الأربعاء، 11 سبتمبر 2013

المتصوف الشهير نجم الدين كبرو

المتصوف الشهير نجم الدين كبرو
كان الشيخ نجم الدين كبرو (1146-1221م) من المتصوفين المشهورين في القرن الـ 12 الميلادي، وهو عالم ترك بعد وفاته تراثاً غنياً في مجالات مختلف العلوم. وحصلت دراساته على تسمية "دراسات كبرو" وهذا يعني أنها عظيمة أو "ذهبية" لأنها أثرت كثيراً على الحياة الروحية في دولة خوارزم شاه وفي العالم الإسلامي.
سيرة حياته


ولد نجم الدين كبرو في خوارزم عام 1146م، وأمضى أول نصف حياته في التنقل بين: نيشابور، وحمدان، وأصفهان، ومكة المكرمة، والإسكندرية. وعاد إلى مسقط رأسه عام 1184م ومن وقتها تركزت أعماله في وسط آسيا، حيث كان له عدد كبير من التلاميذ.
ولم يكن نجم الدين كبرو مفكراً ومؤسس لمذهب صوفي جديد فقط، بل كان عالم نفس بارز تعمق في فهم النفس البشرية. ورأى النفس البشرية كـ"عالم صغير" تركزت فيه كل خصائص الـ"عالم الكبير". وافترض في عملية تكامل البر عند الإنسان أن يأخذ المعلم بيد المريد "التلميذ" على سلم الموروث الذي يبلغ عشرات ومئات الدرجات تشمل: التوبة، والزهد، والتوكل، والقناعة، والعزلة، والتوجه، والصبر، والمراقبة، والذكر، والرضا، نحو الحقيقة الإلاهية.
وخصص نجم الدين كبرو في مؤلفاته: "الأصول العشرة"، و"رسالة الترك"، و"في أحباب أصولكن"، و"فوائد الجمال" وغيرها من المؤلفات، مكانة هامة لنظرية الـ"لطائف"، التي تشير إلى أن الكون يتكون من مركز غير مرئي، ويقع في محيط الوعي، والأحاسيس، والروح، والجسد. ويجب على الصوفي بمساعدة تمارين معينة أن يشعر ويرى هذا المركز، الذي يعتبر نتيجة لتغيير الوضع، والشكل، والضوء. ويرى كبرو، أن الأوضاع الروحية للمريد يجب أن تمر عبر ثلاثة مراحل: الدائرة، والبقعة، والنقطة. والدائرة، هي الكون، والبقعة، هي شكل العالم، والنقطة، هي مركز (وحدة) الكون. ووعي جوهر النقطة، هو فكرة جوهر العالم الإلهي.
وهذا المخطط: الدائرة، والبقعة والنقطة، هو في حركة مستمرة، وتغير بعضها البعض من المحيط إلى المركز، وللألوان حركة دائمة. وكل دين أو أيديولوجيا يسهم في نظرية اللون ومفاهيمها. وعلماء الدين الإسلامي وخاصة الصوفيين ربطوها بالحالة النفسية للإنسان. ونظرية اللون موجودة في أكثر التيارات الصوفية. وهي موجودة على وجه الخصوص في مؤلفات: يسوي، وبيكتوشي، وكبرو. وبرأي كبرو أن الألوان تبدل بعضها البعض وفق هذه الطريقة: الأبيض، فالأصفر، فالسماوي، فالأزرق، فالأخضر، فالأحمر، فالأسود. وترتبط هذه الألوان السبعة بالأوضاع السبعة لروح المريد.
واللون الأبيض: هو لون الإسلام؛ واللون الأصفر: هو لون الإيمان (الضمير)؛ واللون السماوي: هو لون الإحياء (الهداية)؛ واللون الأزرق: هو لون الإمتحان (الإيمان)؛ واللون الأخضر: هو لون الإيمان (الإيمان الكامل)؛ واللون الأحمر: هو لون العرفان (المعرفة)؛ واللون الأسود: هو لون الخير، والهيجان (المفاجأة، والإعجاب)؛ وهذا يعني أن لكل لون معنى محدد يعني رمز محدد.
واللون الأبيض يرمز عند الكثير من الشعوب للنقاء والبراءة والصدق. وهذا اللون عند نجم الدين كبرو يرمز أيضاً للنقاء. وبعد الوصول إلى النقاء والطهارة يمكن للمريد أن يأخذ طريقه نحو "الطريقة" الصوفية.
ويتميز اللون الأصفر عن الأبيض لأنه هناك قيمة محددة للون عند مختلف الشعوب. وعلى سبيل المثال، كان أجداد شعوب وسط آسيا ينظرون إلى اللون الأصفر كنور لأشعة الشمس، والنار ، والذهب ، والثروة، وهكذا. و اللون الأصفر عند الأوروبيين هو لون الخريف، ورمز المسامحة، ومع دفىء الصيف على ما يبدو مع هذا اللون تصبح مفاهيم ترمز إلى: الانفصال، والحزن، والمرض. ويرمز هذا اللون الأصفر عند نجم الدين كبرو للأحاسيس العالية من محبة الله وبداية الحياة في سبيل الله.
واللون السماوي هو لون السماء والبحر، ويعني هذا اللون عند شعوب المناطق الشمالية لون: البرد، والظل؛ وعند الشعوب الشرقية يعني اللانهائية والخلود. وعند كبرو يرمز للـ"إحياء" الهداية، التي تشير إلى الحياة الجديدة، والخير، التأمل الذاتي، والتطهر من المعاصي، وبداية الانتقال من الحياة اليومية إلى "الطريقة" الصوفية، والنمو الروحي.
واللون الأزرق هو لون الأحلام، والحنان، والسحر، والماء. وعند نجم الدين كبرو يعني الإنتقال بعد "التوبة" إلى طريق الإيمان، والتخلص من الأفكار والأعمال السيئة الـ"حرام"، والامتناع عن ممارسة الأفعال التي حرمها الله، والانتقال إلى الأعمال الطاهرة  الـ"حلال".
واللون الأخضر هو رمز صحوة الحياة، والحيوية، والنمو من جديد، ولون العشب وأوراق الأشجار. وعند كبرو يعني لون الايمان الحقيقي، والحكمة في الظروف التي تحيط بالايمان الحقيقي الكامل بالله وبالروح.
وللون الأحمر أهمية للحماية ويرمز إلى الخصوبة، والجمال، والسعادة، والحب، ومن ناحية ثانية يرمز للانتقام، والكراهية، والحرب، وسفك الدماء. واللون الأحمر عند كبرو هو رمز عدم الإستقرار، وهذا يعني بداية انفصال الروح عن الجسد، لهذا يجب رعاية الروح، لتعي العالم الروحي.
واللون الأسود عند الكثير من الشعوب، هو رمز الظلام، والبؤس، والحزن، وهو لون الحداد، والموت، والغموض، وعالم تحت الأرض، وهكذا. واللون الأسود لدى الشعوب التركية يعني القوة، والعظمة، والسلطة، والهدف. واللون الأسود عند نجم الدين كبرو يعكس اقتراب الروح نحو الهدف وهي عتبة العالم الإلهي. وإدراك الألوهية التي هي الإعجاب بالعالم الإلهي.
ويشغل انعدام اللون مكانة خاصة في نظرية كبرو. لأنه يرمز للوصول إلى الهدف "الحقيقة"، وتتحد الحقيقة مع العالم الإلهي، والحقيقة. ويعتبر التسلسل في إنتقال الروح من وضع إلى آخر (من لون إلى آخر) اكتمال للروح.
وتطور نظرية الـ"لون" ووضع الروح (وفق رؤية كبرو) هو الـ"تعاون" والوضع الحقيقي للتوحد مع العالم الإلهي وهو "التمكين".
وكل تلميذ تحسن وتغير، عليه أن يشعر بذلك ويبلغ المعلم عن التغييرات الجارية في روحه من حيث الأشكال والألوان. ويقوم المعلم بدوره من خلال إجابات التلاميذ بتحديد مستوى التطور الذي وصل إليه التلميذ.
وحظيت أفكار ونظريات نجم الدين كبرو حول الأشكال والصلات، واتصال الألوان بعالم الروح وجوهر الإنسان على تطور لاحق لدى تلاميذه وغيرهم من علماء جيل الصاعد من المتصوفين. ويشتغل العالم الأوزبكي الدكتور في العلوم اللغوية البروفيسور نجم الدين كاميلوف في الوقت الحاضر، بدراسة أفكار كبرو، ويركز في دراساته على نظرية الـ"لطائف" خاصة وهي التي تثير إهتماماً كبيراً لدى رجال الدين والفلاسفة، وعلماء اللغة، والمؤرخين، وعلماء النفس، والمربين، ومؤرخي الفنون، ولدى الفنانين، والمصممين، والموسيقيين، ومصممي الرقصات، والعاملين في المسرح، والسينما والتلفزيون، وتشغل دراسة العلاقة بين الأشكال والألوان والروح الإنسانية مكانة هامة في نشاطاتهم الحالية.
بحث كتبه أ.د. محمد البخاري 
طشقند 11/9/2013

