الثلاثاء، 4 نوفمبر 2014

11- الاتصال الشفهي. نظريات الإعلام والاتصال الجماهيري.

11- الاتصال الشفهي. نظريات الإعلام والاتصال الجماهيري. يتناول هذا البحث بالإضافة للمقدمة، مفاهيم الاتصال، وتعريف الإعلام، وعملية الاتصال وعناصرها، ووظائف وسائل الإعلام، ونظريات الاتصال وتطورها، ونظرية مارشال ماكلوهان، والاتجاه الجديد للاتصال، والقائم بالاتصال ونظرية (حارس البوابة)، ودراسات القائمين بالاتصال والنخبة الإجتماعية، وتكنولوجيا وسائل الأعلام وتأثيرها على المجتمعات، نظرية (مارشال ماكلوهان)، والاتصال الشفهي، والاتصال الكتابي، والاتصال الكتابي المطبوع، والعودة للاتصال الشفهي، ونظريات الصحافة الدولية: نظرية السلطة المطلقة، ونظرية الصحافة الحرة، والنظرية الاشتراكية للصحافة، ونظرية المسؤولية الاجتماعية، ونظرية المسؤولية العالمية للصحافة، والخاتمة، وقائمة بالمراجع.
11- الاتصال الشفهي
أشار ماكلوهان، إلى أن الناس يتكيفون مع الظروف المحيطة بهم عن طريق الحواس الخمس "السمع، والبصر، واللمس، والشم، والتذوق" وتوازنها مع بعضها البعض، وإلى أن كل اختراع تكنولوجي جديد عمل على تغيير التوازن بين تلك الحواس، فقبل اختراع جوتنبرج لحروف الطباعة المتحركة في القرن الخامس عشر، كان التوازن القبلي القديم يسيطر على حواس البشر، وكانت حاسة السمع هي المسيطرة. وأن الإنسان في مرحلة ما قبل التعلم كان يعيش في عالم يتضمن أشياء كثيرة في الوقت نفسه، وكانت حاسة السمع تفرض نفسها على الواقع وعلى الفرد من جميع النواحي عن طريق الأذن، ولم يكن لعنصر الزمن لا حدود ولا اتجاه ولا أفق، وعاش الإنسان في غياهب عقله وفي عالم العاطفة معتمداً على عنصري الإلهام البدائي والخوف، ولم يدرك عنصري الزمان والمسافة، بل كان يدركهما عن طريق حاسة السمع، وكانت الأشعار المغناة من أكثر أدوات التحضر، وكان الاتصال الشفهي الرابط الذي يربطه بالماضي، وكانت المعاني بمستويات متعددة كطابع عام، وكانت قريبة جداً من الواقع الذي يعيشه، لأن الكلمات كانت لا تشير إلى الأشياء فقط، بل كانت هي نفسها تلك الأشياء، وكانت كلمة الإنسان ملزمة، وكان الإنسان يتمتع بذاكرة قوية جداً "بالمقارنة مع المستويات الحديثة"، وكانت الصور الذهنية تصاحب دائماً الأفكاره السمعية، باستخدام الحواس جميعها، رغم اقتصارها على الصوت. وكان الناس في ظل هذا النظام يحصلون على معلوماتهم أساساً عن طريق سماعها من الآخرين، وهذا يعني ضرورة اقتراب الناس من بعضهم البعض، على شكل قبلي لا يثير الخوف، وفرض عليهم أسلوب الحصول على المعلومات، الإيمان بما يقوله الآخرون بشكل عام، لأن تلك المعلومات كانت الوحيدة المتوفرة لديهم، ولأن الاستماع كان يعني الإيمان لدى إنسان ذلك العصر.
وأثر أسلوب الاتصال الشفهي آنذاك على الناس وجعلهم عاطفيين أكثر من اللازم، لأن الكلمة المنطوقة كما هو معروف عاطفية أكثر من الكلمة المكتوبة، لأنها تحمل عاطفة بالإضافة للمعنى، وكانت صيغ نطق الكلمات تعبر عن الغضب والموافقة والرعب والسرور والتهكم، الخ. وكانت ردة فعل الفرد القبلي تعتمد على حاسة السمع، وكان يتسم بقدر أكبر من العواطف المستمدة من المعلومات التي حصل عليها، وكانت الشائعات تضايقه بسرعة وبسهولة، لأن عواطفه كانت دائماً سطحية.
12- الاتصال الكتابي
ومع دخول الاتصال عصر الكتابة وضع حداً للإتصال الشفهي. وساعدت الكتابة على نقل التطور الحضاري ونقل ما توصلت إليه هندسة بناء المدن وشق الطرق البرية وانتقال التجارة وجيوش الفاتحين، وشكلت نقطة البداية لنشوء الدواوين والبيروقراطية وانتشارها. وهكذا أصبحت الكتابة وسيلة هامة لانتقال الحضارة وتنوير العقول. وبالتدريح انتقلت الكتابة من النقوش الهيروغليفية والمسمارية على الجدران والمسلات الحجرية والرقم الطينية والألواح الخشبية والمعدنية إلى الكتابة على الجلود الحيوانية. وهكذا انتقل الإنسان من مرحلة الاتصال عن طريق حاسة السمع إلى الاتصال عن طريق حاسة البصر. ومع اختراع الحروف الأبجدية وصناعة الورق والطباعة غدا الاتصال يعتمد أكثر على حاسة البصر.
13- الاتصال الكتابي المطبوع
من المعروف أن مجتمعات ما قبل تعلم الكتابة والقراءة كانت تحتفظ بتراثها الثقافي المنطوق في الذاكرة للأجيال القادمة. ولكن بعد اختراع الكتابة ومن ثم الحروف الأبجدية، حدث تطور في أسلوب خزن ونقل المعلومات من جيل إلى جيل عن طريق الكتابة، وحلت حاسة البصر مكان حاسة السمع كوسيلة اتصال لنقل المعرفة إلى الأجيال القادمة. وبقي الصوت من الوسائل الأساسية للاتصال عند التخاطب أو القراءة الجهرية أو إملاء النصوص لكتابتها.
ومع اختراع جوتنبرج لحروف الطباعة المتحركة في القرن الخامس عشر أصبح الاتصال المطبوع وسيلة اتصال جماهيرية واسعة الانتشار تجاوزت فنون الاتصال عن طريق الخطابة أمام جمع من الجمهور متواجد في مكان وزمان واحد مع الخطيب، لمخاطبة الإنسان دون اتصال مباشر عن طريق الكلمة المطبوعة أينما كان وفي أي زمان. ومن الثابت أن العين لا تختار ما تراه، بل ترى كل ما يقع أمامها، وأن الأذن لا تتوقف عن السماع أبداً، في الوقت الذي تستمر به الحواس الأخرى لدى الإنسان بالعمل دون إرادة منه. ولكن الإنسان يحتاج لفترة من الزمن ليصف ما يحس به من مشاعر لغوياً نطقاً أم كتابة، وعليه اختيار أصوات المفردات المعبرة عن مشاعره للنطق ونقل معانيها لأسماع الآخرين، وكان الإتصال في هذه الحالة بين مرسل ومستقبلين، بينما احتاج بالإضافة لذلك اختيار الحروف المناسبة لكتابة تلك المفردات في حال وصفه لمشاعره كتابة لتوصيلها للآخرين لقراءتها وفهم معانيها. وكان الإتصال في هذه الحالة بين مرسل ومستقبلين يجيدون الكتابة والقراءة.
