الجمعة، 12 مايو 2017

نظريات الاتصال


نظريات الاتصال


يتضمن البحث: نظريات الاتصال؛ نماذج الاتصال الجماهيري؛ البنية الإلكترونية الأساسية في الدول المتقدمة؛ الاتصال كوظيفة اجتماعية؛ نظرية حارس البوابة الإعلامية؛ وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الحديثة كامتداد لحواس الإنسان؛ نظرية تكنولوجيا وسائل الإعلام؛ الاتصال الشفهي؛ نظرية التقمص العاطفي؛ نظرية الاستدلال العاطفي؛ نظرية أخذ الأدوار في التقمص العاطفي؛ نظرية الاستنتاج.

ومع تطور وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تطورت نظريات الاتصال عبر التاريخ الإنساني من خلال المحاولات التي بذلها الباحثون لدراسة وتحليل عملية الاتصال ووصف أبعادها وعناصر تكونها، ودورها في تطوير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. ونتيجة لتلك الأبحاث ظهرت نظريات ونماذج للاتصال الجماهيري من بينها:
النموذج الذي وضعه الباحث ديفيد برلو، واشتمل على:
- مرسل؛
- ورسالة؛
- ووسيلة اتصال؛
- ومستقبل.
والنموذج الذي أعده الباحث ولبر شرام عام 1974 وطوره عام 1971، وقدم فيه العناصر الأساسية للاتصال وهي:
- المصدر، صاحب الفكرة؛
- وأسلوب التعبير عن الفكرة وتحويلها لرموز وصياغتها على شكل  نص رسالة إعلامية؛
- والمستقبل الذي يتلقى الرسالة ويقوم بفك رموزها؛
- وأخيراً الاستجابة لهدف الرسالة الإعلامية وراجع صداها الذي من المحتمل وصوله أو عدم وصوله للمرسل صاحب الفكرة.
واعتمد شرام في نموذجه على أفكار سبق وقدمها الباحثان شانون وويفر حول راجع الصدى والتشويش الحاصل أثناء نقل الرسالة، وأضاف عليها في نموذجه النظام الوظيفي لعملية الاتصال مفاهيم جديدة مثل الإطار الدلالي، والخبرات المشتركة وأهميتها في عملية الاتصال.
بينما أشار الباحث الإنكليزي ويلز  H.G. Wellsإلى أن: "تطور التاريخ الإنساني هو ظاهرة اجتماعية واحدة تدفع الإنسان للاتصال بأخيه الإنسان، في مكان آخر أو مجتمع آخر" معتبراً أن تطور التاريخ البشري هو قصة رافقت تطور عملية الاتصال، وقسمها إلى مراحل هي:
- الكلام؛
- والكتابة؛
- واختراع الطباعة؛
- ومن ثم مرحلة العالمية وهي مرحلة الإذاعة والاتصال الإلكتروني، وأن من مميزات هذه المرحلة من تطور الاتصال أنه أصبح للوسائل الإلكترونية دوراً مهماً في حياة المجتمعات، واستطاع الإنسان نقل أفكاره ومشاعره ومعلوماته عبر الحواجز الجغرافية باستخدام أجهزة الاستقبال الإذاعية المسموعة والمرئية؛
- لتأتي أخيراً شبكة الإنترنيت العالمية مكملة لما سبق من تطور علمي وتقني في مجال الاتصال الإنساني.
ومع ذلك تبقى نظرية مارشال ماكلوهين التي قدمها في أواسط القرن الماضي من أكثر نظريات الاتصال والإعلام انتشاراً ووضوحاً في ربطها بين الرسالة الإعلامية، والوسيلة الإعلامية، والتأكيد على أهمية الوسيلة في تحديد نوعية الاتصال وتأثيره، واعتبر ماكلوهين أن الوسيلة هي الرسالة وأوضح أنه لا يمكن النظر إلى المضامين التي تنشرها وسائل الاتصال الأعلام الجماهيرية بمعزل عن التقنيات التي تستخدمها تلك الوسائل، لأن التقنيات تؤثر على مضمون الرسائل الموجه للساحات الإعلامية وتسهم في تشكيل الرأي العام. واعتقده ماكلوهين أن تاريخ تطور الاتصال الإنساني مر بعدة مراحل هي:
- مرحلة التخاطب الشفهي: أي مرحلة ما قبل اكتشاف حروف الكتابة؛
- ومرحلة ما بعد اكتشاف الكتابة ونسخ الكتب والتي استمرت لنحو ألفي عام؛
- ومرحلة اختراع الطباعة واستمرت من بداية القرن السادس عشر، وحتى نهاية القرن التاسع عشر؛
- ومرحلة عصر وسائل الاتصال والإعلام الإلكترونية التي بدأت في مطلع القرن العشرين ولم تزل مستمرة حتى الآن.
- وأن تقنيات وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المستخدمة في كل مرحلة من تلك المراحل ساعدت على تشكيل المجتمع أكثر من مضامينها الإعلامية.
وأشار ماكلوهين إلى أن وسائل الاتصال والأعلام الإلكترونية ساعدت على تقليص الزمان والمكان على الكرة الأرضية ووصفها بـالقرية العالمية  Global Village وهي الأرضية التي ولد عليها مصطلح (العولمة) ورافقه الاتجاه الجديد للاتصال وتدفق المعلومات عالمياً، باتجاه نحو اللامركزية في الاتصال، وتقديم رسائل متعددة تلاؤم الأفراد والجماعات الصغيرة المتخصصة، واتخذت هذه اللامركزية مظهرين:
الأول: ويتحكم به المرسل.
والثاني: ويتحكم به المستقبل.
عن طريق ربط الحاسبات الإلكترونية لتوفر خدمات متنوعة من الاتصال وتبادل المعلومات بدأت من اتساع انتشار الصحافة المطبوعة ونقل النصوص المكتوبة، والبرامج التلفزيونية والأفلام السينمائية، التي أصبح نقلها ممكناً عبر مسافات شاسعة وبسرعة فائقة.
ورأى الباحث الفن توفلر: أن البنية الإلكترونية الأساسية في الدول المتقدمة اقتصادياً تتميز بسمات تمثل مفاتيح المستقبل وهي:
- التفاعلية؛
- وقابلية التحرك؛
- وقابلية التحويل؛
- وقابلية الربط؛
- وقابلية الانتشار؛
- والعولمة.
ليفرض الاتصال معها خلال القرن الحادي والعشرين:
- تكريس اللامركزية في الإرسال والاستقبال؛
- وتكريس الهيمنة والاندماج من خلال اتجاه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية إلى التركيز في كيانات ضخمة وملكية مشتركة ومتعددة الجنسية؛
- وحدوث توافق بين التقنيات القديمة والتقنيات الحديثة.
ومع تحول مؤسسات الاتصال والإعلام الجماهيرية في القرن الحادي والعشرين إلى شبكات ضخمة تتصارع المصالح داخلها، أصبح من الصعب دراسة ما يحدث داخل المؤسسات الإعلامية ودور القائمين بالاتصال فيها، وتحليل الاتصال كوظيفة اجتماعية، ودراسة دور ومركز العاملين في الصحيفة، أي الصحفيين والتقنيين، والظروف والعوامل التي تؤثر على اختيار مضامين الصحف، لأن الأخبار يصنعها الصحفيون، وهنا برزت أهمية دراسة الالتزامات المهنية، والأخلاقية، وطبيعة السيطرة المؤسساتية على عمل الصحفيين.
وكانت أول دراسة كلاسيكية من هذا النوع الدراسة التي قام بها روس تن في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1937 وتناول فيها بالدراسة مراسلي الواشنطن بوست، وفي عام 1941 نشرت مجلة الصحافة الربع سنوية الصادرة في ولاية أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية دراسة مهمة عن العاملين في صحيفة ملواكي، وبعد فترة طويلة ظهرت أبحاث أخرى تناولت القائمين بالاتصال والمؤسسات التي يعملون فيها.
ونشر ديفيد مانج وايت دراسته عن حارس البوابة، وجمع الأخبار، وكانت دفعة قوية للأبحاث الجارية في هذا المجال.
وبعدها طورت الأبحاث التي قام بها عالم النفس النمساوي الأصل الأمريكي الجنسية كرت لوين نظرية حارس البوابة الإعلامية. وذكر لوين: أنه على طول الرحلة التي تقطعها المادة الإعلامية حتى تصل إلى الجمهور تمر عبر نقاط أو (بوابات) يتم خلالها اتخاذ قرارات حول ما يدخل وما يخرج من تلك البوابات، وكلما طالت المراحل التي تقطعها الأخبار حتى تظهر في وسيلة الاتصال والإعلام الجماهيرية، تزداد المواقع التي يصبح فيها متاحاً لسلطة فرد أو عدة أفراد تقرير ما إذا كانت الرسالة ستنتقل بنفس الشكل أو بعد إدخال بعض التغييرات عليها، ليصبح نفوذ من يديرون هذه البوابات والقواعد التي تطبق عليها، والشخصيات التي تملك بحكم عملها سلطة اتخاذ القرار كبيراً في اتخاذ القرار حول انتقال المعلومات.
ومع ذلك بقيت دراسات حارس البوابة تجريبية في الواقع وتناولت دراسات منتظمة حول سلوك الأفراد الذين يسيطرون في نقاط مختلفة، على مصير النصوص الإخبارية. وأوضحت الدراسات أن حراس البوابات الإعلامية هم صحفيون يقومون بتجميع ونقل الأنباء للتأثير على اهتمامات وإدراك الجمهور الإعلامي.
وخلال خمسينات القرن العشرين أجريت سلسلة من الدراسات ركزت على الجوانب الأساسية لعمل حارس البوابة دون الإشارة للمصطلح قدمت تحليلاً وظيفياً لأساليب السيطرة والتحكم والتنظيم وأداء الوظيفة الاجتماعية في غرف إعداد الأخبار، وحللت الإدراك المتناقض لدور ومركز ووضع العاملين بالصحيفة ومصادر حصولهم على الأخبار، والعوامل التي تؤثر على اختيار المحررين للأخبار وطريقة عرضها.
 وقام بتلك الدراسات مجموعة من الباحثين الأمريكيين أمثال: وارن بريد جاد، وروى كارتر، وستارك، وجيبر، وروبرت جاد، ووايت، وكن مكرورى، وغيرهم.
وفي عام 1951 نشر الباحث الأمريكي شارلي ميتشل دراسته عن غرف إعداد الأخبار والعاملين فيها.
ونشر الباحث الأمريكي سابين دراسة عن كتّاب الافتتاحات في ولاية أوريجون.
ونشر الباحث لورنس دراسة عن المحررين في كنساس.
ولخص الباحث الأمريكي ولتر جيبر في مقالته "الأخبار هي ما يجعلها الصحفيون أخباراً" نتائج الأبحاث الأساسية التي أُجريت على حراس البوابة، وأجرى في عام 1956 دراسة على محرري الأنباء الخارجية في 16 جريدة يومية بولاية وسكونسن، تستقبل أنباءها من وكالة أنباء أسوشيتدبرس فقط.
وأظهرت الدراسات التي قام بها جيبر أنه إذا كان المحرر يختار عينة مما يصله من أنباء يمكننا أن نقول أنه قد وفق في أداء عمله، وأضاف: أنه يمكن عن طريق ملاحظة الأسلوب الذي يختار المحرر بمقتضاه الأنباء لفترة لا تزيد عن عدة أيام، يمكننا أن نتنبأ بما قد يختاره في يوم آخر. وكان الأمر المشترك بين جميع محرري الأنباء، الذين درسهم جيبر، الضغوط التي يفرضها الواقع البيروقراطي، وأن العمل في غرفة إعداد الأخبار يعتبر من أقوى العوامل تأثيراً، فمحرر الأنباء الخارجية يعمل دائماً من خلال حساباته الخاصة للضغوط الميكانيكية المترتبة في عملة، أكثر من اهتمامه بالمعاني الاجتماعية لتأثير الأخبار، وباختصار كانت ظروف إخراج الصحيفة والروتين البيروقراطي والعلاقات الشخصية داخل غرف إعداد الأخبار تؤثر على عمل المحرر.
وأظهرت دراسات جيبر حقيقتين تبعثان على القلق وهما:
أولاً: أن محرر الأنباء الخارجية في سلوكه الاتصالي كان سلبيا ولم يلعب دورا فعالاً كقائم بالاتصال، فهو لا يدرس بشكل نقدي الأنباء التي تصله برقيا.
وأنه هناك بعض الدلائل التي تشير إلى أن محرر الأنباء الخارجية كصحفي يعمل من مكتبه، وتختلف دوافعه عن المخبر الذي يتنقل من مكان إلى آخر كي يجمع الأخبار، مما يؤثر على ما يختاره المحرر من أنباء، لأن محرر الأنباء الخارجية قد يكون كسولاً، أو أنه أصبح كسولاً بسبب انعدام تشجيعه من قبل رؤساءه ليكون أكثر نشاطاً. وبشكل عام فالمحرر لا يختار برقياته بشكل يظهر معها أنه يقيّم ما يقدمه بشكل نقدي.
وثانياً: أن محرر الأنباء الخارجية، كقائم بالاتصال، ليس لديه إدراك حقيقي لطبيعة الجمهور الذي يتوجه إليه، لأنه عملياً لا يتصل بذلك الجمهور.
وفي حال إذا كانت المهمة الأساسية للصحيفة هي تقديم تقرير هادف عن الظروف المحيطة من أجل خدمة القارئ، فيمكن أن نقول أن أداء هذه المهمة كان بالصدفة فقط. لأن الصحيفة لم تعد تدرك أن هدفها الحقيقي هو (خدمة) جمهور معين أو الجمهور بشكل عام، لأن المجموعة التي تقوم بجمع الأخبار، والنظام البيروقراطي كثيراً ما تحدد الأهداف، أو تحدد ما يظهر على صفحات تلك الصحيفة.
واستخلص جيبر أنه بدون دراسة القوى الاجتماعية المؤثرة على عملية جمع الأخبار لا نستطيع أن نفهم حقيقة تلك الأخبار.
