الاثنين، 10 أغسطس 2009

التأثير المتوقع لعملية التبادل الإعلامي

التأثير المتوقع لعملية التبادل الإعلامي الدولي

بقلم: أ.د. محمد البخاري
مخطط البحث:
مضمون الرسائل الإعلامية
الاحتكار في التبادل الإعلامي الدولي
تأثير التبادل الإعلامي الدولي على عملية اتخاذ القرارات
فاعلية التبادل الإعلامي الدولي
الخاتمة
المراجع المستخدمة في البحث
مضمون الرسائل الإعلامية
مضمون الرسائل الإعلامية كما أشار مارشال ماكلوهين، لا يمكن النظر إليه بمعزل عن تقنيات الاتصال التي تستخدمها وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، فالكيفية التي تعرض بها المؤسسات الإعلامية الموضوعات، وطبيعة الجمهور الذي توجه إليه رسالتها الإعلامية، يؤثران على ما تنقله تلك الوسائل، وأن وسائل الإعلام الجماهيرية التي يستخدمها المجتمع أو يضطر إلى استخدامها، تحدد طبيعة وكيفية معالجتها لمشاكل المجتمع. وأن أي وسيلة اتصال إعلامية جديدة تشكل ظروفاً جديدة محيطة تسيطر على ما يفعله الأفراد الذين يعيشون في ظل ظروف معينة، وتؤثر على الطريقة التي يفكرون ويعملون وفقاً لها. فوسيلة الإعلام هي امتداد لحواس الإنسان، فالكاميرة التلفزيونية تمد أعيننا، والميكرفون يمد آذاننا، والآلات الحاسبة الإليكترونية توفر بعض أوجه النشاط التي كانت في الماضي تحدث في عقل الإنسان فقط، وهي مساوية لامتداد الوعي الإنساني، ووسائل الإعلام الجماهيرية الحديثة، كامتداد لحواس الإنسان توفر للإنسان الزمن والإمكانيات، وتشكل تهديداً له، لأنه عندما تمتد يد الإنسان وحواسه عبر وسائل الإعلام الجماهيرية، تستطيع هذه الوسائل أن تمد يد المجتمع إليه، كي تستغله وتسيطر عليه. ولكي نمنع احتمالات التهديد يجب مراعاة أهمية إحاطة الناس بأكبر قدر ممكن من المعلومات عن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، لأنه بمعرفة كيفية تشكيل التكنولوجيا الحديثة للبيئة المحيطة بنا نستطيع أن نسيطر عليها ونتغلب تماماً على نفوذها أو قدرتها الحتمية. وفي الواقع، بدلاً من الحديث عن الحتمية التكنولوجية، قد يكون من الأدق أن نقول أن متلقي الرسالة الإعلامية يجب أن يشعر بأنه مخلوق له كيان مستقل، قادر على التغلب على هذه الحتمية التي تنشأ نتيجة لتجاهل الناس لما يحدث حولهم، كما ويجب اعتبار التغيير التكنولوجي حتمياً لا مفر منه، وهو ما يحدث فعلاً، لأننا إذا فهمنا عناصر التغيير يمكننا أن نسيطر عليه ونستخدمه لصالحنا في أي وقت نريده بدلاً من الوقوف في وجهه، كما يحدث لدى البعض أحياناً !.
ومن المشاكل التي تواجه عملية التبادل الإعلامي الدولية أهمية مراعاة الظروف البيئية المحيطة بالإنسان، واختلافها من دولة إلى دولة، بل واختلافها من منطقة إلى أخرى داخل الدولة ذاتها، ومن هنا فمن الأهمية بمكان أن يحيط خبراء الإعلام والصحفيين بالاعتبارات البيئية والظروف المحيطة بالإنسان، وإذا كان هذا الإلمام أكثر سهولة في الإعلام الداخلي، فإنه أكثر صعوبة بالنسبة للإعلام الخارجي، حيث تتعدد الاعتبارات البيئية وتتنوع الظروف واللغات، وتختلف من دولة إلى دولة، ومن منطقة إلى منطقة، ومن قارة إلى قارة. ومع تزايد وسائل الإعلام الجماهيرية وتطورها واتساعها، أصبح العالم أقرب إلى القرية العالمية، ومما ساعد على ذلك تطور وسائل المواصلات وسهولة انتقال الأفراد والسياح، وهجرة السكان من أماكن سكنهم الأصلية، والإقامة الطويلة لرعايا دولة معينة لدى دولة أخرى بقصد الدراسة أو العمل، وتزايد حجم وسرعة وتنوع المراسلات، ودخولها عصر الحوار المباشر عبر شبكات الاتصال العالمية بين مختلف دول العالم، وتطور البث الإذاعي والتلفزيوني واتساع استخدام الأقمار الصناعية لأغراض الاتصال ونقل المعلومات، وهو ما ساعد على الاحتكاك بالأمم المتقدمة وحدوث تحول ثقافي واجتماعي عالمي، برزت معه قيم ومعتقدات جديدة لم تكن متوقعة من قبل، لم يجر تقدير أثرها بالكامل بعد. ومن هنا فإن على خبراء الإعلام والصحفيين أن يدركوا كل تلك المتغيرات عند إعدادهم وتنفيذهم للحملات الإعلامية الموجهة للداخل والخارج على السواء، كي لا تحدث إخفاقات تؤدي إلى عدم استجابة المستقبل لمضمون الرسائل الإعلامية الموجهة إليه، وأن لا يكون رد فعله مغاير لأهداف الحملة الإعلامية الموجهة. وأن يؤخذ في الحسبان أيضاً اختلاف درجات التقدم الاجتماعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي، وتباين النظم والمعتقدات السياسية والإيديولوجية بين دول العالم المختلفة، ودرجات التباين بين دول النظام المتشابه.
الاحتكار في التبادل الإعلامي الدولي: رغم أن العالم لم يزل يتجه باضطراد نحو تحطيم الحواجز القائمة بين الشعوب، واتجاه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في العديد من دول العالم نحو الاتسام بطابع العالمية، ورغم التقدم الهائل لوسائل الاتصال نرى أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في العالم، لم تزل تعتمد في القسط الأكبر من أخبارها على وكالات الأنباء العالمية: رويترز، والأسوشيتد بريس، واليونيتد بريس، ووكالة الأنباء الفرنسية فرانس بريس، رغم الجهود الحثيثة التي تقوم بها وكالات الأنباء الوطنية، وشبكة المراسلين الأجانب في جميع دول العالم تقريباً، والذين يراسلون مباشرة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي ينتمون إليها والمنتشرة في مختلف دول العالم. ونرى أن الاحتكار والتركيز في عملية التبادل الإعلامي الدولي لم تزل مرتبطة بالمشاكل السياسية والاقتصادية، والتي نتج عنها احتكار قلة قليلة من دول العالم لمصادر الأنباء العالمية من خلال وكالات الأنباء والإذاعات وقنوات التلفزيون والصحف والمجلات الهامة والمنتشرة عالمياً، إضافة لاحتكارها لوسائل الاتصال الحديثة وخاصة شبكة الأقمار الصناعية التي تتولى نقل ما تبثه وسائل الإعلام الجماهيرية إلى كافة أنحاء العالم.
تأثير التبادل الإعلامي الدولي على عملية اتخاذ القرارات: تتمتع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بتأثير هام على الجمهور وخاصة في الميدان السياسي، ولذلك كان لابد عند دراسة تأثير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية على عملية اتخاذ القرارات، من الأخذ بعين الاعتبار تأثير هذه الوسائل على الزعماء السياسيين، واستناداً لعدة أبحاث وجدنا أن قائد الرأي لا يبحث غالباً عن دور قائد الرأي، وأحياناً ليس لديه شعور بدوره كقائد رأي، ولكن قادة الرأي هؤلاء يتميزون بعدة خصائص منها: أنهم يمثلون الجماعات التي ينتمون إليها ويؤثرون فيها جيداً؛ وأنهم قادة للرأي في مجال اختصاصهم الذي يتناسب والمجموعات التي يؤثرون فيها؛ وأنهم أكثر من غيرهم من أعضاء المجموعة التي ينتمون إليها معرضون لوسائل الإعلام الجماهيرية؛ وأنهم أكثر من غيرهم من أعضاء المجموعات التي ينتمون إليها على اتصال مع غيرهم من قادة الرأي؛ وأنهم متواجدون في كل الأوساط الاجتماعية. ولما كان لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية من خلال عملية التبادل الإعلامي الدولي، المقدرة على تقرير ما ينبغي أن يعرف وما ينبغي الاحتفاظ به، فإنها بقيت تتمتع بأهمية خاصة في العلاقات الدولية، وقد تقوم وسائل الإعلام الجماهيرية بمجرد نقل المعلومات الصادرة من قبل واضعي السياسة إلى الجمهور الإعلامي، دون أي اعتبار لدور الرأي العام في وضع تلك السياسة، كما يحدث في أكثر البلدان النامية. أو قد تستخدم وسائل الإعلام الجماهيرية لدعم أهداف سياسية معينة، أو لخلق أحداثاً معينة من خلال التمهيد لها، والمساهمة في خلق ودعم وجهة النظر المعارضة، وهذا يفسر قيام بعض المخططين السياسيين، في البلدان المتقدمة بوجه الخصوص، بوضع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية والرأي العام في مرتبة واحدة، يؤثر كلاً منها بالآخر ويعكس صورة الآخر، ويشمل هذا الوضع أيضاً، واضعي السياسة الخارجية للدولة، من خلال تعاملهم مع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المحلية والدولية، والرأي العام المحلي والعالمي.
ويميل المخططون السياسيون إلى اعتبار أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تعكس في الحقيقة مواقف الرأي العام، وكثيراً ما يقبل المخطط السياسي ما تنشره وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية على أنها انعكاساً للحقيقة التي يراعيها عند رسم الخطة السياسية المطلوبة. ولكن الحقيقة أن المؤسسات الإعلامية في أي بلد من بلدان العالم غالباً ما تحدد أسبقيات ما تنشره وما لا تنشره من خلال ظروف تقنية بحتة لا علاقة لها البتة بالموضوع المنشور، وتتحكم بالزمن المتاح في وسائل الاتصال والإعلام المسموعة والمرئية، والمساحة المتاحة على صفحات الصحف والمجلات. ويؤثر التبادل الإعلامي الدولي على اتخاذ القرارات في السياسة الخارجية للدولة، من خلال مساهمته بإمداد أصحاب القرار بالمعلومات اللازمة، التي يمكن على أساسها اتخاذ قرار معين.
ويبرز دور التبادل الإعلامي الدولي من خلال وكالات الأنباء والإذاعات المسموعة والمرئية العالمية، والصحف والمجلات الأكثر انتشاراً في العالم، إبان الأزمات السياسية والاقتصادية، والكوارث الطبيعية، والأخطار التي تهدد بلادهم أو تهدد البشرية، والصدامات العسكرية الساخنة، أو التهديد باستخدام القوة العسكرية على الساحة الدولية. حيث يعتمد أصحاب القرارات الحاسمة عند دراستهم للظروف والأوضاع من كل الجوانب، قبل اتخاذ القرار اللازم، على ما توفره مصادر الاتصال والإعلام الدولية، والمصادر الدبلوماسية، ومصادر أجهزة أمن الدولة، ولهذا تعكف بعض المؤسسات العلمية على دراسة العلاقة بين عملية التبادل الإعلامي الدولي وعملية اتخاذ القرارات السياسية، من قبل الزعماء السياسيون، كواحدة من مؤشرات العلاقات الدولية بشكل عام.
ومن الأبحاث الإعلامية الكثيرة التي أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية، الدراسة التي قامت بها مجلة Public Opinion Quarterly لمعرفة عادات القراءة لدى قادة الرأي الأمريكيين، وأظهرت أن وسائل الإعلام الجماهيرية المقروءة من قبل كبار قادة المؤسسات السياسية والاقتصادية الأمريكية، تعتبر مصادر معلومات يؤخذ بها من قبلهم، لاتخاذ القرارات ومزاولة مختلف الأنشطة السياسية والاقتصادية. وتناولت الدراسة 545 شخصاً من بينهم: منفذون في المجالات الصناعية؛ ومنفذون في المجالات غير الصناعية؛ وأصحاب ثروات كبيرة؛ وزعماء الجمعيات الخيرية؛ وأعضاء الكونغرس الأمريكي؛ ورؤساء اتحادات عمالية؛ وموظفون فيدراليون؛ وكبار موظفي الخدمة المدنية؛ وشخصيات رسمية في الأحزاب السياسية؛ وعاملين في المؤسسات الصحفية؛ وشخصيات من البيت الأبيض؛ وأكاديميون اقتصاديون؛ وغيرهم. وأظهرت نتائج الدراسة أن الشرائح الاجتماعية المدروسة تطالع الصحافة الدورية بنسب مؤوية تتراوح ما بين 84% و 2%، وأن أكثر الصحف مطالعة بين رجال الكونغرس هي "الواشنطن بوست" 82%، وأقلها مطالعة هي الـ"وول ستريت جورنال" 31 %، ومن بين المجلات "يو إس نيوز إند وورلد ريبورت" 70% وأقلها "فورين إفيرز" 16% أي أن رجال الكونغرس يفضلون مطالعة الصحف أكثر من المجلات، بفارق واضح. وبقي أن نؤكد هنا على أن دراسات عادات المطالعة والاستماع والمشاهدة، لدى قادة الرأي، ومن ثم دراسة مضمون الرسائل الإعلامية، المبنية على نتائج تلك الدراسات، تسمح للمخططين الإعلاميين بزيادة فاعلية وتأثير الحملات الإعلامية، وللمخططين السياسيين من زيادة فاعلية دور وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، كواحدة من أدوات تنفيذ السياسة الرسمية للدولة، وكمصدر نافع من مصادر المعلومات لرسم تلك السياسة. وتوسيع دورها في عملية التبادل الإعلامي المحلي والدولي.
فاعلية التبادل الإعلامي الدولي: تساعد وسائل الإعلام الجماهيرية الدولية، على تكوين المواقف من القضايا المطروحة، أو تضخيمها، وتلعب دوراً كبيراً في عملية التغيير السياسي والاجتماعي والثقافي والفكري، لدى القراء والمستمعين والمشاهدين، كما وتساعد وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية على تدعيم سلوك الجمهور الإعلامي من موقف معين، أو التشكيك به، أو رفضه، أو تغييره لصالح موقف جديد. وهذا متوقف على مدى تكثيف الحملة الإعلامية والوسائل المستخدمة فيها، ومدى وضوح موقف مستقبل الرسالة الإعلامية للقائم بالاتصال، أو تعرض مستقبل الرسالة الإعلامية لموقف إعلامي غير متماسك أو لصور نمطية سبق لمستقبل الرسالة الإعلامية وتعرض لها، ومدى تحيزه من مضمون الرسالة الإعلامية بحد ذاتها، ولا بد للقائم بالاتصال من معايير خاصة يعتمد عليها، من أجل الوصول إلى فاعلية أكبر من الحملات الإعلامية الدولية، وإمكانيات أكثر للوصول إلى الأهداف المرسومة للحملة الإعلامية. ولابد من مقاييس يعتمد عليها المخططون للحملات الإعلامية، والقائمون بالاتصال لتحديد مدى نجاح أو فشل الحملة الإعلامية، ومن تلك المعايير مثلاً القدرة على التصدي للإعلام المضاد الموجه لنفس الساحة الإعلامية، ومدى قدرة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية المستخدمة من قبل القائمين بالاتصال على انتزاع المبادرة من الإعلام المضاد والتوجه إلى الجمهور الإعلامي بشكل أكثر فاعلية في المواضيع المطروحة، والمعيار من الأمور الهامة جداً لقياس راجع صدى الرسالة الإعلامية ومعرفة مدى نجاح الحملة الإعلامية. ولو أن الظروف الدولية من تأزم أو انفراج العلاقات الدولية، تعتبر من الأمور الخارجة عن نطاق المعايير الإعلامية، ولكن الحملات الإعلامية قد تؤدي في بعض الحالات إلى انفراج أو خلق أزمات في العلاقات الدولية المتشعبة.
ومن المناهج المستخدمة لقياس راجع الصدى في الحملات الإعلامية الدولية، نذكر: المناهج الاستقرائية التي طورتها إدارة الإعلام والتعليم في جيش الولايات المتحدة الأمريكية من خلال البحوث التطبيقية التي أجرتها إبان الحرب العالمية الثانية، وأعقبتها أبحاث هوفلاند وزملائه، وجرى من خلال تلك الأبحاث قياس تأثير الاتصال من خلال التجريب المحكم بالتركيز على العناصر التالية: القائم بالاتصال وتبين أن تأثير الرسالة الإعلامية يزداد في حالة إذا كان القائم بالاتصال ينقل مواقف تتماشى ومواقف مستقبل الرسالة الإعلامية، وأن المستقبل يبدأ بنسيان مصدر الرسالة الإعلامية، أو القائم بالاتصال بعد مدة وجيزة، وهو ما أطلق عليه اسم الأثر النائم، وأنه هناك عوامل مساعدة أخرى لزيادة التأثير الذي يمارسه القائم بالاتصال، على مستقبل الرسالة الإعلامية كالسن والجنس والمظهر الخارجي للقائم بالاتصال، وتبين أن الرسالة الإعلامية تزيد من فاعلية الحملة الإعلامية الدولية ويمكن أن يتم ذلك في حالة إذا توافقت الرسالة الإعلامية مع أهداف الحملة الإعلامية الدولية، واحتياجات مستقبلي الرسالة الإعلامية، والقيم السائدة والمواقف الفكرية والآراء والمعتقدات الخاصة بهم. ولوحظ أيضاً أن العرض الجزئي للمشكلة أكثر تأثيراً لدى المستقبل إذا كان محدود الثقافة والتعليم. وأن عرض المشكلة من كل جوانبها يكون أكثر تأثيراً على المستقبل الذي حصل على نسبة أعلى من التعليم والثقافة أو إذا كان المستقبل يعارض مبدئياً مضمون الرسالة الإعلامية، وهذا يمكن أن يساعد على تحصين المستقبل ضد الدعاية المضادة مستقبلاً، فيما لو روعيت عناصر اختيار المصادر الإعلامية، والطريقة التي يتم من خلالها عرض الرسالة الإعلامية، مع التطورات السابقة واللاحقة للقضية المطروحة.
وتبين أن الوسيلة الإعلامية والرسالة الإعلامية مرتبطتان الواحدة بالأخرى، لأن طريقة عرض وتقديم الرسالة الإعلامية مرتبط بالتأثير الإعلامي إلى درجة تعادل أهمية الرسالة الإعلامية نفسها، وأنه لابد من مراعاة مدى انتشار كل وسيلة إعلامية جماهيرية في القطاعات المستهدفة من الحملة الإعلامية الدولية قبل استخدامها، واختيار الوسيلة التي يمكن أن تعطي أكبر قدر ممكن من التأثير والفاعلية الإعلامية، وهناك من يرجح الاتصال المباشر، ومن يرجح الإذاعة المسموعة، ومن يرجح الإذاعة المرئية، وهناك من يرجح المادة المطبوعة، وكلها احتمالات يمكن الاستفادة منها في حدودها الممكنة، لأن موقف مستقبل الرسالة الإعلامية يتوقف على معرفة خصائص مستقبل الرسالة الإعلامية من النواحي الثقافية والفكرية والمعتقدات والمواقف السياسية وأنماط السلوك والسن والجنس والوضع التعليمي والوضع الاجتماعي والاقتصادي، والعنصري والإقليم الجغرافي والنظام الذي ينتمي إليه.
وتركز المناهج الاستنباطية المعتمدة على النظرية السلوكية، على تغيير المواقف وتكوينها وتعديلها. وتعمل نظرية المعرفة، على شرح تكوين المواقف وتعديلها والتنبؤ بأثر عملية الاتصال، والتركيز على تعديل المواقف من خلال معتقدات وعواطف الفرد، وتحقيق التوافق المنطقي لمعارف الفرد، وتعتمد كلها على عملية الاتصال.
وعملية الاتصال في التبادل الإعلامي الدولي هي مجموعة وسائل تربط بني البشر ببعضهم البعض، وتحقق التفاعل والعلاقات الإنسانية، وقد تعرَّف على أنها عملية لتغيير المفاهيم باستعمال اللغة أو أي من الوسائل الأخرى المتيسرة، وعملية الاتصال تهدف إلى إحداث تجاوب مع الشخص أو الأشخاص المتصل بهم، وبعبارة أخرى تحاول أن تشاركه أو تشاركهم في استيعاب المعلومات أو في نقل فكرة أو اتجاه فكري إليه أو إليهم، ويعرَّف الاتصال أيضاً بأنه عملية يتم من خلالها تبادل المفاهيم بين الأفراد وذلك باستخدام نظام الرموز المتعارف عليها، ويعتبر استخدام اللغة طريقة من أكثر وسائل الاتصال شيوعاً بين المرسل والمتلقي.
وعلم الاتصال يمتد بجذوره في التاريخ إلى أرسطو الذي وضع أسساً علمية لعملية الاتصال لم تزل قائمة حتى الآن للتفاعل بين (الخطيب - المرسل) و(الجمهور - المستقبل) تقوم على أن يعد المرسل (رسالته - خطبته) بصورة شيقة وجذابة ومقنعة، حتى يمكن أن تؤثر في الجماهير بالصورة المستهدفة، لأنه لا قيمة للاتصال، من وجهة نظر أرسطو ما لم يكن مقبولاً ومفهوماً من (الجمهور - المستقبلين). وهذا إيضاح لمحور العلاقة التي حددها أرسطو بين المرسل، والرسالة، والمستقبل، حيث قسم أرسطو الموقف الاتصالي إلى ثلاث مراحل: الخطيب؛ الخطبة؛ الجمهور، وأوجب أرسطو على (الخطيب - المرسل) أن يدرك ما يعتمل في نفوس الجمهور من قيم ومبادئ ومعايير وسنن اجتماعية. وعلى أساس إدراك الجمهور للرسالة يتأثر بتفسيره لهذه الرسالة. وهذا التفسير يعتمد على الوضعية الاجتماعية للجمهور من حيث تنشئته الاجتماعية، والإطار أو النسق القيمي الذي يأخذ به.
أما الموقف الاتصالي لدى ابن خلدون فينحصر بأن المرسل لا يعرف القصد مما عاين أو سمع، وينقل الخبر كما يظن ويخمن فيقع في الكذب في كثير من الأحيان، وأن الرسالة من الضروري مناقشتها في ذاتها للوقوف على مدى اتفاقها مع طبيعة الأمور، ومع الظروف والملابسات التي يحكيها الراوي - المرسل - ومناقشة مادة تلك الرواية – الرسالة، وقد أوجب ابن خلدون على المستقبل أن يتأكد من أمانة الراوي - المرسل، وصدقه وسلامة ذهنه، وطهارة عقيدته، ومتانة خلقه، وقيمته الشخصية.