وجاء إختراع غوتينبيرغ ليحدث ثورة في عام الإتصال، أخرجته من الاتصال الجماهيري المباشر إلى الاتصال الجماهيري غير المباشر. ومع تعدد النسخ المطبوعة المتطابقة تطور التعليم والتعلم بالإعتماد على الذات، واصبح عاملاً من عوامل العزلة بعد أن أصبح الإتصال يتم ولأول مرة بين البشر عن بعد، فالكاتب يكتب أفكارة وتتولى المطبعة طباعتها بنسخ كثيرة تأخذ طريقها للقراء أينما وجدوا. وتبعته الصحف المطبوعة لتحدث تغييرات جذرية في أحاسيس البشر وانتقالهم مما كانوا يشعرون به عن طريق حاستي البصر والسمع بمشاركة الحواس الأخرى، إلى تصور تلك المشاعر عن طريق قراءة الحروف والمفردات والجمل المكتوبة وتحويلها إلى رموز مفهومة تصور له تلك المشاعر المكتوبة. ورافقها ظهور الصحافة الدورية ومهن حديثة ارتبطت بها، وأدت كلها إلى ظهور اقتصاد الصحافة المطبوعة.
وأشار ماكلوهان في كتابه "عالم غوتنبيرغ" الذي صدر عام 1962 إلى أن اختراع الطباعة بالحروف المتحركة ساعد على تشكل الثقافة الجماهيرية في أوروبا خلال الفترة الممتدة ما بين الأعوام 1500 و1900، وأسهمت بإنتشار الثقافة الجماهيرية على المستوى القومي، وأعادت تشكيل مشاعر الإنسان القادر على الإستمرار بعصر النهضة. وجاء الكتاب المطبوع ليصبح أحد عوامل انتشار الأفكار الدينية. وأضاف ماكلوهان أن كل الأشكال الميكانيكية رافقت ظهور الحروف المتحركة التي كانت نموذجاً للآلة، التي أحدثت ثورة حقيقية فصلت بين العقل والمشاعر، وفرضت المنطق لتسيطر التكنولوجيا الحديثة في عالم الاتصال الجماهيري.
14- العودة للاتصال الشفهي
أطلق ماكلوهان على المرحلة التي نعيشها اليوم عصر "الدوائر الإلكترونية" وتمثلها الإذاعة المرئية وشبكات الحاسب الإلكتروني، لأن تكنولوجيا الاتصال الإلكترونية بتوسعها أصبحت تشبه ما يدور في العقل البشري، ووضعت حداً لأسلوب تجريد الواقع وأعادت الإنسان مرة أخرى للعلاقات التي سبقت ظهور وسائل الإتصال الجماهيرية، وخلقت نتاجاً ثقافياً واسعاً. وذكر ماكلوهان أن أنماط الاتصال الإلكترونية مثل: البرقيات، والإذاعتين المسموعة والمرئية، والسينما، والهاتف، والعقل الإلكتروني، شكلت الوجه الحضاري للقرن العشرين وأنها ستستمر في القرون القادمة. وأن الإنسان الذي شاهد في عصر النهضة ظهور الطباعة، شاهد تسلسلاً متصلاً لسطر الحروف شاركت فيها وسائل الاتصال الجماهيرية الحديثة، وتغيرت معها عادات المطالعة لتصبح مطالعة الكتب تختلف عن مطالعة الصحف التي تنتقل من خلال العين وبشكل مستمر بين مجموعة من العناوين الرئيسية والفرعية والفقرات التي تقدم من خلالها الموضوعات، بالإضافة للصور والإعلانات التجارية وغير التجارية. وأشار ماكلوهان إلى أن "الناس فعلاً لا يقرأون الصحيفة، بل يقتنونها كل صباح كأخذهم الحمام الصباحي الساخن"، إما عن طريق الشراء المباشر أو عن طريق الإشتراك، وتعرض الصحيفة القارئ لشتى الموضوعات المنقولة من أنحاء العالم نقلاً عن وكالات الأنباء أو المراسلين، وطبعاً القارئ لا يعرف الكثير عن تلك العملية المعقدة لنقل الأنباء، ويصعب عليه فهم معظم تلك الأنباء بسبب بعده عن مواقع الأحداث. وذكر ماكلوهان أن العالم الذي سبق عصر الكهرباء كان مجرداً ومتخصصاً حتى في الجزئيات.
15- نظريات الصحافة الدولية
مجموعة العوامل التي تشترك في تأسيس منطق النظرية العلمية في المجالات الإنسانية والحياتية المختلفة، هي في حقيقتها نابعة من بيئة الإنسان ومجموعة المنبهات والاستجابات التي تتكون وفقاً لها. وقد عرف الإنسان إنسانيته فعلاً، واستطاع تشخيص تلك العوامل البيئية والاجتماعية والنفسية بعد أن عرف اللغة ومفرداتها، إذ أن اللغة في شكلها الأول وبطبيعتها البسيطة البدائية، كانت ضرورية لحياة الجماعة وأساساً لتكوين العلاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان، وبمرور الزمن تطورت اللغة لتصبح ذاكرة المجتمع ومكنت الإنسان من تنسيق جهوده وتوحيدها في مجرى مشترك عام، وجعلت تداول الخبرة ممكناً بين الأفراد والأجيال والمجتمعات. وهي في هذا المعنى الواسع أصبحت أداة اتصال رئيسية بين بني البشر، كما أنها في الجانب الثاني أصبحت أداة فكر وأداة لتبادل الآراء والأفكار بين الناس. وقد جاءت المطبعة لتفتح الطريق أمام الثورة الصناعية بعد أن مهدت لها الثورة العلمية، وما أن دخلنا القرن العشرين حتى صار العالم يعيش ثورة شاملة في الاتصال والإعلام الجماهيري. وانحسرت المسافات الجغرافية أمام القدرات التكنولوجية لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. ومن أجل تسخير هذه القدرات وتوظيفها لخدمة المعلومات وتبادلها بين المجتمعات، أخضعتها الحكومات والدول إلى نظرياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. مما دفع علماء الاتصال والإعلام الجماهيري لتأسيس نظريات إعلامية مستمدة من تلك النظريات السياسية الأوسع وتطبيقاتها العملية في المجتمعات المختلفة من رأسمالية أو اشتراكية أو هجينه أو خاصة، وغيرها.