ومن أعمق الدراسات التي أجريت على القائمين بالاتصال وتأثير القوى الاجتماعية على العاملين في الصحف، كانت الدراسة التي أجراها وارين بريد عام 1955 وخلص فيها إلى أنه هناك أدلة تشير إلى وجود عملية تأثير يسيطر أو يهيمن بمقتضاها مضمون الصحف الكبيرة والمحطات الإذاعية المسموعة والمرئية المرموقة على الطريقة التي تعالج بها الصحف الصغيرة الأخبار والموضوعات المهمة، أي أن الكبير يبتلع الصغير كما يقال في عالم الأحياء المائية، ولا شك أن هذا يحرم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية من القدرة على التغيير والتنويع وتعدد الآراء الذي يساعد على تكوين رأي عام واعي لما يدور من حول ما يقدمه القائمون بالاتصال.
واستخدم بريد في دراسة أخرى التحليل الوظيفي ليظهر الكيفية التي تحذف بها الصحف الأخبار التي تهدد النظام السياسي والاجتماعي والثقافي أو تهاجمه، أو تهدد إيمان القائم بالاتصال بذلك النظام السياسي والاجتماعي والثقافي، ويقول بريد: أن سياسة الناشر عادة هي التي تطبق في أي صحيفة، بالرغم من مظاهر الموضوعية في اختيار الأخبار، وأن مصدر الجزاء الذي يناله الصحفي في الصحيفة ليس القراء الذين هم هدفه، ولكن زملاءه ورؤساءه في العمل، لذلك يعيد المحرر في الصحيفة تحديد وتشكيل قيمه لتحقق أكبر منفعة شخصية له. واستنتج بريد من تلك الدراسة: أن الظروف الموضوعية التي تحيط بالصحفي في غرفة إعداد الأخبار لا تؤدي إلى نتائج تفي بالاحتياجات التي تلبي أوسع متطلبات الديمقراطية.
بينما استخدم الباحث الأمريكي المعروف سوانسون أساليب المتابعة المباشرة والاستفسار ليحصل على معلومات عن الخصائص الشخصية ومعتقدات العاملين في صحيفة يومية صغيرة.
ودرس بروس وستلي محرري الأخبار الخارجية في صحف ولاية وسكونسن باستخدام سلّم (قياس القيم)، وقارن من خلاله القيم التي يعتنقها المحررون وتؤثر على اختيارهم للأخبار.
وقام بروس وستلي، ومالكلوم ماكلين بدراسة على القائمين بالاتصال، للتفرقة بين أدوار الاتصال المختلفة، وتعتبر هذه الدراسة من الدراسات المهمة في هذا المجال. والملاحظ أنه وجد في كل تلك الدراسات عنصر مشترك، يقول بأنها تركز الاهتمام على التفاعل بين الأنماط والأخلاقيات الصحفية المثالية والأساليب الاجتماعية والتنظيمية المقررة في المجتمع الأكبر، في ظروف متنوعة وأوضاع مختلفة، وقدمت تلك الدراسات فوائد كثيرة لوسائل الاتصال والأعلام الجماهيرية والخبراء لأنها ساعدت على الوصول إلى أحكام أكثر دقة عن العاملين بوسيلة الاتصال والإعلام الجماهيرية في إطار اجتماعي مباشر، وأبرزت الكثير من الأسئلة المهمة التي يجب التوصل إلى إجابات عليها.
والرسالة الإعلامية في نظرية حارس البوابة الإعلامية تمر بمراحل عديدة وهي تنتقل من المصدر حتى تصل إلى المتلقي، بسلسلة مكونة من عدة حلقات، وأبسط أنواع السلاسل هي سلسلة الاتصال المباشر، من فرد إلى فرد آخر، وفي حال الاتصال الجماهيري تكون هذه السلاسل طويلة ومعقدة جداً، لأن المعلومات التي تدخل شبكة اتصال معقدة مثل الصحيفة، أو محطة الإذاعة المسموعة والمرئية، وتمر بالعديد من الحلقات والأنظمة المتصلة، فالحدث الذي يحدث في فلسطين أو أفغانستان أو العراق أو لبنان مثلاً، يمر بمراحل عديدة قبل أن يصل إلى القارئ في أمريكا أو أوروبا أو أنحاء أخرى من الشرق الأوسط، ونجد قدر المعلومات التي تخرج من بعض الحلقات أو الأنظمة أكثر مما تدخل إليها.
وأطلق عليها شانون تسمية أجهزة التقوية، فأجهزة التقوية في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تستطيع أن تصنع في نفس الوقت عدداً كبيراً جداً من الرسائل المتطابقة، كنسخ الصحف توصلها للجمهور، وأنه هناك نوعاً من السلاسل كشبكات معينة داخل الأنظمة، لأن وسائل الإعلام نفسها هي شبكات من الأنظمة المتصلة بطرق معقدة، تقوم بوظيفة فك الرموز والتفسير وتخزين المعلومات، ثم وضعها مرة أخرى في رموز.
وهي الوظيفة التي يؤديها كل من القائمين بالاتصال، لأن الفرد الذي يتلقى رسائل وسائل الاتصال والأعلام الجماهيرية هو جزء من شبكة علاقات معقدو قائمة داخل الجماعة، ويتطلب واقع المجتمع الذي ترتفع فيه نسبة المتعلمين ودرجة التصنيع أُسلوب خاص لعمل الشبكة، يزداد معه اعتماد المجتمع المعني على سلاسل لوسائل الاتصال والأعلام الجماهيرية، أما المجتمع البدائي الذي تنخفض فيه نسبة المتعلمين ودرجة التصنيع فتنتقل فيه غالبية المعلومات عبر سلاسل الاتصال الشخصي.
ومن المعروف أن يشكك الأفراد بصدق ما تنشره وسائل الاتصال والإعلام في المجتمعات التي تخضع فيها للسيطرة الحكومية، لتصبح سلاسل الاتصال الشخصي المباشر من فرد إلى فرد مهمة وطويلة جداًً تتطور إلى جانب سلاسل وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وفي هذه الحالة نجد أن سلاسل الاتصال الشخصي تنقل شائعات وأقاويل ومعلومات متنوعة من فرد إلى فرد، وتقوم بالرقابة على وسائل الاتصال والأعلام، وتحاول سد نواحي النقص المفترضة فيها.
وفي هذا الصدد أشار الباحث كرت لوين إلى أنه في سلاسل الاتصال الشخصي هناك فرد ما في كل حلقة من حلقات سلسلة الاتصال الشخصي يتمتع بحق تقرير ما إذا كانت الرسالة التي تلقاها سينقلها أو لن ينقلها، وأن تصل تلك الرسالة إلى الحلقة التالية بنفس الشكل الذي جاءت فيه أم أنه سيدخل عليها بعض التغييرات والتعديلات.
وحارس البوابة الإعلامية يعني السيطرة على مكان استراتيجي في سلسلة الاتصال، بحيث تصبح لحارس البوابة سلطة اتخاذ القرار فيما سيمر من أخبار وكيف ستمر من خلال بوابته، حتى يصل الخبر في النهاية إلى وسيلة الاتصال الإعلامية ومنها إلى الجمهور الإعلامي.
ويذكر لوين أن المعلومات تمر بمراحل مختلفة حتى تظهر على صفحات وسائل الاتصال والأعلام الجماهيرية، وأطلق لوين على هذه المراحل تسمية بوابات، وقال: أن هذه البوابات تقوم بتنظيم كمية من المعلومات التي ستمر من خلالها، وأشار لوين إلى مفهوم وظيفة البوابة تعني فهم المؤثرات والعوامل التي تتحكم في القرارات التي يصدرها حارس البوابة.
وبمعنى آخر أنه هناك مجموعة من حراس البوابات يقفون في جميع مراحل سلسلة الاتصال التي يتم من خلالها نقل المعلومات، ويتمتع حراس البوابات بحق فتح بوابتهم أمام أي رسالة تأتي إليهم أو إغلاقها، كما أنه من حقهم أجراء تعديلات على الرسالة التي ستمر عبر بوابتهم على سبيل المثال:
يستطيع أي فرد تقرير ما إذا كان سيكرر أو يردد إشاعة معينة أو لا يرددها، لأن الإشاعات حينما تنتقل من مصدر إلى مصدر تطرأ عليها في الغالب بعض التعديلات وتتلون وفق اهتمامات ومعلومات الفرد الخاصة ومن ثم يقوم بنقلها، وحينما تطول سلسلة الاتصال نجد أن بعض المعلومات التي تخرج في النهاية لا تشبه المعلومات التي دخلت منذ البداية إلا في نواح قليلة، فإذا أخذنا في اعتبارنا أن ما يحدث في سلاسل الاتصال التي تنقل الأخبار حول العالم. كالخبر المنقول من اليابان أو الهند أو أي دولة عربية إلى مدينة في ما في أمريكا الشمالية، يمر بمراحل كثيرة وأول حارس بوابة في هذه الحالة هو الفرد الذي لاحظ الحدث وقت وقوعه، ولنفترض أن ما حدث كان كارثة طبيعية وينتقي الفرد من دون شعور وصفاً لأشياء معينة لاحظها دون أشياء أخرى، أي أنه لاحظ أشياء وأغفل أشياء أخرى، ولهذا نراه يتحدث عن نواحي ويهمل نواحي أخرى.
وبعد حارس البوابة الأول يأتي حارس البوابة الثاني، وقد يكون مخبراً صحفياً حصل على الخبر من شاهد عيان شاهد الحدث وقت حدوثه، وقد يتصل الصحفي بأكثر من شاهد عيان كي يكوّن فكرة كاملة عن الحدث، وفي جميع الحالات، يختار المخبر وينتقي الحقائق التي سينقلها للصحفي، والحقائق التي سيهملها، ويقرر الجوانب التي سيختارها محدداً أهمية الحدث بنفسه.
وبعد ذلك يسلم الصحفي الخبر لمكتب وكالة الأنباء التي يعمل فيها. وفي وكالة الأنباء يقوم محرر آخر باتخاذ قرار معين حول الخبر ويقرر ما إذا كان سيختاره من بين مئات الأخبار لنقله إلى المشتركين في وكالة الأنباء أم أنه سيختصره ويضيف عليه أو يغيره أو ينقله كما ورد.
وبعد ذلك يأتي دور محرر الأخبار الخارجية في وسيلة الاتصال والإعلام الجماهيرية التي تتلقى البرقيات، ليقرر مدى أهمية الخبر وبالتالي المساحة التي يجب أن يخصصها له. أي لا بد من اختيار مادة من بين مواد كثيرة وصلت إلى وكالة الأنباء، أو وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية لأن الأنباء تصل لهذه الوسائل من عدة مصادر ومن بينها وكالات الأنباء، والمراسلين الصحفيين في جميع أنحاء العالم، ومن الصحف الأخرى، ومن محطات الإذاعة المسموعة والمرئية.
وحراس البوابة في جميع تلك المراحل يسمحون لنسبة محدودة من آلاف المواد الإعلامية التي تصلهم بالانتقال إلى المراحل التالية، وفي النهاية يختار المحرر في وسيلة الاتصال والإعلام الجماهيرية الأخبار التي سينقلها إلى المستهدفين، وكل قرار يتخذ بتوصيل أو نقل شيء ما، هو قرار فيه كبت وإخفاء لشيء آخر من الحقيقة، كنتيجة لعدد من الضغوط الذاتية، ولذا يتوجب علينا كصحفيين أن نحدد تلك الضغوط ونفهمها كي نفهم الطريقة التي تقوم بها وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية لأداء عملها الوظيفي المطلوب منها.
وأشار الباحث الأمريكي مارشال ماكلوهين، إلى أن مضمون الرسائل (المواد) الإعلامية لا يمكن النظر إليه بمعزل عن التكنولوجيا التي تستخدمها وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، فالكيفية التي تعرض بها المؤسسات الإعلامية الموضوعات، وطبيعة الجمهور الذي توجه إليه رسائلها الإعلامية، يؤثران على ما تنقله تلك الوسائل، وأن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي يستخدمها المجتمع أو يضطر إلى استخدامها، تحدد طبيعة المجتمع وكيفية معالجته لمشاكله.
وأن أي وسيلة إعلامية جديدة تشكل ظروفاً جديدة محيطة تسيطر على ما يفعله الأفراد الذين يعيشون في ظروف معينة، وتؤثر كلها على الطريقة التي يفكرون ويعملون وفقاً لها. لأن وسيلة الاتصال والإعلام الجماهيرية هي امتداد لحواس الإنسان، فالكاميرة التلفزيونية تمد أعيننا، والميكرفون يمد آذاننا، والآلات الحاسبة الإليكترونية (الكمبيوتر) توفر بعض أوجه النشاط التي كانت في الماضي تحدث في عقل الإنسان فقط، وهي مساوية لامتداد الوعي الإنساني.
ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الحديثة، كامتداد لحواس الإنسان توفر للإنسان الزمن والإمكانيات وتشكل تهديداً لها لأنه عندما تمتد يد الإنسان وحواسه عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، تستطيع هذه الوسائل أن تمد يد المجتمع إليها، كي تستغلها وتسيطر عليها.
ولكي نمنع احتمال التهديد أكد ماكلوهين على أهمية إحاطة الناس بأكبر قدر ممكن من المعلومات عن ماهية وأداء وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، لأنه بمعرفة كيفية تشكيل التكنولوجيا الحديثة للبيئة المحيطة بنا، نستطيع أن نسيطر عليها ونتغلب تماماً على نفوذها أو قدراتها الحتمية.
وبدلاً من الحديث عن الحتمية التكنولوجية، قد يكون من الأدق أن نقول أن متلقي الرسالة الإعلامية يجب أن يشعر بأنه مخلوق له كيان مستقل، قادر على التغلب على هذه الحتمية التي تنشأ نتيجة لتجاهل الناس لما يحدث حولهم. ويجب اعتبار التغيير التكنولوجي حتمياً لا مفر منه، وهو ما حدث فعلاً، ذلك لأننا إذا فهمنا عناصر التغيير التكنولوجي يمكننا أن نسيطر عليها ونستخدمها في أي وقت نريده بدلاً من الوقوف في وجهها، كما يحدث لدى البعض أحياناً !.