وهناك عدة نظريات للاتصال منها على سبيل المثال لا الحصر نظرية كولن في الاتصال التي يمكن تلخيص الموقف الاتصالي فيها على النحو التالي: المرسل:
يستمد من عقله الرسالة التي يرغب في توصيلها إلى شخص آخر؛
الرسالة: يستخدم الإنسان عقله وقدراته واستعداداته النفسية مثل التذكر والإدراك والانتباه لاستيعاب تلك الرسالة؛
والتغذية العكسية: أو راجع الصدى وهي الاستجابة للرسالة (المثير) تلك التي تعود إلى المرسل، وبذلك تكمل الدورة الاتصالية.
وتعتمد هذه النظرية على عقل الإنسان باعتباره المركز الرئيسي للاتصال سواء في الإرسال أم في الاستقبال.
أما ستيفنسون فقد ربط بين نظريته في الاتصال و"الإمتاع" على أساس أن "المستقبل" يشعر بالاستغراق والمتعة فيما يقرأ أو يشاهد لاسيما في الاتصال الجماهيري، وأنه لكي تستمر المتعة فيما يقرأ أو يسمع أو يشاهد من الضروري أن تتخلل العملية الاتصالية بعض القطع الموسيقية أو الأغنيات الخفيفة لتقليل حالة الضغط الإعلامي على المستقبل. ويلاحظ أن من شروط الموقف الاتصالي في هذه النظرية:
إلزام المرسل بإيديولوجية المجتمع التي من أهدافها ربط المواطنين بمجتمعهم والارتقاء بأذواقهم في مختلف النواحي الاجتماعية والثقافية؛
وصياغة الرسالة بأسلوب شيّق يعتمد على الإمتاع بشكل يجعل المستقبل على اتصال مستمر بمصادر المعلومات؛
وإتاحة الفرصة للمستقبل للدخول في حوار مع المرسل، حتى يؤدي ذلك إلى تكوين رأي عام مستنير، يعتمد على الحقائق الواضحة، وليس على ما تقدمه له الأجهزة التنفيذية، دون أن تكون للجماهير حق معرفة مصادر وصدق وثبات ما يقدم لها من معلومات.
أما نظرية لازر سفيلن فتلخص الموقف الاتصالي على النحو التالي:
المرسل: وهو الذي يؤلف وينقل الرسالة؛
والرسالة: وهو ما يرغب المرسل إرساله إلى المستقبل عبر وسائل الاتصال الجماهيرية؛
والمستقبل (الجمهور الإعلامي): وهذا الجمهور، من وجهة نظر تلك النظرية لا يتأثر بالرسالة مباشرة وإنما يتأثر بها أكثر إذا ما نقلت إليه مرة أخرى عن طريق قادة الرأي ويمكن تصور مفهوم قادة الرأي من خلال الدراسات التي أجريت على بنية الاتصال في المجتمعات القروية. حيث يحتكر قائد الرأي بعض الأساليب الاتصالية (القراءة) أو أجهزة الاتصال السمعية والبصرية مثلاً. ومن خلال متابعته للقراءة أو الاستماع، فإنه يستطيع إعادة صياغة الرسالة بشكل يتفق مع الحالة المعنوية للمستقبل.
أما نظرية إسفيروس في الاتصال فقد ركزت على العملية الاتصالية كظاهرة اجتماعية تقوم على التفاعل الذي يتحقق في المجتمع وعلى ارتباطه ببقية الظواهر الاجتماعية الأخرى. وبذلك أعتبرها موضوعاً إنسانياً بالدرجة الأولى. وعلى ذلك فإن الموقف الاتصالي في هذه النظرية يقوم على:
المرسل: وهو المجتمع؛
والرسالة: وهي التعبير الموضوعي عن عقلية الجماهير وروحها وميولها واتجاهاتها؛
والمستقبل: وهو المجتمع أيضاً؛
ووسائل الاتصال: مثل الإذاعتين المسموعة والمرئية، والصحف، وهي المنابر التي لا يرتقيها القادة السياسيون وحسب، وإنما يجب أن ترتقيها الجماهير أيضاً، لكي تعبر عن مطالبها وآمالها، ولكي تشترك بالرأي في إدارة شؤون المجتمع التي ليست حكراً على أحد.
أما ويفر وشانون فيحددان العلاقة بين المرسل والرسالة والمستقبل بـ: المرسل: (أخصائي اجتماعي) ينتخب أو يختار رسالة (مجموعة توجيهات) يرغب في توصيلها إلى مستقبل (مبحوث) الأمر الذي يضطر المرسل إلى تحويل رسالته إلى شكل أو هيئة أو رمز، بحيث يمكن نقلها عبر قنوات الاتصال إلى المستقبل (المبحوث).
وبذلك يكون عقل الأخصائي الاجتماعي هو مصدر المعلومات؛
والرسالة: وهي عبارة عن مجموعة توجيهات من أخصائي إلى مبحوث يتولى صوت الأخصائي الاجتماعي توصيلها، وتقوم الموجات الصوتية بدور قناة الاتصال الرئيسية لعملية الاتصال؛
والمستقبل: وهو الذي يتلقى الرسالة ويقوم بتحويلها إلى الشكل أو الرمز الذي كانت عليه في هيئتها الأولى، وبذلك يكون عقل المبحوث هو الهدف الذي يرمي الأخصائي الاجتماعي إلى إيصال التوجيهات إليه. على حين تمثل أذن المبحوث جهاز الاستقبال الذي يتلقى المعلومات.
أما هودينت فقد حدد العناصر الفعالة لعملية الاتصال في سبعة عناصر هي:
مشكلة؛ ومرسل؛ ورسالة؛ ووسيلة؛ وأحياناً ناقل؛ ووسيلة مستقبل؛ واستجابة.
والسؤال الذي يمكن طرحه الآن، هو: كيف تؤثر وسائل الإعلام في إشباع حاجات الفرد الاجتماعية ؟ لأن الوسائل تنشر المعلومات وتزوِّد الأفراد بعدد من الموضوعات التي تسهِّل عملية الاتصال المتبادل، وهذا يعني أن وسائل الإعلام تقدم إلى جمهور واسع من الناس، معلومات عن حوادث أو ظاهرات معينة خاصة لها أهمية اجتماعية. ولكن ليس للإنسان دائماً الفرصة ليكوِّن علاقات مع الآخرين وهو وحيد لأسباب مختلفة. إن هذا النقص في الارتباط بالعالم الخارجي ربما يؤدي به إلى اليأس، ويستطيع جهاز الراديو أو التلفزيون أن يسديا له خدمة كبرى. فصوت الراديو يبعد شعوره بالوحدة وهذه إحدى الخدمات النفسية المهمة التي يؤديها الراديو وهذا ينطبق على التلفزيون ولو أن تأثير الأول أوسع في هذا المجال من الثاني، ولكن لماذا يعير عدد كبير من الناس الذين يعانون من هذا النقص في الروابط الاجتماعية، اهتماماً كبيراً لوسائل الإعلام ؟ والجواب لأن الإنسان يحتاج للارتباط بالآخرين وهذه حقيقة لا جدال فيها، ولكن هذه الارتباطات تتطلب منه درجة معينة من التكيف وتستطيع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيري أن تمنحه تعويضات تتطلب منه درجة معينة من التكيِّف. كما وتستطيع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيري أن تزوِّده بتعويضات لإشباع حاجته للاتصال الاجتماعي، وليستطيع أن يكوّن صلة اجتماعية مع أشخاص يتمتعون بأهمية اجتماعية كبيرة عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، ويستطيع كذلك أن يناقش ويجادل، ويستطيع أن ينهي المناقشة بإشارة من يديه عندما يرغب ذلك، وهكذا فإشباع حاجة التكيُّف (الملائمة) عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيري، أصبحت عنصراً ضرورياً في حياة إنسان هذا العصر. ويبدو كأنها قضية للتكيُّف وهو ليس متعلقاً بسؤال (ماذا) فقط، وإنما بـ (كيف) و(لماذا) أيضاً وهذا يعني أن الإنسان يحتاج للتكيُّف لكي يستوعب، وإن هذا التكيف يعلمه أي سلوك عليه أن يتبنى في مواقف معينة، ليسدي له بالنصيحة عن كيفية التصرف في مواقف معينة لكي يصل إلى إشباع أكبر حاجاته. وتأثير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في هذا المجال واسع جداً لأنها تزوِّد الفرد بخلاصات مميزة لقيم المجتمع ومستجداته. ولا تكتمل دائرة الاتصال إلا حين تتوافر لموقف نقل الخبرة جميع العناصر اللازمة لعملية الاتصال ويدل توافر تلك العناصر على أن الدائرة تؤدي عملها بصرف النظر عن طبيعة التعليم المنتظر، ولتقدير فاعلية نقل الخبرة ينبغي مراعاة إعطاء انتباه خاص للتغييرات التي تبدو متداخلة ومؤثرة على هذه العملية.
ويمكن تحديد العلاقة بين عناصر الاتصال:
أولاً: بالمصدر: سواء أكان فرداً أو مجموعة من الأفراد، وهو عامل هام في الاتصال ويتوقف أداؤه لمهمته على أنواع المتغيرات التي تتضمنها عملية الاتصال بصرف النظر عن إمكانية توجيهها أو ضبطها، وقد لا تتوافر مصادر المعلومات الكافية والمناسبة، وربما تنقص المصدر المهارة اللازمة لإعداد مضمون رسالته بدقة وفعالية، وإذا كان المصدر شخصاً ما، فما هي اتجاهاته نحو عمله ونحو مستقبلي الرسالة الإعلامية، ونحو الوسيلة الإعلامية التي يستخدمها. وهذه بعض العوامل التي تؤثر على عملية الاتصال؛
ثانياً: يتطلب استكمال دائرة الاتصال تواجد المصدر في جانب والمستقبل في جانب آخر، ولو أن المصدر قد يكون هو المستقبل في نفس الوقت. فإننا نتحدث هنا عن شخصين مختلفين، وكما كانت توجهات المصدر مهمة فإن اتجاهات المستقبل لا تقل أهمية عنها، وإذا كان للمستقبل اتجاه سلبي نحو المصدر فإن التعليم يصبح قليل الفاعلية، وقد تكون النتيجة مشابهة للشعور المماثل الذي يشعر به المستقبل اتجاه الكتاب أو إلى مواد التعلم الأخرى، عندما لا يكون في حالة تقبل للمصدر. وأكثر من ذلك فإن استقبال الرسالة الإعلامية يتطلب مهارات معينة، وبصرف النظر عن قدرة المستقبل على استخلاص المعاني والقراءة المناسبة والاستماع والتفكير فإن هناك متغيرات هامة ينبغي اعتبارها في الموقف التعليمي والاتصالي؛
ثالثاً: الرسالة الإعلامية: التي تعتبر أن عملية تضمين الرسالة واستخلاص محتواها خطوة هامة في الاتصال. فقد يستخدم المصدر بعض المصطلحات كرموز لجميع أجزاء ومقاطع المعلومات. مما يؤدي إلى صعوبة فهمها من قبل المستقبل، مما يؤدي إلى إضعاف عملية الاتصال، ومثال على ذلك ما يحدث في تعلم لغة أجنبية، فإذا أغفل المصدر مستوى المستقبل، وطبيعة الرسالة والأسلوب الذي تقدم به المعلومات، والأفكار، فمن غير المشكوك به أن كثيراً من هذه المعلومات ستتعرض للضياع، بصرف النظر عن شكل أو أسلوب الاتصال الذي يستخدم، ولهذا يجب على القائم بالاتصال أن يعالج الرسالة الإعلامية بشكل ملائم ومنسق وأن يعاد صياغة الرسالة الإعلامية في كل مرة لضمان استقبال نافع وفعال؛
رابعاً: يمكن أن يكون التوافق بين المرسل والمستقبل عندما يراعى في عملية الاتصال بينهما مستوى الخبرة المتوفرة لديهما في إطار المعلومات الاجتماعية والثقافية... إلخ. وفي بعض الحالات التي لا يملك فيها المصدر الصورة الواضحة عن مستوى فهم المستقبل وقدراته فإننا نجد أن اللغة المستخدمة والأمثلة المختارة والأسلوب الذي تقدم به المعلومات قد لا تؤدي إلى استقبال واضح ودقيق لدى المستقبل، الذي يمكنه في هذه الحالة أن يستجيب للمثير فقط من خلال خبراته ومعلوماته المتعلقة بموضوع الرسالة الإعلامية.
وخلاصة القول أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية هي من الركائز الأساسية لتبادل الأفكار والمعلومات بين أفراد المجتمع وتعد أساساً لتفاعلاته الاجتماعية وتقريب وجهات النظر بين مواطني البلد الواحد والمجتمعات المختلفة، وقد تسابقت فعلاً قنوات إذاعية عربية منذ خمسينات القرن الماضي، ومن ثم تلفزيونية عربية فضائية منذ تسعينات القرن الماضي لإنتاج برامج منوعات هامة هدفها نيل ثقة المجتمع العربي واستقطاب أكبر نسبة من المستمعين ومن ثم المشاهدين. وفي خضم الحملة الأخيرة برزت وانتشرت بقوة ظاهرة تعريب برامج أجنبية، رغم أنها تتطلب تحضيرات خاصة وفرق عمل محترفة إضافة لمبالغ هائلة من الأموال، مما يفرض الحاجة للتساؤل عن كيفية انتقاء تلك البرامج ومعايير اختيار أفكارها وتنفيذها من البداية وحتى النهاية، لتتلاءم مع المجتمعات العربية والتعديلات التي تجرى عليها كي تنسجم مع أذواق الجمهور العربي وأفكاره في وقت أصبح ما تبثه القنوات التلفزيونية الفضائية لا يتقيد لا بالقوانين المعمول بها ولا بالتقاليد ولا بالأعراف المتعارف عليها محليا في معظم الدول العربية، وكانت المؤسسة اللبنانية للبث التلفزيوني (LBC)، السباقة في تعريب وإنتاج برامج أجنبية، منها على سبيل المثال لا الحصر برامج: «يا ليل يا عين» و«ستار أكاديمي» و«حلها واحتلها» و«قسمة ونصيب» و«من سيربح المليون». وتبقى الأهداف الحقيقية من وراء تعريب تلك البرامج الأجنبية بالذات، والتسهيلات الكبيرة التي قدمها أصحاب حقوق تأليفها ونشرها الأجانب للناشر الجديد، بحاجة لدراسة أكاديمية بحتة تقوم بها جهات معنية مختصة في الدول العربية لمعرفة مدى تلبيتها لأذواق كل الشرائح الاجتماعية، وأسباب الاعتماد على تلك البرامج الأجنبية، ومدى تأثيرها على الجمهور الإعلامي المحلي وإنتاج البرامج المحلية وعلى اللغة العربية التي تتعرض في الوقت الحاضر لهجمة شعواء من قبل قوى كثيرة. وهل الدافع الحقيقي هو إشراك الجمهور في البرامج ؟ وهل هذا الإشراك هو لإثبات الانتشار لتحقيق أرباح تجارية عن طريق الحصول على إعلانات تجارية باهظة الثمن ؟ أم دفع الآلاف للتصويت هاتفياً وعبر خدمة الرسائل النصية القصيرة (SMS) بالغة التكاليف بمجموعها ؟ وأخيراً من المستفيد منها ؟ وهل هي لترسيخ بيئات ثقافية واجتماعية أوروبية وأميركية في أذهان المشاهدين العرب لإحداث تغيير مطلوب في طريقة وأسلوب التفكير عند الإنسان العربي، ولتحديد إيجابيات وسلبيات تلك التصرفات على المجتمع العربي في وقت يتعرض فيه لأقسى أنواع الغزو الثقافي وكلها تحتاج للدراسة وللتفكير والتحليل لمساعدة المسؤول في موقع مسؤوليته والبحث عن مخرج خوفاً من أن تكون تلك التصرفات شكلاً من أشكال الغزو الثقافي المبطن الذي يطال المجتمع العربي في الصميم.
للمزيد يمكن مراجعة المراجع المستخدمة في البحث وهي:
1. أحمد صوان: أوراق ثقافية.. عن الإعلام وعيد الصحفيين. // دمشق: تشرين، 19/8/2007.
2. د. الإدريس العلمي: الإعلام الذي نريده: دراسة مقدمة إلى لجنة أليسكو لدراسة قضايا الإعلام والاتصال في الوطن العربي. 1983.
3. إدوارد كوين: مقدمة إلى وسائل الاتصال. ترجمة وديع فلسطين، القاهرة: مطابع الأهرام، 1977.
4. أوسكار لانجه: التخطيط والتنمية الاقتصادية. دمشق: مركز الدراسات الاقتصادية، 1970.
5. التقرير الختامي لندوة خبراء " إستراتيجية تنميـة القـوى العاملـة العـربية في بغداد" 4-6 تشرين أول/أكتوبر 1982. // مجلة العمل العربي العدد 25/1982.
6. حسين العودات: الإعلام والتنمية. دراسة مقدمة إلى ندوة خبراء السياسات الإعلامية والوطنية. بنغازي 25-28 نيسان/ أبريل 1983.
7. جواد مرقة: متخذو القرار الإعلامي العربي والمتوسطي والإفريقي. // عمان: صحيفة الدستور، 1/7/1997.
8. د. جبار عودة العبيدي، هادي حسن عليوي: مدخل في سياسة الإعلام العربي والاتصال. صنعاء: مكتبة الجيل الجديد، 1993.
9. د. جيهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الإعلام. القاهرة: دار الفكر العربي، 1978.
10. رولان كايرول: الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية. ترجمة: مرشلي محمد. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 1984.
11. سها سهيل المقدم: مقومات التنمية الاجتماعية وتحدياتها. بيروت: معهد الإنماء العربي. 1978.
12. د. سهير بركات: الإعلام الإنمائي وإعداد البنية البشرية الإعلامية العربية. // مجلة الإعلام العربي العدد 2، كانون أول/ديسمبر 1982.
13. صفات سلامة: الإعلام العلمي العربي: الواقع.. والمأمول. // لندن: الشرق الأوسط، 21/8/2007.
14. د. طلال البابا: قضايا التخلف والتنمية في العالم الثالث. بيروت: دار الطليعة. 1971.
15. ظاهرة «تلفزيون الواقع» وترجمتها على الشاشات العربية. // لندن: الشرق الأوسط، 16/9/2007.
16. د. عبد الوهاب مطر الداهري: دراسات في اقتصاديات الوطن العربي. بغداد: معهد البحوث والدراسات العربية 1983.
17. كارولين عاكوم: «استيراد» البرامج التلفزيونية.. بين حاجة القنوات ورغبة الجماهير، شراء حقوقها يخضع إلى معايير النجاح الجماهيري والنوعية الجيدة والإنتاج الضخم. // لندن: الشرق الأوسط، 16/9/2007؛ - ظاهرة «تلفزيون الواقع» وترجمتها على الشاشات العربية. // لندن: الشرق الأوسط، 16/9/2007؛ - الصحافة.. علم يدرس أم مهارة تكتسب؟ // لندن: الشرق الأوسط، 9/9/2007؛ - هل جاء عصر التحالفات الإعلامية العربية؟ اندماج «روتانا» و«إل بي سي» يسلط الضوء على مستقبل «التكتلات» في المنطقة. // الرياض: الشرق الأوسط 12/8/2007.
18. د. محمد البخاري: العلاقات الدولية في ظروف الثورة المعلوماتية. // دمشق: المعرفة، العدد 519 كانون أول/2006؛ - التبادل الإعلامي الدولي والعلاقات الدولية. مقرر جامعي. معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2006؛ (باللغة الروسية) - التفاعلات السياسية في وسائل الإعلام الجماهيرية. مقرر جامعي. معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2006؛ (باللغة الروسية) - مبادئ الصحافة الدولية في إطار العلاقات الدولية. مقرر جامعي. معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2006؛ (باللغة الروسية) -"العولمة وقضايا التبادل الإعلامي الدولي في ظروف العلاقات الدولية المعاصرة" أطروحة للحصول على درجة دكتوراه علوم في العلوم السياسيةDC ، من أكاديمية بناء الدولة والمجتمع، الاختصاص: الثقافة السياسية والأيديولوجيا؛ والمشاكل السياسية للنظم العالمية والتطور العالمي". طشقند: 2005؛ (باللغة الروسية، بحث غير منشور) - الإعلام التقليدي في ظروف العولمة والمجتمع المعلوماتي. // جدة: مجلة المنهل، العدد 592/أكتوبر ونوفمبر 2004؛ - قضايا التبادل الإعلامي الدولي في ظروف العلاقات الدولية المعاصرة. مقرر جامعي. معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، طشقند: مطبعة "بصمة" 2004؛ (باللغة الروسية) - العولمة والأمن الإعلامي الوطني والدولي. // الرياض: مجلة الدراسات الدبلوماسية، العدد 18، 1424هـ، 2003م؛ - المعلوماتية والعلاقات الدولية في عصر العولمة. // الرياض: مجلة "الفيصل"، العدد 320/2003؛ العلاقات العامة والتبادل الإعلامي الدولي. مقرر لطلاب الدراسات العليا (الماجستير)، معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2001؛ (باللغة الروسية) - "دور وسائل الإعلام الجماهيرية في التنمية والثقافة والتعليم" أطروحة للحصول على درجة دكتوراه الفلسفة في الأدب phD (صحافة) من جامعة موسكو الحكومية، 1988؛ (باللغة الروسية، بحث غير منشور) - "دور الصحافة السورية في التنمية والثقافة والتعليم" أطروحة للحصول على درجة الماجستير في الصحافة. جامعة طشقند الحكومية، 1984. (باللغة الروسية، بحث غير منشور)
19. د. محمد البخاري، د. دانيار أبيدوف: الخدمات الإعلامية في ظروف العولمة والمجتمع المعلوماتي. // دمشق: مجلة "المعرفة"، العدد 491/آب 2004.
20. محمد عاطف غيث: التنمية الشاملة والتغير الاجتماعي. بيروت: مطبعة كريدية، 1974.
21. محمد مصالحة: نحو مقترب علمي لحق الاتصال في الوطن العربي. // مجلة شؤون عربية العدد 24 آذار/مارس 1983.
22. مقدمة ابن خلدون. بيروت: دار القلم، 1978.
23. نادي روما: من التحدي إلى الحوار. ج2، ترجمة عيسى عصفور. دمشق: وزارة الثقافة، 1980.
24. فيصل عباس: مردوخ يشتري «داو جونز».. و«حاجز» لمنع تدخله في تحرير «وول ستريت جورنال» // لندن: الشرق الأوسط 1/8/2007؛ - مدير تسويق «إم بي سي»: نعمل على تطوير دخلنا من مصادر غير الإعلان. // لندن: الشرق الأوسط، 12/8/2007.
25. د. كمال بلان، وسليمان الخطيب: المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في الوطن العربي ومدلولاتها على التنمية. // تونس: مجلة الإعلام العربي. العدد 2/1982.
26. كيف نصون لغتنا في عصر العولمة. // دمشق: الثورة، 17/9/2009.
27. ليستر يبرسون: ماذا يجري في العالم الغني والعالم الفقير. إعداد إبراهيم نافع، القاهرة: دار المعارف بمصر 1971.
28. ولبر شرام: وسائل الإعلام والتنمية القومية. ترجمة أديب يوسف. دمشق: وزارة الثقافة، 1969.
29. اليونسكو: التقرير الختامي للجنة الدولية لدراسة مشكلات الإعلان. باريس 1978.