الأحد، 8 سبتمبر 2013

أحمد الفرغاني

أحمد الفرغاني


أبو العباس أحمد بن محمد بن كثير الفرغاني (797-865م)، عالم رياضيات وفلكي من آسيا الوسطى عاش خلال القرن التاسع الميلادي. ولد في فرغانه. واشتهر في غرب أوروبا بالاسم اللاتيني Alfraganus. وكان أحمد الفرغاني من كوكبة علماء "بيت الحكمة" الذي أسسه في القرن التاسع الميلادي الخليفة المأمون.
سيرة حياته


المعلومات المتوفرة عن سيرة حياة أحمد الفرغاني قليلة جداً، وتشير نسبته الفرغاني في الوقت الحاضر إلى حقيقة أنه ولد في وادي فرغانة. ولكن الأعمال العلمية خلدت اسم الفرغاني، وأعطته شهرة عالمية.
وكان لمركز العلوم الكبير "بيت الحكمة" اسماً آخر هو "أكاديمية المأمون". التي تأسست في البداية في مروة، وبعدها انتقلت إلى بغداد، ودعي إليها علماء من خوارزم، وفرغانة، وسغديان، وشاش، وفاراب، وخراسان، ليستمروا بابحاثهم العلمية.
وأنشأ في "أكاديمية المأمون"مرصدين فلكيين زودا بأحدث المعدات الفلكية في ذلك العصر. وقام علماء الفلك في أكاديمية المأمون بقياس محيط الأرض، وطول خط الزوال بالدرجات، وقاموا برصد النجوم في السماء، ووضعوا زيجي (قوائم)، وكتبوا مؤلفات علمية.
تعتبر مؤلفات أحمد الفرغاني: "كتاب بداية علم الفلك" و"كتاب سببية العلاقة بين المجالات السماوية" و"كتاب الحركات الفلكية وملخص علوم النجوم" و"كتاب العناصر الثلاثين" و"كتاب مجالات نظرية الحسابات"، من أوائل مؤلفات علم الفلك المكتوبة باللغة العربية. وهي التي أعطى العالم فيها شرحاً مختصراً لعلم الفلك، مبني على مؤلف العالم الإسكندراني كلافديا بطليموس (القرن الثاني الميلادي) "نظام الرياضيات الكبير في علم الفلك".
و في نهاية كتابه أورد الفرغاني قائمة تتضمن النقاط الجغرافية المعروفة، وفق المناخات السبعة من الشرق إلى الغرب مع تبيان إحداثياتها. كما ويعتبر كتاب "مقدمة الجغرافيا"، و"أسماء البلدان والمدن المشهورة على الأرض، وظروفها البيئية"، من تأليف الفرغاني.
وتقع مقالات الفرغاني في "كتاب تحركات القبة السماوية وعلم النجوم" في 30 فصلاً تتضمن مقالات موسوعية عن المعارف الفلكية في ذلك العصر. وانتشرت مقالاته في أوروبا بعد أن ترجمت من العربية إلى اللاتينية في القرن الـ 12، وترجمت خلال القرن الـ 13 إلى اللغات الأوروبية الأخرى. و طبعت مؤلفات الفرغاني بمجال علم الفلك للمرة الأولى عام 1493م، وجرى استخدامها في أوروبا كمراجع موسوعية وكتب تعليمية على مدى 700 عاماً. وكباحث عملي في مجال رصد الأجسام السماوية توصل الفرغاني إلى الكثير من الإكتشافات العلمية. وأثبت علمياً كروية الأرض، ووضع تاريخ أطول يوم في السنة 22 يونيه/حزيران، وأقصر يوم في السنة 23 ديسمبر/ كانون أول. كما اكتشف الفرغاني وجود بقع على الشمس وتنبأ بخسوف الشمس الذي حدث عام 832م.
وقضى الفرغاني السنوات الأخيرة من حياته في القاهرة. واشتغل هناك بتصميم الإصطرلاب، وهو آله تستخدم لتحديد مواقع النجوم وقياس المسافة بينها. ووضع شروحاً رياضية واقترح إجراءآت لتحسين هذه الآلة. ومن ثمرات أعماله في القاهرة كان تشييد مقياس النيل، الذي شيد بإدارة الفرغاني عام 861م لقياس مستوى المياه في نهر النيل.
وكان هذا القياس هاماً جداً للحياة في مصر. لأنه كان يمكن للإرتفاع الكبير للمياه في نهر النيل أن يغرق الأراضي الزراعية ويؤدي إلى انخفاض الإنتاج الزراعي إلى حد كبير في سنوات الفيضانات الكبيرة لمياه النهر. وأشارت وصوفات المؤرخ اليوناني القديم هيروديت، إلى أنه أحياناً عند فيضان نهر النيل، لا تغرق الدلتا وحسب، بل وتغرق الأراضي المحيطة بها، حتى أن الإنتقال من ضفة إلى أخرى كان يستغرق يومين. ويقع مقياس الفرغاني للنيل على جزيرة الروضة في نهر النيل، وتمتع بأهمية بالغة للتنبوء بالفيضانات. وحتى اليوم بقيت  هذه المنشأة من المواقع السياحية في العاصمة المصرية.
ويعتبر أحمد الفرغاني من أعظم العلماء الأوزبك الذين قدموا إسهاماً كبيراً لتطوير العلوم العالمية.  ووفقاً للمصادر التاريخية كان تراثه القيم مرجعاً لعمل العلماء ومعاصريه. وهذا يثبت أن مؤلفه "كتاب أسس علم الفلك" ترجم في القرن الـ 12 إلى اللغتين اللاتينية والعبرية. وفي عام 1998م احتفل المجتمع الدولي تحت إشراف اليونسكو بالذكرى 1200 للعالم العظيم الذي قدم إسهامات كبيرة لتطوير العلوم العالمية.
وفي مقابلة أجراها أناتولي يرشوف مراسل صحيفة Today Uzbekistan الأسبوعية مع السيدة ناديا كفافي السفير المفوض فوق العادة لجمهورية مصر العربية لدى أوزبكستان، عن تطور العلاقات الأوزبكستانية المصرية ونشرتها الصحيفة بعددها الصادرة في طشقند يوم 4/12/2008 قالت: أن الشعب الأوزبكستاني متسامح، ويحافظ على ثقافته الأصلية ومن ضمنها اللغة، ويتطلع دائماً نحو الشعوب الأخرى ولغاتهم باحترام. ولهذا وبغض النظر عن أن أبناء هذا البلد متعددي القوميات إلا أنهم يفهمون بعضهم البعض جيداً. ومن ضمن هذا الإطار تخاطب أي أجنبي في أوزبكستان أسهل بكثير من أي بلد آخر في العالم. و الشعبين الأوزبكستاني والمصري يرتبطان مع بعضهما البعض من أيام طريق الحرير العظيمة، والتي كانت القاهرة على أحد أطرافه وعلى الطرف الآخر كانت المدن القديمة على الأرض الأوزبكية. وهذا أثر كثيراً على التعاون المتبادل بين الشعبين. وكمثال على ذلك أقيم على شرف المفكر العظيم الفرغاني الذي عاش في مصر بالقرن التاسع تمثال في القاهرة وهذا يشير إلى دور العالم الأوزبكستاني في تاريخ مصر.