ومن المشاكل التي تواجه عملية التبادل الإعلامي الدولية، مشكلة أهمية مراعاة ظروف البيئة الاجتماعية المحيطة بالإنسان، واختلافها من دولة إلى دولة، بل واختلافها من منطقة إلى أخرى داخل الدولة ذاتها، ومن هنا فمن الأهمية بمكان أن يحيط خبراء الإعلام والصحفيون بالاعتبارات البيئية والظروف الاجتماعية المحيطة بالإنسان. وإذا كان هذا الإلمام أكثر سهولة في الإعلام الداخلي فإنه أكثر صعوبة بالنسبة للإعلام الدولي، حيث تتعدد الاعتبارات البيئية وتتنوع الظروف واللغات، باختلاف من دولة إلى دولة، ومن منطقة إلى منطقة، ومن قارة إلى قارة.
ومع تزايد وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية وتطورها واتساعها، أصبح العالم أقرب إلى القرية العالمية، ومما ساعد على ذلك تطور وسائل المواصلات وسهولة انتقال الأفراد والسياح، وهجرة السكان من أماكن سكنهم الأصلية، والإقامة الطويلة لرعايا دولة معينة لدى دولة أخرى بقصد الدراسة أو العمل، وتزايد حجم وسرعة وتنوع المراسلات، ودخولها عصر الحوار المباشر عبر الهاتف والتلكس والفاكس والبريد الإلكتروني بين مختلف دول العالم.
وتطور البث الإذاعي المسموع والمرئي واتسع باستخدام الأقمار الصناعية لأغراض الاتصال ونقل المعلومات. وساعد الاحتكاك بالأمم المتقدمة على حدوث تحول ثقافي واجتماعي عالمي، برزت معه قيم ومعتقدات جديدة لم تكن متوقعة من قبل.
ومن هنا فإن على خبراء الإعلام والصحفيين أن يدركوا كل تلك المتغيرات عند إعدادهم وتنفيذهم للحملات الإعلامية الموجهة للداخل والخارج على السواء، كي لا تحدث إخفاقات تؤدي إلى عدم استجابة المستقبل لمضمون الرسالة الإعلامية الموجهة إليه، وأن لا تكون ردود فعله مغايرة لأهداف الحملة الإعلامية.
وأن يؤخذ بالحسبان أيضاً اختلاف درجات التقدم الاجتماعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي، وتباين النظم والمعتقدات السياسية والإيديولوجية بين دول العالم المختلفة، ودرجات التباين حتى بين دول النظام المتشابه.
وحدد مارشال ماكلوهين في نظريته تكنولوجيا وسائل الإعلام التي تعتبر من النظريات الحديثة عن دور وسائل الاتصال والأعلام الجماهيرية وتأثيرها على المجتمعات، أربعة مراحل لتطور التاريخ الإنساني وهي وفق رأيه:
- مرحلة المخاطبة الشفهية القبلية؛
- ومرحلة نسخ المخطوطات التي استمرت لنحو ألفي عام؛
- ومرحلة عصر الطباعة والتي استمرت من القرن الخامس عشر وحتى نهاية القرن التاسع عشر؛
- ومرحلة عصر وسائل الاتصال والإعلام  الإلكترونية التي بدأت من مطلع القرن العشرين ولم تزل مستمرة.
وأن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في كل مرحلة ساعدت على تشكيل المجتمعات عبر التطور الإنساني، واعترف ماكلوهين أن نظريته جاءت تطويراً لأعمال: أرد لويس موفورد (1934)؛ وإتش. جي. تشايتور (1945)؛ وسيغفريد غيودون (1948)؛ وهارولد أنيس (1951)؛ ويه. إتش. غومبريتش (1960). وأكد على انتقال البشرية من الاتصال الشفهي إلى الاتصال المكتوب ومن ثم العودة للاتصال الشفهي مرة أخرى.
وعن الاتصال الشفهي يقول ماكلوهين أن البشر يتكيفون مع الظروف المحيطة بهم عن طريق إيجاد توازن بين حواسهم الخمس:
- السمع؛
- والبصر؛
- واللمس؛
- والشم.
وأن اختراع غوتينبرغ للطباعة عن طريق الحروف المتحركة خلال القرن الخامس عشر قلب التوازن القائم على الحواس الخمس لتفقد حاسة السمع سيطرتها على عملية الاتصال لتأخذ محلها حاسة البصر في القراءة عن طريق الاتصال بالكلمات المطبوعة التي أخذت تحل بالتدريج مكان ذاكرة الأجيال المتعاقبة، وليصبح خزن المعلومات المطبوعة على الورق واسترجاعها من الأساليب الناجعة للاتصال.
وأطلق ماكلوهين على المرحلة المعاصرة تسمية عصر الدوائر الإلكترونية وشملت:
- أجهزة الاتصال البرقية؛
- وأجهزة الهاتف؛
- والسينما؛
- والإذاعتين المسموعة والمرئية؛
- وأجهزة الفاكس؛
- والحاسبات الآلية (الكمبيوتر)؛
- والعقول الإلكترونية الناطقة؛
- والبريد الإلكتروني.
وكلها أعادت الإنسان لاستخدام حواسه مجتمعة.
وأن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الجديدة التي اختصرت المسافات وتخطت الحواجز حولت العالم بالفعل إلى قرية عالمية Global Village. وحولت وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الجديدة إلى وسيلة نموذجية للتعليم المستمر مدى الحياة. لأن وسيلة الاتصال تحولت إلى رسالة إعلامية غدت الأساس في تشكيل المجتمعات وقللت من شأن المضمون الإعلامي.
وأشار ماكلوهين إلى أنه أضحى اتصال الجمهور الإعلامي لكل وسيلة يفوق حبه لها اهتمامه بمضمونها ساخناً كان أم بارداً (وهذا يفسر وجود علاقة عاطفية تربطه بوسيلة الاتصال والإعلام الجماهيرية).
وجاءت نظرية التقمص العاطفي التي سبق وأشار إليها: أفلاطون، وسان جون، وسان أوجستين، وسان الاكويني، وسبينوزا، في مؤلفاتهم، ليعتبرها آدم سميث، وهربرت سبنسر، عملية انعكاس بدائي للمشاعر، وليناقشها الباحثين ليبس، وريبوت، وشلير، من خلال تحليلهم للعواطف.
ويرجع الفضل لإدخال مصطلح العاطفة في اللغة الإنجليزية إلى تيوردور ليبس الذي سماها  الشعور بالأشياء، وطوره الباحث جورج ميد في نظريته التقمص العاطفي في كتابه "العقل والنفس والمجتمع" وافترض أنه حينما نتوقع أو نستنتج مشاعر الآخرين، وما سينتج عنها من ردود فعل، وحينما نخرج بتنبؤات، عن السلوك الشخصي للإنسان، واستجاباته الخفية، وحالاته الداخلية ومعتقداته، والمعاني لديه، وأنه حينما نطور التوقعات لنتنبأ ونفترض أن لدينا مهارة ما هي حالة يطلق عليها علماء النفس التقمص العاطفي، أي القدرة على الإسقاط وتصور أنفسنا في ظروف الآخرين، وتساعدنا على تطوير تلك القدرة، والانتقال من مكان إلى مكان آخر.
وتعمل وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية على تطوير المقدرة على التقمص العاطفي بين الأفراد الذين لم يغادروا مجتمعاتهم المحلية أبداً، لأن تلك الوسائل نقلت العالم الخارجي إليهم. ونظرية التقمص العاطفي هي جزء لا يتجزأ من الاتصال، لأنها تربط بين ذهن المرسل وذهن المتلقي، والتقمص العاطفي هو مقدرة فهم ما يدور في ذهن شخص آخر، كأن نقول لشخص آخر أننا نفهم مشاعرك.
فكيف يتحقق التقمص العاطفي ؟ وما هي قيمته في إطار عملية الاتصال ؟ فالفرد يكتسب المقدرة على التقمص العاطفي بالتحرك المادي من مكان إلى آخر أو عن طريق التعرض لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، التي تجعل التحرك السيكولوجي يحل مكان التحرك المادي أو الجغرافي، وقيمة التقمص العاطفي للاتصال يمكن تلخيصها بأننا كي نتصل بالآخرين يجب أن تتوافر عندنا ثلاثة عناصر على الأقل وهي:
وسائل مادية للاتصال؛
وراجع صدى؛
ومقدرة على التقمص العاطفي.
والمقدرة على التقمص العاطفي، هي الخروج باستنتاجات عن الآخرين، وتغيير تلك الاستنتاجات لتتفق مع الظروف الجديدة، وهذه المقدرة معروفة منذ ألفي عام، وهناك نظريتان عن التقمص العاطفي:
- نظرية تقول أننا نجرب الأشياء مباشرة، ونفعل ما يفعله الآخرون وفقاً لخبراتنا الذاتية، أي أن نفترض أن جميع الناس سوف يتصرفون بنفس الطريقة التي نتصرف بها، وأننا لا نستطيع أن نتنبأ بما سيفعله الآخرون، إن لم نمر نحن أنفسنا بنفس التجارب التي يمر بها الآخرون.
- والنظرية الثانية تقول أننا نحاول أن نضع أنفسنا في ظروف ومواقف الآخرين، وفي اتصالنا نتحول من الاستنتاجات إلى اخذ أدوار الآخرين، على أساس تنبؤاتنا.
فكيف نطور المقدرة على التقمص العاطفي ؟ وهذا السؤال أساسي يواجهه طلبه الاتصال والإعلام والعلاقات العامة دون إيجاد رد قاطع عليه، فهناك نظريات للتقمص العاطفي تتفق مع الأدلة التي تم التوصل إليها عن طريق البحث، ولكننا نستطيع أن نعرف التقمص العاطفي بأنه عملية  نتوصل من خلالها لتوقعات عن الحالات السيكولوجية الدائرة داخل الإنسان.
ولمعرفة كيفية حدوث ذلك ؟ نذكر أنه هناك ثلاث وجهات نظر أساسية للتقمص العاطفي، وترى واحدة من المدارس الفكرية أن التقمص العاطفي غير موجود، لأننا لا نستطيع تطوير التوقعات، ومؤيدي هذا الرأي يؤمنون بنظرية التعلم البسيطة المكونة من منبه واستجابة، وأصحاب هذه النظرية يقولون أن كل ما لدينا في عملية الاتصال هي مجموعة من الوسائل، ورسالة يقدمها شخص ما، ليدركها شخص آخر، وبمعنى آخر أنه هناك منبهات واستجابات لها.
ونظرية التعلم البسيطة تفسر التعلم عند الحيوان، ولكنها لا تفسر السلوك البشري، لأن البشر يطورون توقعاتهم ولديهم المقدرة على تصور أنفسهم في حالات وظروف نفسية للآخرين، ولهذا لا نستطيع أن نقبل الرأي الذي لا يعترف بوجود التقمص العاطفي، ولا نستطيع تطوير توقعاتنا وتنبؤاتنا، دون حدوث عملية تفسيرية تسبق الاستجابة، لأن تطوير التوقعات يحتاج إلى موهبة من نوع ما، فنحن بحاجة للتفكير بالأشياء التي لا نراها ولم نجربها، ولكي تكون لدينا توقعات لابد أن نتحدث عن أشياء غير موجودة، ونحن بحاجة لصنع تلك الرموز والتأثير عليها، لأن الإنسان يختلف عن الحيوان في تطويره لكلتا المهارتين اللتين سبق وأشرنا إليهما، وأن الإنسان قادر على أدراك الرموز والتأثير فيها، وصنع رموز تخدم أغراضه، ولهذا يستطيع إعادة تقديم أشياء غير موجودة أمامه، وتقديم ما لم يحدث وما لا يجري حدوثه الآن، وأن الإنسان يملك مهارات فردية تختلف بين البشر.
ولهذا رفض الباحثون الرأي الذي لا يعترف بمفهوم التقمص العاطفي، معتمدين على أننا جميعاً نتوقع المستقبل، ونقوم بتنبؤ العلاقة بين:
- السلوك الذي نقدم عليه؛
- والسلوك الذي يقدم عليه الآخرون استجابة لسلوكنا؛
- والتنبؤ بالاستجابة التالية التي نقدم عليها بناء على سلوك الآخرين.
أي أننا نقوم بأفعال وردود أفعال، من خلال تطوير توقعاتنا عن الآخرين وتأثيرهم على أفعالنا قبل قيامنا بها، وهو ما يعني التقمص العاطفي.
ومن النظريات المعروفة للتقمص العاطفي نظريتان تتحدثان عن أسس التقمص العاطفي وتتفقان على أن تنبؤات الإنسان عن الحالات السيكولوجية الداخلية تعتمد على السلوك المادي الذي يمكن ملاحظته، وكلتاهما تتفقان على أن الإنسان يقوم بتكوين التنبؤات عن طريق استخدام رموز تشير إلى السلوك المادي والتأثير على تلك الرموز.
وتعتمد وجهات النظر حول التقمص العاطفي على:
أولا – نظرية الاستدلال العاطفي : التي تقول أن الإنسان يلاحظ سلوكه المادي مباشره، ويربط سلوكه رمزيا بحالته السيكولوجية الداخلية أي بمشاعره وعواطفه.. الخ، ومن خلال هذه العملية يصبح سلوكه الإنساني معنى بتفسيراته للمعنى. ويطور الفرد مفهومه عن ذاته بنفسه على أساس ملاحظاته وتفسيراته لسلوكه الشخصي.
ومفهوم الذات يتصل بالآخرين عن طريق ملاحظة سلوكهم المادي، وعلى أساس التفسيرات السابقة للسلوك وما ارتبط به من مختلف المشاعر والعواطف، ويخرج باستنتاجات عن حالة الآخرين السيكولوجية. بمعنى أن يقول لنفسه: إذا كان سلوكي يعكس مشاعر، وإذا قام شخص آخر بهذا السلوك فهو أيضا يعكس نفس المشاعر التي أشعر بها عندما قمت بهذا العمل.
ويفترض هذا الرأي في التقمص العاطفي أن الإنسان لديه معلومات مبدئية عن نفسه، وعن الناس الآخرين بالدرجة الثانية. وأن الإنسان لديه المقدرة على فهم نفسه، وعن طريق تحليله لسلوكه الذاتي يستطيع أن يخرج باستنتاجات عن الآخرين انطلاقاً من أنه هناك تماثل بين سلوك الآخرين وسلوكه الفردي.