30. John Martin: Effectiveness of International Propaganda, The Annals of the American Academy of Political and social Science, Vol. 398, Nov. 1971, p. 61.
31. Joseph T. Klapper: The Effects of Mass Communication. New York, Free Press, 1960, pp. 108-109.
32. Carlo Mongardini: A new definition of the concept of development. The New International Economic Order, Vienna 1980. p. 41.


السبت، 8 أغسطس 2009

تشنغيز أحماروف رائد النهضة الحديثة في الفن التشكيلي الأوزبكي


تشنغيز أحماروف رائد النهضة الحديثة لتراث الفن التشكيلي الأوزبكي

كتبها: أ. د. محمد البخاري
سبعينات القرن الماضي شهدت مولد حركة عفوية شملت الأوساط الثقافية الأوزبكية بكل ألوانها واتجاهاتها، وركزت تلك الحركة العفوية على إحياء وتجديد التراث الثقافي الأصيل للشعب الأوزبكي. وشهدت تأسيس رابطة أسطى من قبل جماعة من الفنانين التشكيليين الأوزبك الشباب، للتعبير عن ذاتهم وتطلعاتهم نحو إحياء الأصالة القومية للفنون الجميلة والتطبيقية التقليدية الأوزبكية المتوارثة عبر الأجيال، والمحافظة على الفنون التشكيلية والتطبيقية القومية المميزة للشعب الأوزبكي وإحياءها وتطويرها. ورافق تأسيس تلك الرابطة قيام الفنان التشكيلي الأوزبكي الكبير المرحوم تشنغيز أحماروف بتأسيس ورشة تجريبية جمع فيها من حوله مجموعة من الفنانين الشباب المتحمسين لإحياء فنون المنمنمات والرسوم والنقوش الجدارية القومية الأوزبكية. خاصة وأنه كان حريص ومنذ عام 1964 على تصميم ديكورات مستمدة من فنون منمنمات القرون الوسطى نفذها في ردهات وصالات مسرح علي شير نوائي الأكاديمي للباليه في طشقند، ومسرح حمزة الدرامي في طشقند (أوزبكستان)، ومسرح موسى جليلي الأكاديمي للباليه في قازان (جمهورية تتارستان)، وتصميم ملابس للممثلين في الأعمال المسرحية، والأفلام السينمائية التاريخية العديدة.[1] وتكللت جهود تلك الورشة بتزيين جدران بعض محطات "مترو" العاصمة طشقند، ومتحف ميرزة ألوغ بيك، ومعهد أبو ريحان البيروني للإستشراق، ومتحف علي شير نوائي للآداب، والعديد من المباني العامة في جمهورية أوزبكستان وخارجها بأعمال فنية تراثية بديعة، إضافة للمنمنمات البديعة التي زينت صفحات العديد من الكتب التي صدرت في تلك الحقبة من تاريخ الفنون الجميلة الأوزبكية. والأعمال التي نفذها مع تلامذته بتقنية "طاش قاغاز"[2] والموجودة اليوم بين مقتنيات العديد من المتاحف والمجموعات الشخصية في أنحاء مختلفة من العالم. ويرجع ظهور حركة بعث فنون المنمنمات التقليدية في جمهورية أوزبكستان لنماذج النادرة المنفذة على صفحات الكتب التي تحدثنا عن الفترة الذهبية من تاريخ العالم الإسلامي والمحفوظة ضمن كنوز المخطوطات الإسلامية النفيسة التي حرص وحافظ عليها أبناء المنطقة في العديد من مكتبات المخطوطات في جمهوريات وسط آسيا[3] وبقيت شاهداً حياً على آثار الفنون الإسلامية حتى اليوم. وتعتبر النماذج المحفوظة في مكتبة المخطوطات بمعهد أبو ريحان البيروني للاستشراق، ومكتبة الإدارة الدينية للمسلمين الأوزبك،[4] وبعض المتاحف في المنطقة من النماذج الفريدة بين المجموعات الموجودة في مختلف دول العالم، لأنه وكما هو معروف أن المنمنمات الإسلامية الجميلة كانت من بين الفنون المميزة التي زينت صفحات وأغلفة الكتب المخطوطة خلال عصر ازدهار الفنون الجميلة الإسلامية في ما وراء النهر.
ورافق فترة الصحوة القومية في أوزبكستان تفاوت كبير في آراء النقاد حول تاريخ فنون المنمنمات الإسلامية المتميزة بجمالها، وساد بينهم اعتقاد بـ "أن فنون المنمنمات الإسلامية خلال القرون الوسطى كانت محصورة في تزيين صفحات الكتب، وفي بعض النقوش والزخارف الأخرى المنفذة بتقنية خاصة"، وظل هذا الاعتقاد حتى أثبت الفنان التشكيلي الكبير الراحل تشنغيز أحماروف وتلامذته الشباب وبشكل قاطع "أن هذا الفن العريق كان موجوداً في المنطقة"، وأن ما حدث في الماضي كان تحت تأثير الأحداث التي عصفت بالمنطقة خلال تلك الحقبة التاريخية، وتمثلت بالحروب الداخلية المدمرة وما رافقها من إراقة للدماء، ودمار شديد في العمران، ونزوح للسكان أدى لخلو مناطق شاسعة في ما وراء النهر من السكانً. وخاصة خلال الفترة التاريخية التي رافقت انهيار حكم الأسرة التيمورية في القرن السادس عشر، واستمرت حتى بدايات الاحتلال الروسي لتركستان في أواسط القرن التاسع عشر. وهو الاحتلال الذي بقي جاثماً في المنطقة حتى مطلع تسعينات القرن العشرين وتعرض خلالها التراث الثقافي لأبناء المنطقة إلى نهب وتدمير مخطط. وأدى بالنتيجة إلى ضياع نماذج أعمال فريدة لأساتذة فنون المنمنمات التي صورت أشياء جامدة وكائنات حية خلال تلك الفترة الهامة من تاريخ تركستان في القرون الوسطى. ولكننا نتعرف اليوم عليها من خلال بعض اللقيات الأثرية المحفوظة في متحف الفنون الجميلة من خلال نماذج رائعة من تلك الفنون العريقة، من خلال النقوش التي تزين أغلفة الكتب المخطوطة من القرون الوسطى، بتقنية الورق المقوى والمعروفة باسم "جلدي روغاني"، والموجودة اليوم ضمن مجموعة مخطوطات معهد أبو ريحان البيروني للاستشراق. وكلها تثبت ودون أي جدل، بأن هذا اللون من ألوان الفنون الجميلة كان شائعاً ومزدهراً هناك في وقت من الأوقات. وتمثله النقوش النباتية والهندسية التي وشت فراغات أدوات الاستعمال اليومي المصنوعة من عجينة الورق المقوى والسيراميك. وهي حقيقة أشارت إليها مجلة "شرق يولدوزي" وأشارت فيها إلى أنه: "إضافة للأغلفة الجلدية، صنعت أغلفة رائعة من عجينة الورق، الموشاة بالرسوم".[5]
وحقيقة هامة أخرى أشار إليها مؤرخ وباحث الأوزبكي عندما خرج باستنتاج قال فيه: "أن ما يميز الأغلفة المطلية الكشميرية، والإيرانية، عن غيرها من الأغلفة التي صنعت في بلدان المنطقة، احتواءها على رسوم طبيعية، وصور لكائنات حية. بينما تميزت أغلفة المخطوطات المصنوعة في ما وراء النهر باحتواء سطوحها على رسوم نباتية ونقوش ملونة، غطت كل مساحة الغلاف".[6] ومن الناحية العملية نرى أن تجهيز الأعمال الفنية بتقنيات فنون المنمنمات كان معروف من خلال بعض المصادر التاريخية القديمة عن الحقبة التاريخية الممتدة ما بين القرنين الـ 13 و15، ومن خلال الوصوف التقنية الكثيرة التي تشير إلى تلك الحقيقة التاريخية.[7]
ولكن المجددين المعاصرين واجهوا صعوبات في عملية تجهيز واستخدام الألوان، وتحديد العناصر الضرورية الداخلة في مواد تنفيذ النقوش المذهبة، وكانت تلك العناصر كلها مجهولة بالنسبة لهم في العديد من جوانبها. ومع ذلك بدأت المحاولات الأولى مع نهاية سبعينات القرن العشرين في طشقند، وفي آن معاً في ورشة أسطى حيث جرت محاولات لإعداد وإنتاج مصنوعات فنية منمنمة مطلية، وفي منشآت وزارة الصناعات المحلية، والصناعات الخفيفة، وفي مصنع الهدايا القومية، وفي ورشات النقوش المنمنمة، لإنتاج نسخ كثيرة من الأعمال الفنية التي استمدت مواضيعها من قصائد شعراء القرون الوسطى العظام في العالم الإسلامي. وجرى تنفيذ تلك النقوش بالألوان المائية على سطوح خشبية، طليت بعد ذلك بالورنيش. وكانت عبارة عن هدايا تذكارية، صنعت دون التقيد بتقاليد فنون المنمنمات الإسلامية في ما وراء النهر وبمستويات فنية منخفضة.
ولكننا نستطيع أن نعتبر محاولات رئيس ورشة النقاشين في رابطة أسطى آنذاك، فنان الشعب الأوزبكستاني جليل حكيموف، الذي نفذ بعض النقوش غير الكبيرة بألوان جافة على أساس من صفار البيض وعروق الذهب، ومن التجارب الناجحة التي تكررت مرة أخرى باستخدام الألوان الزيتية. وهو ما يشبه إلى حد كبير تقنية المنمنمات الإسلامية المطلية، وتقنية الرسوم الملونة، الموجودة في جوهر وسائل التعبير الفني، التي استخدمها فنانو هذا التقليد الفني الرفيع. وجاءت مطابقة تقريباً وفي الكثير من النواحي لأعمال رسامي القرون الوسطى المسلمين. وهو ما نقتنع به من خلال دراسة أساليب وخصائص الأعمال المميزة الموجودة اليوم في متحف علي شير نوائي للآداب الذي حرص مؤسسه الراحل حميد سليمانوف على جمع كل نماذج وأشكال منمنمات الكتب القديمة في العالم الإسلامي.
ومع بدايات ثمانينات القرن العشرين أخذ المتخصصون الشباب الأوزبك، باستعمال تقنيات الرسوم المنمنمة القومية، وأساليب الكتابة وتجهيز الألوان الممزوجة بصفار البيض، وإذابة عروق الذهب ووضعها على سطوح اللوحات بتقنيات حديثة خاصة بفن رسم المنمنمات في تركستان. وفي اختيار نماذج مقبولة من وجهة النظر الصناعية لعالم اليوم، وفي اختيار الألوان المناسبة، والابتعاد عن الخلفية السوداء التقليدية للتكوينات المختلفة. وإضافة نماذج جديدة من التكوينات الخالية من الخلفية السوداء التقليدية، والتخلي عن الحجم في المنظر العام، ووجهوا جل اهتمامهم للمساحة والموضوع في اللوحة، مضيفين طرقاً جديدة لإعداد الألوان، بالأخضر الفاتح أو الخلفية البيضاء، مضيفين إليها مختلف الألوان النباتية، المخلوطة بصفار البيض وصمغ أشجار المشمش. إضافة لاستيعابهم تقنيات صنع النماذج القومية من عجينة الورق المقوى. واستمر البحث للعثور على أسلوب خاص بهم متميز يعتمد على النماذج الكلاسيكية القديمة من خلال مواضيع تمس مشاعر وأحاسيس إنسان اليوم.
وظهرت الأعمال الأولى للرواد المتحمسين لفنون المنمنمات المطلية في أوزبكستان، ومن بينهم كان: نياز علي خال ماتوف، وشاه محمود محمد جانوف، وعبد الواسط قمباروف، ومنيرة ساطي بلدييفا، وغيرت كمالوف، وعبد الغني ألداشوف، الذين عملوا تحت إشراف فنان الشعب الأوزبكستاني الراحل تشينغيز أحماروف. وخلال فترة قصيرة تمكن فنانو المنمنمات الأوزبك في رابطة أسطى من امتلاك الشكل المتميز والواضح لهذا الفن العريق، وأنجزوا خلال تلك الحقبة أعمالاً فنية كثيرة ورائعة. وخلال مرحلة الأعمال التأسيسية في رابطة أسطى جرى توفير الإمكانيات اللازمة لاكتشاف وتجميع كل القوى الفنية المبدعة في الجمهورية، التي يهمها الحفاظ على التراث الثقافي الأوزبكي. الأمر الذي ساعد على جذب اهتمام الأوساط الفنية، وخاصة أولئك الذين تشبعت أعمالهم بروح التقاليد الفنية القومية العريقة والتراث الروحي الذي تركه لهم أساتذة فنون المنمنمات الإسلامية خلال عصر الازدهار في ما وراء النهر. ومن المميزات الملفتة للنظر في أعمال الرواد بتلك المرحلة، اهتمامهم بتصوير المضمون الفكري للكتاب المخطوط، بواسطة الرسوم المعبرة في التكوين، مع انسياب رائع للرسوم، وتميز الألوان للوصول من خلال هذا الأسلوب المتميز والدقيق إلى مستوى إعطاء مسحة خفيفة لأفكار مؤلف المخطوطة، على عكس أسلوب الرسامين القدامى الذين كان هدفهم الأساسي تزيين صفحات الكتاب المخطوط وحسب، دون التعرض للمضمون الفكري الذي تحتويه صفحاته.
ولم تقتصر أعمال الفنانين التشكيليين الأوزبك على المواضيع التقليدية المستمدة من مؤلفات شعراء العالم الإسلامي الكلاسيكيين، بل راحت أبعد من ذلك، وأخذت منمنماتهم تصور مواضيع مستمدة من حياة شخصيات معاصرة وضمت أعمال فنانين تشكيليين منفذة بأسلوب المنمنمات الكلاسيكية جدارية صورت خلفية الحياة في القرية الأوزبكستانية خلال تلك الحقبة من التاريخ. واستخدمت في تنفيذها تقنيات فنون وأساليب المنمنمات الكلاسيكية التي زادت من قدرة اللوحة على محاكاة الرسوم المنمنمة القديمة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن من مميزات المنمنمات الحديثة كان الامتناع المتعمد عن التقيد بمبادئ زخرفة الفراغات واستبدالها بخلفية من البقع الملونة، مع إدخال بعض أساليب فن الغرافيك والأرابسك في تداخل الرسوم مع الخطوط المارة عبر المحيط العام للوحة لتمثل الشخصيات والمواضيع المعبر عنها في اللوحة. وببساطة يمكن القول أن ريشة الفنان أعطت لمسة سحرية للشخصيات من حيث الحجم والحركة، بعمل دقيق يعكس التفاصيل ويعبر عنه من خلال الألوان الجميلة، باستخدام الخطوط الذهبية بكثرة من أجل تصوير الخلفية مع زخارف الملابس بما يشبه أعمال الرسامين القدامى.
وكان من بين الفنانين التشكيليين ن تأثر بأساليب فنون المنمنمات الإسلامية، وأساليب فن الغرافيك في تصويرهم لمواضيع شعرية تراثية تلامس تقاليد الفنون الشعبية القديمة، وكانت أعمالهم أقرب منها إلى الغرافيك من المنمنمات، رغم أسلوبها الذي حاولوا من خلاله محاكاة أساليب فن المنمنمات التقليدي. ولهذا يمكننا أن نقول أن فناني هذه المجموعة وجهوا جل اهتمامهم نحو التعبير الانطباعي، وزيادة النقوش والزخارف مع التركيز على التفاصيل المعمارية وتفاصيل الملابس في التكوين العام للوحة. وانحصر دور الألوان في إطار بناء الحجوم والأشكال والتعبير عن الحدث العام وتفاعلاته ضمن إطار اللوحة. وظهر هذا الأسلوب في لوحات بالتاباييف، وعسكر حجاييف، ونذيروف. بينما اختلف عنها في رسوم ساطي بالدييفا التي عكست في أسلوبها الواقعي في التصوير بمهارة بالغة تناسق الأشكال التقليدية لفنون المنمنمات الكلاسيكية، من حيث الألوان الجميلة، والزخارف الجميلة، وحركة انتقال المتضادات، في الألوان المحلية من ناحية، وفي التصوير الواقعي للأشكال والمناظر الطبيعية من ناحية ثانية. إضافة للتعبير السلوكي من خلال سمات وجوه شخصيات اللوحة التي استمدتها كلها من مواضيع تراثية شعبية.
وعند الحديث عن طيف الألوان الذي استعاره الفنانون التشكيليون الأوزبك المعاصرون من فنون المنمنمات الإسلامية الكلاسيكية بشكل عام، لا بد أن نتوقف عند الأداء الرائع لريشة الفنانين التشكيليين التي ركزت على اللونين الذهبي والأزرق لخلق التكوين العام للوحة، وتصوير شخصيات اللوحة المستوحاة من الحياة في القرون الوسطى بلمسة سحرية مزجت بين البارد والدافئ لتميز بين الأحداث الجارية في حياة البشر آنذاك. ولكنهم تمكنوا من التوصل لحلول إيجابية أخفت التناقض، باستخدامهم للون الأبيض في تصوير الشخصيات. وكل ذلك يوضح مدى تأثر الفنانين التشكيليين بأستاذهم الكبير تشنغيز أحماروف، وأسلوبه الخاص في توحيد عناصر اللوحة من خلال التقاليد العريقة لأساتذة فن المنمنمات عبر تاريخه الطويل، مع التأكيد على ارتباطه العضوي بخصائص الفن الشعبي التعبيري المتجدد على أيدي فنانين عرفوا تراث أجدادهم وتفهموا بعمق خصائص فن المنمنمات الإسلامية الكلاسيكية العريقة، وأغنوا بأساليبهم المبتكرة النقوش الجديدة التي أصبحت تغشي التكوين المعاصر بشاعرية خاصة، وإبداع روحي متميز مفعم بالعواطف الفياضة، وتتقبل الحياة المعاصرة بتقنيات حديثة استمدت من فن المنمنمات العريق في العالم الإسلامي.
وتستمر مسيرة الخير والعطاء وتتفتح كل يوم أزهاراً جديدة على أغصان شجرة الفنون الجميلة في جمهورية أوزبكستان بعد استقلالها، ويزهر كل يوم غصن جديد، في رحاب معهد بيغ زاد للفنون الجميلة، وأكاديمية الفنون الجميلة، والتي ومن دون أدنى شك، ستغني، وتلون، وتأتي بثمار ناضجة جديدة تسهم بدورها في الحفاظ على الثقافة الفنية الأصيلة والعريقة والفتية في جمهورية أوزبكستان، وتصب في النهاية بمحيط الثقافة الإنسانية الخيرة، أخذاً وعطاءً في آن معاً. وهو ما أشار إليه معرض " ما عرف وما لم يعرف عن الفنان التشكيلي تشنغيز أحماروف " الذي نظمه مركز الفنون القومية الأوزبكية عام 2009 واكتظ بالزوار وضم أكثر من 100 عملاً فنياً وغرافك لأحد ألمع أساتذة ريشة الفنون الجميلة في أوزبكستان، وتضمن عرض الكثير من الأشياء التي تصور حياته الإبداعية الرائعة والخاصة، وتعبر عن حب هذا الفنان الكبير لتراث الفنون الجميلة والمنمنمات العربية الإسلامية التي ازدهرت في القرون الوسطى. وأشارت إليها الإسهامات العظيمة والمتميزة في أعمال تشنغيز أحماروف في تطوير فن المنمنمات والفنون الجميلة الأوزبكية بعدم التكرار ودعوته للفنانين الأوزبك للابتعاد عن تقاليد المدارس الأوروبية والعودة للجذور الفنية. وكان له الفضل الأكبر في بعث فنون المنمنمات الإسلامية، وإحياء تقاليد مدرسة كمال الدين بهزاد الرائعة. وكانت أفكاره تلك جريئة جداً في تلك المرحلة وكان على علم بما يحيط به من أخطار في مواجهة ما اعتاد المسؤولين في السلطات السوفييتية فرضه على الفنون من قيود، وكان يمكن وبكل سهولة أن يدفع مستقبله وشهرة إبداعه ثمناً لها. ولكنها كانت فكرة فنان شجاع حملها معه وبثبات طيلة حياته التي كانت مليئة بالنجاحات وحظي بألقاب رفيعة واستحق جائزة الدولة من الدرجة الأولى لقاء رسومه ونقوشه البديعة التي تزين حتى اليوم جدران صالات مسرح علي شير نوائي الأكاديمي الكبير للأوبرا والباليه. ولم يتجاوز حينها الخامسة والثلاثين عاماً من عمره، ومع ذلك لم يصب بالغرور واستمر بإبداعاته، وأنجز الكثير من الأعمال الفنية التذكارية الضخمة التي تزين الأماكن العامة ليس في أوزبكستان بل وفي خارجها.
وشملت أعماله البديعة خلال حياته الكثير من الصور، ولوحات رسمها لمعاصريه وللأجداد العظام للشعب الأوزبكي، يصعب حصرها اليوم وكلها تحمل ميزة واحدة هي عدم تكرار خصوصيتها في أي لوحة من لوحاته أو أي عمل من أعماله، وعند تصفح أي ألبوم من ألبومات معارضه لا نجد أي تشابه بين أي عمل من أعماله الكثيرة لا في تفاصيل الجزئيات ولا حتى في الأقراط التي تزين أذان شخوص لوحاته ولا في حلى الزينة النسائية المرسومة في لوحاته وكلها تحمل طابع تشنغيز أحماروف المتميز. وهكذا اقتنعت بأنه رغم مضى 12 عاماً على وفاة فنان الشعب الأوزبكي تشنغيز أحماروف بقيت ذكراه الطيبة ولم تزل محفوظة لدى الكثيرين من تلاميذه والمعجبين بفنونه الجميلة وفي أعماله الكثيرة الموزعة في المتاحف والأماكن العامة التي يشاهدها عشرات الألوف يومياً.