وتم تدشين هذا النصب التذكاري أثناء الزيارة التي قام بها الرئيس إسلام كريموف إلى القاهرة. وإنجاز نحات تماثيل مشهور لهذا النصب التذكاري يشير إلى استمرار العلاقات الطيبة المتبادلة بين شعبينا حتى الوقت الحاضر. ولا يمكن أن لا أشير إلى أنه في مركز مدينة القاهرة هناك حي معروف باسم حي الأزبكية حيث يعيش الأوزبك حتى الآن من أحفاد أولئك الذين جاءوا إلى مصر أيام طريق الحرير العظيمة ويعيشون حتى الآن هناك، وشيدوا حديقة عامة أطلق عليها أيضاً اسم حديقة الأزبكية حيث يبيع أحفاد الشعب الأوزبكي هناك الكتب لأن أجدادهم جاءوا إلى القاهرة للقيام بهذه الأعمال أصلاً. وحتى الآن ومن جيل إلى جيل يستمر القادمون من ما وراء النهر بمزاولة تجارة الكتب. والشارع مشهور جداً بين السياح لأنه تباع فيه نسخ فريدة من الكتب القديمة وهي من التي لا يمكن العثور عليها في أماكن أخرى. وأكثر هذه الكتب هي مخطوطات تتمتع بقيمة تاريخية كبيرة. والثقافة الإسلامية في وعينا لا يمكن تصورها من دون أوزبكستان. ونحن لا نستطيع تصور الثقافة الإسلامية دون بخارى وسمرقند. وأوزبكستان غنية جداً بالقيم الثقافية الإسلامية. والآثار التاريخية الأوزبكية لها صلات مباشرة بتاريخ تطور الثقافة الإسلامية. ولهذا ليس عبثاً أن يسعى الكثير من السياح الأجانب لزيارة أوزبكستان لإبداء إعجابهم بمستوى تطور الثقافة الأوزبكية. وإعلان طشقند عام 2007 عاصمة للثقافة الإسلامية كان عادلاً جداً. حيث جرى في ذلك العام بناء أحد أجمل المساجد المعاصرة، مسجد حظرتي إمام مما عزز من دور أوزبكستان في تطوير الثقافة الإسلامية. وأنا على ثقة بأن الشعب الأوزبكستاني سيحقق حتماً منجزات كبيرة، وكلها ستعطي أساساً كاملاً لتطور العلوم والتعليم والاقتصاد وهو ما أتمناه.
بحث كتبه أ.د. محمد البخاري في طشقند يوم 8/9/2013