ومن الأمثلة على ذلك أنه يضرب المرء المنضدة بيده كلما شعر بالغضب وشاهد شخصاً آخر يقوم بنفس الفعل عند الغضب فتدفعه أحاسيسك الداخلية لاستنتاج ذلك اعتماداً على:
- ملاحظتك لسلوكه؛
- ومقارنة سلوكه بالسلوك المماثل الذي أقدم عليه شخصاً آخر عند شعوره بالغضب.
وتأخذ نظرية الاستنتاج في التقمص العاطفي هذا الافتراض من خلال أن:
- الإنسان لديه معلومات مبدئية عن أحاسيسه الداخلية، ومعلومات عن الأحاسيس الداخلية للآخرين من الدرجة الثانية؛
- وأن الآخرون يعبرون عن أحاسيسهم الداخلية بأداء نفس السلوك الذي قمت به للتعبير عن مشاعرك؛
- وأن الإنسان لا يستطيع فهم الحالة الداخلية للآخرين، إن لم يجرب تلك الحالة، فالإنسان لا يستطيع أن يفهم العواطف التي لم يشعر بها والأفكار التي لم تخطر بذهنه وهكذا.
فإذاً نحن بحاجة لاستخدام أسلوب آخر في معالجة التقمص العاطفي يفسر نجاحنا في تنبؤ سلوك الآخرين، وتوقع ذلك السلوك من خلال أسلوب يفترض أن الناس ليسوا متماثلين.
علاوة عن أنه هناك دلائل تشير إلى عدم صحة افتراض نظرية الاستنتاج التي تقول أننا لا نستطيع أن نفهم المشاعر الداخلية للناس الآخرين ما لم نجربها بأنفسنا، وحقيقة أن الإنسان يفهم بشكل أفضل تلك الأشياء التي جربها بنفسه، ولكنه يستطيع بالرغم من ذلك أن يفهم جزئياً بعض المشاعر التي لم يجربها، على سبيل المثال نستطيع أن نحس بشعور آلام الأم وهي تلد طفلها دون المرور بالتجربة ذاتها، وأن نتصور مشاعر السعادة التي يشعر بها الفرد عند تحقيق النجاح دون المرور بتجربته، لأن التجربة تزيد فهمنا للنجاح، ولكنها ليست أساسية لفهم النجاح.
وثانيا : نظرية أخذ الأدوار في التقمص العاطفي :وتقول أن الإنسان يكوّن مفهوماً معيناً عن ذاته قبل أن يتصل بالآخرين، وأننا نحاول فهم سلوك بعض الأفراد وأن نفسر نتائج ذلك السلوك من خلال التقمص العاطفي عن طريق التقليد وتوقع الثواب والعقاب، وتطويره عن طريق الاتصال، وعن طريق أخذ أدوار الآخرين وعن طريق التصرف نحو الآخرين، كمحور للاتصال، وعن طريق تطوير وتعميم المفاهيم عن الآخرين.
ونظرية الاستنتاج تفترض وجود مفهوم عن الذات، يمكننا من التقمص عاطفياً باستخدام مفهوم الذات، لنخرج باستنتاجات عن حالات الآخرين الداخلية، وترى نظرية الاستنتاج أن مفهوم الذات يحدد كيفية التقمص عاطفياً، أما نظرية أخذ الأدوار فتعالج الموضوع من الناحية الأخرى تماماً.
وكلا النظريتين تعطيان أهمية كبيرة لطبيعة اللغة والرموز المستخدمة في عملية التقمص العاطفي وتطوير مفهوم الذات لأن الإنسان يستخدم كل تلك الأساليب في التقمص العاطفي، ويأخذ الأدوار التي تعجبه، فكل منا يأخذ أدوار الآخرين، وكل منا يعمم خبراته على الآخرين، والطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا تحدد مفهومنا أو أسلوبنا في التعميم على الآخرين، والمضمون الاجتماعي الموجود وتوقعات الآخرين عن سلوكنا.
وحينما نتقمص عاطفياً، ولا نجازى علي تقمصنا العاطفي نضطر للجوء إلى إما:
- أن نحرف سلوك الآخرين الذي أدركناه لنجعله يتفق مع توقعاتنا؛
- أو أن نعيد النظر بالصورة الذهنية التي كوناها عن أنفسنا، ونعيد تعريفنا لذاتنا، أو أن نعود مرة أخرى لأخذ الأدوار السابقة.
وإذا لجأنا إلى الحل الأول وحرفنا ما ندركه، فسنتحول إلى مرضى نفسيين، وتصبح تصوراتنا غير واقعية، وينتهي بنا المطاف في مستشفى الأمراض النفسية، وهذا ليس مرغوب، وهنا نستطيع التنبؤ بأن مشكلة الصحة العقلية متصلة بعدم قدرة الإنسان أو عدم رغبته في تغيير صورته الذهنية عن نفسه، حينما يجد أن هذه الصورة غير مجزية في الظروف الاجتماعية المحيطة به.
وإذا لجأنا للحل الثاني وأعدنا تعريف الذات فإننا نعود لأخذ أدوار الآخرين، وتطوير مفهوم جديد للتعميم عن الآخرين، وإيجاد مجموعة جديدة من التوقعات عن سلوكنا، لنعود إلى أنفسنا ونغير سلوكنا وفقاً لذلك ومرة أخرى نخرج باستنتاجات عن الناس الآخرين.
لأن عمليتا القيام بالبدور والاستنتاج تسيران سوياً دائماً، وتعني أن الإنسان يكيف نفسه، ويستطيع أن يغير سلوكه ليتفق مع الظروف المحيطة والوضع الاجتماعي الذي يجد نفسه فيه، ويطور توقعاته ويقوم بأدوار الآخرين والخروج باستنتاجات.
ولوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية دور في تنمية المقدرة على التقمص العاطفي، ومن النظريات التي تناولت هذا الجانب نظرية عالم الاجتماع الأمريكي دانييل لرنر الذي افترض أن المقدرة على التقمص العاطفي تعتبر من الخصائص الأساسية اللازمة لانتقال المجتمع من الأسلوب التقليدي إلى الأسلوب الحديث، ويفترض أن هذه الخصائص كانت في الماضي تكتسب عن طريق تحرك الأفراد مادياً وانتقالهم من مكان إلى أخر واختلاطهم بالآخرين، أما في القرن العشرين فأخذت هذه الخاصية تكتسب مقوماتها أساساً عن طريق وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي تنقل العالم الخارجي إلى الأفراد الذين لم تتح لهم فرص السفر والانتقال وترك مجتمعاتهم المحلية .
وربط لرنر المقدرة على التقمص العاطفي بالتسلسل التاريخي الجاري في المجتمعات الغربية، فأشار في استعراضه لانهيار المجتمع التقليدي في الشرق الأوسط مستخدماً المواد التي جمعها له مركز الأبحاث التطبيقية في جامعة كولومبيا الأمريكية، عن ست دول في الشرق الأوسط، وبناء على المواد التعليمية التي حصل عليها من 54 دولة، على أنه هناك مراحل محددة يمر بها المجتمع ليصل إلى المرحلة الحديثة، فالمدينة تتسع لتضم القرى المجاورة، ونسبة كبيرة من الأفراد أخذت تتعلم القراءة والكتابة، وتعلم كيفية تكوين الآراء، وأن نسبة أكبر أصبحت تشتري الصحف وتستمع إلى الإذاعة المسموعة، ونسب أكبر اكتسبت القدرة على التقمص العاطفي وأخذت تصور نفسها في مواقف وظروف الآخرين، ليتسع معها نطاق المساهمة السياسية والاقتصادية.
واستخلص لرنر نظريته من التطور التاريخي، مستعرضاً تطور الديمقراطيات الغربية، وأن عملية التحضر أظهرت تسلسلاً وخصائص يمكن أن تكون عالمية، تحدث في جميع المجتمعات، وفي كل مكان حدث فيه الانتقال إلى المدن زادت نسبة المتعلمين، وزيادة نسبة المتعلمين رفعت نسبة المتعرضين لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وهذه الزيادة سارت بالتوازي مع اتساع الإسهام الاقتصادي، والدخل القومي، والإسهام السياسي عن طريق المشاركة في الانتخابات، وأن هذا التسلسل حدث في الديمقراطيات الغربية وهو حقيقة تاريخية، وصحبت تلك التطورات ظهور تطور تاريخي له خاصية سيكولوجية تعبر عنها مقدرة الأفراد على تصور أنفسهم في ظروف الآخرين، وتميزت المجتمعات الغربية في مراحل تطورها الأولى بالاتسام بأوضاع غير ثابتة، وجرت فيها هجرات متواصلة للوصول إلى أراض جديدة (ونعتقد أن لرنر قصد الفترة الاستعمارية)، حيث استطاع الناس تحقيق أرباح، وأصبح الأفراد الذين تركوا أوطانهم يتميزون بشخصيات متبدلة، وبقدرات عالية على استيعاب الجوانب الجديدة في الظروف المحيطة بهم، وأنهم تحركوا وهم مهيئون ومجهزون لاستيعاب أوضاع جديدة لا يعرفونها يفرضها عليهم محيطهم الخارجي الجديد، ليواجهوا أشياء لم يجربوها من قبل، وهذا الاستعداد جعلهم قادرين على التقمص العاطفي.
وأن المجتمع التقليدي مجتمع لا يساهم أفراده في النشاطات السياسية، وأن القرابة هي أساس التعامل فيها، وأن الجماعات الصغيرة منعزلة عن بعضها البعض وعن المركز في العاصمة، وأن حاجات المجتمع التقليدي قليلة، وليس هناك تبادل تجاري بين أجزاء المجتمع المختلفة، وأنه من دون الروابط التي نشأت نتيجة لاعتماد أجزاء المجتمع على بعضها البعض يضيق أفق الأفراد، وتقلل قدراتهم على التحليل، لأن اختلاطهم بالآخرين قليل إن لم يكن معدوماً، وأن إدراك الأفراد في المجتمع للحوادث الجارية يقتصر على ما عرفوه من خبراتهم القليلة السابقة المحصورة في نطاق مجتمعاتهم الصغيرة، وهم غير قادرون على فهم ما لم يجربوه بشكل مباشر، كما أن معاملاتهم كانت مقصورة على الأفراد الذين يتصلون بهم مباشرة عن طريق علاقاتهم الشخصية، لذلك لا تظهر أي حاجة للمناقشة بين الأفراد والجماعات في الأمور العامة، المتعلقة بالدولة والنظريات السياسية، أي أن الفرد لا يحتاج للنقاش وتبادل الآراء للاتفاق مع الآخرين الذين لا يعرفهم، كما أن المجتمع لا يحتاج للفرد للوصول إلى إجماع الرأي في الشؤون العامة، لأن تجربة الفرد محدودة بحدود النطاق المحلي ولا يستطيع أن يتصور ذهنه انتمائه لدولة كبيرة.
وللخروج باستنتاجاته أجرى لرنر دراسة ميدانية تناولت عينة مكونة من 1357 فرد من الشرق الأوسط طلب منهم الرد على تسعة أسئلة من بينها: إذا كنت رئيساً للحكومة، أو محرراً في صحيفة، أو مديراً لمحطة إذاعية، فما الذي كنت ستفعله ؟ واكتشف أن الأفراد التقليديين يصابون بصدمة من أسئلة من هذا النوع ويستغربون توجيه مثل هذه الأسئلة لهم، أما المتميزين بمقدرة التقمص العاطفي، فكانت شخصياتهم غير  ثابتة، وكانوا أكثر قدرة على التعبير عن آراء وموضوعات في مجالات كثيرة.
وتوقع أن تزيد وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية من مقدرة الأفراد على التحرك النفساني وتخيل أنفسهم في مواقف لم يجربوها، وفي أماكن غير الأماكن التي اعتادوا رؤيتها، كما عودت أذهانهم على تصور تجارب أوسع من تجاربهم المباشرة المحدودة، وعلى تخيل مناطق لم يشاهدوها. وميزت هذه الخاصية الإنسان الذي تغير مع المجتمع المتطور وتميز بشخصية تتمتع بمقدرة على التقمص العاطفي. وأنه حينما يظهر عدد كبير من الأفراد القادرين على التقمص العاطفي في مجتمع من المجتمعات، يمكن القول أن هذا المجتمع في سبيله إلى التطور السريع.
والتقمص العاطفي كما يراه لرنر هو خاصية تمكن عناصر جديدة متبدلة قادرة على العمل بكفاءة في عالم متغير، ويرى أن المهارات لا غنى عنها للشعب الذي يتحرر من الإطارات التقليدية، وأن المقدرة على التقمص العاطفي هي في أسلوب الحياة السائد الذي يميز الأفراد في المجتمع الحديث الذي يملك صناعة متطورة، وتعيش نسبة كبيرة من سكانه في المدن، وترتفع فيه نسبة التعليم، ونسبة كبيرة من أفراده يساهمون في الحياة السياسية.
وأن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية هي وسيلة من وسائل مضاعفة القدرة على التحرك، وأنها مكنت الفرد من الانتقال نفسانيا إلى أماكن أخرى، وأصبح بإمكانه تخيل نفسه في ظروف غريبة وفي أماكن جديدة عليه بعد أن تمكن الفرد من الانتقال عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية من مكان إلى أخر في العالم الخارجي بعيد عن أماكن سكنهم الأصلية مما خلق لديهم استعدادات للتغيير والتكيف وتغيير التطلعات والآفاق، وتقدم خدمات ضرورية تسهم في نمو المجتمع المحلي الحديث، وتطور المجتمعات التقليدية وتساعد على التقمص العاطفي. ولتفرض العلاقة بين نظريات الإعلام والسلطة نفسها.
وواضح من الاستنتاجات التي قدمها دانييل لرنر من المعلومات التي حصل عليها والاستبيان الذي قام به جهله للواقع الحقيقي القائم في الشرق الأوسط ضحية السياسة الاستعمارية وأنه يختلف تماماً عما حدث تاريخياً في الغرب المستعمر. وتفسر الغزو الاقتصادي والثقافي والاتصالي والإعلامي والعسكري الذي تتعرض له دول الشرق الأوسط منذ مطلع القرن العشرين لفرض مفاهيم غربية تتنافى وحاجات المجتمعات الشرق أوسطية. وتفسرها أيضاً النظريات الإعلامية السائدة في عالم اليوم.