ولا غرابة أن يكون لإعلام الدول النامية قولٌ في هذا المجال لاسيما وأنها ابتليت بالأوضاع التي فرضتها عليها السياسات الإستعمارية، وما تعانيه من شدة الخلافات السياسية التي انعكست بالنتيجة على فعالياتها الإعلامية. ورغم أن العالم يعيش اليوم القرن الحادي والعشرين، ودخوله عصر المعلوماتية ووسائل الاتصال المتطورة فإننا نلاحظ استمرار تخبط الدول النامية في مشاكلها الإعلامية والاتصالية التي ازدادت صعوبة وتعقيداً. إذ أن الإعلام هو ظل السياسة في الحركة الاتصالية اليومية والتطبيق للمنهج السياسي والاقتصادي والفكري والتربوي والتعليمي والثقافي، في هذا البلد أو ذاك. وأن وعي الإنسان لمثل هذه العوامل والتكوينات الاجتماعية وتقديره للظروف الموضوعية والذاتية التي تحيط به، يرتبط ارتباطاً مباشراً بلغته القومية، لاسيما وأنها "أي اللغة" هي التعبير عن تقديرنا للواقع الموضوعي، وقد ظهر الوعي واللغة في مرحلة محدد من التطور الاجتماعي للبشرية، ليتمكن بنو البشر من التواصل والاتصال ببعضهم البعض.
واللغة تمنح الإنسان بالإضافة إلى وراثته البيولوجية فرصة كغيره للاستثمار الأمثل للثقافة والمعرفة. وقد أتاح العلم الحديث للغة ممكنات ووسائل متعددة للتعبير عن دقائق الأحكام الفعلية في صورها النظرية والتطبيقية ولمختلف الحاجات الإنسانية. ونظراً لتعدد خصوصيات تلك الحاجات الإنسانية وأساليب إشباعها من الوجهة الاتصالية والإعلامية الجماهيرية فقد عمد رجال الإعلام إلى إتباع النظرية المناسبة لهم في الخطاب الاتصالي والإعلامي لتجسيد المستويات الإعلامية الوظيفية المطلوبة، وهي: المستوى المعلوماتي: الذي يتوسل باللغة لتوصيل المعلومات إلى المتلقي بأسلوب مباشر وبصياغة واضحة ودقيقة. والمستوى الإقناعي: وهو الذي يقصد إقناع المتلقي ودعوته إلى الالتزام الأولي ومن ثم التبني للمضمون المطروح أو الفكرة المقصودة أو الرأي المراد إيصاله ومن ثم تدعيمه عن طريق خلق القناعات لدى مجموع الجماهير. والمستوى التعبيري: الذي يدخل في باب فن الأدب المستخدم في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية السمعية والمرئية والمقروءة لاسيما المستندة منها على استعمال الصورة المتحركة أو الثابتة.
وسنتناول هنا عرض أولي لبعض النظريات الإعلامية السائدة في العالم، التي أصبح لابد من تطويرها بما يتلائم ومتطلبات العولمة والمجتمع المعلوماتي الآخذ بالإنتشار والتوسع، لتلبي حاجة المجتمع الإنساني للمعرفة في عالم أصبح فيه حوار الحضارات والثقافات واقعاً وضرورة ملحة للعيش في مجتمع تسود فيه العقلانية، ومعها حق الحياة للرأي والرأي الآخر. ومن هذه النظريات:
16- نظرية السلطة المطلقة
السلطة المطلقة هي من أنظمة الحكم وتتمثل في حكم القياصرة والأباطرة الديكتاتوريين غير المؤمنين بالحرية أو الديمقراطية ولا يسمحوا بمشاركة الشعب في الحكم على الإطلاق، وتستند السلطة باعتبارها نظاماً من أنظمة الحكم على فكرة "الحق الإلهي المقدس" وعلى الفكرة القائلة "بأن الحاكم ظل الله وخليفته في الأرض".
مدخل نظرية السلطة المطلقة: من المتفق عليه أن عام 1450 كان تاريخ ولادة الاتصال والإعلام المطبوع حيث تشير المصادر إلى أنه كان تاريخ ظهور الطباعة، وقد كان الاتصال والإعلام المطبوع خاضعاً للسلطة، ومقدار هذا الخضوع مرتبط بطبيعة المجتمع الذي يتواجد فيه. فإما أن يكون المجتمع خاضعاً للسلطة المطلقة، أو أن الفلسفة التي تحكم هذا المجتمع تدعو إلى ذلك. وقد شهد العالم من هذه الفلسفات شتى أنواع السلطة المطلقة. وعلى سبيل المثال: سيطرة الكنيسة ورجال الدين في المجتمع الأوروبي، التي خلقت من النظام السائد مجتمعاً خاضعاً للسلطة المطلقة، واحتلت فيه الدولة درجة أعلى من الفرد في سلم القيم الاجتماعية ولا يستطيع الفرد في مثل هذا المجتمع أن يحقق أهدافه أو ينمي قدراته وملكاته إلا عن طريق خضوعه للدولة خضوع الخانع الذليل. وأن يكون أسمى تفكير عنده التفكير التابعي الذي يلغي الوعي والعقل والشخصية.
وفي دولة السلطة المطلقة، يشغل رجل أو رجال قليلون مراكز القيادة، ويتمتعون بسلطات مطلقة، وعلى الآخرين الطاعة والخنوع لها، ولا وجود للتمثيل الشعبي في مثل هذه الدول. ولكن ما هو مصدر الحقيقة في مجتمع السلطة المطلقة ؟ وللجواب على هذا السؤال يمكن أن نعتمد على حقيقة التفويض الإلهي أو على الإدعاء العنصري في مثل هذا المجتمع أو ذاك. الذي يقول بوجود جنس معين يعتبر نفسه أعلى من الأجناس الأخرى ويتمتع بحكمة أكثر منهم. وباختصار فالحقيقة تتمثل في قدرة القائد أو الجماعة المعينة على تقدير الظروف وتفهم المخاطر وتشخيص إمكانيات تخطيها. وتعتبر الحقيقة في هذا المجتمع حكراً لهذه القلة التي تعتبر نفسها حكيمة، وترى أن من حقها أن توجه الجماهير الغفيرة. أي أن الحقيقة تتمركز حول مراكز القوة والسلطة، وليس من المهم في هذه الحالة البحث عن مصدر الحقيقة التي تستمد منها الدولة المتسلطة فلسفتها وسياستها. إذ أنها مقصورة على فئة محدودة من الناس، ولا يحق لأي فرد من الأفراد أن يتخذ إليها سبيلاً، لأن من أهداف الدولة المتسلطة الحفاظ على وحدة الفكر والعمل حسب اجتهادات السلطة، لإبقاء الجماهير في حالة معينة حسبما تشاء.
أسس نظرية السلطة المطلقة:
- مذهب الحق الإلهي: وهو مذهب أعتمد من قبل القياصرة والأباطرة في الحكم، وتوارثه النبلاء للاحتفاظ بأوضاعهم ومراكزهم وامتيازاتهم في السياسة والحكم، وترجع هذه النظرية إلى أقدم عصور التاريخ. وقد يرجع سيادة هذه الفلسفة أو النظرة إلى الممالك والإمبراطوريات الشرقية والغربية على حد سواء ما عدا بعض الاختلافات الجزئية الطفيفة التي تحدث بين كل حاكم وآخر في ممارسة السلطة على المجتمع. إذ لا ينكر أن بعضهم كان يؤمن بالحق والفضيلة وتبادل الرأي والمشورة، كما كان نقيضه يمارس الاستبداد والقسوة تحت تعبير أو فلسفة "ظل الله وخليفته في الأرض"، وقد كانت أوروبا تحت هذا الحكم خلال العصور الوسطى، الذي تحول خلاله الشعب إلى عبيد أقنان خاضعين بصورة مطلقة لهذا الحاكم أو ذاك.