الخميس، 5 سبتمبر 2013

علي شير نوائي

علي شير نوائي


بحث كتبه: أ.د. محمد البخاري

الشاعر والمفكر البارز، ورجل الدولة علي شير نوائي (1441-1501م)، اسمه الكامل: نظام الدين مير علي شير. كتب أشعاره بالاسم المستعار نوائي باللغة الشغتائية-اللغة الأوزبكية القديمة، واللغة الفارسية. ويعتبر من أكبر شخصيات الأدب الأوزبكي الذي يطلق عليه في الغرب الأدب الشغتائي. وبحق لا توجد شخصية مماثلة له في أداب الشعوب التركية.
سيرة حياته
في طفولته صادق حسين بايقره (1469-1506م) الذي حكم خراسان وماوراء النهر فيما بعد. وأشار معاصره المؤرخ خاندامير (1473 أو 1476-1534م) إلى أنه بدأ بكتابة الشعر وهو في سن العاشرة من عمره. وذكر الشاعر الأوزبكي المعروف لطفي (1369-1465م) أنه التقى أثناء حياته مع نوائي وهو طفلاً وأعطى مواهبه الشعرية تقييماً عالياً.
وتجول نوائي خلال حياته في مختلف دول الشرق الإسلامي، والتقى بالشخصيات الشهيرة في عصره، وطور مهاراته الشعرية. وخلال عامي 1464 و1465م أعد المعجبون بأشعار نوائي أول مجموعة شعرية له (ديوان)، وهو ما يثبت أنه كان شاعراً مشهوراً منذ ذلك الوقت. وفي عام 1469م نتيجة للحروب الداخلية التي دارت بين التيموريين اضطر نوائي للإبتعاد عن موطنه مدينة هيرات.
وفي عام 1469م احتل التيموري حسين بايقره مدينة هيرات وأصبح حاكماً لخراسان. لتبدأ مرحلة جديدة في حياة نوائي، ساهم خلالها بنشاط في الحياة السياسية لخراسان. وفي نفس العام عينه حاكم خراسان بمنصب حامل أختام الدولة (مهردار)، وفي عام 1472م عينه وزيراً. ومن خلال منصبه قدم نوائي مساعدات كبيرة لرجال الثقافة والأدب ومثقفي البلاد. وغدى مالكاً لممتلكات واسعة.
وخلال ثمانينات القرن الخامس عشر شيد نوائي على نفقته الخاصة العديد من المدارس في هيرات ومناطق البلاد الأخرى، بالإضافة لـ40 رباط (أماكن لتوقف المسافرين)، و17 مسجداً، و10 ملاجئ لإقامة الصوفيين (خانقة)، و9 حمامات، و9 جسور. وبالإضافة لذلك قام بأعمال كثيرة لصالح الشعب. والنشاطات الإيجابية هذه التي قام بها نوائي لصاح الشعب لم ترضي المحيطين بالحاكم في القصر، وسعوا لإفساد العلاقة القائمة بينه وبين حسين بايقره.
ونتيجة لذلك قام حسين بايقره بإعفاء نوائي من مناصبه وأرسله كحاكم إلى أسترآباد في عام 1487م، وبقي فيها لمدة عامين وبعدها سمح حسين بايقره له بالعودة إلى هيرات، وعرض عليه منصب حكومي، إلا أن نوائي رفض ذلك. وبغض النظر عن رفضه منحه حسين بايقره منصب المقرب من حضرة السلطان (مقربي حظرتي سلطاني)، ومن خلال هذا المنصب تمتع نوائي بحق المشاركة في جميع أعمال الدولة.
ومنذ ذلك الوقت بدأت مرحلة جديدة في حياة الشاعر نوائي، واهتم بالأعمال الإبداعية أكثر، وقام خلال تلك المرحلة بكتابة أهم مؤلفاته. وعاش وأبدع خلال سنوات عمره الأخيرة في ظل حكم التيموريين (1370-1506م). ولهذا امتازت مؤلفاته بالروح الإجتماعية، وتشبعت بالمشاكل التي واجهها عصره. وخلال السنوات الممتدة من عام 1490م وحتى عام 1501م كتب نوائي مؤلفاته العاطفية والإجتماعية والفلسفية والعلمية.
ووصل حجم مؤلفات علي شير نوائي إلى حد ضخم، وبلغت حجم ستة من مؤلفاته الشعرية نحو 60 ألف سطر شعري (ميسره). وخلال السنوات الممتدة من عام 1483م وحتى عام 1485م كتب مؤلفه الشهير "خمسة"، الذي ضم القصائد الشعرية: "خيرة الأبرار"، و"فرهاد وشيرين"، و"ليلى ومجنون"، و"سبعي سياري"، و"سدي إسكندري". وضع من خلالها أسساً لتقاليد كتابة الخماسيات الشعرية.

مجنون ليلى
وتعتبر "خمسة" التي كتبها نوائي باللغة التركية أول عمل بهذا الأسلوب الشعري. وأثبت أنه يمكن تأليف أعمال بهذا الحجم باللغة التركية. وفي الواقع كان نوائي يسعى لإثبات أنه من الممكن كتابة مؤلفات باللغة الشغتائية (اللغة الأوزبكية القديمة)، تتساوى من حيث القيمة مع مؤلفات الأدب الفارسي والطاجيكي، وهو ما أثبته فعلاً من خلال مؤلفه "خمسة".
وجرب نوائي مقدراته في جميع الفنون الأدبية الشائعة آنذاك في العالم الإسلامي، وأثبت أن له صوته وأسلوبه الخاص. وتجدر الإشارة إلى أنه كتب في الأدب الشرقي أكثر من 120 قصيدة شعرية تناولت موضوع "ليلى ومجنون" (وهي القصة التي تسرد مأساة قيس بن الملوح العامري الملقب بمجنون ليلى (24هـ 645م-68هـ 688م) وهو شاعر الغزل العربي من أهل نجد، عاش خلال فترة خلافة مروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان في القرن الأول الهجري ببادية العرب. ولم يكن مجنوناً وإنما لقب بذلك لهيامه في حب ليلى العامرية التي نشأ معها وعشقها، ورفض أهلها تزويجها له، فهام على وجهه ينشد الأشعار ويتغنى بحبه العذري، ويتنقل بين الشام ونجد والحجاز إلى أن مات في العراء وحيداً).
وألف نوائي قصيدة تناولت هذا الموضوع ووصف فيها الحب العذري بين ليلى والمجنون بأسلوبه الخاص. وسعى نوائي من خلالها إلى وصف تلك المشاعر الإنسانية إلشبيهة بوصف حب المتصوفين. وأظهر نوائي وجهات نظره الصوفية أيضاً في قصائده الشعرية "فرهاد وشيرين"، و"خيرة الأبرار"، وطور مواضيعه الصوفية في قصائده الشعرية إلى المستوى الفلسفي الشامل.
وفي نفس الوقت تناول نوائي في قصائده القضايا الإنسانية الصعبة من وجهة نظر إنسانية. وذكر  أ. قيوموف في دراسته "سدي إسكندري" التي صدرت في طشقند عام 1980م أن نوائي في قصيدتيه "سبعي سياري"، و"سدي إسكندري" في مؤلفه "خمسة" أفرد المكانة الأولى للقضايا المرتبطة بالحكام. وكما هو معروف كان نوائي قريباً من بلاط التيموريين وحاول التأثير على الحاكم صديقه حسين بايقره. ولهذا عبر نوائي في قصيدتيه آنفتي الذكر عن أفكار وجهها إلى حسين بايقره وتضمنت: أن السلام لا يدوم، وأن كرسي الحكم السلطاني لا يدوم ؛ وأن على الحاكم واجبات حيال شعبه... وتميز أسلوب نوائي من ضمن تقاليد كتابة الخماسيات الشعرية في قصيدته "خمسة" بطبيعة إجتماعية وسياسية وبالفرادة. وأعطاها عبد الرحمن جامعي (1414-1492م) بعد قرائته لـ"خمسة" تقييماً عالياً.
ومن حيث الأهمية الإجتماعية والأدبية لـ"خمسة" تمتع نوائي بمكانة عالية في آسيا الوسطى، ونسخ الكثيرون "خمسة"، وفي الوقت الراهن هناك في أوزبكستان نسخ كثيرة من "خمسة" أو بعض قصائدها. ويحتفظ معهد أبو ريحان بيروني للإستشراق التابع لأكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان اليوم في خزائن مخطوطاته بـ 166 مخطوطة نسخت خلال القرون الـ15 والـ20، تضمنت كل قصائد "خمسة" أو بعض قصائدها، منها 84 مخطوطة تضمنت كل قصائد "خمسة". ويثبت سعة انتشار وكثرة نسخ "خمسة" أنها حظيت بمكانة خاصة في الحياة الفكرية بآسيا الوسطى.
وكتب نوائي خلال حياته عدداً كبيراً من الأشعار الغنائية. وفي عام 1498م أنهى العمل في مجموعته الشعرية التي ضمت كل أشعاره، وأنجز العمل في أربع دواوين جمعت أشعاره تحت اسم "خزائن المعاني". وبلغ مجموع أسطر المجموعة الشعرية 50 ألف سطر. واستخدم نوائي لكتابة أشعاره 16 إسلوباً من الأساليب الشعرية الـ 21 المعروفة في الأساليب الأدبية في الشرق الإسلامي.
وجمع نوائي أشعاره التي كتبها باللغة الفارسية في مجموعات أطلق عليها اسم "ديواني فاني"، رغبة منه بالتساوي مع الشعراء الفارسيين. ومن قراءة مجموعة الأشعار التي كتبها بأسلوب الغزل في "ديواني فاني" والتي يصل عددها إلى 3150 قطعة شعرية، يمكن التأكيد على أن نوائي كان يتمتع بمكانة هامة ولو من حيث عدد أبياته الشعرية. وبالإضافة لذلك جمع قصائده الشعرية التي كتبها باللغة الفارسية في ديوانين شعريين أطلق عليهما أسماء: "ستة ضرورية" و"فصولي أربعة".
وأسهم علي شير نوائي بأشعاره في رفع مستوى الأدب الأوزبكي (الشغتائي) إلى مستوى أعلى. وتضمنت أشعاره العاطفية جملة من المواضيع وأساليب متنوعة تتفوق كثيراً على الأدب الأوزبكي الذي كتب قبله. وفي أشعاره العاطفية مثل قصائده كان يعبر عن أهمية المسائل الصوفية في الحياة والإيمان. وأول أشعار دينية نشرت له كانت: "رباعي" و"مناجات".
وكانت "نسائم المحبة" أول نص كامل ينشر لشعره الصوفي، وتضمن معلومات عن 750 شيخاً صوفياً. كما كتب نوائي مؤلفات علمية باللغتين الفارسية والتركية، ومن بينها: "محاكمة اللغتين" (1499م)؛ وفي نظرية الأدب "مجالس النفائس"، وفي نظرية العروض "ميزان الوزن"، وفي نظرية أسلوب معمة الـ"مفردات".
وبالإضافة لذلك كتب نوائي مؤلفات تناولت مواضيع تاريخية منها "تاريخ ملوك العجم"، و"تاريخ الأنبياء والحكماء". جمعها في رسالته الأدبية ديوان "منشآت". وفي أسلوب المذكرات كتب: وصف عن حياة عبد الرحمن جامعي "خمسة المتخيرين" (1494م)، و"حالة سعيد حسن أرداشير"، و"حالة بهلوان محمود". وكان مؤلفه "محبوب القلوب" (1500م) آخر عمل كتبه نوائي، وعرض فيه آخر أرائه الإجتماعية والسياسية.