الخميس، 11 مايو 2017

وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية من أقنية العلاقات العامة


وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية من أقنية العلاقات العامة

يتضمن البحث: وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية من أقنية العلاقات العامة؛ ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية؛ ودراسات وظائف وسائل الاتصال والإعلام؛ والصحف الأولى؛ وأولى وكالات الأنباء؛ والإذاعة المسموعة؛ والإذاعة المرئية؛ وفن الإعلان؛ والإعلان السياسي؛ والإعلان التجاري.

بحث كتبه: أ.د. محمد البخاري: دكتوراه علوم في العلوم السياسية DC اختصاص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. ودكتوراه فلسفة في الأدب PhD اختصاص: صحافة. بروفيسور قسم العلاقات العامة، كلية الصحافة، جامعة ميرزة أولوغ بيك القومية الأوزبكية سابقاً حالياً متقاعد.


مما لا شك فيه أن لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية عالية التطور والكفاءة والفعالية في عصر المعلوماتية تأثراً كبيراً على المجتمعات مهما تباينت وتعددت. حتى أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية غدت من قنوات عمل إدارات العلاقات العامة والإعلان وأصبحت تكمل بعضها بعضاً وتشترك معها بالدوافع والأهداف. ويعتبر الباحثون أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تتألف من:
- الصحافة المطبوعة؛
- والإذاعتين المسموعة والمرئية، واسعتي الانتشار عالمياً بعد دخول الأقمار الصناعية مجال نقل البث الإذاعي المسموع والمرئي؛
- وشبكة الانترنيت العالمية.
وكلها تستخدمها إدارات العلاقات العامة والدعاية والإعلان. وتعتبر نشاطات إدارات العلاقات العامة والدعاية والإعلان لبلوغ أهدافها من أكبر الصناعات دخلاً لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في العالم. ومنذ نشوء الصحافة المطبوعة بدء الإعلان بالتسابق لشغل صفحاتها خدمة للمعلنين والقراء على حد سواء وتطور هذا السباق مع تطور وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، ورافق هذا التطور ظهور منتجين عمالقة في حقل الاتصال والإعلام والإعلان فرض معه اهتمام الباحثين بدراسات التأثير الإعلامي، ودراسات تأثير الاتصال الجماهيري، ودراسات تأثير الإعلان، ودراسات مدى تقدم الصناعات الآخذة بالتطور الدائم في مجالات الإعلام والاتصال والإعلان.
وكان من أول تلك الدراسات، دراسات وظائف وسائل الاتصال والإعلام الرئيسية في الإعلام والتثقيف والترفيه والتربية والتعليم. وأولها كانت الدراسات التي تناولت الصحف التي تعتبر القوة الاجتماعية والاقتصادية الهامة في المجتمع، والقوة الرئيسية في تشكيل الرأي العام، والمؤثرة بشدة على الجهود الوطنية والدولية المبذولة من أجل التقدم الوطني والتفاهم العالمي. بعد أن تطورت الصحف من صفحة واحدة توزع محلياً إلى إنتاج متعدد الصفحات يوزع دولياً.
وأظهرت الدراسات أن الصحف الأولى صدرت في براغ، وإنفسبورغ عام 1597م، ودانيفر عام 1605 م، وبال عام 1610 م، وفيينا، وفرانكفورت عام 1615 م، وهامبورغ عام 1616م، وبرلين عام 1617م، ولندن عام 1622م، وباريس عام 1631م.
ومع بداية القرن العشرين ظهرت الجمعيات الصحفية المهنية، وبدأ التطور التدريجي للصحف المملوكة من قبل الشركات المساهمة الكبرى، وتحولت الصحف إلى مؤسسات متكاملة بالتدريج.
وتبعها ظهور أولى وكالات الأنباء، كوكالة هافاس، في باريس عام 1845 وكانت أول وكالة تمارس تجارة الأخبار والإعلانات في العالم؛
ووكالة رويتر للأنباء في لندن عام 1851، وتحول اسمها إلى رويترز فيما بعد؛
وجمعية أخبار الميناء Harbor News Association في نيويورك عام 1848 وتبدل اسمها إلى وكالة أنباء نيويورك أسوشيتد بريس New York Associated Press (AP) عام 1856؛
ووكالة وولف للأنباء في برلين عام 1849؛
ووكالة أنباء ستيفاني  Stefani الإيطالية في عام 1853؛
ووكالة إنترناشيونال نيوز سيرفيس International News Service في نيويورك عام 1909؛
ووكالة التلغراف الروسية في موسكو عام 1918، التي تغير اسمها إلى الوكالة التلغرافية للاتحاد السوفييتي  TASS تاس بعد قيام الاتحاد السوفييتي، وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي تحول إلى إيتار تاس؛
ووكالة أنباء الصين الحمراء في بكين عام 1929 التي بدلت أسمها إلى وكالة أنباء الصين الجديدة في 1/9/1937.
وتظهر الدراسات أن الصحف كانت تعتمد على مواردها من الإعلان في كل مراحل تطورها، إلا أن الإذاعة المرئية استولت فيما بعد على الحصة الأكبر من سوق الإعلان مما أثر على دخل الصحف التي تداركت الأمر وتمكنت من تطوير أساليبها في إنتاج وإخراج الإعلان، مما أعاد لها قيمتها الإعلانية المميزة. لأن قراء الصحف يتميزون بمستوى تعليمهم وقدرتهم على تدقيق وتحليل وفهم محتوى ما تنشره الصحف.
وجاءت وسيلة الاتصال والإعلام الثانية ممثلة بأولى البرامج الإذاعية المسموعة اليومية المنظمة التي بدأت البث من ديتروا نيوز في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1920، وتبعتها بريطانيا التي نظم فيها دايلي مايل أول برنامج إذاعي مسموع في نفس العام. أما في فرنسا فقد نجح الجنرال فيري من إرسال أولى البرامج الإذاعية المسموعة عام 1921. ومنذ ذلك الوقت اعتبرت الإذاعة المسموعة من الوسائل التي تخاطب حاسة السمع دون الحاجة للتفرغ للقراءة كما تحتاجه الصحف، وتفوقها على الصحف باستثارة المستمع وتفاعله مع المادة المذاعة أو شخصية مقدم البرنامج وإثارة خيال المستمع لرسم الصورة الغائبة عنه من الوقائع والأحداث المذاعة فور وقوع الحدث، وإيجادها لنوع من الألفة بين المستمع والبرامج الإذاعية المسموعة. ويعتبر الخبراء أن الإذاعة المسموعة هي امتداد طبيعي لحاسة السمع لدى الإنسان.
وجاء بعدها البث الإذاعي المرئي بعد أن بدأ مركز أليكساندر بلاس البريطاني للتلفزيون (كلمة التلفزيون مكونة من شقين TELE أي بُعد، VISION أي رؤية أي الرؤية عن بُعْد وهذا يسمح لنا بتسميتها بالإذاعة المرئية) بالبث لمدة ساعتين يومياً عام 1936، وتبعه المركز الفرنسي في لاتوريفال ببث برامج إذاعية مرئية يومية عام 1938، وتبعتهما الولايات المتحدة الأمريكية في العام التالي ببث إذاعي مرئي استهدف جمهور كبير. وجاءت الحرب العالمية الثانية لتؤخر البداية الفعلية لانتشار بث الإذاعة المرئية لجمهور العريض لما بعد انتهائها خلال الفترة الممتدة من عام 1945 وحتى عام 1946.
وتعتبر الإذاعة المرئية امتداداً طبيعياً للعين، ومن أهم خصائص البث الإذاعي المرئي إضعاف الحاجز اللغوي، لأن الصورة تصبح مكملة للغة، والصورة بطبيعة الحال تخاطب مختلف المستويات الثقافية والاجتماعية، ومن النتائج السلبية للبث الإذاعي المرئي أنها تُعوِّد المتلقي على السلبية، وتقدم له الأخبار جاهزة، ولا تتيح له فرصة التفكير والاستعانة بتجاربه السابقة، وتفرض عليه نوعاً من التذوق أحادي الجانب، وتخضعه لضغوطات المؤسسات المالية والصناعية، ومصالح الجماعات الخاصة، أو النظم الحاكمة. بالإضافة لمقدرة الإذاعة المرئية على الخداع والمزج بين قدرات الأداء المسرحي الحي بالنقل المباشر, والإمكانيات التقنية للأفلام السينمائية، وصوت الإذاعة المسموعة، لتوجيه الجمهور نحو أغراض محددة.
وبذلك تمكنت الإذاعة المرئية من استخدام أفضل الإمكانيات المتوفرة لوسائل الاتصال والإعلام الأخرى التي سبقتها، ومزجت بين الموضوعية والذاتية لدى الجمهور، لأن الكاميرا ومختلف المؤثرات والوسائل الإلكترونية الأخرى التي تتمتع بها الإذاعة المرئية، مكنت كاتب ومخرج البرنامج من توجيه اهتمامات ومشاعر جمهور عريض نحو حافز معين وفق رؤيتهما الذاتية.
وأظهرت الدراسات أن فن الإعلان رافق وظائف الاتصال والإعلام على الدوام للدعوة لموضوع معين أو الإقناع بقضية معينة أو الترويج لسلعة أو منتج معين، أو خدمة تقدمها جهة معينة، مستفيداً من قدرتها على الاتصال الجماهيري الذي يتفوق في بعض الظروف على قدرات الاتصال الشخصي.
ويعتمد فن الإعلان على قدرات الاتصال باستخدام رموز تحمل معنى مفهوم بنفس الدرجة لدى المعلن والجهة المستهدفة من الإعلان، ولكن قد لا يتم إلا إذا تحقق حد أدنى من التداخل بين مجالات خبرة المرسل (المعلن) وخبرة مستقبلي الإعلان ليؤدي لفهم مشترك لمعاني الرسالة الاتصالية بين المرسل والمستقبل، والى إحداث اتصال حقيقي مبني على المعرفة المتبادلة المشتركة للرسالة بين طرفي عملية الاتصال.
وتطور استخدام الإعلان عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وكان في مقدمة مستخدميه السياسيون والتجار على حد سواء للاستفادة منه لتحقيق أهدافهم كل في مجاله.
وجاء الإعلان السياسي كوسيلة اتصال يدفع المُعْلِن ثمنها لقاء فرصة تتيحها وسيلة اتصال وإعلام جماهيرية لعرض خطاب سياسي هادف من أجل التأثير على مواقف وأفكار وسلوك مستقبلي الرسائل الإعلامية. ويعد الإعلان السياسي أكثر أنواع الاتصال تأثيراً على المجتمعات، يوظفها القادة السياسيون لتحقيق غاياتهم وأهدافهم لخداع الجماهير وإقناعهم وتسويق مرشحيهم والمبالغة في إعطائهم صفات لا تمت إلى الحقيقة بصلة.
وجاء الإعلان التجاري لإقناع الجماهير والتأثير عليها لزيادة الطلب على سلعة المعلن وخلق صورة إيجابية عن المنشأة المعلنة وجهودها المبذولة لإشباع حاجات المستهلكين، وزيادة الرفاهية الاجتماعية والاقتصادية.

