بما يحيط به بسبب ظروف عمله والمناصب التي شغلها، لأن المعرفة كانت الفكرة الأساسية والهدف من حياته. وكانت أملاكه تسرق دائماً، وحتى أن مكتبته دمرت، وضاعت معها:
- مخطوطات الأجزاء العشرين للموسوعة الفلسفية "الإنصاف".
- ومخطوطات "القانون في الطب".
- ومخطوطة كتاب "ملك الكتب" لمؤسس ورئيس مستشفى بغداد علي بن عباس. وهو من المؤلفات التي سقبت كتاب "القانون في الطب".
- ومخطوطة كتاب أبو بكر الرازي "الكتاب الشامل في الطب" المؤلف من 30 جزءاً.


مخطوطة القانون في الطب
وعندما عمل ابن سينا على تأليف كتابه "القانون في الطب" كان هدفه تجنب أخطاء الذين سبقوه ونجح في ذلك، والف أضخم موسوعة طبية في التاريخ. و"القانون في الطب"، يعتبر من أفضل الكتب في تاريخ الطب. وعملياً هو موسوعة طبية كاملة، تناولت كل ما يتعلق بصحة وأمراض الإنسان بالكامل (في حدود معرفة ذلك الوقت).

النسخة اللاتينية من القانون في الطب
ويتألف "القانون في الطب" من نحو 200 صفحة مطبوعة، ترجمت في القرن الثاني عشر من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية، وبيعت منها الكثير من النسخ المخطوطة. وبعد أختراع آلة الطباعة، كان "القانون في الطب" من أوائل الكتب التي طبعت، ونافست من حيث عدد الإصدارات حتى الكتاب المقدس. وصدر النص اللاتيني من "القانون في الطب" للمرة الأولى عام 1473م، بينما صدر مطبوعاً باللغة العربية عام 1543م.


النسخة العربية من القانون في الطب
ولا يعرف التاريخ الدقيق للانتهاء من كتابة "القانون في الطب"، ولكن من المتوقع أنه كان في عام 1020م. وكتاب "القانون في الطب" هو عمل واسع، يتألف من 5 كتب. وكانت الصيدلة، وعلم الصيدلة محاولة لتوحيد كمية كبيرة من المواد التجريبية في نظام يربطها مع الملاحظات السريرية. والأدوية المقترحة في "القانون في الطب" متنوعة جداً، والكثير منها دخل في وقت لاحق في علم الصيدلة.
والنواحي التنظيمية والمنطقية لـ"القانون في الطب" كإنجاز كبير أشار إليها حتى خصوم ابن سينا. وكان سبب نجاح "القانون في الطب" الوضوح، والإقناع، والكمال في وصف الأشكال السريرية للأمراض، والدقة في الاحتياجات العلاجية والتغذية. وهذه الخصائص أعطت وبسرعة شهرة كبيرة لكتاب "القانون في الطب" استمرت حتى وقتنا الراهن، وحفظت للمؤلف الشهرة العالمية و"التفوق المطلق طيلة خمسة قرون في جميع أنحاء العالم الطبي في القرون الوسطى".


ابن سينا
وتوفي أبو علي حسين بن سينا، بتاريخ 24/6/1037م. ودفن في خاماران بالقرب أسوار المدينة، ولكن بعد 8 أشهر نقلت رفاته إلى أصفهان ودفن في ضريح علاء الدولة.
- والكتاب الأول، كان أول كتاب تناول الطب النظري بشكل تفصيلي. وقسم الكتاب إلى أربعة أجزاء. دار الحديث في:
الجزء الأول عن الطب آنذاك؛
وفي الجزء الثاني عن الأمراض؛
وفي الجزء الثالث عن الحفاظ على الصحة؛
وفي الجزء الرابع عن طرق المعالجة.
- والكتاب الثاني تضمن وصفاً للأدوية "البسيطة"، وتناول العالم ابن سينا فيه: الأدوية، وتأثيرها، وطبيعتها، وتجاربها. ووفق التسلسل الأبجدي أورد 811 مادة من مصادر نباتية، وحيوانية، ومعدنية، مع الإشارة إلى تاثيرها، وطرق استعمالها، وطرق جمعها، وتصنيعها، وحفظها.
- والكتاب الثالث، وهو أوسعها، وخصص لعلم الأمراض والعلاج، وتضمن وصفاً تفصيلياً لبعض الأمراض ومعالجتها. وزود كل قسم بمقدمة تشريحية وطبيعية.
- والكتاب الرابع، خصص للجراحة، ومعالجة الخلوع والكسور، ومعلومات عامة عن الحمى (والأزمات خلال المرض). وجرى الحديث فيه عن الأورام، والإلتهابات القيحية للأنسجة تحت الجلدية، وعن الأمراض المعدية. والمسائل الرئيسية عن دراسات السموم آنذاك.
- والكتاب الخامس، تضمن وصفاً للأدوية "الصعبة"، وأشهر السموم آنذاك ومضادات السموم.


بحث أعده أ.د. محمد البخاري في طشقند يوم 6/7/2014 بتصرف نقلاً عن الرابط (باللغة الروسية): http://people.ziyonet.uz/ru/person/view/abu_ali_ibn_sino