- الصحافة والسلطة المطلقة: لم تستطع الصحافة وأساليبها من تغيير شئ في نظرية السلطة المطلقة، بل على العكس ازدادت سطوة هذه النظرية وظلت تمارس تسلطاً جوهرياً على الصحافة وعلاقتها بالمجتمع ووظيفتها الإعلامية التي مارستها تحت سيطرة الحكم المطلق، ودأبت السلطة على تعزيز نظرية السلطة المطلقة للحفاظ على سلطانها المطلق وأخذت تحيط نفسها، بالعقلاء والحكماء أصحاب الامتيازات الفكرية، القادرين على إدراك أهداف الدولة في السيطرة والاستقرار. وأخذت تمنحهم المناصب المرموقة في المجتمع ليعملون كمستشارين للقادة الحاكمين ويحتكرون كل الحقائق الفكرية لأنفسهم وليسخروا فلسفاتهم وأفكارهم لخدمة الطبقة المسيطرة على جهاز الدولة. التي تعطيهم حق مخاطبة الشعب وأن يكونوا ألسنة للحكام تتصل بالجماهير عن طريق وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المتاحة، ومنها الصحافة المطبوعة التي حظروا عليها كل الآراء التي توقظ الشعب من سباته العميق، للإبقاء على الأوضاع القائمة.
وقد ارتبطت هذه النظرية في العصر الحديث ارتباطاً وثيقاً بأنظمة الحكم الفاشية والنازية والصهيونية، كنظام هتلر النازي في ألمانيا، ونظام موسوليني الفاشي في إيطاليا، والنظام الفاشي في إسبانيا والبرتغال، والنظام الإستعماري الإستيطاني التوسعي في إسرائيل. حيث سيطرت الدولة المستبدة سيطرة تامة على أجهزة ووسائل الإعلام الجماهيرية وفرضت عليها تعبئة الشعب تعبئة عدوانية خدمة للأهداف التوسعية التي رسمتها لنفسها وتسببت في قيام الحروب العالمية والإقليمية، والحروب في الشرق الأوسط التي أزهقت ملايين الأرواح البريئة لبني البشر.
- الرقابة وسيطرة أجهزة السلطة على الصحافة: تعتبر الرقابة من الركائز الهامة في نظرية السلطة المطلقة. ويمكن أن نرجع تاريخها إلى الرقابة الدينية في العصور الوسطى بأوروبا عندما كانت الكنيسة الرومانية في أوج قوتها. وكانت مصدر التفويض الإلهي. واستطاعت الكنيسة أن تسيطر في بلاد كثيرة، على الرأي العام وعلى حرية التعبير لعدة قرون. فالكنيسة سيطرت واستفادت من اختراع الطباعة، إلى أن قامت الحكومات بالسيطرة على وسيلة الاتصال والإعلام الجديدة. وكانت السيطرة عن طريق إصدار التراخيص للطابعين والناشرين، ومن ثم تحكمت الحكومات على من مارس هذه المهنة بشكل عام. وقد كان الترخيص آنذاك يعتبر امتيازاً يلزم الناشر بطبع وتوزيع ما يرغبه الحاكم. غير أن هذا الأسلوب لم يجد نفعاً، مما أدى إلى فرض الرقابة المسبقة وفحص جميع الأصول المخطوطة من قبل ممثلي الحكومة قبل الطبع والنشر لإصدار الترخيص بالطبع، بقصد السيطرة على ما تنشره الصحف ودور النشر بشكل محكم.
وأخضعت الحكومات الاستبدادية دائرة الاتصال بالجماهير لقيود وعقبات ومعوقات كثيرة جعلت الطريق مفتوحاً أمام الدولة فقط، وأغلقته في وجه الأفراد لاغية بذلك أي نوع من أنواع حرية الإعلام. بحجة تحقيق أمن وسلامة الدولة. وبهذه الذريعة ألغت كل الحريات، وهو ما استقت منه الفلسفات الفاشية والعنصرية كل المبررات لإهدار حقوق الإنسان.
- التاريخ الطويل للإيديولوجية السياسية لنظرية السلطة المطلقة: يرى أفلاطون أن تقسيم السلطة بالتساوي داخل الدولة يعتبر بداية تفكك وانهيار تلك الدولة. وكانت حجة أفلاطون في ذلك أنه مادام الإنسان يتحكم بغرائزه وشهواته عن طريق العقل، فإنه على الحكام في الدولة بالمقابل أن يمنعوا المصالح المادية والعواطف الأنانية للجماهير من أن تسيطر على المجتمع. وأكد أكثر الفلاسفة في العصور اللاحقة على قوة السلطة كميكافيلي الذي دعى إلى إخضاع كل شيء لأمن الدولة. وبرروا الأعمال اللا أخلاقية التي يمارسها القادة السياسيون والرقابة الصارمة على الحوار والمناقشة، وعلى نشر المعلومات في المجتمع. معتبرين أن لها ما يبررها مادامت تخدم مصالح الدولة وسلطة الحاكم، أي أن الغاية تبرر الوسيلة. أما جورج هيجل الذي لقب بأبو الفاشية الحديثة والشيوعية الحديثة، فقد أعطى فلسفة السلطة المطلقة لمساتها النهائية حين قال: أن الدولة هي: روح الأخلاق وهي الإرادة وهي العقل. والدولة كحكم أو سلطة تعتبر هدفاً في حد ذاته، وبالتالي فهي تتمتع بأكبر قدر من الحقوق وهي فوق المواطنين والأفراد.
وهكذا فرضت نظرية السلطة المطلقة وجوهاً فكرية صارمة، نبعت من الإسهام الفكري للحكماء شريطة أن تخدم نظرياتهم الإجتماعية، التي تسهر عليها الدولة بالرعاية والإرشاد واليقظة والرقابة. وهو ما صاغه الفلاسفة الأقدمون أمثال: سقراط وأفلاطون وأرسطو من نظريات فلسفية تخدم السلطة الاستبدادية، بدليل أن أفلاطون خلع صفة المثالية على الشكل الأرستقراطي للدولة معتقداً أن طبيعة الإنسان واهتماماته المادية وعواطفه الأنانية تتسبب في تدهور الحكم من الأرستقراطية إلى الديمقراطية، أي إلى التفتت والانحلال. واعتبر أن الدولة لا تجد الأمان إلا في أيدي الحكماء من رجالها، ورجال القانون من أنصارها، أصحاب المثل الأخلاقية العليا التي يتم فرضها على كل عناصر المجتمع، ليظلوا على الطريق القويم الذي رسموه لهم. معتبراً أن هذه الصفوة من البشر تجعل العقل يسيطر على عواطف القلب وغرائز الجسم.