الثلاثاء، 9 مايو 2017

العلاقات العامة وإدارة الأزمات


العلاقات العامة وإدارة الأزمات


يتضمن البحث: العلاقات العامة وإدارة الأزمات؛ وأهداف العلاقات العامة في ظروف الأزمات؛ ومجموعات العمل المختصة بإدارة الأزمات؛ والناطق الرسمي المتخصص في مجال الأزمات الطارئة؛ ومهام العلاقات العامة لدى الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني؛ وثوابت مواجهة الأزمات.

بحث كتبه: أ.د. محمد البخاري: دكتوراه علوم في العلوم السياسية DC اختصاص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. ودكتوراه فلسفة في الأدب PhD اختصاص: صحافة. بروفيسور قسم العلاقات العامة، كلية الصحافة، جامعة ميرزة أولوغ بيك القومية الأوزبكية سابقاً حالياً متقاعد.

للعلاقات العامة أهمية خاصة لدى الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني عند تعرضها لأزمات تهدد مقدرتها على المنافسة والاستمرار في أداء وظائفها، وتعرضها للنقد اللاذع من قبل الشرائح الاجتماعية والقوى السياسية المختلفة، ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، لماذا ؟ لأن مصالح تلك الشرائح والقوى مرهونة بنجاح الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني أو فشلها في أداء الوظائف المنتظرة منها. وتعتبر الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني الأزمات التي تتعرض لها نقطة تحول مفاجئة تؤدي إلى انهيار الاستقرار الداخلي وتهدد المصالح والبنى الأساسية للمجتمع.
وينتج عن تعقد العلاقات الدولية المتشابكة نتائج غير مرغوبة تفرض على الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني ضرورة اتخاذ قرارات تتبعها إجراءات محددة خلال فترة قصيرة لمواجهة الأزمات في وقت تكون فيه جميع الأطراف المعنية غير مستعدة عملياً لذلك وغير قادرة على المواجهة، ومهددة بخروج الأزمة ومشاكلها المطروحة للتداول عن نطاق السيطرة، وسرعان ما تتلاقى الأحداث، وتتشابك الأسباب ليفقد أصحاب القرار بدورهم قدرتهم السيطرة على مجريات الأمور وتصريف الأمور في الهيئة أو المؤسسة المعنية وعلى اتجاهاتها المستقبلية.
ولهذا جرت العادة أن تقوم الحكومات وإدارات مؤسسات المجتمع المدني في ظروف الأزمات بتشكيل مجموعات عمل خاصة لإدارة الأزمـات ومواجهة آثارها المحتملة والتخفيف من نتائجها، وتعنى مجموعات العمل تلك بإدارة الأزمة والبحث عن طرق للتغلب عليها والتخفيف من ضغوطاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإعلامية والعسكرية، والتحكم بمساراتها واتجاهاتها، وتجنب سلبياتها، مستفيدة من الإيجابيات الممكنة والمتوفرة لتحقيق أقصى قدر من المكاسب في أقصر مدة ممكنة، والحدّ من الخسائر لأدنى حدّ ممكن. وتستخدم مجموعات العمل لأداء العمل المطلوب منها كل المقدرات المتاحة لوظائف العلاقات العامة، لماذا، لأن وظائف العلاقات العامة تتضمن طرقاً للحيلولة دون حدوث أزمات والتغلب عليها في حال حدوثها ضمن ما يسمى  بـ (إدارة الأزمات).
ويبدأ العاملون ضمن مجموعات العمل من خبراء العلاقات العامة والباحثين في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإعلامية والعسكرية، الاهتمام بالقدر اللازم بالأزمة ومجرياتها ومضاعفاتها، بهدف البحث عن إمكانيات لفعل شيء ما حيال مجريات الأزمة وتحليل أسبابها ومصادرها، آخذين باعتبارهم آخر منجزات علم إدارة الأزمات الذي بدأ وأخذ بالتطور مع ظهور نتائج التطور العلمي والتكنولوجي، التي أسهمت بتقديم وسائل وأدوات متطورة للتعامل مع الأزمات وإدارتها، والاتصال بغرض جمع المعلومات وتحليلها، ليتمكن خبراء العلاقات العامة والباحثين في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإعلامية والعسكرية، من القيام بدور كبير وفعّال لمواجهة الأزمات والتغلب عليها والتخفيف من تبعاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على البيئية المحلية.
والمبدأ الأساسي للاتصال خلال الأزمات هو المحافظة على قدرة الاتصال والتواصل مع الجمهور المستهدف، لأن الاتصال خلال الأزمات يكون أكثر فاعلية منه في أي ظرف آخر، ويمكن خبراء العلاقات العامة من الحصول على معلومات سريعة لتحليلها، وتقديم معلومات إيجابية عن الأحداث الجارية تخدم أهداف الحملات الإعلامية المخطط لها بدقة عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بسرعة كبيرة، ودون انتظار أن تطلب وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تلك المعلومات بهدف الحد من الشائعات والتصدي للطروحات المعادية، وتهدئة الأوساط الاجتماعية والسيطرة على مستجدات الأزمة والحيلولة دون بروز أية تعقيدات جديدة للأزمة.
ولتحقيق أهداف العلاقات العامة في ظروف الأزمات لابد:
أولاً: من وضع حد نهائي وفوري للأزمة.
وثانياً: الإقلال من الخسائر إلى الحد الأدنى.
وثالثاً: إعادة الثقـة بالمؤسسة المعنية.
ويعد التخطيط للعمل فإن أحد الشروط الهامة للنجاح هو السيطرة على تداعيات الأزمة دون أية مفاجآت غير منتظرة. وهنا يؤكد خبراء العلاقات العامة أنه من الضروري أن تقوم المؤسسات المعنية بتقويم أداء وفعالية قنوات الاتصال عند نشوب الأزمات، وخاصة قنوات الاتصال مع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. والحصول على أجوبة كافية على جملة من الأسئلة الهامة من بينها:
1- ما الفائدة المرجوة التي يمكن أن تجنيها الهيئة أو المؤسسة المعنية من خلال تعاونها مع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية وقنواتها المختلفة ؟
2- وما الفائدة المتوقعة من تزويد وسيلة اتصال وإعلام جماهيرية معينة بمعلومات دقيقة طلبتها عن الهيئة أو المؤسسة صاحبة العلاقة ؟
3- وما درجة المخاطرة التي تقدم عليها الهيئة أو المؤسسة المعنية من نشر تلك المعلومات عبر وسيلة اتصال وإعلام جماهيرية معينة ؟
4- وما الفوائد والمصالح التي تجنيها وسيلة الاتصال والإعلام الجماهيرية تلك من إيصال المعلومات التي تحصل عليها من الهيئة أو المؤسسة إلى ساحتها الإعلامية ؟
5- ومما تتألف تركيبة وبنية الساحة الإعلامية التي تتوجه إليها وسيلة الاتصال والإعلام الجماهيرية المعنية، وإلى أي مدى تهتم تلك البنية والتركيبة بمصالح الهيئة أو المؤسسة صاحبة العلاقة ؟
6- وما مدى استجابة قادة الرأي في القطاعات المستهدفة مع ما تطرحه وسيلة الاتصال والإعلام الجماهيرية تلك ؟
7- وما مدى ملائمة طروحات الأنظمة والقوانين المعمول بها، ومدى تلبيتها لاحتياجات المجتمع قبل نشرها ؟
8- وهل هناك وسيلة اتصال وإعلام جماهيرية أفضل لنشر المعلومات المقرر توجيهها إلى ساحة إعلامية أو شريحة اجتماعية معينة ؟
وكل ذلك من أجل تحقيق أفضل صورة من التعاون بين مجموعات العمل المختصة بإدارة الأزمات ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، كأفضل وسيلة للاتصال بالشرائح الاجتماعية المستهدفة من الحملة الإعلامية المعدة بدقة لمواجهة الأزمات من قبل إدارة العلاقات العامة في المؤسسة المعنية.
وترتبط عملية الاتصال في ظروف الأزمات، بالتقديرات الدقيقة التي يضعها الخبراء للمخاطر، والفوائد المتوقعة من نشر المعلومات، لأن فاعلية المعلومات المنشورة ترتبط بالقدر الذي تؤخذ فيه النصائح المقدمة من كبار الخبراء، والمتخصصين العاملين في مجال العلاقات العامة.
وتفرض الأزمات عادة إتباع طرقاً معينة مرتبطة بخصائص المشكلة لمواجهة الأزمة دون تقديم ضمانات تكفل الخروج السريع من الأزمة التي تواجهها الهيئة الحكومية أو مؤسسة المجتمع المدني، اعتماداً على خبرات الخبراء والمتخصصين العاملين في مجال العلاقات العامة للخروج من الأزمة من خلال العوامل الرئيسية التي يمكن أن تضمن نجاح عملية الاتصال خلال الأزمة والتي تعتمد على:
1. وجود خطة محددة للاتصال من ضمن الخطة العامة المرسومة للتغلب على الأزمة؛
2. وتشكيل فريق متخصص لمواجهة الأزمة عند نشوبها؛
3. وتسمية شخص محدد للقيام بدور الناطق الرسمي لطرح البيانات الإعلامية والصحفية طيلة الفترة التي تمتد خلالها الأزمة. من ضمن معادلة:
- من يتحدث ؟
- ومع من يتحدث ؟
- وعن ماذا يتحدث ؟
- ومتى يتحدث ؟
- وما الفائدة المرجوة من الحديث ؟.
وعلى مجموعات العمل المختصة بإدارة الأزمات عدم تجاهل العامل الاجتماعي في سياق الأزمة، لأن العاملين في الجهة التي تعاني من أزمة معينة سيخوضون نقاشات دون تفويض من الجهة المعنية مع الأوساط الاجتماعية التي يعيشون ويعملون فيها، وسيردون وفق إمكانياتهم الذاتية على الأسئلة التي ستوجه إليهم من مختلف الجهات، ولهذا على ما نعتقد يجب تضمين الخطة الموضوعة إشراك العاملين على مختلف مستوياتهم، وتحديد أدوارهم في تنفيذ خطة مواجهة الأزمة للوصول إلى حد يمنع التصريحات الخاصة من خارج الخطة الموضوعة، عن طريق شرح مساوئها للعاملين في الجهة المعنية وأخطار بث الإشاعات من قبل غير المختصين بمواجهة الأزمة، والإعلان عن الجهة المختصة للرجوع إليها داخل الجهة المعنية عد الحاجة، وعدم الاكتفاء بوسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية وحدها.
ولا بد أيضاً من تسمية جهة مختصة معنية تقوم بجمع وتدقيق وتحليل وتقدير راجع صدى، ومدى تأثير التصريحات الرسمية وغير الرسمية والشائعات، واقتراح أساليب محددة للتعامل معها طيلة فترة الأزمة. لأنه من المعروف أن التصريحات الرسمية يقوم بإعدادها خبراء متخصصون متفرغون لمواجهة الأزمات، يساعدهم مستشارون في المجالات القانونية والإعلامية والعلاقات العامة بشكل مركزي، وبتفويض من إدارة الجهة المعنية في الأزمة، توخياً للحذر والدقة للوصول إلى الأهداف المرسومة. وأن نأخذ بعين الاعتبار ضرورات الصراحة والعلنية في التصريحات، وتجنب نشوء نزاعات قانونية قد تثير أزمات قضائية غير متوقعة نتيجة لتلك التصريحات، لأن الخصوم يتمسكون عادة بحرفية ما يتم إعلانه لتحقيق أهدافهم وإثارة الأزمات، لأن الصراحة والعلنية من مسوغات مواجهة الأزمات من خلال وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وهو ما أكده روبرت ديلينشنايدر المدير السابق لإحدى كبريات الشركات المتخصصة في العلاقات العامة في الولايات المتحدة الأمريكية بقوله أنه: "على المؤسسة التي تتعرض لأزمة الخروج إلى الجمهور مباشرةً بعد الإعلان عن الأزمة عبر قنوات الاتصال ووسائل الإعلام الجماهيرية".
وبرأيينا هذا لا يمكن أن يتم دون ناطق رسمي متخصص في مجالات العلاقات العامة يتحرك داخل وخارج الجهة المعنية بالأزمة على حد سواء.
ودور الناطق الرسمي عادة يسند لمدير الجهة المعنية بحكم وظيفته، ولكن الجهات المعنية خلال الأزمات كثيراً ما تلجأ لتعيين ناطق رسمي متخصص في مجال الأزمة الطارئة قادر على تقدير أهميتها وآثارها المحتملة وله إلمام كامل بطرق الاتصال والحوار مع الجمهور المستهدف والتعامل مع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.
وعادة ما يكون الناطق الرسمي من أعضاء فريق العمل لمواجهة الأزمة، ومراعاة أن يكون هناك أكثر من بديل لاستبدال الناطق الرسمي خلال فترة الأزمة دون تعريض خطة الخروج من الأزمة لأية هزات قد لا يحمد عقباها.
وعلى مدير الجهة المعنية في الأزمة أن لا ينسى أن يختار الناطق الرسمي من بين أكثر الأشخاص قبولاً من قبل القطاعات المستهدفة من الخطة المعدة للخروج من الأزمة، لأنه على عملية اختيار شخصية الناطق الرسمي تتوقف النتائج السلبية والإيجابية لعملية إدارة الأزمة.
ويأتي دور العاملين في الجهة المعنية في الأزمة ضمن الخطة الموضوعة رديفاً ومكملاً لعمل الناطق الرسمي في حال لو أحسن فريق العمل مواجهة الأزمة، والعمل في أوساط العاملين في الجهة المعنية لإدخال الطمأنينة إلى نفوسهم على مصائرهم التي تهددها الأزمة العابرة، أولاً، ومن ثم رسم دور واضح لهم في عملية الاتصال الجارية مع الأوساط الاجتماعية اللذين هم جزءاً منها والاستفادة من عملية نقلهم لراجع الصدى الإعلامي للبيانات والتصريحات التي يسوقها فريق العمل من خلال نشاطاته لمواجهة الأزمة والخروج منها ومما يدور حول الجهة المعنية في الأزمة من شائعات وأقاويل لأن مصير الجهة المعنية في النهاية هو مصيرهم ومستقبلهم أيضاً وما يعنيها يعنيهم بشكل مباشر.
وتشمل مهام العلاقات العامة لدى الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني على الدوام العمل على تعزيز الثقة بين الإدارة والعاملين في الجهة المعنية وتعزيز الثقة المتبادلة بين الجهة المعنية وجمهورها، ومضاعفة العمل خلال الأزمات التي يتعقد خلالها سلوك قيادة الجهة المعنية بسبب بعض العناصر التي أشار إليها المتخصص الأمريكي بوب كاريل وتتمثل في:
1. صعوبة تحديد أبعاد الأزمة لحظة وقوعها؛
2. وصعوبة تحديد الجهات التي قد تطالها الأزمة؛
3. وصعوبة تفسير أسباب حدوث الأزمة والتي قد تستمر في بعض الحالات حتى نهاية الأزمة؛
4. واستمرار شعور الأوساط الاجتماعية التي تمسها الأزمة بالخطر؛
5. وتضخيم الشعور بالخطر لدى الأوساط الاجتماعية المعنية بالأزمة من خلال انتظارها للخبر اليقين؛
6. واتخاذ قرارات نشر الأخبار التي تفرض نفسها من خلال الأزمة في حالة من التوتر الشديد؛
7. وضرورة تقوية العوامل الانفعالية في سلوك من تمسهم الأزمة.
فيما يؤكد أكثرية خبراء العلاقات العامة على أن سلوك الإدارة خلال الأزمات يتحدد من خلال الانغلاق أو الانفتاح الذي تنتهجه الإدارة المعنية ومن فهمها للبعد النظري للثقافة الجماعية ومدى تلبيته لمطالب الأوساط الاجتماعية الداخلية والخارجية للجهة المعنية. والأولويات التي تضعها للاتصال بالأوساط الاجتماعية المعنية بالأزمة مركزياً وهامشياً، ومن ثوابت مواجهة الأزمات:
1. أن الأوساط الاجتماعية تتناقل الخبر عن طريق قنوات الاتصال الشخصي بين الأفراد بشكل سريع حتى قبل نشره في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، مثال: وقوع انفجار في مصنع للكيماويات قريب من مناطق سكنية يسكنها العاملون في المصنع المذكور، أو وقوع كارثة في منجم تسكن أسر العاملين فيه بمنطقة قريبة من المنجم؛
2. وميل البشر لتفسير مدى الأزمة وتأثيرها والأخطار التي تهدد الحياة من منظورهم الشخصي وكلها عوامل موضوعية أكثر منها ذاتية؛
3. وهيبة المصادر الحكومية التي هي أكثر تأثيراً من المصادر الأخرى على الأوساط الاجتماعية؛
4. وقياس جدية وحجم واتساع الأزمة من قبل الأوساط الاجتماعية، اعتماداً على مدى تغطية وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية لتداعيات الأزمة؛
5. وتوفير أخبار عن الأزمة عبر وسائل اتصال وإعلام سهلة الانتشار، للحد من الشائعات ومساعدة الأوساط الاجتماعية على تقدير الأوضاع بدقة.
ويبقي أن نقول أن إدارة الجهة المعنية بالأزمة هي المسؤولة بالكامل عن التغلب عليها من خلال تقديرها لمواقف الجهات الأخرى من الأزمة، وعلى نجاحها في إدارة الأزمة والتغلب عليها، وعلى التعامل مع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية يتوقف مدى ثقة الآخرين بها.