المقبرة التي دفن فيها في هيرات
وكما نرى، أن تراث نوائي كان متنوعاً من حيث المواضيع والأساليب. ومؤلفاته خدمت منذ القرن الـ15 الميلادي وحتى اليوم تطوير الأدب الأوزبكي. وتعتبر مؤلفاته مادة للدراسة ومصدراً للإلهام عبر القرون.
بحث كتبه في طشقند: أ.د. محمد البخاري  يوم الخميس 5/9/2013

الأربعاء، 4 سبتمبر 2013

دراسة عن ميرزة أولوغ بيك

دراسة عن ميرزة أولوغ بيك


ميرزه محمد بن شاه روح بن تيمور أولوغ بيك غوراغان (1394-1449م) هو عالم فلك ورياضيات عظيم، كان من أبرز علماء عصره، ورجل الدولة وحفيد الحاكم والقائد العسكري الشهير الأمير تيمور. والذي حكم ما وراء النهر من عام 1411م وحتى عام 1449م.
السيرة الذاتية
ولد أولوغ بيك (محمد طراغاي) بتاريخ 22/3/1394م بمدينة السلطانية على الأراضي الأذربيجانية اليوم.
وبعد وفاة صاحب قيران العظيم في عام 1405م الذي أسس دولة مترامية الأطراف، ضمت إلى جانب آسيا المركزية كل أراضي الشرقين الأدنى والأوسط من البحر الأبض المتوسط وحتى شمال الهند ضمناً، انتقلت أملاكه من بعده إلى ورثته، وهم أبنائه وأحفاده. وانتقلت زعامة أسرة التيموريين إلى شاه روح بن تيمور الذي اختار هيرات عاصمة لحكمه.
وسلمت إدارة ماوراء النهر لإبن شاه روح الأكبر ألوغ بيك حفيد الأمير تيمور. وفي عام 1409م أعلن ألوغ بيك حاكماً لسمرقند، وبعد وفاة أبيه شاه روح في عام 1447م تولى ألوغ بيك زعامة أسرة التيموريين.
ومنذ الصغر أظهر ألوغ بيك ميولاً كبيرة نحو العلوم والفنون، وخاصة الرياضيات وعلم الفلك. وأسهمت المكتبة الضخمة التي جمعها جده وأبيه في توسيع آفاقه الفكرية والعلمية، وكان يمضى فيها الكثير من أوقاته.
وحصل ألوغ بيك على تعليم متميز بمقاييس تلك الأيام. وتمتع بذاكرة رائعة، وأتقن اللغات العربية والفارسية، وتمكن جيداً من الشعر التركي (باللعة الأوزبكية القديمة)، وأجاد النظريات والأساليب الأدبية وشارك في المناظرات الأدبية، ومارس كتابة الشعر. ودرس على أيدي أبرز العلماء المشهورين في بلاط الأمير تيمور، آنذاك، وكان من بينهم: عالم الرياضيات والفلك كاظم زاده رومي، الذي أطلع ألوغ بيك وهو في سن التاسعة على بقايا المرصد الفلكي الشهير في ماراغ (جنوب أذربيجان). ويمكن أن يكون ذلك التصرف هو ما حدد خياره المستقبلي لعلم الفلك.
وتحولت سمرقند أثناء حياة ألوغ بيك إلى أحد المراكز العالمية للعلوم في القرون الوسطى. وفي سمرقند نشأت حول ألوغ بيك مدرسة علمية كاملة في النصف الأول من القرن الخامس عشر ميلادي، جمعت أبرز علماء الفلك والرياضيات، ومن بينهم: غياث الدين جمشيد كاشي، وقاضي زاده رومي، وعلي كوتشي. وفي تلك الأيام عاش في سمرقند المؤرخ حافظي أبرو، الذي ألف فيها مؤلفه الشهير عن تاريخ آسيا الوسطى، والطبيب الشهير مولانا نيفيس، والشعراء سيراج الدين سمرقندي، وساكاكي، ولطفي، وباداخشي، وغيرهم. وكانوا كلهم من أبرز شخصيات ذلك الزمان وآمنوا بقوة العقل الإنساني، وقوة العلوم.