17- نظرية الصحافة الحرة
سميت هذه النظرية بنظرية الصحافة الحرة كونها تؤمن بالفرد أساساً لها، وتعتبر أن الفرد يولد وهو مزود بحقوق طبيعية، وتؤمن وتفترض أن الفرد كائن عقلاني وأخلاقي، وأن أخلاقياته تحدد له ما يجب المحافظة عليه دون قانون، أي تمتعه بالحرية المطلقة في حياته، وآرائه، والدعوة إلى العيش الكريم دون أي تدخل من السلطة. ويرى أصحاب هذه النظرية أن الفرد أسمى من الحكومة، ومن الدولة. وأن الدولة هي وسيلة فقط، أو واسطة يمارس من خلالها الفرد نشاطه، وحين تقف الدولة في وجهه عليه محاربة تلك القوة التي تمنع تحقيق أهدافه التي يرغب الوصول إليها. وقد ولدت هذه النظرية من صلب نظرية السلطة المطلقة، والاستبداد والعبودية للإنسان متمثلة بسلطة: - طبقة النبلاء؛ - وطبقة الإقطاع؛ - وسلطة الكنيسة. التي عانت منها الشرائح الاجتماعية على اختلاف أنواعها بالاضطهاد السياسي والاقتصادي والنفسي وحتى الديني، وكان الظلم المتمثل بنظام الأقنان من أقسى أنواع الظلم البشري، ولذلك فقد تمتع النظام الحر أو الليبرالي في بعض التسميات، بمسحة سحرية تمتع بها الفرد ومن ثم المجتمع بالديمقراطية الليبرالية والتقدم بمعايير ذلك الزمن.
- مبادئ النظرية الحرة: تعتمد النظرية الحرة على مبدأين أساسيين هما: - مبدأ الفردية؛ - ومبدأ المنافسة. ويرتبط هذان المبدءآن ارتباطا وثيقاً بالنظريات الاقتصادية والسياسية. ويعتبر مبدأ الفردية أو الحرية الفردية من المبادئ الواضحة في مفهوم النظرية الحرة ويرتكز أساساً على حرية النشاط الفردي في المجالات الاقتصادية والسياسية، كرد فعل لما ظل سائداً لقرون طويلة من اضطهاد للفرد من قبل الإقطاع. حين ناضل الرواد الأوائل لهذه النظرية من أجل أن تظل الحكومات بمنأى عن التدخل في شؤون الأفراد ونشاطاتهم الاقتصادية والفكرية. وفي شؤون وسائل الاتصال والإعلام أيضاً.
- إيديولوجية نظرية الصحافة الحرة: كان ظهور نظرية الصحافة الحرة نتيجة للتطورات الفكرية والأحداث السياسية الاجتماعية التي مر بها المجتمع الأوروبي. ومن أهم تلك الأحداث في التاريخ الأوروبي الحديث كان: اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789م التي أعلنت حقوق الإنسان وطرحت مبادئ كان لها تأثير كبير في التاريخ الإنساني، وسمحت للفرد بالتحرر ومزاولة نشاطاته الاقتصادية والفكرية دون أي نوع من أنواع التدخل من جانب الدولة. واعتبرت الدولة مسؤولة عن وظائف محددة هي: - المحافظة على القضاء والأمن في الداخل؛ - والدفاع عن الوطن ضد أي اعتداء خارجي؛ - واحترام حقوق المواطن في التفكير والعمل الاقتصادي والاجتماعي والفكري والسياسي.
وساعد ظهور نظرية الحرية، التي ترتكز على الإيمان المطلق بالإنسان على ظهور الديمقراطيات الرأسمالية، ومن ثم ظهور الاحتكارات بأوسع معانيها، على عكس نظرية السلطة المطلقة التي تنظر إلى الإنسان على أنه جزء من المجتمع تنحصر قيمته وفقاً لفهم السلطة. بحيث كان مذهب الحرية يرى أن سعادة الفرد هي الغاية من وجود المجتمع، بينما رأى أنصار مذهب السلطة المطلقة أن سعادة المجتمع هي الغاية من وجود الفرد حتى وإن كانت تلك السعادة على حساب حياته الخاصة.
وحقق مفهوم نظرية الحرية انتصارات كبيرة على صعيد المجتمع وعلى صعيد الفرد فتوسع التعليم الذي لم يكن متيسراً كما هو معروف الآن قياساً بما تحقق بعد زوال العهد الإقطاعي الاستبدادي، ومنح حق الانتخاب لأكثر المواطنين ومنها حق الفرد في ممارسة نشاطاته الاجتماعية، والتنافس للحصول على أكبر قدر ممكن من الربح المادي، وزيادة الإنتاج مما حقق للمجتمعات الرفاهية والتقدم. وظهر مفهوم الحرية بادئ الأمر في أوساط الطبقة الوسطى في المجتمعات الأوروبية، التي طالبت بالحرية، وضمان حقوق الأكثرية في المجتمع. وتجلى هذا الأمر بالوضوح عندما تبنت الحركات السياسية مبدأ المناشدة بالحرية.
وكان لظهور الفيلسوف جون لوك أثر كبير على تطور نظرية الحرية، عندما قال: بأن الشعب هو مصدر السلطات. وفسر هذا القول بأن الشعب يمكنه أن يسحب السلطة متى شعر بأن الحكومة لا تعمل لصالحه. وجاء جون ملتون عام 1644 ليقول: أن الحقيقة لا تضمن لنفسها البقاء إلا إذا أتيحت لها الفرصة لأن تتقابل وجهاً لوجه مع غيرها من الحقائق في طرح كامل وبحرية تامة. بينما رآى جون رسكين: أن كل إنسان يسعى لتنوير الآخرين، لا إلى تضليلهم، ومن حقه أن ينشر كل مايدور بعقله وما يختلج ضميره سواء أكان في الموضوعات الحكومية أم في الموضوعات الخاصة. أما جون ستيوارت فقال: أن من حق الفرد الناضج في المجتمع أن يفكر ويتصرف كما يشاء مادام لايؤذي أحداً بتفكيره أو تصرفه. وما دام هذا التفكير والتصرف يؤدي إلى منفعة الآخرين. وانتشرت هذه الطروحات الفلسفية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وكانت ترمي في الأساس إلى ما يلي: - تطبيق الحرية بمعناها الواسع؛ - واحترام الإنسانية وحفظ قيمة الفرد؛ - وضمان مستقبل الفرد؛ - وتحقيق الرفاهية والسعادة للمجتمع. ولم تجد تلك المبادئ طريقها إلى التطبيق إلا في العقود الأخيرة من القرن العشرين، في ظل هيمنة الدول الصناعية المتقدمة وسيطرتها على الاقتصاد ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.
- الصحافة الحرة ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية: لكل نظرية من النظريات شكلها المعين ومفاهيمها المعينة التي تسيطر من خلالها على أساليب وأنماط الإعلام. وتنبع فلسفة الإعلام عادة من فلسفة الدولة، فالإعلام في نظرية السلطة المطلقة هو إعلام استبدادي إستعاضي، أي أن الدولة كما ذكرنا تحل محل الشعب عن طريق كتابها وألسنتها الناطقة باسمها، ولا تسمح إطلاقاً إلا بما يراعي مصالحها وتوجهاتها. إضافة لفرضها رقابة قسرية على وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.