العلاقات العامة الدولية (الدبلوماسية الشعبية)


العلاقات العامة الدولية (الدبلوماسية الشعبية)

 

يتضمن البحث: العلاقات العامة الدولية (الدبلوماسية الشعبية)؛ التعريف المهني المتخصص للعلاقات العامة؛ التعريف الاجتماعي الشامل للعلاقات العامة؛ دور خبير العلاقات العامة؛ نشاطات العلاقات العامة في المجال الحكومي؛ نشاطات العلاقات العامة في مجال المنظمات والهيئات الحكومية؛ العلاقات العامة في القارة الأوروبية؛ العلاقات العامة في الولايات المتحدة الأمريكية؛ العلاقات العامة في بريطانيا؛ العلاقات العامة في فرنسا؛ العلاقات العامة في إيطاليا؛ العلاقات العامة في بلجيكا؛ العلاقات العامة في مصر؛ العلاقات العامة في أوزبكستان.

بحث كتبه: أ.د. محمد البخاري: دكتوراه علوم في العلوم السياسية DC اختصاص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. ودكتوراه فلسفة في الأدب PhD اختصاص: صحافة. بروفيسور قسم العلاقات العامة، كلية الصحافة، جامعة ميرزة أولوغ بيك القومية الأوزبكية سابقاً حالياً متقاعد.