ريغستان
وخلال الأعوام الممتدة من عام 1417 إلى عام 1420م شيد ألوغ بيك مدرسة في سمرقند، وكانت أول مجموعة معمارية تشيد في ريغستان. ودعى ألوغ بيك لهذه المدرسة عدد كبير من علماء الفلك والرياضيات في العالم الإسلامي. وشيد مدرستين في غيجدوان وبخارى. وشغلت المدارس التي شيدها ألوغ بيك وظيفة جامعات اليوم. ولم تزل على واجهة مدرسة ألوغ بيك في بخارى كتابات تذكر أن: "السعي للعلم من واجب كل مسلم ومسلمة".
وتركز شغف ألوغ بيك على علم الفلك، الذي شغل حياته وحياة معاصريه من علماء الفلك أمثال: قاضي زاده رومي، وجمشيد غياث الدين الكاشي،وعلي كوشتشي، وغيرهم. وكان من ثمرته بناء المرصد الفلكي في سمرقند.


المرصد الفلكي في سمرقند
ويعتبر العلماء والباحثون أن تشييد المرصد الفلكي انتهى خلال الفترة من عام 1428م وحتى عام 1429م. وكان المرصد الفلكي بناء فريد في ذلك العصر. ومن أجل تأمين المبنى من الهزات الأرضية اختير لبنائه موضع حجري على سفح تل كوخاك.
ووجهت الأداة الرئيسية مقياس السدس نحو خط الأفق من الجنوب نحو الشمال. وبالإضافة للأداة الرئيسية أضيفت للمرصد غيرها من الأدوات الفلكية.
وحجم مقياس السدس وتصميمه الناجح ساعد على تحديده معارف ألوغ بيك العلمية ومعارف زملائه حيث تمكنوا من الرصد الفلكي بدقة. وبقيادة ومشاركة عالم الفلك الكبير ألوغ بيك وضعت أهم المؤلفات في المرصد "زيجي غوراغان"، "قوائم ألوغ بيك للنجوم". وتضمن الكاتالوك مواقع 1018 نجماً، حددت بدقة متناهية في المرصد الفلكي بسمرقند ولأول مرة بعد هيبارهوس. واعتبر وضع الكاتالوك الفلكي إسهاماً كبيراً ضمن كنوز علوم الفلك العالمية.
وبالإضافة لذلك جرت في المرصد الفلكي أعمال لتحديد ميل مسير الشمس من خط الاستواء وطول السنة النجمية؛ عن طريق حساب قيم جيب الدرجة الواحدة، وهي ثابتة في العلوم الفلكية الهامة، وتصل إلى المنازل العشرية الثامنة عشرة!
ودقق ألوغ بيك معلوماته أكثر من مرة  وخرج بنتيجة مفادها أن أرقامه دقيقة. وفي عام 1437م حدد طول السنة النجمية: 365 يوماً و6 ساعات و10 دقائق و8 ثواني. وفسر لاحقاً أن الخطأ في القياس كان بـ 58 ثانية فقط. وإذا أخذنا بعين الإعتبار أن طول السنة النجمية تبلغ 31 مليون و558 ألف و150 ثانية، فتصبح واضحة الدقة العالية التي توصلت إليها قياسات ألوغ بيك.
وكان العالم العظيم ألوغ بيك ضعيفاً في القيادة العسكرية. وأمضى معظم وقته في المرصد الفلكي، وخصص وقتاً قليلاً لأعمال الدولة والحكم. وكان إبن ألوغ بيك الأكبر عبد اللطيف، تحت تأثير القسم المتزمت من رجال الدين، وأعلن الحرب ضد أبيه. وعرض على أبيه الحج إلى مكة المكرمة. وفي الطريق إلى مكة المكرمة قتل ألوغ بيك على يد أحد الخونة بقرار من المحكمة الشرعية.
وبعد مأساة مقتل ألوغ بيك العظيم دعت فئة متخلفة من رجال الدين للقيام بتخريب المرصد الفلكي. وجرى طرد العلماء الذين عملوا في هذا المركز العلمي الهام. وسرقت محتويات مكتبته القيمة، وخربت محتويات المبنى. وحتى نهاية القرن الـ 17 الميلادي لم يبق منه أي شيء.