وقد أدى ظهور نظرية الحرية إلى صراع تمثل بين المفهوم الغربي للحرية، والمفهوم السوفييتي للحرية، إبان الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي، والاختلاف المطروح كان: أيّ المفهومين أصدق أو أقرب أو أنفع للفرد والمجتمع ؟ فكلا الجانبين اتهما بعضهما باضطهاد الإنسان واستغلاله وكل منهما طرح أسلوبه وأفكاره وفلسفته على الجماهير وروج لها بين الشعوب. وقد سَخِرَ الماركسيون من الحرية النظرية التي عرفها العالم الغربي عندما أعلن ستالين: "إنه لا معنى مطلقاً للحرية بالنسبة للمتعطلين عن العمل، ولا معنى للحرية بالنسبة للجائعين، لأن الحرية لا توجد إلا عندما يختفي الاستغلال والتسول والخوف أو يختفي شبح البطالة من المجتمع اختفاء تاماً". وهذا كلام واضح لا يحتاج إلى تعليق. فالسخرية تبدو رافضة تماماً لهذه النظرية.
بينما أعلن الغربيون أن صحافتهم تتمتع بالحرية المطلقة وأن الصحافة السوفييتية تنوء تحت وطأة السلطة، وأنها تخضع كل الخضوع للرقابة الحكومية أو رقابة الحزب الواحد. بينما أعلن السوفيت أن صحافتهم غير مأجورة كالصحافة الأمريكية التي اتهموها بأنها مأجورة، وأن الصحافة السوفييتية ليست خاضعة لسيطرة رأس المال والاحتكار كما هو الحال في الغرب. ووصفت الصحافة الأمريكية نفسها بأنها صحافة الخبر وأنها تساير في ذلك التطور الصحفي في البلاد المتقدمة، وأنها قادرة على نشر الأخبار بسرعة فائقة، وأنها أقدر من سواها على تسلية القارئ وإمتاعه وتزويده بالمعلومات النافعة. بينما ردت الصحافة السوفييتية بقولها أن السبق الصحفي في الأخبار وتسلية القراء لا يعتبران جزءاً من الخدمة العامة التي تقدمها الصحافة الرشيدة للشعب. كون خبر التسلية والترفيه عن القراء كثيراً ما يكون منافياً للشرف الصحفي وفقاً للمفهوم السوفييتي. وعلى العموم فإن الغرب يضع الحرية في المرتبة الأولى والمسؤولية في المرتبة الثانية بينما السوفييت قبل الانفتاح الغورباتشوفي كانوا يضعون المسؤولية أولاً والحرية بعد ذلك.
وتغيرت الظروف والطروحات بعد انهيار المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفييتي، ولاحت تباشير الانفتاح على المفهوم الغربي للحرية والديمقراطية في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية للدول المستقلة التي قامت على أنقاض الاتحاد السوفييتي السابق، وأنقاض المنظومة الاشتراكية السابقة التي كان يقودها الاتحاد السوفييتي السابق. وراحت تلك الدول تبحث عن مكان لها في النظام العالمي الجديد، منفتحة على العالم بعد سنوات طويلة من العزلة والمواجهة.
18- النظرية الاشتراكية للصحافة
ظهر مفهوم النظرية الاشتراكية في أوروبا مع بداية عام 1830 واستمر في تطوره حتى عام 1948. وخلال هذه الفترة الطويلة التي دامت أكثر من قرن، ظهرت الكثير من المفاهيم والمذاهب الفلسفية والأفكار السياسية المكملة لمفهوم الاشتراكية. وكان أولها ما ظهر في فرنسا إبان الثورة الفرنسية التي اعتمدت على المنشور والمطبوع في نشر أفكارها. وظهر مصطلح الاشتراكية بمعناه السياسي الحديث الدال على نظام اجتماعي واقتصادي في الصحافة لأول مرة عندما نشرت صحيفة كلوب عام 1832 مقالة عنها كتبها بيير ليرو أحد أتباع مدرسة سان سيمون الفلسفية. وأطلق تعبير الاشتراكية للتعبير عن الفلسفة الاجتماعية الإصلاحية التي آمن بها أتباع هذه المدرسة المؤمنة بالنظرة الإنسانية نحو الطبقات المعدمة. وسرعان ما اتسع مدلول الاشتراكية بفضل فورييه، وبرودون، ولويس بلان، لتعبر عن التطلع إلى نوع جديد من النظم الاجتماعية.
- التيارات الاشتراكية: وتبلورت في أوروبا ثلاثة تيارات اشتراكية، وهي تيارات تمثل خلاصة للصراع الإنساني ضد الاحتكار الرأسمالي وفق المفهوم الاشتراكي، وهي:
- الاشتراكية الإنتاجية: التي تتبنى مشاريع تنمية الثروة القومية، وإطلاق طاقات رأس المال في المشروعات الإقليمية والعالمية. داعية الناس القادرين على الإنتاج والبذل. وفق مفهوم "الكل منتج دون تدخل من الدولة"، تاركين الأمر للتجار والصناعيين والمثقفين والعلماء والفنيين لتحقيق الكفاية، وتزعم هذه المدرسة الفيلسوف سان سيمون وأتباعه.
- الاشتراكية التعاونية: وتزعم هذا الاتجاه في إنكلترا الفيلسوف ورجل الصناعة روبيرت أوين، وفي فرنسا شارل فورييه، واعتبر أوين أن حل المشكلة يتوقف على خلق النموذج الاشتراكي الإنساني الذي يجذب أصحاب النوايا الطيبة من الأغنياء ورجال المال والصناعة. وأعطى المثال بنفسه عندما أسس مستعمرة اشتراكية على أساس المساواة المطلقة والمشاركة في الجهود والأرباح، وانتفاء الأسلوب الرأسمالي الاستغلالي في التعامل.
- الاشتراكية العلمية: الذي صاغ نظريتها الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية كارل ماركس، بعد استيعابه للفلسفة الجدلية لهيجل، ومذهب آدم سميث في الاقتصاد الحر، والدراسات الفلسفية الاجتماعية لسان سيمون وتلاميذه.
- دعائم النظرية الاشتراكية للصحافة: تقوم النظرية الاشتراكية للإعلام على دعائم أساسية هي: - ملكية الشعب لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية؛ - وربط مؤسسات ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بالمجتمع الاشتراكي، ربطاً وثيقاً، وتحديد دور إيجابي يلتزم به جميع العاملين في الميدان الإعلامي. وبهذا الوضع وتطبيقاً لهذه الأفكار فإن الصحافة التي تؤمن بهذه الفلسفة هي صحافة واقعية لا عناية لها إلا بالموضوع أو الموضوعية الأكاديمية، لذلك فهي تؤمن بالواقع الملموس من المكاسب التي حصلت عليها الطبقة الكادحة. ووضعت المسؤولية العامة اتجاه الطبقة أولاً والحرية ثانياً. وعلى هذا الأساس أصبح للحرية الصحفية في النظام الاشتراكي معنى مخالفاً تماماً لمعناها في النظام الرأسمالي، ووفقاً لمصالح الطبقة الكادحة فإن النظام الإعلامي الاشتراكي يؤمن: - بحرية القول في إطار الفكر السائد؛ - وحرية الاجتماع بما في ذلك الاجتماعات الشعبية لمساندة نظام الحكم القائم؛ - وحرية التجمع أو المواكبة أو التظاهرات لتحقيق غرض القيادة السياسية.