اتسمت العلاقات العامة في المجتمعات البدائية بالمباشرة والبساطة، وأخذت تلك العلاقات بالتعقد مع التقدم الحضاري والاجتماعي، وأدت التغييرات التقنية والعلمية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية في العالم، مع نهاية ثمانينات القرن العشرين، إلى تداخل المصالح الدولية، بسبب سهولة الاتصال التي أتاحتها وسائل الاتصال الحديثة. مما زاد من أهمية دور وفاعلية العلاقات العامة في العلاقات الدولية، وتعتبر العلاقات العامة حلقة وصل بين مؤسسات المجتمع الواحد، وبين المجتمعات البشرية في العالم، عن طريق تقديم خدمات معينة مبنية على الثقة المتبادلة، وانطلاقاً من أهمية الفرد والشرائح الاجتماعية المختلفة، وقوة وتأثير الرأي العام في المجتمعات على مختلف المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وللعلاقات العامة تعريفين أساسيين هما:
التعريف المهني المتخصص
ويقصد به إقامة علاقات جيدة داخل المؤسسات وخارجها، مبنية على التفاهم والثقة المتبادلة. من خلال إبراز والاهتمام بالوظائف الأساسية التي تضطلع بها إدارة العلاقات العامة، في مؤسسة أو منظمة حكومية كانت أم خاصة، لتكون وظيفتها بذلك إدارية بحتة. وتبلور هذا التعريف مع ظهور جماعة من المتخصصين في العلاقات العامة مع بداية القرن العشرين، أمثال: إيفي لي، وإدوارد بيرنيز، وجون هيل. وتبع ذلك قيام جمعيات واتحادات علمية ومهنية ضمت المتخصصين في العلاقات العامة في القارتين الأوروبية والأمريكية، خلال أربعينات وخمسينات القرن العشرين.
وساهمت تلك الجمعيات والمنظمات بدورها في زيادة تعريف العلاقات العامة، وساعدت على تحديد مهامها ووظائفها. وفي عام 1947 نشرت مجلة أخبار العلاقات العامة Public Relation News خلاصة لتعريف العلاقات العامة، أخذته من نتائج الاستقصاء الذي أجرته بين مشتركيها، والعاملين في مجالات العلاقات العامة، وجاء فيه أن: "العلاقات العامة: هي وظيفة الإدارة التي تقوم بتقويم اتجاهات الجمهور وربط سياسات وأعمال فرد أو منشأة مع الصالح العام، وتنفيذ برنامج لكسب تأييد الجمهور وتفهمه".
بينما اعتبر إيفي لي أحد رواد العلاقات العامة في الولايات المتحدة الأمريكية، أن مهمتها مزدوجة، وتبدأ من دراسة اتجاهات الرأي العام، ونصح الشركات بتغيير خططها، وتعديل سياساتها لخدمة المصلحة العامة، ثم إعلام الجمهور بما تقوم به الشركات من أعمال تهمهم وتخدم مصالحهم.
أما إدوارد بيرنيز خبير العلاقات العامة الأمريكي، فيعتبر أن العلاقات العامة هي: محاولة لكسب تأييد الرأي العام لنشاط أو قضية أو حركة أو مؤسسة، عن طريق الإعلام والإقناع والتكيف، أي إيجاد التكيف والتكامل والتوافق بين مواقف مؤسسة معينة وسلوكها، مع مواقف جماهيرها ورغباتهم، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر.
أما جمعية العلاقات العامة الأمريكية فقد عرفتها بأنها: نشاط أي صناعة أو إتحاد أو هيئة أو مهنة، أو حكومة، أو أي منشأة أخرى في بناء وتدعيم علاقات سليمة منتجة بينها وبين فئة من الجمهور: كالعملاء والموظفين والمساهمين والجمهور بشكل عام، والعمل على تكييف أهداف المؤسسة مع الظروف المحيطة بها، وشرح أهدافها للمجتمع.
وقدم معهد العلاقات العامة البريطاني، تعريف للعلاقات العامة بأنها: الجهود الإدارية المرسومة، والمستمرة التي تهدف إلى إقامة وتدعيم التفاهم المتبادل بين المنظمة وجمهورها.
بينما جاء تعريف جمعية العلاقات العامة الفرنسية، بأن العلاقات العامة هي: طريقة للسلوك، وأسلوب للاتصال والإعلام ، اللذان يهدفان إلى إقامة علاقات من الثقة، والمحافظة عليها، وتقوم هذه العلاقات على المعرفة والفهم المتبادلين، بين المنشأة ذات الشخصية الاعتبارية، التي تمارس وظائف وأنشطة محددة، وبين الجماهير الداخلية والخارجية التي تتأثر بتلك الأنشطة والخدمات.
أما جمعية العلاقات العامة الدولية، فقد توصلت إلى تعريف العلاقات العامة بأنها: وظيفة الإدارة المستمرة والمخططة، التي تسعى بها المؤسسات والمنظمات الخاصة والعامة، إلى كسب التفاهم والتعاطف مع سياساتها وأنشطتها. وكسب المزيد من التعاون الخلاق، والأداء الفعال للمصالح المشتركة باستخدام الإعلام الشامل والمخطط.
التعريف الاجتماعي الشامل للعلاقات العامة
وهو الاتجاه الاجتماعي للعلاقات العامة، الذي ظهر خلال ثلاثينات القرن العشرين، إثر الأزمة الاقتصادية التي عانى منها الاقتصاد العالمي عام 1929، وعرفه د. محمد البادي، بأنه: الاتجاه الاجتماعي للعلاقات العامة، كمهنة ذات طابع خاص، ويشمل كل ما يصدر عن المؤسسة من أعمال وتصرفات وقرارات، وكل ما يتصل بها من مظاهر واستعدادات وتكوينات مادية لأن ما يصدر عن المؤسسة أو يتصل بها له تأثيراته، المعنوية على الجماهير، التي ترتبط مصالحها بها، وهذه التأثيرات هي التي تعطي لهذه العناصر طبيعتها، كأنشطة للعلاقات العامة، وهي أيضاً التي تعطي لاتجاه العلاقات العامة صفتها الاجتماعية. وهو نشاط يشترك فيه كل أفراد المؤسسة من خلال تكوين علاقات عامة مرنة في سلوكهم واتصالاتهم ومعاملاتهم مع الجماهير داخل المؤسسة وخارجها. وأن لا يكون الهدف من النشاط السعي لتحقيق الربح فقط، بل إلى تقديم خدمات للمجتمع، عن طريق إنتاج سلع وخدمات جيدة ومتطورة تناسب الأذواق، وأداء الوظيفة المسندة إليهم بشكل جيد، مراعين الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تفرضها المسؤولية الاجتماعية في مشاركة المجتمع المحلي همومه وأفراحه وأحزانه، والعمل على تقليل الأضرار الناجمة عن نشاطاتهم، والمحافظة على البيئة، والعمل على النهوض بالمجتمع ثقافياً وعلمياً وحضارياً ومادياً.
وعرف كانفيلد العلاقات العامة، بأنها: الفلسفة الاجتماعية للإدارة، التي ترغب من خلال أنشطتها وسياساتها المعلنة للجمهور كسب ثقته وتفهمه.
أما نولت فقد عرف العلاقات العامة، بأنها: مسؤولية الإدارة التي تهدف إلى تكييف المنظمة مع بيئتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كما تهدف إلى تكييف البيئة المحيطة لخدمة المنظمة لتحقيق مصلحة الطرفين.
وهو ما يظهر بوضوح في أن الربط بين المجتمع والسياسة والاقتصاد وإعطاء الأولية للاقتصاد كان ولم يزل في موقع الأهمية منذ مطلع القرن العشرين وحتى الآن.
ومما سبق نستطيع استنتاج أن دور خبير العلاقات العامة ينحصر في:
- إقناع الإدارة العليا للقيام بالنشاطات التي تجعل الجمهور راضياً عن المؤسسة؛
- وإقناع الجمهور بأن المؤسسة تستحق بالفعل تأييده ودعمه المعنوي والمادي. وأن دور العلاقات العامة ينحصر في:
- تبني مصلحة الجمهور والمصلحة العامة؛
- ووضع السياسات الملائمة لها؛
- والسعي لإيصال المعلومات عن نشاطات المؤسسة وسياساتها للجمهور؛
- وخلق رأي عام مؤيد للمؤسسة، لدى الجمهور؛
- وإنشاء مواقف محددة ومطلوبة اتجاه المؤسسة؛
- وتقييم مواقف الرأي العام من قبل المتخصصين في العلاقات العامة؛
- وإيصال المعلومات عن تلك المواقف لإدارة المؤسسة.
ويشمل نشاط العلاقات العامة اليوم:
في المجال الحكومي
- التوعية والإرشاد والإعلام، في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والدبلوماسية، للوصول إلى مساندة الجماهير لها؛
- ومشاركة الجماهير معنوياً ومادياً في البرامج التنموية الشاملة التي تخطط لها الحكومة؛
- وكسب الرأي العام للسياسات الحكومية الداخلية والخارجية؛
- والتعرف على توجهات الرأي العام؛
- وتقييم الخدمات العامة لوظائفها المحددة، ومدى تلبيتها لرغبات الجمهور؛
- والعمل على دحض الشائعات؛
- والتصدي للحملات الإعلامية المضادة؛
- وإبراز الحقائق عن طريق مصارحة الجماهير؛
- والاهتمام بشؤون الموظفين الحكوميين.
وفي مجال المنظمات والهيئات الحكومية
- التعريف بأهدافها وسياساتها، وتوثيق الصلة والتعاون بين المواطن والمنظمة أو الهيئة الحكومية للوصول إلى الهدف المطلوب؛
- ودراسة مواقف الرأي العام، ونقل رغبات ومطالب الجماهير العريضة للمسؤولين فيها، تمهيداً لإيجاد الحلول لها، وتلبيتها وفق الظروف المتاحة؛
- والاهتمام بشؤون العاملين في تلك المنظمات والهيئات الحكومية؛
- والاتصال بالهيئات والمنظمات الحكومية المشابهة، لتحقيق أفضل صورة من التعاون بينها في الداخل والخارج؛
- وإصدار المواد الإعلامية المطبوعة والمسموعة والمرئية، عن نشاطات المنظمة أو الهيئة الحكومية، وتبادلها وتوزيعها في الداخل والخارج؛
- وتوثيق كل ما تنشره وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في الداخل والخارج؛
- وتنظيم الزيارات الرسمية والخاصة.
وهناك مجالات أخرى تشمل المؤسسات الاقتصادية والإنتاجية والخيرية، والمنظمات المهنية والسياسية وغيرها، ولا تختلف من حيث نشاطات العلاقات العامة عما تم تفصيله أعلاه.
ومن الملاحظ اليوم أن العلاقات العامة في القارة الأوروبية تستخدم كوسيلة من وسائل تدعيم الوحدة الأوروبية، وزيادة التلاحم والتفاهم بين مختلف شعوب القارة الأوروبية. لأنه من المعروف أنه كلما زاد التقدم الثقافي والعلمي والتقني في أي دولة من دول العالم، زاد دور الدبلوماسية الشعبية فيها، وتوجهت تلك الدولة نحو تأسيس جمعيات وهيئات تعنى بالعلاقات العامة، وإلى تدعيم المؤسسات الحكومية بأقسام خاصة تعنى بهذا المجال الهام، يطلق عليها تسمية "أقسام العلاقات العامة". وقد تطورت العلاقات العامة في الولايات المتحدة الأمريكية، حتى أصبحت تضاهي مثيلاتها في دول العالم الأخرى، وشهدت الدول الأوروبية كفرنسا وبريطانيا وبلجيكا وغيرها من دول العالم، تطوراً خاصاً لمفهوم العلاقات العامة. لتصبح ممارسة العلاقات العامة ذات مفهوم دولي يمارس فعلاً في العلاقات الدولية.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً: تتحمل وكالة الاستعلامات الأمريكية، التي أنشئت عام 1953، مسؤولية العلاقات العامة الدولية، وغيرها من المسؤوليات، من أجل تحقيق أهداف السياسة الأمريكية، عن طريق شرح وتفسير ونشر السياسة الأمريكية، ومواجهة الدعاية المضادة الموجهة ضد الولايات المتحدة الأمريكية في العالم، ويقدم مدير الوكالة تقاريره عن سير العمل في الوكالة للرئيس الأمريكي مباشرة من خلال مجلس الأمن القومي.
وفي بريطانيا جرى تأسيس  المعهد البريطاني للعلاقات العامة عام 1948 بهدف تجميع جهود ممارسي وظيفة العلاقات العامة وصب الاهتمام على العلاقات العامة في أجهزة الدولة المركزية والمحلية، وفي القوات المسلحة البريطانية، والمؤسسات الاقتصادية والاستشارية. ويمارس ضباط الإعلام في البعثات الدبلوماسية البريطانية المعتمدة في دول العالم، وظيفة العلاقات العامة الدولية من خلال وظيفتهم الإعلامية الأساسية.
وفي فرنسا تطورت العلاقات العامة كوظيفة هامة من وظائف المشروعات الاقتصادية والتجارية والصناعية، بعد إنشاء الجمعية الفرنسية للعلاقات العامة عام 1955، بهدف تطوير العلاقات العامة الفرنسية.
وفي إيطاليا تزايد الاهتمام بالعلاقات العامة إثر إنشاء جمعية تطوير العلاقات العامة الإيطالية في روما عام 1954، ورافق ذلك تزايد اهتمام الشركات الإيطالية بوظيفة العلاقات العامة.
وفي بلجيكا ظهر الاهتمام بالعلاقات العامة مع تأسيس جمعية العلاقات العامة عام 1953 لتطوير دور العلاقات العامة في بلجيكا.
وفي مصر تضطلع الهيئة العامة للاستعلامات وهي هيئة حكومية تابعة لوزارة الإعلام المصرية بدورها "كجهاز للإعلام الرسمي والعلاقات العامة للدولة"، ومنذ إنشائها عام 1954 قامت الهيئة العامة للاستعلامات بأدوار عديدة على الصعيدين الداخلي والخارجي لشرح سياسة الدولة في المجالات المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومواقفها إزاء مختلف القضايا. وفى الوقت الراهن تقوم الهيئة بعدد من المهام الأساسية منها:
- توفير تسهيلات للصحفيين والمراسلين الأجانب في مصر لأداء عملهم على أفضل مستوى ممكن لنقل صورة حقيقية عما يجرى في مصر إلى العالم؛
- وتقديم صورة مصر إلى الرأي العام العالمي ونقل الحقائق عنها إلى وسائل الإعلام في مختلف أنحاء العالم. وكذلك عبر مكاتب الإعلام الملحقة بالسفارات المصرية في العديد من العواصم والمدن الكبرى؛
- وتوفير مصدر للمعلومات الدقيقة والصحيحة والحديثة عن مصر في مختلف المجالات كالتاريخ والحقائق الأساسية عن النظام السياسي والسياسة الخارجية والثقافية والمجتمع والفنون والاقتصاد والسياحة وغيرها، وإتاحتها عبر موقع الهيئة على شبكة الانترنت باللغتين العربية والانجليزية لكل من يحتاج إليها في كل مكان من العالم، كما تصدر مطبوعات عن هذه الموضوعات باللغات المختلفة؛
- وتقوم الهيئة العامة للاستعلامات أيضا بدور مهم في التثقيف السياسي والتوعية الاجتماعية للمواطنين وشرح السياسات الوطنية لهم والمساهمة في التوعية بالقضايا والمشكلات الوطنية (مثل قضية زيادة السكان وقضايا البيئة) وبالقضايا المحلية والبيئية في المناطق الريفية والنائية في أنحاء مصر من خلال مراكز النيل للإعلام ومراكز الإعلام الداخلي؛
- كما توفر الهيئة مركز معلومات يتابع الإعلام الدولي ويوفر معلومات صحيحة ودقيقة عن صورة مصر في الإعلام العالمي للمهتمين والمعنيين بذلك في أجهزة الدولة ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.
وللهيئة مقر يقع في ضاحية مدينة نصر بالعاصمة القاهرة، إضافة إلى مراكز الإعلام الداخلي التي تتبعها في جميع محافظات مصر ويعمل بالهيئة عدد كبير من الإعلاميين والفنيين والإداريين المدربين على استخدام تقنيات الاتصال والإعلام الحديثة في أداء مهامهم.
أما في أوزبكستان فقد بدأ الاهتمام الجدي بالعلاقات العامة الدولية بعد الاستقلال عام 1991، حيث تم في 8/11/1995 تأسيس وكالة أنباء JAHON التابعة لوزارة الخارجية:
- لتوزيع الأخبار الإيجابية عن سير الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في أوزبكستان؛
- وتطوير الصلات مع وكالات الأنباء والمراكز الإعلامية الدولية؛
- وتسريع عملية دخول الجمهورية إلى الساحة الإعلامية الدولية.
وجمع  وتوزيع الأخبار داخل الجمهورية عن:
- الأوضاع السياسية والحقوقية وغيرها في الدول الأجنبية؛
- واحتياجات السوق العالمية؛
- ونشاطات المنظمات الدولية؛
- ونشاطات كبريات المؤسسات والشركات الأجنبية المهتمة بالتعاون مع جمهورية أوزبكستان.
وفي 21/11/1996 تم إحداث المركز الإعلامي بديوان رئيس الجمهورية، لتعريف الرأي العام بالإصلاحات الديمقراطية الجارية في الجمهورية، والتجاوب مع التفاعلات الاجتماعية والسياسية المحلية والدولية، عبر شبكة الإنترنيت.
ومع انتشار مفهوم العلاقات العامة في العالم سارعت مؤسسات التعليم العالي في مختلف دول العالم لافتتاح أقسام لتدريس مادة العلاقات العامة في جامعاتها ومعاهدها وكلياتها المتخصصة.
وتعد العلاقات العامة الدولية اليوم وظيفة من وظائف المنظمات الدولية، ويمارسها في منظمة الأمم المتحدة، مكتب الإعلام في نيويورك من خلال العلاقات الخارجية والصحافة والمطبوعات والخدمات العامة، التي تعرض من خلالها المشاكل التي تواجه منظمة الأمم المتحدة، وخلق فهم أفضل لأهداف المنظمة. كما وتمارس مكاتب منظمة الأمم المتحدة في العالم العلاقات العامة الدولية من خلال الاتصال بالمنظمات غير الحكومية في الدول المعتمدة فيها، في جميع المجالات الثقافية والفنية والعلمية والتعليم والصحة والعمل الخ. وتوزيع الأفلام وبرامج الإذاعتين المسموعة والمرئية والمطبوعات، والإدلاء بالتصريحات الصحفية في إطار مساعيها لخلق فهم أفضل عن منظمة الأمم المتحدة.
وزاد من دور العلاقات العامة الدولية دخول شبكات الكمبيوتر العالمية عالم الاتصال المعاصر، وزاد اهتمام الشركات متعددة الجنسية بالعلاقات العامة الدولية عبر شبكات الاتصال الدولية، واعتمادها عليها في العلاقات التجارية والمصرفية والنقل والتأمين، وتبادل المعلومات على الصعيد الدولي. وتساعد العلاقات العامة، وسائل الإعلام الجماهيرية في الحصول على المعلومات والمواد الإعلامية، مما يزيد من إمكانية انتشارها على الصعيد العالمي. ولعل منافذ وكالات الأنباء والصحف والمجلات والإذاعات المسموعة والمرئية، والمراكز الإعلامية الدولية عبر شبكة الإنترنيت، خير مثال على تحول العالم في مجال الاتصال والإعلام الجماهيري بالفعل إلى قرية كونية.
والعلاقات العامة الدولية كوظيفة لم تستثنى من وظائف السلك الدبلوماسي، وأصبحت من المهام الأساسية للبعثات الدبلوماسية المعتمدة في الخارج، وفق ما تسمح به إمكانيات كل دولة من دول العالم.