المرصد في مطلع القرن العشرين
ولكن وفاة عالم الفلك العظيم لم تطفئ نجمه الساطع. واضطر تلميذ ألوغ بيك الوفي علي كوشتشي، على مغادرة موطنه سمرقند، وأخذ معه كتاب "زيجي غوراغان" إلى أوروبا، ليصبح في متناول أجيال عديدة من العلماء. وليشتهر اسم وأعمال ألوغ بيك في أوساط علماء أوروبا وآسيا. وتضمن "كاتالوك نجوم السماء" الذي صدر في أوروبا في القرن السابع عشر الميلادي صورة رسمها يان غيفيليه جمعت رمزياً بين علماء الفلك العظام في العالم الذين عاشوا في مختلف بلدان العالم بمختلف العصور، وهم يجلسون خلف طاولة على جانبيها كبار علماء الفلك، وبينهم صورة ألوغ بيك التي رسمها الرسام دون أن يطلع على صورة له.
مؤلفاته
يعتبر كتاب "زيجي جديدي غوراغاني" أو "غوراغاني القوائم الفلكية الجديدة" وبحق من أهم مؤلفات ألوغ بيك العلمية، وهي التي انتهى من كتابتها في عام 1444م بعد ثلاثين عاماً من العمل الدؤوب في الرصد الفلكي. وسرعان ما ترجم مرجع علم الفلك إلى اللغة اللاتينية إلى جانب "المجسطي" لكلاوديوس بطليموس والقوائم الفلكية لملك قشتاله ألفونسو الخامس عشر التي كانت من المراجع العلمية لعلماء الفلك في كل المراصد الفلكية في أوروبا.
والأكثر صحة أن هذه القوائم تفوقت على كل المنجزات المحققة في الشرق وفي أوروبا. وفي القرن السابع عشر الميلادي فقط تمكن تايكو برايي من رصد كان أقرب بدقته من مقارنة الرصد الذي جرى في سمرقند، وبعد ذلك تمكن من تجاوزه. ولا غرابة أن "زيجي أولوغ بيك" جذبت اهتمام علماء الفلك في الشرق وفي أوروبا.
وتتألف "زيجي أولوغ بيك" من أربع أجزاء كبيرة. حمل الجزء الأول منها اسم مشاهدات، وتضمن طرق حساب السنوات، المستخدمة عند مختلف الشعوب الشرقية. وتضمن الجزء الثاني مسائل في علم الفلك التطبيقية، و تضمن الجزء الثالث معلومات عن حركة المجرات المرئية من خلال نظام مركز الأرض في العالم، وخصص الجزء الرابع لعلم النجوم وفق تصورات علماء القرون الوسطى.
وتضمن الكاتالوك 1018 نجمة رصدها أولوغ بيك وشكلت بوصلة لعلماء الفلك والتاريخ، الذين يدرسون المدونات القديمة. وتؤكد جداول أولوغ بيك للنجوم صحة أطلس بطليموس للنجوم الذي ترجم في "المجسطي".
وفي عام 1648م نشر في اكسفورد أحد مهود العلوم والثقافة الأكثر قدماً في إنجلترا، وللمرة الأولى جزئياً المؤلف الرئيسي، الذي أنجزه أولوغ بيك في المرصد الفلكي الشهير بسمرقند. وأعد الكتاب للنشر وعلق عليه جون غريوس (1602-1652م)، بروفيسور وعالم الفلك في جامعة أكسفورد. ولاحقاً صدرت مقتطفات من الكاتالوك في إنكلترة عدة مرات.
وبعد 17 عاماً من إصدار إكسفورد الأول، قام العالم وحارس مكتبة بودليانسك في أكسفورد، والمستشرق الإنكليزي والمترجم توماس هايد (1636-1703م) بإعداد وطباعة باللغتين الفارسية واللاتينية إصدار جديد لكاتالوك سمرقند تحت اسم "Tabulae Long, ас Lat. Stellarum Fixarum, ex observatione Ulugh BeighiOxonii، 1665.
وصادف نشر كتالوك أولوغ بيك في أوروبا العصر الذي زاد فيه الطلب على الكتالوكات الفلكية للقيام بأعمال رصد وحسابات دؤوبة، وحسبت الأجزاء وكان تقدير رصاد السماء آنذاك عالياً. وتمتعوا بأهمية عملية كبيرة، لأنه ومنذ العهود القديمة اعتمد التوجه على الطرق على سطح الأرض على رصد النجوم. وكان تحديد الموقع ضروري جداً للتطور السريع الذي شهدته الملاحة البحرية، التي جاءت بعد الإكتشافات الجغرافية العظيمة.
وبعد مرور 25 عاماً على ما أصدره هايد في إكسفورد، أخذت معلومات قوائم أولوغ بيك مكاناً لها على صفحات كتاب "Prodromus Astronomiae" الذي نشره في جدانسك عالم الفلك البولوني البارز يان غيفيليا (1611-1687م). وأجريت فيه مقارنة بين المعلومات التي أوردها أولوغ بيك مع غيرها من المعلومات التي توفرت في كتالوكات ذلك الوقت: بطليموس، وتايكو برايي، وريتشيولي، والأمير غاس، وغاليلي.
وفي عام 1839م نشر المستشرق الفرنسي ل.أ. سيديو (1808-1876م) جزء من قوائم أولوغ بيك تحت اسم "Tables astronomigue d'Oloug Beg, commentees et publiees avec le texte en regardTome I، I fascicule، Paris، 1839.
وفي النهاية جاء تحليل مفصل لكاتالوك أولوغ بيك للنجوم، بني على دراسة 8 مخطوطات محفوظة في مكتبات بريطانيا العظمى، ونشرها إ.ب. نوبل في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1917 تحت اسم "Ulugh Beg's Catalogue of Stars. Revised from all Persian Manuscripts Existing in Great Britain".
والجدير بالذكر أن خزائن الكتب في أوروبا وآسيا تضم عشرات النسخ المخطوطة لـ"زيجي". وهكذا غدت قوائم أولوغ بيك للنجوم الكلمة الأخيرة في علم الفلك في القرون الوسطى قبل اختراع التلسكوب.
وتراث أولوغ بيك العلمي الغني يشهد على أنه كان ليس ابناً عظيماً للشعوب الإسلامية فقط، بل وموهبة إبداعية قدمت إسهاماً قيماً لتطوير العلوم والحضارة الإنسانية. ولهذا وبعد مرور عدة قرون وحتى الآن بقي اسم أولوغ بيك رمزاً يوحد شعوب الشرق والغرب من أجل الأهداف النبيلة.
ويدرس تراث أولوغ بيك العلمي والمعنوي في الوقت الراهن في أبرز المؤسسات التعليمية والمراكز العلمية في العالم. وبمبادرة من رئيس جمهورية أوزبكستان إسلام كريموف أطلق اسم هذا العالم البارز على الجامعة القومية في أوزبكستان، وهو ما يشهد على المقدرات العلمية والتربوية العالية التي تتمتع بها جمهورية أوزبكستان.
واحتفلت الساحة الدولية في عام 1994م بذكرى مرور 600 عاماً على ميلاد هذا العالم، وبهذه المناسبة جرت عدة نشاطات بمشاركة علماء ومتخصصين وشخصيات إجتماعية أجنبية.
ونظم في باريس عام 2009 مؤتمراً علمياً دولياً صادف الذكرى 615 لميلاد ميرزه أولوغ بيك. وشارك في أعمال المؤتمر أكثر من 130 عالم ومندوب عن مختلف المنظمات الدولية.
وأثبت هذا المؤتمر مرة أخرى عظمة الإهتمام بتراث ميرزه أولوغ بيك المعنوي والعلمي في كل العالم. خاصة وأنه في "كاتالوك نجوم السماء" الذي صدر في أوروبا في القرن السابع عشر الميلادي صورة رسمها يان غيفيليه جمعت رمزياً بين علماء الفلك العظام في العالم الذين عاشوا في مختلف بلدان العالم وبمختلف العصور، وبينهم صورة لابن الشعب الأوزبكي العالم العظيم ألوغ بيك.
كتبها: أ.د. محمد البخاري
بتاريخ 4/9/2013

الثلاثاء، 3 سبتمبر 2013

كمال الدين بيهزاد.