الفنان التشكيلي الراحل تشنغيز أحماروف











لوحات منمنمة




[1] غانييفا لولا: فنان الشعب الأوزبكستاني تشينغيز أحماروف. // طشقند: مجلة تياتر، 2003 العدد 3. ص 27.
[2] "طاش قاغاز": الورق المقوى.
[3] جمهوريات وسط آسيا هي: أوزبكستان، وقازاقستان، وقرغيزستان، وطاجيكستان، وتركمانستان.
[4] الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى وقازاقستان السوفييتية خلال فترة الحكم السوفييتية.
[5] دولينسكايا ف.: فن المنمنمات بآسيا الوسطى. // طشقند: مجلة شرق يولدوزي (نجمة الشرق)، 1958/ العدد 7. ص 153.
[6] اسماعيلوف إ.: فن ديكور آسيا الوسطى للكتب المخطوطة للقرنين 18-19. طشقند، 1982. ص 30.
[7] قازييف أ. يو.: المواد التقنية الفنية ومصطلحات القرون الوسطى لفن رسوم الكتب، والخطوط والتجليد. باكو: 1966؛ ومخطوط جواهر الصنعة. المحفوظ في معهد أبو ريحان البيروني للاستشراق بأكاديمية العلوم الأوزبكستانية، رقم 3377/1.