ولم يعد بالإمكان التحدث عن نظرية إعلامية اشتراكية بعد انهيار المنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفييتي السابق، وتفكك الجمهوريات السوفييتية إلى جمهوريات مستقلة ذات سيادة واستقلال وطني، وتحول أغلبية دول المنظومة الاشتراكية إلى أنظمة ديمقراطية لها أساليبها السياسية والإعلامية الخاصة بها وعلاقاتها الدولية المبنية على مفاهيم ديمقراطية جديدة. بل أن بعض هذه الجمهوريات الجديدة أخذت تعمل على تكييف نظرية الإعلام الحر لممارساتها الإعلامية الفعلية.
يتبع

الأحد، 2 نوفمبر 2014

- نظرية مارشال ماكلوهان

- نظرية مارشال ماكلوهان. 
6- نظرية مارشال ماكلوهان
لم تزل نظرية مارشال ماكلوهان التي ظهرت قبل أكثر من أربعة عقود، وحتى اليوم من أكثر النظريات الإعلامية انتشاراً ووضوحاً في الربط بين الرسالة الإعلامية، والوسيلة الإعلامية، من خلال تأكيدها على أهمية الوسيلة في تحديد نوعية الاتصال وتأثيره، إذ يرى ماكلوهان، أن الوسيلة هي الرسالة، وأوضح أنه لا يمكن النظر إلى مضمون وسائل الأعلام بشكل مستقل عن تقنيات وسائل الإعلام والموضوعات والجمهور الذي يوجه المضمون إليه، وأشار إلى أنهما يؤثران على ما تورده تلك الوسائل، رغم أنه من طبيعة وسائل الإعلام التي يتصل بها الإنسان، أنها تشكل المجتمعات أكثر ما يشكلها مضمون الاتصال.
وبين ماكلوهان أن وسائل الأعلام التي يستخدمها المجتمع أو يضطر لاستخدامها تحدد طبيعة المجتمع وكيفية معالجته لمشاكله، وأن أية وسيلة، تعتبر امتداداً لحواس الإنسان، وتشكل الظروف التي تؤثر على الأسلوب الذي يفكر به الناس ويتلقون المعلومات وفقاً له. وعرض ماكلوهان أربعة مراحل تعكس برأيه التاريخ الإنساني، وهي: أ) المرحلة الشفوية: أي مرحلة ما قبل التعليم، أو المرحلة القبلية. ب) مرحلة الكتابة والنسخ: التي ظهرت في اليونان القديمة واستمرت لنحو ألفي عام. ت) عصر الطباعة: واستمر من عام 1500 وحتى عام 1900 تقريبا. ث) عصر وسائل الإعلام الإلكترونية: وبدأ عام 1900 تقريباً ولم يزل مستمراً حتى الوقت الراهن. وأن طبيعة وسائل الأعلام المستخدمة في كل مرحلة من المراحل تساعد على تشكيل المجتمع أكثر مما يساعد مضمون تلك الوسائل على تشكيله. وأهم ما جاء في نظرية ماكلوهان عن وسائل الاتصال، أنه قسم الوسائل إلى: - وسائل باردة؛ -  ووسائل ساخنة.
ويقصد بالوسائل الباردة تلك التي تتطلب من المستقبل جهدا إيجابياً للمشاركة والمعايشة والاندماج معها، أما الوسائل الساخنة، فهي الوسائل الجاهزة ومحددة الأبعاد نهائياً، وهي لا تحتاج من المشاهد أو المستمع إلى أي جهد يبذله للمشاركة أو المعايشة، فالكتابة والهاتف والإذاعة المرئية هي وسائل باردة، أما الطباعة والإذاعة المسموعة والسينما فهي وسائل ساخنة. وإذا لم يكن بوسع المرء أن يتفق مع كل ما جاء به ماكلوهان من أفكار فقد سماها اختبارات أكثر منها نظريات، وإذا لم تكن الوسيلة هي الرسالة، فمن الواضح أنها أخطر من مجرد أداة لزيادة عدد الجمهور الإعلامي من قراء ومستمعين ومشاهدين، وإذا كان من الصعب أيجاد دليل قوى يثبت هذه الأفكار أو يرفضها، وعلى الأقل تجعلنا نتساءل عما إذا كان لوسائل الأعلام القدرة على تغيير الإنسان أم لا.
وأشار ماكلوهان في نفس الوقت إلى أن وسائل الأعلام الإلكترونية ساعدت على انكماش الكرة الأرضية وتقلصها من حيث الزمان والمكان، حتى سميت بالقرية العالمية (Global Village)، وورافقها زيادة في الوعي الإنساني وبالمسؤولية إلى حدود قصوى، ورآى أن هذه الحالة الجديدة أدت إلى ما يمكن تسميته بعصر القلق، لأن ثورة الاتصال الإلكترونية الفورية الجديدة أجبرت الأفراد على التعمق بالالتزام والمشاركة، وبغض النظر عن وجهات النظر التي يتبناها الأفراد، فإن وجهة النظر الخاصة الجزئية مهما كان مقصدها لن تتغير في عصر الكهرباء وآليات الإلكترونيات الفورية، وربما يكون هذا الرأي وغيره يمثابة أرضية نبع منها مفهوم العولمة الذي أخذ بالإنتشار خلال السنوات الأخيرة، وأطلق عليه أحد الباحثين الذين سبقوا ماكلوهان مصطلح لحظنة التواصل الحضاري والإعلامي.
وإلى جانب ذلك تعرضت أفكار ماكلوهان في السنوات الأخيرة إلى إنتقاد وتعديل وتشكيك من قبل بعض الباحثين، وفي هذا الصدد رأى ريتشارد بلاك، أن القرية العالمية، التي زعم ماكلوهان بوجودها، لم يعد لها وجود حقيقي في المجتمعات المعاصرة. وأوضح: "أن التطور التقني الذي استند إليه ماكلوهان عند وصفة للقرية العالمية استمر مع مزيد من التطور وأدى إلى ضحض القرية العالمية وحولها إلى بقايا ذكريات، فالعالم الآن هو أقرب إلى ما يكون بناء ضخم يضم عشرات الشقق السكنية التي يقيم فيها أناس كثيرون، ولكن كل منهم يعيش في عزلة عن الآخر، ولا يعرف شيئا عن أحوال جيرانه الذين يقيمون معه في نفس البناء".
وهذا التطور يمكن أن يوصف بأنه تحول من التجميع إلى التفتيت أو اللامركزية، حيث أتاحت تقنيات الاتصال الحديثة، من: أقمار صناعية، وحاسبات إلكترونية، ووصلات مايكروويف، وألياف ضوئية، وكم هائل من خدمات الاتصال الحديثة خلال العقود الماضية، كالإذاعة المرئية التفاعلية عبر الكابلات، والإذاعة المرئية منخفضة القوة، وكاسيت الفيديو، والفيديو ديسك، وأجهزة تسجيل الموسيقى المتطورة، وخدمات الفديوتكس، والتليكس، والاتصال المباشر عن طريق قواعد البيانات والهواتف المحمولة والبريد الإلكتروني، التي اندمجت كلها فيما يعرف بشبكة الاتصالات العالمية "الإنترنت"، غدت كلها وسائل للتخاطب بين الأفراد تلبي حاجاتهم ورغباتهم الشخصية، ونتج عن هذه التقنيات الجديدة تقلص أعداد الجماهير التي تشاهد وتستفيد من خدمات برامج الشبكات الرئيسية للإذاعتين المسموعة والمرئية التي تعمل على نظام بث الأثير التقليدي.