كمال الدين بيهزاد


كمال الدين بيهزاد (1455-1535م) فنان تشكيلي فارسي مارس رسم المنمنمات في هيرات من عام 1468م وحتى عام 1506م وكان من أكبر أساتذة مدرسة هيرات للرسم. وهو الذي اعتبر في الغرب "رفائيل الشرق".
سيرة حياته
لا تتوفر أية معلومات دقيقة عن حياة كمال الدين بيهزاد. لأنه لم يعثر على معلومات عنه من اللذين عاصروا نشأته، ويعتبر أنه ولد في أسرة حرفيين.
ووفق معلومات المؤرخين نشأ بيهزاد يتيماً منذ سن مبكرة. وتولى تربيته الخطاط والفنان التشكيلي المعروف ميرك نقاش خوراساني، الذي شغل في بلاط السلطان حسين بايقره المنصب العالي "كتاب دار" أي رئيس المكتبة. وجاء في بعض المصادر أنه كان أحد الفنانين لدى سعيد أحمد تبريزي، الذي يدين بيهزاد له بفنه.
كما أثرت شخصية علي شير نوائي كثيراً على تكوين شخصية بيهزاد وتصوراته الفكرية بشكل كبير، وكان علي شير نوائي وزيراً وشاعراً متخصص في العلوم الإنسانية، في الأجواء الإبداعية التي تميزت بها الحياة أثناء حكم السلطان حسين بايقره.
وفي عام 1480م خرجت من بين جدران مكتبة السلطان حسين بايقرة عدة مخطوطات شارك فيها كمال الدين بيهزاد برسوماته. وفي منمنمات تلك المخطوطات أظهر بيهزاد نفسه كأستاذ في تصوير مشاهد المعارك، وكأستاذ في رسم الشخصيات البشرية وخصائصها الفردية. وتميز بالعديد من التصورات الفنية الجديدة.
وفي تسعينات القرن الخامس عشر الميلادي أصدر السلطان حسين بايقرة أمراً بتعينه رئيساً لكتاب خانة السلطان، التي ضمت المكتبة وورشة نسخ الكتب. وبذلك تمكن بيهزاد ليس من تنفيذ منمنماته ورسومه فقط، بل والقيام بقيادة المشاريع وتوجيه أعمال الفنانين.
وفي 1506م توفي السلطان حسين بايقري، وبعد شهر من وفاته احتل الأوزبك بقيادة زعيمهم محمد شيباني خان هيرات. وحافظ بيهزاد على رئاسة كتاب خانه كما في السابق، بموافقة شيباني خان. وبقيت لنا من ذلك الوقت لوحة صورة شيباني خان التي رسمها الفنان بيهزاد.
وخلال الأعوام 1507-1510م انتقل بيهزاد إلى بخارى وراء شيباني خان مع الكثير من فناني هيرات.
ولكن في عام 1510م انتصر مؤسس الأسرة الصفوية الشاه إسماعيل الأول (حكم خلال الأعوام 1501- 1524) على شيباني خان وقتله، وبعدها انتقل بيهزاد إلى تبريز عاصمة الإمبراطورية الفارسية الجديدة. لتصل شهرة بيهزاد خلالها إلى ذروتها.
وخلال الفترة الممتدة مابين عام 1520 و1522م وصل بيهزاد إلى بلاط الشاه إسماعيل. ومع وصوله وجد بيهزاد ورشة جاهزة جهزت لإنتاج المخطوطات. وفي عام 1522 وبقرار من الشاه إسماعيل عين بيهزاد رئيساً لكتاب خانه الشاه. ولكن بعد وصوله بسنتين توفي الشاه إسماعيل فجأة عن عمر يناهز الـ 37 عاماً في عام 1524م ، وبعدها وكما هو معتاد ارتبطت إبداعان بيهزاد باسم الحاكم الصفوي التالي، الشاه تاخماسبا الأول (تولى الحكم من عام 1525م وحتى عام 1576م)، واستمر بيهزاد بالخدمة تحت رعايته في ورشة الشاه حتى وفاته.
وتوفي كمال الدين بيهزاد في عام 1535م أو في عام 1536م. وتميزت إبداعاته بالواقعية الطبيعية، وكانت أكثر دقة في فهمه للمناظر الطبيعية وإعطائه الحركة الحية لأجسام الإنسان والحيوان في رسوماته. وفي لوحاته الأخرى استخدم الخطوط التقليدية التي وضعها فنانون سابقون واعتمد على تلك الخطوط في بناء لوحاته، وأنتج لوحات فريدة "لوحات تبهر بكمالها وتطورها، وتصوير شخصياتها الحية. وسعة أفكارها".
ومن الخصائص التي تميزت بها لوحات بيهزاد أنه أدخل في منمنماته الكثير من الشخصيات الجديدة، وصور التفاصيل المعمارية، وأحرز تقدماً في إطار تصويره للعالم، وأدخل عمقاً تصويرياً في لوحاته. ووزع الشخصيات حول الوسط، بشكل بيضوي. وزاد من حيويتها بالوقفات والحركات، مما أوجد وسطاً حياً للحركة في لوحاته. وتمكن بيهزاد من تفاصيل اللوحة، وحتى الشخصيات، وهو ما أعطى فضاءاً سحرياً للوحاته. ولإعطاء انطباع عميق لعبت وقفات وحركات وجوه شخصيات اللوحة. ولعبت واجهات المباني، والمنمنمات، والجدران الجانبية، والجسور، ومصطبات الجلوس وغيرها دوراً مهماً وكبيراً جداً في تفاصيل اللوحة لتصوير العمق والمساحة في اللوحات التي رسمها بيهزاد.
وعكس بيهزاد تطور تام في لوحاته المنمنمة من خلال اختياره للألوان. وقبل كل شيء يجب الإشارة إلى غناها بالألوان والديكورات الهندسية. وتنوع تناغمها، وتنوع وإنسجام الألوان في لوحاته، وإستخدامه الوفير للون الذهبي الذي أعطى فاعلية مبهرة لألوانه. ومع ذلك خخصص مركز اللوحة للشخصيات الرئيسية في الموضوع، لشد انتباه المشاهد، ووزع ألوانه بشكل متوازن على خلفية شخصيات اللوحة من أجل إعطائها مسحة من الكمال التام.
وعاش بيهزاد حياة إبداعية رائعة، وزود كتب الكثير من الكتاب والشعراء بالصور. وتحتفظ بمنمنماته اليوم مكتبة تشيستر بيتي في لندن، والمكتبة القومية التي تحتفظ بـ 8 منمنمات في مؤلف علي يازدي "زافارنامة"، المكرسة لحياة وأعمال الأمير تيمور.
واستخدمت في لوحات بيهزاد التشكيلية المنمنمة واقعية دقيقة، وألوان بمسحة بديعة، وخطوط إنسيابية، مع حركة في توزيع البقع اللونية، وكلها تعطي لوحاته مسحة موسيقية شاعرية رائعة ترفع من قيمتها الفنية. وتمتلئ لوحاته المنمنمة بالتناغم والحياة الهادئة. وتتحدث كلها عن السعادة. وتصور العديد من المنمنمات شاعرية وتناغم الأشكال والمضامين من خلال المواضيع الممتعة التي اختارها للوحاته.
ورسم بيهزاد الكثير من الرسوم التي زينت مؤلفات نوائي، ونظامي. ورسم لوحات تصور حسين بايقره، وشيباني خان، والشعراء خاطري، وجامعي، وصور جملة في الفنون المسرحية للشعراء، ومن بينها لوحاته عن نوائي وبابور.
وقدمت الألوان الفريدة لأعمال كمال الدين بيهزاد إسهاماً كبيراً في تطوير الفنون الجميلة العالمية، وحتى الآن تبهر اللوحات التي رسمها الفنان العظيم العالم، وتعتبر في كل الأوقات مصدراً للإلهام ومثال يحتذى للكثير من الفنانين. وقدم تلاميذ الفنان سلطان محمد، وقاسم علي، ومولانو درويش محمد، إسهاماً كبيراً في تطوير مدرسة المنمنمات الشرقية. وحتى اليوم تتمتع أعمال كمال الدين بيهزاد بأهمية كبيرة ليس في تطوير الفنون القومية فقط، بل ولمستقبل النمو المعنوي والروحي للشعب الأوزبكستاني.