الجمعة، 7 أغسطس 2009

العولمة والأمن الإعلامي الوطني

العولمة والأمن الإعلامي الوطني
بقلم: أ.د. محمد البخاري. جامعة ميرزة ألوغ بيك القومية الأوزبكية
أشار خبراء السياسة في الدول النامية إلى أن العولمة Globalization حملت للبشرية معنى "جعل الشيء على مستوى عالمي، أي نقله من حيز المحدود إلى آفاق اللامحدود. واللامحدود هنا يعني العالم بأسره، فيكون إطاره النشاط والعلاقات والتعامل والتبادل والتفاعل على اختلاف صوره السياسية والاقتصادية والثقافية والعلمية وغيرها، متجاوزاً الحدود الجغرافية المعترف بها لدول العالم، وهذا فالمعنى يجعل العولمة تطرح ضمناً مستقبل الدولة القومية وحدود سيادتها الوطنية، ودورها على الصعيدين الداخلي و الخارجي" أو "تعميم نمط من الأنماط الفكرية والسياسية والاقتصادية لجماعة معينة، أو نطاق معين، أو أمة معينة على الجميع، أو العالم بأسره". وجاء هذا بعد أن تمكنت الوسائل المتطورة للاتصال والإعلام والاستشعار عن بعد اختراق الحدود السياسية والجغرافية المعترف بها لكافة دول العالم. بعد أن بدأت العولمة من الولايات المتحدة الأمريكية وجاءت نظرياً كدعوة لتبني النموذج الأمريكي في الاقتصاد والسياسة والثقافة والعلوم وبالتالي طريقة الحياة الأمريكية بشكل عام. وجاءت كنتاج للثورة العلمية والتكنولوجية، التي كانت نقلة نوعية في تطور الرأسمالية العالمية، في مرحلة ما بعد الثورة الصناعية التي ظهرت في منتصف القرن 18 بأوروبا، نتيجة لاستخدام الطاقة، والتي غيرت بشكل جذري أسلوب وعلاقات الإنتاج، لتبدأ معها مرحلة جديدة من مراحل التطور الإنساني، اتصف بالتوسع الاقتصادي، والبحث عن الموارد الطبيعية، وفتح الأسواق العالمية. وهي المسببات التي أدت لظهور الاستعمار التقليدي، ولقيام الحروب الأوروبية تلبية لحاجات الرأسمالية المتنامية.
وساعد استمرار التطور العلمي والتكنولوجي، وما رافقه من تطور هائل لوسائل الاتصال ووسائل الاستشعار عن بعد وتداول المعلومات على إنتشار العولمة، التي شكلت بدورها تجديداً لنمط وطبيعة الإنتاج والتفاعلات والتعاملات الدولية. وبذلك لم تعد الحروب التقليدية واستخدام القوة وسيلة وحيدة لحسم الخلافات بين الدول الرأسمالية كما كان الوضع حتى الحرب العالمية الثانية، بل أصبحت الحاجة ملحة لتوحيد أسواق الدول الصناعية المتقدمة من خلال سوق عالمية واحدة، أي ضرورة تجاوز الحدود السياسية الوطنية المعترف بها، وإعادة توزيع الدخل، والعمل على رفع المستوى المعيشي للإنسان ليمكن معه توسيع سوق الدول الصناعية المتقدمة، لاستيعاب المنتجات الحديثة، أي خلق مجتمع من نوع جديد أطلق عليه تسميته المجتمع الاستهلاكي الكبير. وشكلت هذه السمات كلها نقطة التحول من الرأسمالية القومية إلى الرأسمالية العابرة للقوميات التي نعيشها فعلاً اليوم من خلال الشركات متعددة الجنسيات، والتي رافق ظهورها العولمة التي عبرت عن ظاهرة اتساع مجالات الإنتاج والتجارة، لتشمل السوق العالمية بأسرها. وتجاوز الفاعلية الاقتصادية التي كانت لمالكي رؤوس الأموال، من تجار وصناعيين، وكانت تصرفاتهم محكومة في السابق بحدود الدولة القومية التي ينتمون إليها، لتصبح فاعليتهم الاقتصادية مرهونة بالمجموعات المالية والصناعية العالمية الحرة، المدعومة من قبل الدول المشاركة في رأس مالها، عبر الشركات متعددة الجنسيات. وهكذا لم تعد الدولة الوطنية هي المحرك الرئيسي للفاعليات الاقتصادية على المستوى العالمي، بل حل مكانها القطاع الخاص بالدرجة الأولى في مجالات الإنتاج والتسويق والمنافسة العالمية.
والعولمة ليست نظاماً اقتصادياً فقط، بل تعدته إلى كافة مجالات الحياة السياسية والثقافية والعلمية والإعلامية. لأن النمو الاقتصادي الرأسمالي العالمي استلزم وجود أسواق حرة، ووجود أنظمة سياسية من شكل معين لإدارة الحكم. كما وتعددت مراكز القوة الاقتصادية العالمية للرأسمالية الدولية الحديثة، وتعددت معها مراكز القوة السياسية، مما خلق بدائل وتعددية في القوى على مستوى السلطة، وهو ما دعم إمكانيات التطور الديمقراطي بكل شروطه، من عدم احتكار السلطة التنفيذية، وتداولها، وتعدد وتنوع مراكز القوة والنفوذ في المجتمع، ومنع تركيز الثروة في يد الدولة وحدها، وفرض توزيعها لتحقق العولمة بذلك نوعاً من اللامركزية في الإدارة والحكم.
ومما ساعد على الانتشار السريع للعولمة انتصار الرأسمالية على الأنظمة الأخرى المنافسة لها، وكان أخرها انهيار الإتحاد السوفييتي السابق ودول ما كان يعرف بالمنظومة الاشتراكية أو الكتلة الشرقية التابعة للإتحاد السوفييتي السابق. وسقوط النظم الشمولية في أوروبا الشرقية لتقوم محلها أنظمة حكم جديدة، وتحول الأنظمة الجديدة في تلك الدول نحو أشكال جديدة من الحكم الديمقراطي، الذي يربط في جوهره بين التطور الديمقراطي والنمط الرأسمالي، الذي يعتمد على الديمقراطية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والابتعاد عن سيطرة الأيديولوجية الواحدة على أجهزة الدولة والمجتمع.
وأتاح الاتصال المباشر عبر القارات من خلال شبكات الاتصال العالمية للحاسب الآلي ومحطات الإذاعات المسموعة والمرئية عبر الأقمار الصناعية، الفرصة لإبراز ملامح العولمة التي أصبحت ملموسة حتى من قبل الأشخاص العاديين في أي مكان من العالم. ومن المنتظر أن يتيح هذا التطور الهائل في تكنولوجيا وسائل الاتصال الحديثة، إمكانية زيادة التواصل والحوار الثقافي والحضاري بين شعوب العالم، ليساعد على إيجاد آمال وأهداف ومصالح مشتركة تتجاوز المصالح القومية للشعوب والدول ولا تتناقض معها أو العكس.
الدولة والسيادة الوطنية في ظل العولمة
وأثارت العديد من الحكومات مخاوف وشكوك كثيرة. منها المخاوف السياسية التي يمكن أن تنجم عن بث برامج معادية لأنظمة الحكم، وأفكاراً وأيديولوجيات تهدد الأمن والاستقرار السياسي والثقافي والاجتماعي داخل الدول. وعبرت بعض القوى السياسية والثقافية والاجتماعية المؤثرة في العديد من دول العالم عن خشيتها من النظام الإعلامي المفتوح الجديد الذي قد يهدد ثقافات وتقاليد وعادات ومقدسات الشعوب الأقل حظاً من غيرها، وانطلقت الأصوات تطالب بتحقيق أمن معلوماتي دولي يراعي ولا يتناقض مع المصالح الوطنية لكل دول العالم.
والعولمة المرتبطة بسيادة نموذج اقتصاد السوق، تثير قضية علاقة النموذج بالدولة ودورها، بحيث لا يبرر الانتقال إلى اقتصاد السوق أبداً اختفاء دور الدولة، بل حدوث تغييرات محدودة لذلك الدور الرتيب الذي اعتادت عليه بعض الدول بطيئة التطور. ويقرن معظم من كتب في أهمية نظام السوق طروحاتهم دائماً بضرورة وجود دولة قوية قادرة على تأمين الأمن والاستقرار، التي من دونها لا تستطيع السوق أن تقوم بدورها. ومن هنا فليس هناك مجال للحديث عن محاولة إلغاء أو تقليص دور الدولة، بل على العكس لابد من التأكيد على هذا الدور وأهميته وضرورته، مع ضرورة إجراء تعديلات معينة لهذا الدور ليتوافق مع نظام السوق المنفتح عالمياً. فالولايات المتحدة الأمريكية مثلاً وهي أكبر دولة رأسمالية في العالم، تتدخل في الحياة الاقتصادية، وتحدد شروط النشاطات الاقتصادية، والسياسات النقدية والمالية والتجارية وفق منظور مصالحها القومية العليا. والفارق المهم بين النظم المركزية، ونظم السوق، هو أن الدولة تتدخل في الحياة الاقتصادية باعتبارها سلطة، وليس باعتبارها منتجاً. لأن سلطة الدولة لا غنى عنها ولا تتناقض مع تطور الحياة الاقتصادية. وأيدت الأزمة الاقتصادية العالمية الجديدة التي بدأت من الولايات المتحدة الأمريكية ضرورة أن تأخذ سلطة الدولة دورها الفعال في الحياة الاقتصادية.
والاقتصاد الحر لا يعني أبداً غياب الدولة عن تسيير النظام الاقتصادي. والفرق بين النظام الليبرالي ونظام التخطيط المركزي، ليس في مبدأ التدخل ولكن في مضمونه. ففي ظل التخطيط المركزي تقوم الدولة بالإنتاج المباشر للسلع والخدمات، وتسيطر على مجمل النشاطات الاقتصادية، عن طريق القطاع العام. أما في ظل الاقتصاد الحر، فإن الدولة تترك الإنتاج المباشر للسلع والخدمات للأفراد والمشروعات الخاصة، أي تحقيق التكامل بين دور الدولة ودور القطاع الخاص، ويكون تدخلها في سير الحياة الاقتصادية، بوسائل أخرى أكثر فعالية، من حيث الكفاءة الإنتاجية وتحقيق العدالة الاجتماعية. من خلال المحافظة على مستويات عالية في نمو الناتج الوطني. والقيام بتوفير الخدمات الأساسية في مجالات التعليم والصحة، والقضاء والأمن والدفاع، ويدخل فيها قيام الدولة بمشروعات البنية الأساسية.
ومبدأ الحرية الاقتصادية لا يعني أبداً إهمال مبدأ العدالة الاجتماعية، فالبلاد التي أخذت بهذا المبدأ، هي في مقدمة بلاد العالم من حيث الاهتمام بالفقراء، وتحقيق العدالة في التوزيع، وتوفير شبكة الأمان لكل المواطنين، ضد المخاطر الاجتماعية بما في ذلك الفقر والبطالة والعجز والشيخوخة، وغيرها من الأمراض الاجتماعية. وهناك علاقة وثيقة بين الكفاءة في الأداء الاقتصادي وبين شروط العدالة. ذلك أن الكفاءة تعني نمو الاقتصاد الوطني بمعدلات عالية، وتعاظم قدرة النظام الاقتصادي لتوفير فرص العمل المنتج لكل القادرين عليه، وهي من المقومات الأساسية للعدالة الاجتماعية.
والدور الجديد هذا للدولة يؤهلها للتكيف مع المتغيرات العالمية الجديدة، دون الانتقاص من سيادتها الوطنية، في ظل انتشار مفهوم العولمة، وشروط النظام العالمي الجديد. الذي يقوم على مبدأ الاعتماد المتبادل وليس على فرض الآراء بين دول وشعوب العالم. والاندماج الإيجابي والواعي في النظام العالمي الجديد. انطلاقاً من حقائق أن العولمة ليست ظاهرة بلا جذور، بل هي ظاهرة تاريخية وموضوعية نتجت عن التطور الهائل لتكنولوجيا وسائل الاتصال والمعلوماتية وتداول المعلومات الحديثة وتغيير طبيعة دورها الاجتماعي، والطبيعة التوسعية للإنتاج الرأسمالي. وكلها تفرض عدم جواز البقاء خارج الظاهرة التاريخية هذه، وضرورة اللحاق بما يجري في العالم، والتعامل معه بوعي وفق قواعد محددة تجنباً للتخلف عنها والبقاء خارج إطار التاريخ.
والنظام الاقتصادي الجديد جاء نتيجة لإنجازات كبرى في تاريخ تطور البشرية على كافة المستويات العلمية والثقافية والاقتصادية والتقنية والسياسية والفكرية، ومثل نقطة جذرية مختلفة تماماً عن كل ما سبقه من نظم. والحضارة العالمية الحديثة قامت على أنقاض حضارات القرون الوسطى وثقافاتها، وفسحت المجال أمام الجميع للانتماء إلى الوطن المشترك والعمل على رفعته وتقدمه، كما هي الحال في أكثر دول العالم الحديثة. وزودت الفكر البشري برؤية عقلانية تاريخية تنويرية، بتوجه ديمقراطي يقوم على أساس احترام الرأي، والرأي الآخر، والتعددية، وحرية التعبير، وتكريس مبادئ حقوق الإنسان التي لا تعرف الحدود القومية أو الجغرافية أو السياسية.
والعولمة فرضت على الدول الأقل تقدماً، ضرورة القيام بمزيد من خطوات التحديث الشامل التي لا يمكن القيام بها دون الدور الفاعل للدولة، التي تضطلع به من خلال ترشيد الأداء الاقتصادي، وتنظم تفاعلات السوق، وما تتطلبه تلك العملية من وسائل وتقنيات تجعل الساحة والموارد المعلوماتية الخاصة والعامة متاحة للجميع ضمن الأطر والأنظمة والقوانين التي تضبط عملها في إطار العلاقات على صعيد الدولة نفسها وفي علاقاتها مع غيرها من دول العالم. ولكن التجاوزات الكثيرة والأعمال التخريبية التي تعرضت وتتعرض لها الموارد المعلوماتية لبعض الدول، إضافة للأخطار التي يتنبأ بها المختصون بين الفينة والأخرى، فرض على المجتمع الدولي ضرورة النظر في خطر جديد أصبح يهدد المجتمع الإنساني وعرف بالأمن المعلوماتي.
الأمم المتحدة والأمن المعلوماتي
وكانت منظمة الأمم المتحدة السباقة دائماً في دراسة مشاكل التدفق الحر للمعلومات منذ تأسيسها وحتى اليوم. ولهذا لم يكن غريباً أن تتضمن الوثائق الهامة التي صدرت عن الدورة 54 للهيئة العامة لمنظمة الأمم المتحدة، وثيقة حملت في مضمونها أبعاداً سياسية وإنسانية عميقة، تناولت موضوع العولمة واستقرار إستراتيجية العمل السياسي والدبلوماسي في القرن الحادي والعشرين، بعد أن اعترف المجتمع الدولي وللمرة الأولى بوجود مشكلة الأمن المعلوماتي كنتيجة حتمية للعولمة، وعلى أنها مشكلة تهدد المجتمع الإنساني في المرحلة التالية للقرن النووي. وجاء هذا الاعتراف من خلال القرار 54/49 الذي تناول مشكلة تحقيق الأمن الدولي في المعلومات والاتصالات. وبرزت تلك المشكلة بحدة بعد التقدم الهائل في تكنولوجيا المعلومات ووسائله المختلفة، وخلق هذا التقدم إلى جانب النواحي الإيجابية التي حملها للبشرية والتي تنتظر الكثير منه في المستقبل، مجالاً جديداً تماماً من التهديد تمثل في خطر استخدام منجزات التقدم التكنولوجي في المعلوماتية والاتصالات والاستشعار عن بعد لأغراض تتعارض والمهام المنتظرة منها في دعم وتعزيز التفاهم والأمن والاستقرار الدولي.
ومشكلة الأخطار التي تهدد الأمن المعلوماتي للدول الأقل تطوراً، لم تعد مشكلة منتظرة بل حقيقة قائمة خلقت نوعاً من التبعية الواقعية للدول الأكثر تطوراً في كل مجالات النشاط الإنساني داخل المجتمعات المحلية في الدول ذات السيادة، وشملت كل النواحي الاقتصادية والسياسية والعلمية، والثقافية، وأصبحت الحاجة معها ملحة لتأمين نوع من الأمن القومي والوطني داخل المصالح الدولية المتشابكة بفعل العولمة وابتعاد التبادل الإعلامي الدولي عن دوره الطبيعي، وابتعاد استخدام شبكات التبادل الإعلامي الدولية وشبكات الاتصالات المرئية والمسموعة العالمية وتقنياتها ووسائلها عن أداء وظيفتها الإيجابية المنتظرة منها.
تفوق تكنولوجيا الاتصال والأمن المعلوماتي
وأدى اتساع وشمولية تلك الشبكات بفضل تكنولوجيا ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية الحديثة، إلى زيادة تأثيرها على وعي الأفراد والمجتمعات. مما دفع بالكثير من الدول لإضافتها أو التفكير في إضافتها للإمكانيات العسكرية الهائلة المتوفرة لديها، والتي تملكها بالدرجة الأولى الدول عالية التطور، والمعدة للاستخدام في الصراعات والنزاعات الدولية. مما أدى بدوره إلى خلق تبدلات هائلة أصبحت تؤثر على توازن القوى الإقليمية.
هذا إن لم نقل أنها أضافت بذلك مصادر جديدة للتوتر بين مراكز القوى التقليدية والقوى الناشئة، وإلى خلق مجالات جديدة للصراع لم تكن في الحسبان لفترة قريبة. وقد أدى تفوق الدول المتقدمة في مجال تكنولوجيا ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي تملكها، إلى احتكار الوعي الفكري والاجتماعي، وأدى إلى استغلال التفوق التكنولوجي والإعلامي والسياسي والاقتصادي والثقافي والعسكري، إلى تشجيع تلك الدول على استخدام ما تملكه من إمكانيات كسلاح معلوماتي لا يتعارض استخدامه وقواعد القانون الدولي الذي لم يتعرض جدياً حتى الآن لهذه المشكلة الهامة والعويصة التي أفرزتها العولمة المعلوماتية.
فالتقدم الهائل في تقنيات وتكنولوجيا الإتصال والإعلام الجماهيري أصبح اليوم يعادل في خطره، خطر السلاح النووي الذي كان سمة من سمات القرن العشرين. وأصبح فرعاً من فروع سباق التسلح، الذي أصبح مرة أخرى يستنزف موارد ضخمة، كان يجب أن توجه لخير البشرية وليس لتهديدها. خاصة وأن أكثر دول العالم غير مهيأة حالياً وغير مستعدة بعد لإقامة أو تحديث وسائلها الإعلامية المؤثرة، رغم أن الكثير منها بدأت بالميل نحو شراء وامتلاك مثل تلك الوسائل، من الدول المتقدمة التي أصبحت مسيطرة تماماً على الأشكال الجديدة من أسلحة الدمار الشامل ومن بينها الأسلحة المعلوماتية. ولم يقتصر الأمر على الدول فقط، بل اتسع ليشمل القوى السياسية المختلفة المتصارعة، والتنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة، مما خلق نوعاً جديداً وسوقاً مربحة لتجارة الأسلحة الجديدة التي أصبحت تتضمن قوائمها تقنيات وتكنولوجيات وبرامج للحاسب الآلي إضافة لوسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية.
البنى المعلوماتية الدولية فوق الدولة
وفي ظروف العولمة وتشابك الحياة على الكرة الأرضية، وظهور وتشكل شبكات وبنى معلوماتية دولية فوق الدول، أصبحت بما لا يدع المجال لأي شك تستخدم كسلاح معلوماتي مؤثر على العقول والمواقف، ووسيلة لشن حروب واسعة النطاق تطال الإنسان أينما كان، بفاعلية يمكن أن تؤدي نتائجها بل وتعادل قوتها وتأثيرها التدميري الموجه ضد العقول والذاكرة البشرية وتتفوق في بعض الظروف من حيث التأثير على أسلحة الدمار الشامل التقليدية المعروفة.
وليس عبثاً أن ترصد بعض الدول المتقدمة في ميزانياتها مخصصات للأمن المعلوماتي تعادل بمستواها المخصصات التي ترصد لمواجهة أخطار استخدام أسلحة الدمار الشامل التقليدية. رغم اختلاف استخدام السلاح المعلوماتي في الحرب عن الأشكال التقليدية من أسلحة الدمار الشامل، لأن تأثيرها يمكن أن يطال الجبهة الداخلية في الصميم. مع إمكانية استخدام الأسلحة المعلوماتية الدولية التي تتميز بالقدرة المؤثرة الكبيرة ضد الأهداف المدنية، كوسيلة من وسائل الصراع على السلطة، وفي الصراعات القومية والعرقية والدينية. والأمثلة على ذلك في عالم اليوم كثيرة، ولا ينحصر تهديدها الواقعي على القوى البشرية فقط، بل اتسع ليشمل الأنظمة المعلوماتية التي تملكها الدول، والمنظمات والهيئات الدولية، من قبل دول معادية أو قوى الإرهاب والإجرام المنظم على السواء، مما أعطى لطابع تأثيرها طبيعة كارثية من خلال ليس التسلل لداخل تلك الأنظمة وحسب، بل وفي تخريب تلك الأنظمة، والتأثير على محتوياتها من معلومات وإتلافها. وهو ما كان الدافع على ما أعتقد لاتخاذ القرار 54/49 أثناء الدورة 54 للهيئة العامة للأمم المتحدة في 1 من كانون أول/ديسمبر 1999.
التحديات الجديدة للعولمة
وكان من الطبيعي أن تتوصل الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة لتفاهم حول موضوع هام يمس البشرية بأسرها في ظل العولمة. سبق ونوقش في أيار/مايو 1996 أثناء المؤتمر الدولي للعولمة في المجتمع المعلوماتي الذي انعقد في ميدراند. واستعرض بجدية موضوع التهديدات الجديدة للعولمة، وأسفر عن نتائج واستجابة من قبل كل المشاركين في المؤتمر. مما رفع من مستوى القضية لتصبح من بين القضايا الملحة التي تنتظر الحل من قبل المجتمع الدولي، وتتطلب إيجاد حل ملائم لها قبل أن تتفاقم وتصبح مستعصية كغيرها من المشاكل العالقة في إطار الدبلوماسية الدولية حتى اليوم.
وقد تبلورت المشكلة أكثر أثناء التحضيرات التي جرت للإعداد للقاء القمة بين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية والرئيس الروسي في أيلول/سبتمبر 1998. فقد اقترح الجانب الروسي مشروع بيان مشترك للقاء القمة تناول مشكلة الأمن المعلوماتي. لكن الأمريكيين اكتفوا بالإطلاع على المشروع، وامتنعوا عن مناقشته. ورغم ذلك فقد تضمن البيان الختامي للقاء القمة، إشارة صريحة للتهديدات العامة للأمن على عتبة القرن الحادي والعشرين، حيث أعلن الجانبان أنهما: وافقا على تنشيط الجهود المشتركة للتصدي للتهديدات الاقتصادية والأمنية العابرة للقوميات في البلدين، بما فيها تلك التي تعتبر جرائم عن طريق استخدام تكنولوجيا الحاسب الآلي وغيرها من الوسائل التكنولوجية المتقدمة؛ واعترفا بأهمية الجهود الإيجابية المشتركة لإضعاف التأثيرات السلبية الجارية الآن نتيجة لثورة تكنولوجيا الإتصال والاستشعار عن بعد، التي تعتبر مهمة وجادة في الجهود الرامية لحماية مصالح الأمن الإستراتيجي للبلدين في المستقبل.
واتجهت روسيا أبعد من ذلك وقام وزير خارجيتها ي.س. إيفانوف بتوجيه رسالة خاصة إلى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة في 23/9/1998 تضمنت اقتراحاً بإدراج مشكلة الأمن الإعلامي الدولي بين مواضيع عمل المنظمة الدولية، والنظر في مشروع قرار خاص حول هذا الموضوع. وأعلن في كلمته من على منبر الدورة 53 للهيئة العامة للأمم المتحدة، بأن جوهر الاقتراح الروسي يتضمن الاقتراح على الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، التوصل لمفهوم محدد حول التهديد في مجال الأمن المعلوماتي، وأن تقدم كل دولة تقديراتها الخاصة للمشكلة، بما في ذلك إعداد مبادئ دولية توفر الأمن في ظروف عولمة منظومات المعلوماتية الدولية. وأن تتضمن تلك التقييمات التي تقدمها الدول الأعضاء في المنظمة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وإلزامه بتقديم تقرير خاص عن المشكلة يبحث خلال الدورة التالية للهيئة العامة لمنظمة الأمم المتحدة. بشكل تتوضح معه جوانب الصراع المبدئي حول موضوع التهديد باستخدام المنجزات العلمية والتقنية والتكنولوجية الحديثة في أغراض تتعارض مع أهداف تعزيز الأمن والاستقرار الدولي.
وجاء القرار الذي استند إلى الاقتراح الروسي خلال الدورة 53 للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة 53/70 عن المنجزات في مجال المعلوماتية والاتصالات في إطار الأمن الدولي بتاريخ 4/12/1998، بشكل ملطف عن المشروع الروسي حيث اختفت من القرار الكثير من المقترحات التي حددت الإجراءات اللازمة حسب التصور الروسي، لتنظيم عملية التصدي لإمكانية استخدام تكنولوجيا المعلوماتية في الحرب، وشرح خطر تطوير السلاح المعلوماتي، وإشعال الحروب المعلوماتية. وبذلك اعترف المجتمع الدولي من خلال منظمة الأمم المتحدة ولأول مرة بوجود الحرب المعلوماتية على المستوى الدولي. واعتبر هذا الإنجاز تقدماً سياسياً هاماً رغم عدم استعداد أكثرية الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة لتقبل القضية كمشكلة من كل جوانبها. وعاد المجتمع الدولي وغير من موقفه من المشكلة خلال الدورة 54 للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة.
فما الذي حدث بين الدورتين 53-54 لمنظمة الأمم المتحدة ؟ وهل جاء تغيير المواقف تلك نتيجة للجهود الدبلوماسية والمجاملات السياسية بين الدول ؟ أم لأن العالم استطاع خلال تلك الفترة من التعرف أكثر على أخطار العولمة المعلوماتية، والدور المتصاعد للمعلوماتية في عالم اليوم. واستخلص العبر من استخدام سلاح المعلوماتية في الحروب التي جرت خلال تلك الفترة. ومن خلال أمثلة محددة تم فيها استخدام السلاح المعلوماتية في عمليات محددة، اجتاز من خلالها الحدود المعترف بها لمختلف دول العالم، جنباً إلى جنب مع الأسلحة المتقدمة الأخرى المستخدمة في العمليات العسكرية، للقضاء على الخصم أو الحد من إمكانيات دفاعه الذاتية.
السيطرة على الموارد المعلوماتية
فالمعارك الجارية دائماً للسيطرة على عقول الكثير من الشخصيات السياسية في موقع القرار هي حرب غير مرئية رغم أنها أخذت خطاً واقعياً، وأصبحت بالتدريج تهدد جوهر الصراع من أجل السيطرة على وعي صاحب القرار، ولتحد من إمكانيات أي مواجهة جادة للأخطار الخارجية، إضافة لأخطار التأثير والتخريب المتعمد للموارد المعلوماتية المتاحة لكل دولة، ووسائل الحصول عليها وحفظها ونشرها واستعادتها والتعامل معها.
مما دفع ببعض الدول إلى الشروع بتطبيق برامج حكومية طويلة المدى على المستوى الوطني، الهدف منها تأمين الأمن المعلوماتي الوطني وسلامة البنى التحتية المعلوماتية الوطنية الأساسية. في نفس الوقت الذي بدأت فيه بالتعامل مع العولمة وآثار التشابك المتبادل بين المجالين المعلوماتي الوطني والدولي. واضطرت مجبرة على الاعتراف بأن نجاح الجهود الوطنية للحفاظ على الموارد المعلوماتية الخاصة بكل دولة، ليست في النهاية سوى جهود حثيثة لرفع مستوى المناعة السلمية للنظام الإعلامي الوطني في مواجهة الساحات الإعلامية للدول الأخرى التي أصبحت تشمل دولاً بعيدة عنها جغرافياً، وليس بالضرورة أن تكون تلك الدول مجاورة، ولكن يكفي أن تكون متشابكة معها من خلال شبكات الإتصال الدولية وفي الموارد المعلوماتية بشكل موضوعي ومتشعب يصعب فصله.
وموضوع الأسلحة المعلوماتية والحرب المعلوماتية أصبح مثاراً للمناقشة من قبل المتخصصين بشكل واسع، منذ بداية تسعينات القرن العشرين. ومنذ ذلك الوقت بدأت تظهر أعداداً كبيرة من المقالات والدراسات حول هذا الموضوع الهام في العديد من الصحف والمجلات. وبدأ مناقشته ضمن موضوعات الكثير من المؤتمرات واللقاءات العلمية الوطنية والإقليمية والدولية، التي صبت اهتمامها بمعظمها على مواضيع الأبحاث التي لا تتفق ومبادئ السلام العالمي، وبرامج تطوير التكنولوجيا الخاصة بطرق حماية الموارد المعلوماتية من التأثير الخارجي. ولكن كل تلك المناقشات والمقالات والدراسات المنشورة حملت طابع المحلية، وكانت بعيدة كل البعد عن المناقشات الدولية التي كان يجب أن تتناول مشاكل العولمة والأمن المعلوماتي. ورغم أن المشكلة حظيت ليس باهتمام المتخصصين وحسب، بل واستحوذت على اهتمام عدد كبير من غير المتخصصين وقادة الرأي. ولهذا يمكننا اعتبار صدور القرار 53/70 عن منظمة الأمم المتحدة بمثابة إنذار أشار بجدية للخطر الجاثم، الذي وقعت فيه البشرية ويهدد صميم نظم المعلوماتية الوطنية، ويهدد الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. بعد أن ظهر جلياً للمجتمع الدولي بما لا يدع مجالاً للشك، أنه أصبح متوفراً لدى العديد من الدول المتقدمة تكنولوجيا معلوماتية متطورة، ونتائج أبحاث جاهزة وهامة يمكن استخدامها في التأثير على الموارد المعلوماتية للغير. وحقائق لا تقبل الجدل من أن نتائج الأبحاث تلك أدت إلى صنع وسائل تستخدم في الأغراض العسكرية البحتة، حتى ولو لم يتم تسميتها بالأسلحة المعلوماتية.
الأسلحة المعلوماتية في خدمة الدول الصناعية المتقدمة
وأصبح واضحاً أيضاً بعد توفر معلومات كافية، تتحدث عن شروع العديد من الدول الصناعية المتقدمة في إجراء أبحاث للحصول على تقنيات وتكنولوجيا متطورة في مجالات الإتصال والاستشعار عن بعد، وإعداد تكنولوجيا متطورة وتقنيات وطرق لاستخدامها بهدف السيطرة المباشرة على الموارد المعلوماتية للخصم، والتأثير المباشر عليه. حيث أشارت بعض المصادر إلى أن أكثر من 120 دولة من دول العالم وصلت وفي مستويات مختلفة لنتائج ملموسة في هذا المجال الذي لا يقل خطورة عن السلاح النووي. بينما تجرى أبحاث لتطوير السلاح النووي في 20 دولة فقط من دول العالم تقريباً.
وتذكر بعض المصادر أن بعض الدول أصبحت تملك وسائل جاهزة للدفاع ضد أخطار الأسلحة المعلوماتية ضد العدو المتوقع في ظروف الصراعات العسكرية على مختلف المجالات والمستويات، حتى في زمن السلم. ويشمل الأطر الإستراتيجية والعملياتية والتكتيكية، وصولاً إلى أرض المعركة. وأن الاهتمام منصب على مواضيع تتعلق بحماية المجال المعلوماتي الخاص بتلك الدول من تأثير استخدام الأسلحة المعلوماتية من قبل دول معادية، تفادياً لتأثير الحرب غير المعلنة في المجال المعلوماتي. وبات معروفاً أيضاً أن بعض الدول التي تقوم فعلاً بشن الحرب المعلوماتية، أو شنتها قد أدخلت الأسلحة المعلوماتية فعلاً في نظمها العسكرية وتقوم بإعداد وحدات عسكرية خاصة مدربة ومدعومة بالمتخصصين في هذا المجال الهام، للقيام بالعمليات المعلوماتية الهجومية كأداة من أدوات الصراع الأخرى لتحقيق النصر العسكري الحاسم على العدو.
ويعتبر المهتمون بالمشكلة أن الستار قد انكشف فعلاً عن استخدام الأسلحة المعلوماتية عملياً في الحروب الأهلية الجارية هنا وهناك، وفي الصراع على السلطة في معظم دول العالم، وفي الصراعات القومية والعرقية والدينية وهي سمة كانت من سمات الحقبة الأخيرة من القرن العشرين. وأن الأسلحة المعلوماتية أظهرت مقدراتها الفريدة على أرض المعركة وتأثيرها النفسي والمادي والمعنوي سواء في وقت السلم أو في وقت الحرب، وتجاوزها عملياً لكافة الحدود الوطنية والسياسية والجغرافية دون اعتراف لا باستقلال ولا بسيادة تلك الدول.
السلاح المعلوماتي كأداة من أدوات إدارة الصراع
ومن خلال الصراعات الداخلية الأخيرة والهامة، أكتشف المراقبون أنها تتم ومع الأسف بمساعدة ودعم كبيرين من الخارج. لنستشف من ذلك أن تلك الصراعات لم تنجو من استخدام بعض الوسائل الحديثة في الصراع ضمن المجال الإعلامي، والتي يمكن اعتبارها أسلحة إعلامية. وأصبح واضحاً: أن وقت الأشكال التقليدية من التخريب الإيديولوجي وعمليات الاختراق الفكري والحرب النفسية قد ذهبت، لتحل محلها الوسائل الحديثة، وعلى مستوى جديد من التأثير. وأن مستوى استخدام تلك الوسائل قد ارتفع بشكل لا يوصف. إذ لا يمكن مقارنة الخطابة أمام حشد من الجمهور يمكن تفريقه، أو مقالة في صحيفة يمكن مصادرتها، أو برنامج إذاعي مسموع أو مرئي يمكن التشويش عليه، مع سرعة إنتشار المعلومات في كل أنحاء العالم، أو اختفاء تلك المعلومات مباشرة وبسرعة هائلة من كل أنحاء العالم، عبر شبكات الحاسب الآلي وأشهرها شبكة الإنترنيت العالمية، وهي معلومات أصبحت اليوم مزودة بالصورة والتسجيلات المرئية والمسموعة. وكلها يمكن أن تعادل بفعاليتها الأسلحة المعلوماتية، التي يهدف من استخدامها أن تكون فوق القوميات، وفوق الدول، وثبت عملياً أن في كل أنواع الحروب الإعلامية الأهلية وبشكل غير مباشر هناك قوة ثالثة، وضعت ضمن أهدافها الحيوية الاختراق وتخطي الحدود لداخل ضمير تلك المجتمعات الضحية. وظهر ذلك جلياً خلال عام 1999 عندما استخدمت أراض الغير لإدارة هذا النوع من الصراعات كما حدث في العراق بمرحلة ما بعد حرب تحرير الكويت، وفي عام 2003 أثناء عمليات احتلال العراق من قبل قوات التحالف الدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وتيمور الشرقية في إندونيسيا، وجمهورية إشكيريا (الشيشان)، وفي يوغوسلافيا السابقة.
فعلى مثال يوغوسلافيا انكشفت محاولات توريط الإتحاد الدولي للاتصالات الإلكترونية من خلال مبادرة الأمم المتحدة في كوسفو، وقرار تحديد نهايات الأقنية المستقلة للاتصالات التلفونية والاستيلاء على الرمز الدولي لتلك الدولة، وكان من الممكن أن يبقى ذلك الإجراء شبه مجهول لو لم يعلن. ومثل تلك الخطوة يمكن اعتبارها بالكامل جهوداً إضافية، الهدف منها عزل الأقنية المعلوماتية للخصم وبالتالي الحد من تأثيرها وإخراجها من معادلة الصراع. ومن أمثلة أدوات الصراع من أجل استقلال تيمور الشرقية، قيام منظمة “East Timor campaign" مباشرة بعد الاقتراع على استقلال المحافظة الإندونيسية السابقة تلك، ومن أراضي إسبانيا والبرتغال وفرنسا بهجوم كاسح استهدف مواقع الحكومية الإندونيسية في شبكة الإنترنيت العالمية، خربت بنتيجتها صفحات WEB، الخاصة ليس بالحكومة وحدها، بل وصفحات المنظمات الإندونيسية، وأطلقت فيروسات كمبيوتر جديدة، بدأت بالعمل مباشرة للقضاء على المواقع الإعلامية الإندونيسية في شبكات الكمبيوتر العالمية. ولا يمكن أن تعتبر تلك العملية الإعلامية المنفذة من أراضي دول أوروبية بعيدة جداً عن جنوب شرق آسيا، إلا حقيقة تثبت لا حدودية استخدام الأسلحة المعلوماتية، ومثال على استخدامات أسلحة المعلوماتية بشكل مباشر من أجل الوصول إلى أهداف سياسية داخلية محددة رغم البعد الجغرافي الشاسع بين المؤثر والمتأثر من استخدام الأسلحة المعلوماتية.
وأثناء الصراع الذي كان دائراً بين قوات الحكومة الإشكيرية المتطلعة للاستقلال عن الفيدرالية الروسية والمقاتلين الشيشان من جهة، والقوات الفيدرالية الروسية من جهة أخرى على الأراضي الشيشانية، نرى أن الأسلحة المعلوماتية لم تبقى جانباً فقد استخدم المقاتلون الشيشان مختلف وسائل الإعلام المتاحة لهم، وكانت صفحات الإنترنيت واحدة من ساحات القتال من أجل استقلال إشكيريا والتخلص من الظلم والإجحاف الذي يعانون منه. وبفضلها اطلع العالم كله على مواد إعلامية ملموسة وواقعية تتحدث عن الأوضاع في شمال القفقاس، وعن جهود أعضاء الحكومة والدبلوماسية الإيشكيرية لإطلاع العاملين في مؤسسات العلاقات الخارجية الرسمية بالدول المتقدمة في العالم على الحقائق، من خلال محاضراتهم التي دعتهم لإلقائها بعض أقسام الجامعات في تلك الدول وتحدثوا من خلالها في الشؤون الشيشانية. وفي الحالة العراقية عندما أجبرت الحكومة العراقية على إغلاق مواقعها في الإنترنيت بعد أن تم التسلل إليها، وتغيير مضمونها لصالح المعارضة العراقية، وفق النبأ الذي أذاعته إذاعة صوت العراق الحر من براغ يوم 3/6/2000.
هذا إن لم نتحدث عن العزل الإعلامي والتعتيم الإعلامي شبه الكامل، من قبل وسائل الإعلام الدولية المؤثرة والتي هي فوق الدول، لرأي الجانب العربي في الصراع الدائر من أجل تحقيق سلام عادل وحقيقي بين العرب وإسرائيل، والاستعاضة عنه بإبراز رأي أحادي الجانب مؤيد لإسرائيل فقط. مما يوحي بخلق رأي عام دولي متحيز أحادي الجانب يشوه الحقائق وينصر المعتدي على الضحية، الأمر الذي أدى إلى حرمان المعتدى عليه ضمن إطار هذا الوضع غير الطبيعي من التعبير عن رأيه عالمياً. ناهيك عن الحرب الإعلامية غير المعلنة من الخارج لإشعال نار الفتنة وتفعيل الخلافات العربية العربية، والعربية مع دول الجوار الإقليمي. وهي أحادية الجانب لا تواجه أية مقاومة تذكر لضعف أدوات وفعاليات الإعلام العربي الدولي حالياً على الأقل.
ولابد أن تلك الصورة هي التي أثرت بشكل نهائي على تقدير المشكلة بالكامل من قبل دول العالم الأقل تطوراً. وهي التي أدت إلى تغيير مواقف الكثير منها بشكل جذري عما كان في السابق. وظهر هذا من خلال مؤتمر جينيف حول الأمن المعلوماتي الذي انعقد في آب/أغسطس 1999، والذي نظمه معهد الأمم المتحدة لمشاكل نزع السلاح (يونيدير)، وإدارة قضية نزع السلاح في الأمانة العامة لمنظمة الأمم المتحدة، من ضمن إطار إجراءات تطبيق القرار 53/70 للهيئة العامة للأمم المتحدة. وشارك في المؤتمر ممثلين عن أكثر من 50 بلداً، من بينهم كل اللاعبين الأساسيين على أرض تكنولوجيا المعلوماتية الدولية المتقدمة، مما سمح برفع مستوى نتائجه، ولو في إثارة المشكلة على مستوى عالمي بعد أن كانت حصراً بلقاءات المتخصصين.
مشكلة الأمن المعلوماتي دولياً
وجرت مناقشات كثيرة حول الطرق التي تتعامل بها الدول مع مشكلة الأمن المعلوماتي الدولي، قبل وبعد الدورة 54 للهيئة العامة لمنظمة الأمم المتحدة. ولكن كان من الملاحظ أيضاً أن تلك الدول لم تكن مستعدة لذلك مما أدى إلى حصر المناقشات حول الاقتراح الروسي فقط، ومتابعة إعداد كل المواضيع المتعلقة بالأمن المعلوماتي الدولي على مستوى خبراء الدول المهتمة، تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة. وهذا من حيث الجوهر يعتبر اعترافاً دولياً بأهمية المشكلة ونجاحاً للدبلوماسية الروسية باختيار توقيت عرضها للاقتراح. ومحاولة التأثير في مضمون المشكلة وتوجيهها نحو مداخل تعتبر ذات أهمية خاصة لروسيا، وتعتبر المدخل للتحديد الدقيق لتصور دولي ونهائي تدور من خلاله المناقشات التالية لمشاكل الأمن المعلوماتي الدولي، حتى وإن لم تتفق وجهات نظر الكثيرين حول المشكلة، ولكنها قد تساعد على حلها. ويرى البعض أنها تنحصر في إطارين، وهما:
الإطار الأول: ويؤدي عملياً إلى إلغاء الوحدة الموضوعية للمشكلة ويحاول تجزئتها إلى قضيتين فرعيتين هي: الأولى: وتتناول الجريمة المعلوماتية؛ والثانية: وتتناول الإرهاب المعلوماتي. وفي هذا الإطار يمكن الاستمرار في إعداد الأسلحة المعلوماتية وتطويرها مما يهدد بخطر اندلاع الحروب المعلوماتية. ولكن المؤيدون لهذا الإطار لا يعترفون بوجود المشكلة أساساً، بل يعتبرونها أعراضاً ثانوية يمكن علاجها. وبالتالي وبشكل منطقي كامل تصبح وفق وجهة النظر تلك مشكلة نزع السلاح المعلوماتي ملغاة تلقائياً، ولا حاجة لمناقشها. وهو ما يسمح بإخراجها من إطار منظمة الأمم المتحدة وتحويلها إلى المنابر الإقليمية والمتخصصة، لتبقى مشكلة هامشية عالقة إلى الأبد تتحول من لجنة إلى أخرى وهكذا دواليك.
الإطار الثاني: ويمثل خط الدول التي أظهرت استعدادها الفوري للمشاركة في إعداد آلية دولية محددة تواجه إقامة وسائل مؤثرة على الموارد المعلوماتية خارج إطار القانون الدولي. واقترحت بذلك تقديم المشكلة للمجتمع الدولي، واتخاذ تدابير من بينها إحداث محكمة دولية خاصة للنظر في الجرائم المعلوماتية. والقيام في نفس الوقت بإعداد تكنولوجيا عالمية للوقاية من الهجمات والتعديات المعلوماتية الدولية.
ورغم ذلك فيمكن اعتبار الاعتراف بالمشكلة دولياً، والاعتراف بضرورة إيجاد حلول لها في إطار قرارات الشرعية الدولية من خلال قرارات الهيئة العامة للأمم المتحدة، ودفعها إلى الأمام لتصبح واحدة من المشاكل التي تناقش في إطار منظمة الأمم المتحدة من أهم نتائج المؤتمر. وبذلك يكون الهدف النهائي من القضية إعداد برامج عملية تمكن الدول من اتخاذ إجراءات ذاتية أو مشتركة لمواجهة خطر التهديدات المعلوماتية الدولية. لتتحول نتائج هذا المؤتمر من حيث الجوهر إلى مرحلة تحضيرية لنقل المشكلة الناتجة عن العولمة إلى إطار الهيئة العامة للأمم المتحدة، بغض النظر عن الخلافات في وجهات النظر حول الاعتراف بها، أو بطرق التعامل معها بشكل مكشوف، انطلاقاً من مصالح الأمن الوطني والقومي والعالمي.
الحرب المعلوماتية ومشكلة المصطلح
ومن القضايا الهامة التي تنتظر الحل من قبل المجتمع الدولي، وخاصة الوسط الأكاديمي الدولي في إطار المنظمات الدولية المتخصصة، مشكلة الاتفاق من حيث المبدأ على المصطلح والتوصل لتعريف مشترك لماهية الحرب المعلوماتية غير المرئية تلك، وأسلحتها وأدواتها ووسائلها المشتركة في جوهر الصراع. لتؤدي في النهاية إلى الاعتراف بالحرب المعلوماتية، مثلها مثل الاعتراف بالحرب التقليدية، والحرب النووية، والحرب الباردة، والأسلحة التقليدية وغير التقليدية المستخدمة في الصراعات بين الدول. ورغم ضيق الهوة بين فهم الخبراء في الدول المختلفة حول المصطلح، فقد لوحظ تباين واضح في التوجهات. التي يمكن تحديدها ببعض الاتجاهات الرئيسية والتي نلخصها بالتالي:
- الحرب المعلوماتية: وهي المواجهات والحملات الإعلامية التي تهدف إلحاق الضرر أو تخريب الأنظمة المعلوماتية الهامة للخصم، وتخريب نظمه السياسية والاجتماعية، وزعزعة الأمن والاستقرار داخل المجتمع والدولة الخصم.
- الصراعات المعلوماتية: وهي شكل من أشكال الصراع بين الدول، من خلال تأثير دولة ما معلوماتياً على نظم إدارة الصراع في غيرها من الدول أو على قواتها المسلحة، والتأثير على القيادة السياسية والعسكرية وحتى المجتمع بأسره. وكذلك التأثير على الأنظمة المعلوماتية ووسائل الإعلام الجماهيرية لتلك الدول من أجل تحقيق أهداف محددة ومناسبة لها، والحد من تأثير أية ممارسات مشابهة قد تخرق المجال المعلوماتي للقائم بالصراع.
- التأثير المعلوماتي: وهو الفعل الموجه ضد الخصم باستخدام الأسلحة المعلوماتية المختلفة.
- الأسلحة المعلوماتية: وهي مجموعة من الوسائل التكنولوجية وغيرها من التقنيات والأساليب والتقنيات المستخدمة من قبل القائم بالصراع بغرض:
- السيطرة على الموارد الإعلامية والإمكانيات المعلوماتية والتقنية المتاحة للخصم؛
- والتدخل في عمل أنظمة إدارة الخصم وشبكاته المعلوماتية، ونظم اتصاله وغيرها، بهدف تخريبها عملياً، وإخراجها تماماً من حيز العمل. والتسلل للمواقع المعلوماتية للخصم بهدف الاستيلاء على موارده المعلوماتية فيها، وتحريف مضمونها أو إدخال معلومات مغايرة، أو استبدالها بمعلومات أخرى، أو تخريبها بشكل موجه ومدروس؛
- ونشر معلومات أخرى، أو معلومات مضللة من خلال نظم تشكيل الرأي العام ومراكز اتخاذ القرار، لصالح القائم بالصراع؛
- وإتباع مجموعة من الأساليب الخاصة باستخدام وسائل تؤثر على وعي وسلوك القيادة السياسية والعسكرية، وتؤثر على الحالة المعنوية للقوات المسلحة، وأجهزة الأمن الوطني، ومواطني الدولة الخصمة، لتحقيق التفوق عليها أو إضعاف تأثيرها المعلوماتي.
والأمن المعلوماتي، يتضمن:
- إجراءات محددة لحماية المجال الإعلامي والموارد المعلوماتية، بشكل يؤمن تشكلها وتطورها لصالح المواطنين والمؤسسات والمنظمات والدول؛
- وإجراءات محددة لحماية نظم المعلومات الخاصة بالأفراد والمنظمات والدول، التي يتم من خلالها استخدام المعلومات بأشكال محددة ودقيقة، وضمان عدم التأثير السلبي عليها أثناء الاستخدام؛
- إجراءات محددة لحماية المعلومات التي تحمل طابع السرية، لضمان عدم وصول الغير إليها بسهولة، وتوفير إجراءات تؤكد صعوبة الوصول إليها أو تخريبها، والمحافظة على خصائصها وسريتها وسلامتها، واسترجاعها عند الحاجة من قبل الأشخاص والجهات المصرح لها بالوصول إلى تلك المعلومات.
والمجال المعلوماتي: هو مجال النشاط الإنساني الذي يتضمن إحداث وتشكيل واستخدام نظم المعلوماتية من أجل: - تشكيل الوعي الفردي والاجتماعي؛ - وتوفير الموارد المعلوماتية، أي البنية التحتية للمعلومات بما فيها مجموعة الأجهزة والأنظمة، والتجهيزات التكنولوجية والتقنيات، والبرامج وغيرها، التي تؤمن تكوين وحفظ المعلومات، وإعدادها والتعامل معها وإرسالها واستردادها وتدفقها؛ - تكوين وتوفير المعلومات الخاصة وتأمين تدفقها.
والجريمة المعلوماتية: وهي أي تصرف يؤدي إلى حدوث تأثير سلبي على المجال المعلوماتي وموارده، لفرد أو منظمة أو دولة، أو لأي جزء منه بشكل مخالف للقانون. وينتج عنها أضراراً اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو ثقافية بما فيها تخريب المجال المعلوماتي للغير وموارده، لأهداف اقتصادية أو سياسية أو عسكرية.
مجالات تأثير الصراعات المعلوماتية الدولية
ولا يستطيع أحد في الوقت الحاضر، أن ينكر الصعاب الكثيرة التي تعترض توفير الأمن المعلوماتي في ظروف الصراعات المعلوماتية الدولية. التي أصبحت تستهدف كل مجالات حياة الإنسان اليومية. الأمر الذي دعى الكثير من الخبراء للنظر في ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة توفر الأمن المعلوماتي في المجالات التالية:
- السياسية: بما فيها بنية النظام السياسي والاجتماعي والحكومي للدولة، ونظم دراسة وإعداد واتخاذ القرار السياسي. والأجهزة المختصة بإجراء الانتخابات والاستفتاء العام وغيرها من أدوات قياس الرأي العام. ونظم الإدارة المحلية والمركزية والإقليمية، والهياكل الإعلامية ووسائل الاتصالات المرئية والمسموعة، وشبكات الحاسب الآلي التابعة لأجهزة السلطات الحكومية والإدارية.
- والوعي الاجتماعي: وتشمل وسائل تشكيل الرأي العام، ووسائل الإعلام الجماهيرية المقروءة والمسموعة والمرئية، والأحزاب السياسية والمنظمات والاتحادات والهيئات الاجتماعية والثقافية والدينية القومية والوطنية؛
- والاقتصادية: وتشمل نظم الإدارة الاقتصادية، ونظم جمع وتخزين واسترداد وإعداد المعلومات الخاصة بالمقدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني، ونظم التحليل الاقتصادي العامة، وتوقعات تطور الاقتصاد الوطني العام والخاص، ونظم الإدارة والتنسيق في المجالات الصناعية والزراعية والمواصلات، ونظم الإدارة والإمداد المركزية للطاقة، ونظم اتخاذ القرار والتنسيق في حالات الطوارئ، ونظم الإعلام الاقتصادي المقروءة والمسموعة والمرئية، وشبكات الحاسب الآلي؛
- والمالية: بما فيها بنوك المعلومات وشبكات الإتصال وتبادل المعلومات، بين البنوك والاتحادات المصرفية، ونظم الإتصال الخاصة بالتبادل المالي والحسابات المالية، الخاصة والحكومية والدولية؛
- والدفاعية: وتشمل موارد المعلومات الخاصة بالقوات المسلحة، والهيئات العلمية والمنشآت العاملة في المجالات الصناعة الدفاعية، ونظم إمداد وإدارة القوات المسلحة، ونظم السيطرة والمراقبة الدائمة، وقنوات تدفق المعلومات ذات الطبيعة الإستراتيجية والعملياتية والاستطلاعية؛
- والعلمية والتكنولوجية: بما فيها نظم إجراء البحوث العلمية النظرية والتطبيقية، ونظم جمع وتخزين واستعادة المعلومات الخاصة بالبحوث العلمية الجارية، والاكتشافات العلمية، والاختراعات التي تم التوصل إليها، سواء أكانت في المجالات التكنولوجية أم في مجالات العلوم الإنسانية أم في مجالات العلوم الحية وغيرها من المواضيع الخاصة بالملكية الفكرية؛
- والأمن الداخلي: وتشمل نظام التحقيق، والتحقق، والنيابة العامة، والإجراءات العدلية، والموارد المعلوماتية لأجهزة الأمن، ومنظومة جمع وحفظ وإعداد واسترجاع المعلومات والإحصائيات الخاصة بالجريمة، بما فيها بنوك معلومات الشرطة الدولية (الإنتربول).
تهديدات الأمن المعلوماتي الوطني
ويقصد بالأمن المعلوماتي الدولي كل ما يدخل في مجال تهديد الأمن الإعلامي الوطني، من:
- تهديدات للبنى التحتية للمعلوماتية: التي تستهدف تخريب مواقع تبادل المعلومات الفورية عبر شبكات الحاسب الآلي، وتكنولوجيا معالجة المعلومات، وتقنيات التسلل للمواقع الخاصة في شبكات الحاسب الآلي، وجمع واستخدام ونشر المعلومات بشكل مخالف للقانون.
- وتهديدات الأمن المعلوماتي: الموجهة أصلاً ضد الخصائص الهامة التي يجب أن تتمتع بها المعلومات مثل السلامة والسرية وقيود أو حرية الوصول إليها.
- وتهديدات الحياة الروحية للمجتمع: والتي تتم من خلال إدخال معلومات سياسية أو دينية مغلوطة في أجهزة الإعلام والمعلوماتية الحكومية ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بشكل يهدد المصالح الوطنية العليا والمصالح الخاصة، ومصالح المجتمع والدولة بشكل عام. أو عن طريق الاحتكار والحجب المتعمد للمعلومات الموجهة للمواطنين. أو في ترويج وبث الأنباء الكاذبة، أو الإخفاء أو التحريف المتعمد للمعلومات بشكل يؤدي إلى تحريف وتشويه الوسط المعلوماتي المحلي ويزعزع الحالة النفسية للمجتمع، ويخرب ويشوه التقاليد والثقافية، ويفسد الأخلاق العامة، ويشوه القيم الدينية والجمالية والتربوية لدى الفرد والمجتمع.
- وتهديدات حقوق الفرد والحريات العامة: والتي تطال المجال المعلوماتي، من خلال القواعد القانونية المتبعة، والتي تحد من حقوق وحريات المواطنين في مجالات الحياة الخاصة والعامة، والمعتقدات الدينية والسياسية، والنشاطات الإعلامية الفردية. بما فيها الأفعال التي تهدد نظم جمع وحفظ واسترداد وتدفق المعلومات الشخصية التي من خصائصها السرية في التداول مثل المعلومات الطبية، والوثائق المدنية الشخصية، والمعلومات الخاصة عن عمل ودخل المواطنين وغيرها. فالأمن المعلوماتي الوطني مطالب في مجتمع الديمقراطية وسيادة القانون بتأمين سرية المعلومات عن الحياة الخاصة للمواطنين والأحاديث الصريحة والخاصة التي تتم بين شخصين عبر وسائل الإتصال الحديثة (الهاتف الخلوي، الفاكس، البريد الإلكتروني).
وهكذا نرى أن الهدف الرئيسي من استخدام الأسلحة المعلوماتية هو تحقيق أهداف إستراتيجية موجهة ضد الأجهزة الحكومية الحساسة، وتطال وعي وأمن المجتمع بأسره. وهو ما يسمح ولو بالتلميح أنه سلاح مدمر جديد قد دخل ترسانة أسلحة الدمار الشامل. وتلك هي بعض ملامح هذا السلاح الجديد الآخذ بالتطور والانتشار السريع. فماذا سيحدث لو لم تتمكن الأبحاث العلمية الحديثة من وضع أسس ملموسة للوقاية منه، أو الحد من تأثيره كما هي الحال مع الأسلحة التقليدية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى ؟ لأن الأسلحة المعلوماتية الجديدة تتميز عن غيرها من الأشكال التقليدية من الأسلحة السابقة بسرعة الانتشار والتأثير الفعال والسريع على الهدف الذي تستخدم ضده.
الخصائص الأساسية للأسلحة المعلوماتية وأهدافها
ومن تحليل لما تم نشرته من أبحاث يمكننا إلقاء بعض الضوء على بعض الخصائص الأساسية للأسلحة المعلوماتية، انطلاقاً من إمكانياتها الأساسية في التأثير على الأهداف المستخدمة ضدها، وهي:
- أنظمة نقل المعلومات: من نظم وشبكات الإتصال، ونظم وشبكات المعلومات والحاسب الآلي، وبنوك خزن وإعداد وتوزيع وتبادل المعلومات... الخ؛
- والوعي الاجتماعي (الرأي العام) ونظم تشكيله: ويتضمن التأثير على الحالة النفسية الاجتماعية، وأدوات تشكل القيم الأخلاقية والدينية والتربوية في المجتمع، ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية، ونظم إعداد وتنشئة وتربية الأطفال والشباب وغيرها؛
- وأخيراً الوعي الفردي أو الشخصي: لأن الأسلحة المعلوماتية ليست وسائل للتخريب الفكري فقط، بل هي وسائل يقصد منها أساساً التأثير على البنية التحتية لتدفق المعلومات الضرورية للنشاط الفكري والتي تطال وتصب داخل الوعي الاجتماعي. والهدف منها أساساً، هو:
- التأثير الفعال على نظم المعلومات العلمية والسياسية والاقتصادية والمالية والعسكرية والثقافية والتربوية والإحصائية. وحتى المعلومات المخزنة داخل أجهزة السيطرة وإطلاق وتفجير أسلحة الدمار الشامل والأسلحة المتطورة التي تستخدم الحاسب الآلي لمراقبة وتحديد واختيار والوصول إلى الأهداف وتدميرها. أو تضليل أسلحة العدو المتطورة أو شلها أو إخراجها من ساحة المعركة.
- والتأثير النفسي والتخدير وشل قدرات العدو على استخدام نظم معلوماته أو السيطرة عليها، أو تدمير محتوياتها، والقضاء على إمكانياته المتاحة للاتصال والتنسيق داخل الدولة أو بالعالم الخارجي.
مجالات استخدامات الأسلحة المعلوماتية
استخدام السلاح المعلوماتي يتم عادة من خلال حاسب آلي (كمبيوتر شخصي) مزود ببرامج خاصة، أو من خلال غيره من أشكال الأسلحة المعلوماتية الأخرى. فالفيروس المرسل من كمبيوتر شخصي عبر شبكة الإنترنيت العالمية هو الآن أكثر فتكاً من تأثير السلاح النووي أو الجرثومي من حيث النتائج على الحضارة الإنسانية. فنشر الجراثيم الحية لحمى إيبولا، أو القرحة السيبيرية، أو مرض نقص المناعة "الإيدز" أو مرض حمى الطيور، وغيرها من الأمراض الخطيرة، يمكن التصدي لها وحصرها ووقف انتشارها ومعالجتها، أما فيروسات الحاسب الآلي "الكمبيوتر" مثل: Melissa )) و( I Love you ) أو"تشرنوبل" أو(DIR ) وغيرها من الفيروسات الجديدة التي تظهر كل يوم، من خلال شبكات الحاسب الآلي الدولية، لها مفعول مدمر لا يمكن التصدي له حتى الآن وخلال ثوان فقط تدمر محتويات ملفات كاملة، وجهود سنوات طويلة من جمع وإعداد وتخزين المعلومات لتختفي إلى الأبد من على شاشات الحاسب الآلي ومن ذاكرته.
والمصيبة أن ذلك يأتي في ظروف غير متوقعة أثناء العمل، وفي لحظة حرجة، وتؤدي إلى إرباك كبير. ولنتصور معاً نتائج تخريب مواقع شبكات الحاسب الآلي للعمليات المالية الدولية، أو شبكات خطوط النقل الجوي والبري والبحري العالمية، أو شبكات السيطرة على أسلحة التدمير الشامل، أو شبكات الشرطة الدولية الإنتربول. فالإنسانية أصبحت اليوم أكثر تهديداً من قبل، بسلاح جديد فتاك يصعب مواجهته، ولا نقول لا يمكن مواجهته، لأن هذا يحتاج إلى رغبة الدول التي أصبحت تملك مثل تلك الأسلحة والقادرة على تطوير وسائل قادرة على التصدي لمثل تلك الأسلحة، وعلى الأقل ضد أولئك الذين يستخدمون تلك الأسلحة بشكل مخالف للقانون. وعلى مستوى قرار تلك الدول وجديتهم في تطوير واستخدام هذا السلاح الجديد ووسائل الوقاية منه يتوقف الكثير. ولابد أن قرار دولي من هذا النوع سيكون من الأهمية أكثر بكثير من الأهمية التي تمتعت بها اتفاقية الحد من إنتشار الأسلحة النووية في العالم لعام 1968.
الخوف من فرض الرقابة أو الإشراف على المجال المعلوماتي الدولي
ولكن الخوف جاء بعد مؤتمر جينيف من إمكانية فرض الدول المتقدمة نوعاً من الرقابة أو الإشراف على المجال المعلوماتي العالمي ! وهنا يبرز خطر حقيقي يهدد التدفق الإعلامي الدولي الحر. ويحد من الدور الحقيقي للإعلام، ويجعل من الدول الأقل تطوراً والدول النامية رهينة لمشيئة تلك الدول، وتصبح الساحات الإعلامية للدول الأقل تطوراً والنامية مكشوفة أمام تلك الدول، ويحرمها وهي من دون ذلك محرومة من التدفق الإعلامي القادم من الدول المتقدمة الحريصة على عدم انتقال التكنولوجيا المتطورة للدول الأقل تطوراً والدول النامية بشكل عام. وهو ما يعني أيضاً إشراف بعض الدول المتقدمة على الساحة الإعلامية الدولية على الكرة الأرضية وفي الفضاء الكوني في آن معاً، وعلى مختلف أوجه النشاطات الإنسانية وتوجيها لصالحها والسيطرة عليها.
الحرب المعلوماتية كما يراها البعض
وانطلاقاً من تلك التوقعات نرى أن الكثير من مراكز البحث العلمي المتخصصة في مجالات الإتصال والإعلام والحرب المعلوماتية، راحت منذ مدة تعد خططاً وسيناريوهات للحروب المعلوماتية المحتملة. وراحت تعد إستراتيجيات خاصة بها، الغرض منها السيطرة على الساحة المعلوماتية ليس للغير وحسب، بل ومن أجل أن تكون عولمة المعلومات الخاضعة لإشرافها فقط. ولنستعرض الآن بعضاً من نتائج تلك الأبحاث العلمية من خلال السيناريوهات التي أصبحت معروفة، وهي:
السيناريو الأول: وفيه تكون الدولة هي المبادر الأساسي في شن الحرب المعلوماتية بما تملك من تفوق ساحق في مجال الأسلحة المعلوماتية الهجومية، ومن إمكانيات الحد من صلاحية النظم الدفاعية لأي من الدول الأخرى "الحالة العراقية" و"الحالة اليوغسلافية" وأخيراً "الحالة الفلسطينية" التي لا تواجه إسرائيل فيها أي تأثير إعلامي فعال موجه ضدها على الساحة الدولية. وفي هذه الحالة تفرز تلك الدولة قسماً مما تملكه من وسائل وأسلحة الحرب المعلوماتية لتستخدم من قبل حلفائها، أخذة على نفسها مهمة تنسيق الجهود والعمليات، في الهجوم وفي الحد من التهديدات المعلوماتية المشابهة التي قد تتعرض لها من قبل الخصم، والمواقع التي يمكن أن ينطلق منها الخصم لتوجيه الضربة المعاكسة. بحيث تضمن لنفسها التفوق وتحقيق النصر مهما كان نوع العدوان المعلوماتي الذي تقوم به بمفرها أو مع حلفائها ضد الخصم، أو الذي تتعرض له هي أو أي من حلفائها من قبل الخصم في الحرب المعلوماتية غير المعلنة وغير المرئية في أكثر الحالات.
السيناريو الثاني: احتفاظ عدد محدود من الدول المتقدمة بقدرات وإمكانيات شن الحرب المعلوماتية واحتكار تلك الدول للسلاح المعلوماتي، بشكل يسمح لها بالتفوق الكامل والقدرة على امتلاك أجهزة وشبكات معلومات مستقلة. في هذه الحالة لابد لواحدة من تلك الدول المتقدمة من الاحتفاظ بالتفوق في هذا المجال. وبذلك يصبح هذا الوضع عامل تخويف للدول الأخرى، تمنعها من استخدام الأسلحة المعلوماتية ضدها أو ضد أي من الدول التي تشرف عليها وبذلك تضمن التفوق حتى في المستقبل.
السيناريو الثالث: ويركز على الدولة المتفوقة معلوماتياًً، ونظم دفاعاتها غير القابلة للقهر ضد أي شكل من أشكال الأسلحة المعلوماتية. مما يجبر أكثر دول العالم على الامتناع عن امتلاك أي شكل من أشكال الأسلحة المعلوماتية الهجومية، أي الرضوخ التام. لأنها لا تستطيع مواجهة الهجمات المعلوماتية ضدها بسبب عدم امتلاك التكنولوجيا المعادلة للدولة المتفوقة. وفي هذه الحالة تستطيع الدولة المتفوقة معلوماتياً فرض نظامها الخاص للإشراف الإجباري على الأسلحة المعلوماتية ونزعها وتدميرها، بما يشبه ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية من خلال برنامج تدمير أسلحة الدمار الشامل العراقية منذ مطلع تسعينات القرن الماضي وحتى احتلاله في الرقابة الإلكترونية والاستطلاع الدائم. وبالنتيجة يمكن منع الحرب المعلوماتية ضد الدولة المتفوقة أو تخفيض خطرها إلى الحد الأدنى، والسيطرة على وسائل استعمالها المتوفرة لدى الخصم المتوقع بما يمكن من إزالتها وتدميرها. مما يوفر أرضية منطقية لإعطاء مثل تلك الخطوات الشرعية في ظروف التفوق الساحق لتلك الدولة، لتفرض على المجتمع الدولي اتخاذ قرارات دولية مناسبة تتفق ومصالح تلك الدولة المتفوقة.
وإشراف كهذا على المجال الإعلامي العالمي أصبح شبه واقعي على ضوء التفوق الشامل الذي يسمح لدولة معينة، أو لمجموعة قليلة من الدول، بالتأثير على النظم المعلوماتية الدولية من خلال الإمكانيات الفعلية التي تملكها، وهو ما يسمح لهم بفرض رأيهم على الآخرين، بما يعني أن تكون العولمة مقرونة بإشراف المتفوق. وهو ما يؤكد وفق المعايير الإقليمية والإنسانية أنها ملكت وبالتأكيد الحد الأقصى من إمكانيات الإقناع أثناء الحروب المعلوماتية وفرض الأنباء التي تراها مناسبة، وعمليات حفظ السلام وفق منظورها الخاص.
الأمن المعلوماتي الدولي من وجهة نظر المعارضين للمشكلة
ولهذا اعتمد خصوم وجهة النظر التي تطالب بالنظر العاجل في قضايا الأمن المعلوماتي في إطار منظمة الأمم المتحدة على حجج ترى من وجهة نظرهم:
1. أن المشكلة لا تتضمن جوانب عسكرية.
2. وأن الحقيقة هي في خطر استخدام المعلوماتية في المجالات الإجرامية والإرهابية فقط.
وهنا يبرز سؤال هام، ماذا سيفعل المجتمع الدولي حيال إرهاب الدولة، وحيال الجرائم المرتكبة من قبل دولة ضد دولة أخرى، أو شعب ضد شعب آخر لأهداف التطهير العرقي أو إبادة العرق الآخر أو لأهداف توسعية واقتصادية وسياسية، وعدم الاعتراف بالحقوق الشرعية للغير كما هي الحال في الصراع العربي الإسرائيلي من أجل تحقيق السلام العادل ؟ فهل يمكن تسمية ذلك بغير الحرب المستمرة ؟ أليست الحروب وفق المفاهيم الإنسانية جرائم ترتكب بحق البشرية ؟ حتى ولو قامت بها دولة معينة أو مجموعة من الدول ضد دولة أخرى أو مجموعة من الدول بقصد العدوان وليس الدفاع عن النفس. ومن يستطيع إثبات أن تلك الحروب والجرائم والأعمال الإرهابية تتم دون استخدام الأسلحة المعلوماتية التي هي سمة من سمات الحقبة الأخيرة من القرن العشرين ؟ ومن الخطأ إخراج الجريمة المنظمة والإرهاب الدولي من مفهوم الأمن المعلوماتي الدولي، لأنها تهدد الكيان الإنساني برمته.
3. وأنه لا وجود للأسلحة المعلوماتية وهي ليست سوى عبارة عن وسائل للتأثير على نظم المعلومات وشبكات الإتصال فقط، ولا تشمل غيرها من الوسائل والطرق التي هي من أشكال الأسلحة التي تستخدم في تنفيذ الحروب النفسية.
4. وأنه لا يمكن متابعة وتسجيل وضبط القائمين في التأثير المعلوماتي. وهذه بحد ذاتها حجة واهية لأن الحقائق تثبت عكس ذلك، والتاريخ يتضمن أمثلة محددة على ذلك منها: حل مشكلة تحديد مواقع إطلاق الصواريخ العابرة للقارات، والحجم الكبير للقضايا الجنائية المرفوعة ضد المتسللين إلى شبكات الحاسب الآلي الخاصة، ومخربي محتويات شبكات الحاسب الآلي، مما يثبت إمكانية وفعالية الإجراءات المتبعة حتى الآن والتي يمكن تطويرها والزيادة من فعاليتها كل يوم.
5. وأن غياب المصطلحات الموحدة وغياب المداخل الموحدة لمفهوم الأمن المعلوماتي يؤدي إلى الخلاف في الاتجاهات نحو تناول المشكلة وفق المفهوم الدولي. وهي مشكلة تحتاج للحل قبل النظر في المشكلة جدياً ضمن إطار منظمة الأمم المتحدة كهيئة سياسية دولية وحيدة تملك حق النظر في قضايا العولمة وآثارها.
6. وأن القوانين الوطنية التي تلبي المصالح القومية العليا لمختلف الدول غير متوافقة، وهو وضع يجب تصحيحه. وهنا يبرز السؤال التالي: على أي أساس يجب تصحيحه ؟ هل على أساس قوانين دولة مختارة من دول العالم ؟ ومن هي تلك الدولة المختارة صاحبة الحظ السعيد ؟ ومن يملك الحق بنشر مفاهيمه القانونية الوطنية ومصالحه القومية العليا على كافة دول العالم ؟ ومن هي تلك الدولة التي ستكون المبادرة في فرض قوانينها الوطنية، والمبادرة لفرض مفهومها وإجراءاتها في الدفاع عن المجال المعلوماتي وأمنه على غيرها من دول العالم ؟ وهذا من غير الواقعي تماماً. لأن المرجعية والأساس يجب أن يكون للقانون الدولي فقط، وهو ما دعت إليه الهيئة العامة لمنظمة الأمم المتحدة في قراريها 53/70 و 54/49.
7. وأخيراً حجة عدم كفاية الدراسات اللازمة للإعداد لعرض الموضوع على الهيئة العامة للأمم المتحدة، وضرورة الانتظار حتى اكتمال واستلام نتائج البحوث العلمية والقانونية.
الأمن المعلوماتي الدولي والبحوث العلمية
والجدال حول هذه النقطة صعب لأن البحوث العلمية الأصيلة المنتهية والمنشورة والمناقشة على مستوى الخبراء كثيرة، وتم اقتراح الكثير من الحلول التطبيقية للمشكلة من قبل الباحثين والخبراء. مما يفسح المجال للشك في النوايا التي يمكن أن يكون الغرض منها الانتظار وكسب الوقت حتى تنتهي بعض الدول من إعداد الوسائل العسكرية التي تعمل على إنشائها، للوصول إلى التفوق المنتظر الذي يتيح لتلك الدول الفرصة الكاملة لفرض وجهات نظرها على الغير. ولعزل الدول التي لم تبدأ بعد بالقيام بمثل تلك الإجراءات والحيلولة دون أن يكون لها صوت مؤثر في حل تلك المشكلة الخطيرة. ولتبقى الثغرات في الأنظمة المعلوماتية لمختلف دول العالم قائمة، ولتبقى عرضة للعدوان المعلوماتي دون القدرة حتى على الرد. وليبقى الطريق أمام الدول المتفوقة مفتوحاً لشن الحروب المعلوماتية وفرض السيطرة والإشراف المعلوماتي على النظم المعلوماتية للدول الأضعف.
ولكن هل ستقبل الدول الأقل تقدماً بهذا الوضع المختل ؟ في حال غياب آلية دولية للحد من السباق في مجال امتلاك واستخدام السلاح المعلوماتي، وبالتالي منع قيام الحروب المعلوماتية. ففي ذلك الوضع ستفقد الأمم المتحدة دورها الريادي في العولمة، مما يؤدي إلى الفوضى المعلوماتية الدولية مع كل النتائج الوخيمة التي لابد وأن تؤثر في صميم الثقافة الإنسانية، وتدفن إلى الأبد أية إمكانية لقيام حوار ديمقراطي عادل بين الحضارات والثقافات، ولتحل مكانه الثقافة المفروضة من قبل الدولة الأقوى.
حتمية التفاهم الدولي لتحقيق الأمن المعلوماتي
ومن الصعب الآن إيجاد شكل محدد لتلك الآلية الدولية دون تحقيق التفاهم داخل المجتمع الدولي يكون مبنياً على مبادئ دولية عامة، مدعمة من البداية بوثيقة دولية متعددة الأطراف تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة، تتضمن تصور شامل للأمن المعلوماتي الدولي، ويكون أكثر فاعلية لو حصل على تأييد ودعم ومتابعة المنظمات الإقليمية كجامعة الدول العربية ومجلس دول الخليج العربية ومنظمة شنغهاي للتعاون، والقارية كمنظمة الوحدة الإفريقية والاتحاد الأوروبي، والدولية كمنظمة المؤتمر الإسلامي. ويأخذ في اعتباره طبيعة كل التهديدات العسكرية والإجرامية والإرهابية، بما فيها استخدام سياسة الفرض والإكراه لفرض هيبة القانون سواء في المجال العسكري أو في المجال المدني. وهذا يتطلب من وجهة نظر أنصار عولمة الأمن المعلوماتي القيام بما يلي:
- إعداد نظم للفهم المشترك، تستخدم أثناء تحليل ومناقشة المشاكل المطروحة حول الأمن المعلوماتي، وتحديد المصادر التكنولوجية وطبيعة الأخطار المتوقعة؛
- وإعداد المبادئ الأساسية لبناء عولمة النظم لتأمين الأمن المعلوماتي الدولي؛
- وإصدار بيان متعدد الأطراف في أطار منظمة الأمم المتحدة يخلق تصور للأمن المعلوماتي الدولي على أساس المبادئ الأساسية المعلنة؛
- وإعداد إتفاقية تتضمن المواضيع الخاصة، مثل قضايا مكافحة الإرهاب المعلوماتي الدولي والجريمة في مجال المعلومات، تتفق ومبادئ المنظمات الدولية العاملة والقائمة في مجال الإعلام والاتصالات ، ووسائل الإعلام الجماهيرية وحقوق الإنسان؛
- وإعداد المبادئ الأساسية الخاضعة للمحاسبة في إطار منظمة الأمم المتحدة للنظر في ملائمة القوانين الوطنية بهدف التوفيق بينها؛
- وإدخال جميع الدول الأعضاء لإضافات وتغييرات في قوانينها الأساسية بما يتفق والمبادئ الأساسية المعلنة؛
- وإعداد المبادئ الأساسية لتنظيم آلية للرقابة والسيطرة في مجال الأمن المعلوماتي الدولي، وضمان تناسقه مع النظم العالمية العاملة في مجال المعلوماتية والاتصالات ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية وحقوق الإنسان، والرقابة على تصدير مواد وتكنولوجيا المعلوماتية. ويعني هذا العمل المشترك في أجهزة الرقابة على تصدير المنتجات والخدمات في مجال المعلوماتية والاتصالات المرئية، وخاصة منها التي يمكن أن تستخدم عسكرياً أو للاستخدامات الثنائية، بما فيها المواد المخصصة لإنتاج أسلحة الحرب النفسية.
ويرى أنصار هذا الاتجاه أن تتوج المرحلة الختامية بتوقيع كل الدول في المجتمع الدولي على إتفاقية متعددة الأطراف لها صبغة نهائية تؤكد مبادئ الأمن المعلوماتي الدولي، وتفرض آلية دولية معينة لمراقبة مجال الأمن المعلوماتي الدولي ووضعه حيز التطبيق.
على أن يجري كل ذلك في إطار الدبلوماسية الدولية وضمن إطار منظمة الأمم المتحدة، وعلى مستوى المنظمات الإقليمية، وهنا يبرز دور جامعة الدول العربية، ومجلس تعاون دول الخليج العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومنظمة الوحدة الإفريقية ومنظمة شنغهاي للتعاون وغيرها من التجمعات الإقليمية، والدبلوماسية الثنائية بين الدول، لتحقيق أوسع تعاون دولي مفيد وواقعي وممكن يساعد على حل مشاكل الأمن المعلوماتي الوطني والدولي. ويضمن تنفيذ الإجراءات المتخذة لحل المشاكل الجديدة والصعبة الناتجة عن دخول الإنسانية عصر العولمة المعلوماتية. وتوفير الأمن المعلوماتي الوطني والدولي الواقعي بما يضمن المصالح الوطنية لجميع دول العالم صغيرها وكبيرها، فقيرها وغنيها. ويتصدى لأي عدوان خارجي أو إجرامي أو إرهابي على المجالات المعلوماتية لأي دولة من دول العالم.
مراجع البحث:
1. إسلام كريموف: أوزبكستان، نموذجها الخاص للانتقال إلى اقتصاد السوق. ترجمة: أ.د. محمد البخاري. دار السروات، جدة 1999.
2. إسلام كريموف: أوزبكستان على طريق الإصلاحات الاقتصادية. شركة المطبوعات للتوزيع والنشر. بيروت 1996.
3. د. أسامة الغزالي حرب: الأحزاب السياسية في العالم الثالث. سلسلة المعرفة. 1987 سبتمبر.
4. الأمن الإعلامي العربي أصبح يشغل بال أصحاب القرار والمعنيين بالشؤون الإعلامية. دمشق: كونا، 25/12/2002.
5. أندريه فلاديميروفيتش كروتسكيخ، وأليكساندر فلاديميروفيتش فيدروف: عن الأمن الإعلامي الدولي. مجلة الحياة الدولية، موسكو، العدد 2 لعام 2000. (باللغة الروسية)
6. د. بطرس بطرس غالي: حقوق الإنسان في 30 عاماً. القاهرة. مجلة السياسة الدولية 1979/يناير.
7. د. حازم الببلاوي: العرب والعولمة. الأهرام 1997/12.30.
8. د. صابر فلحوط، د. محمد البخاري: العولمة والتبادل الإعلامي الدولي. دار علاء الدين. دمشق 1999.
9. عاطف الغمري: الأسلحة الجديدة في ترسانة الهجوم الاقتصادي العالمي. القاهرة. صحيفة الأهرام 1996/يناير 30.
10. د. محمد سامي عبد الحميد: أصول القانون الدولي العام. 1979.
11. د. محمد عابد الجابري: قضايا في الفكر العربي المعاصر. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت 1997.
12. د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990.
13. أ.د. محمد البخاري: الإعلام وتحديات العولمة في الدول الأقل حظاً. الرياض: مواد المؤتمر الدولي الأول لتقنيات الاتصال والتغير الاجتماعي، جامعة الملك سعود 15-17/3/2009.
14. أ.د. محمد البخاري: العلاقات العامة الدولية في إطار التبادل الإعلامي الدولي. دمشق: دار الدلفين للنشر الإلكتروني، 17/5/2008. http://www.dardolphin.org/
15. أ.د. محمد البخاري: الإعلام وتحليل المضمون الإعلامي. دمشق: دار الدلفين للنشر الإلكتروني، 17/5/2008. http://www.dardolphin.org/
16. أ.د. محمد البخاري: محاضرات في العلاقات الدولية الآسيوية والإفريقية. دمشق: دار الدلفين للنشر الإلكتروني، 17/5/2008. http://www.dardolphin.org/
17. أ.د. محمد البخاري: قضايا الأمن الوطني في إطار العولمة والتبادل الإعلامي الدولي. 28/8/2007. http://www.albukhari.com/muhammad/
18. أ.د. محمد البخاري: المجتمع المعلوماتي وتحديات العولمة في الدول الأقل حظاً. 28/8/2007. http://www.albukhari.com/muhammad/
19. أ.د. محمد البخاري: مبادئ الصحافة الدولية والتبادل الإعلامي الدولي. 28/8/2007. http://www.albukhari.com/muhammad/
20. أ.د. محمد البخاري: الإعلام والتبادل الإعلامي الدولي. http://www.albukhari.com/muhammad/
21. أ.د. محمد البخاري: التبادل الإعلامي الدولي والعلاقات الدولية. مقرر جامعي. طشقند: معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2006. (باللغة الروسية).
22. أ.د. محمد البخاري: التفاعلات السياسية في وسائل الإعلام الجماهيرية. مقرر جامعي. طشقند: معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2006. (باللغة الروسية).
23. أ.د. محمد البخاري: مبادئ الصحافة الدولية في إطار العلاقات الدولية. مقرر جامعي. طشقند: معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2006. (باللغة الروسية).
24. أ.د. محمد البخاري: قضايا التبادل الإعلامي الدولي في ظروف العلاقات الدولية المعاصرة. مقرر جامعي. طشقند: معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، مطبعة بصمة، 2004. (باللغة الروسية).
25. أ.د. محمد البخاري: التبادل الإعلامي الدولي في إطار العلاقات الدولية. مقرر لطلاب البكالوريوس، معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2002. (باللغة الروسية)
26. أ.د. محمد البخاري: العلاقات العامة والتبادل الإعلامي الدولي. مقرر لطلاب الدراسات العليا (الماجستير)، معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2001. (باللغة الروسية)
27. أ.د. محمد البخاري: مبادئ الصحافة الدولية والتبادل الإعلامي الدولي. جامعة ميرزة أولوغ بيك الحكومية. طشقند 1997.
28. د. ممدوح شوقي: الأمن القومي والعلاقات الدولية. القاهرة. مجلة السياسة الدولية 1997/العدد 127.
29. د. هالة مصطفى: العولمة .. دور جديد للدولة. القاهرة. مجلة السياسة الدولية، 1998 العدد 134.
30. د. هالة مصطفى: المشروع القومي في مصر: دور الدولة الأساسي. الأهرام 1997/4.28.
31. د. هالة مصطفى: المشروع القومي بناء الداخل أولاً. الأهرام 1997/3.31.
32. د. هالة مصطفى: حقوق الإنسان، وفلسفة الحرية الفردية. "نشطاء" البرنامج الإقليمي لدراسات حقوق الإنسان. 1997 العدد3. أكتوبر.

33. Francis Fukuyama, End of History, National Interest, summer. 1989.
34. James N. Rosenau, New Dimensions of Security: The Interaction of Globalizing and Localizing Dynamics, Security Dialogue, 1994, Vol. 25 (3).
35. Paul Kennedy, Globalization and its Discontents, New Perspectives Quarterly, Vol. 13, No. 4. Fall 1996.
36. Peter Drucker, The Second Infuriation Revolution, New Perspectives Quarterly, Vol. 14, No. 2, Spring 1997.
37. Jan AART SCHOLTE, Global Capitalism and the State, International Affairs, Vol. 73, No. 3, July 1997.
38. “Joint Doctrine for Information Operations", Joint Chief of Staffs, Joint Pub. 3-13, October 9, 1998.
39. Hans Morganthue, Political Nations, Calcutta, Scientific Book Agency, 1965, Chap. 28.
40. Edward N. Luttwak, The Global Setting of U.S. Military Power-Washington. 1996.

13/5/2009