وظل الاتجاه الرئيسي لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، لما قبل نحو عقدين من الزمن، يميل إلى دمج الجماهير (Massification) عن طريق نقل الرسائل الإعلامية نفسها إلى قطاعات جماهيرية واسعة، أي توحيد الرسائل الإعلامية مع الحفاظ على تعددية الجماهير المستقبلة للرسائل الإعلامية.
7- الاتجاه الجديد للاتصال
وبدأ الاتجاه الجديد للاتصال وتدفق المعلومات على الصعيد العالمي، بالإتجاه نحو اللامركزية في الاتصال، بمعنى تقديم رسائل متعددة تلائم الأفراد أو الجماعات الصغيرة المتخصصة، وهذه اللامركزية في الرسائل اتخذت شكلين: الشكل الأول: يتحكم فيه المرسل؛ والشكل الثاني: يتحكم فيه المستقبل. وكل منهما يمكن إتاحته عن طريق ربط الحاسبات الإلكترونية لتوفر خدمات مختلفة من خدمات الاتصال وتبادل المعلومات، وتبدأ من نقل صفحات الصحافة المطبوعة إلى نقل النصوص المكتوبة، وتمتد لتشمل شكل من أشكال برامج الإذاعة المرئية والأفلام السينمائية، مع إمكانية نقل هذه المعلومات إلى مسافات بعيدة، وبسرعة فائقة، عن طريق استخدام الكابلات، وعن طريق الأقمار الصناعية.
ورأى الباحث الفن توفلر: أن البنية الإلكترونية الأساسية في البلدان المتقدمة اقتصادياً تتميز بستة سمات تمثل مفاتيح المستقبل، وهي: أ) التفاعلية (Interactivity)؛ ب) قابلية التحرك أو الحركة (Mobility)؛ ت) قابلية التحويل (Convertibility)؛ ث) التوصيل (Connectivity)؛ ج) الشيوع والانتشار (Ubiquity)؛ ح) العولمة (Globalization). وأوضح توفلر أن الآثار التجانسية لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية كانت في ذروة قوتها عندما لم تكن هناك سوى قنوات قليلة ووسائل اتصال وإعلام قليلة، وقلة في فرص الإختيار المتاحة أمام المستمعين والمشاهدين، أما في المستقبل فالوضع سينعكس ليسود محتوى كل برنامج على حدى، وقد يكون جيداً أو رديئاً إلا أن الأهم يبقى المحتوى الجديد ويتميز بوجود التنوع المطلق. لأن التحول من فرص الاختيار الأقل إلى الفرص الأكثر تعددية في مجال الاتصال والإعلام لن تحمل مدلولات ثقافية وحسب، بل وستحمل مدلولات سياسية أيضاً، حيث ستتمكن حكومات الدول التي تملك تقنيات متقدمة مستقبلا لتوجه سيل هائل من الرسائل الإعلامية المتعددة والمتناقضة والمتخصصة، الثقافية منها أو السياسية أو التجارية إلى شعوبها، بدلا من رسالة واحدة كانت ترددها شبكات الاتصال والإعلام الضخمة القليلة بصوت واحد.
وسياستي تعبئة المجتمع، وهندسة القبول، أصبحتا أصعب بكثير الآن في محيط وسائل الإعلام الجديدة، واتساع مجال الخيار الإعلامي أمام المستمعين والمشاهدين، وهذا بحد ذاته هو نوع من الديمقراطية التي غدت تشكل مشكلة للسياسيين الذين كانوا يقدمون لأتباعهم محيطًا لا خيار فيه. ويمكن القول أن التطورات التقنية الكبيرة في مجال الاتصالات الجماهيرية، وتعدد قنوات الاتصال والمعلوماتية أدى إلى ما يمكن تسميته بعصر الشاشة، لأن الوسائل المطبوعة والمقروءة والمسموعة والمرئية أصبحت مندمجة في شاشة الإذاعة المرئية أو الحاسوب الآلي (الكمبيوتر) الشخصي، واصبح المتلقي يستطيع قراءة كتاب أو صحيفة أو مجلة، ومشاهدة مسرحية أو فلم أو خطاب سياسي، على هذه الشاشة، وفي اغلب الأحيان بصورة فردية، كما أنه أصبح بإمكانه إلى حد كبير الاختيار في الوقت نفسه من بين بدائل عديدة متاحة أمامه. والاتجاهات الحالية والمستقبلية لتطور وسائل الاتصال تفترض نمو واحدة من ثلاثة تصورات لأوضاع الاتصال خلال القرن الحادي والعشرين، وتشمل:
1- تكريس اللامركزية في الإرسال والاستقبال: ويبنى هذا التصور على ظهور خدمات اتصال جديدة، توجه عبرها رسائل متخصصة تلبي الميول والنزعات الفريدة، مثل تلقي بث الإذاعة المرئية التفاعلية عبر الكابلات، والفيديو ديسك، وكاسيت الفيديو. لأنه هناك إقبال متزايد للأفراد لامتلاك هذه الوسائل والاستعاضة بها عن الاتصال المباشر مع أفراد آخرين، وتتمثل مظاهر التفتت في الفئات المستقبلة، بميل الأفراد نحو العزلة، كما أن وسائل الاتصال الجديدة منحت الأفراد القدرة على خلق بيئة اتصال تناسبهم، وادى ظهور الوسائل والتقنيات الجديدة إلى تناقص المعرفة التي يتم الحصول عليها عادة عن طريق التعرض العشوائي لمواد وسائل الاتصال، وتراجع الاتصال التفاعلي بين الجماعات والطبقات ليحل محلة اتصال متزايد داخل جماعة أو فئة واحدة.
2- تكريس الهيمنة والاندماج في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية: ويقوم هذا التصور على اتجاه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية نحو التركيز في كيانات ضخمة وملكيات مشتركة ومتعددة الجنسيات، وهناك أسباب عديدة لزيادة الاتجاه نحو الهيمنة والاندماج منها: - قوانين الضرائب؛ - والحاجة إلى خبرات ضخمة والرغبة في تحقيق الاستقرار المالي؛ - والوقاية من مخاطر المستقبل؛ - والقضاء على الشركات المنافسة.
3- التوافق بين التقنيات القديمة والحديثة: ويستند هذا التوافق على تقدم التقنيات الجديدة التي تسد جوانب النقص الحاصل في التقنيات القديمة، ويلبي التوافق الحاجات الفردية، ولا يهمل الإحساس بالمشاركة العامة والأهداف القومية، في إطار عملية مستمرة من المحاورة العقلية والمناظرات المفيدة التي تتيح تبادل الخبرات وتدعم ديمقراطية المعلومات.
8- القائم بالاتصال ونظرية (حارس البوابة)
 دراسات القائم بالاتصال (المرسل): أصبحت المؤسسات الإعلامية في القرن الحادي والعشرين عبارة عن شبكات اتصال ضخمة تتصارع داخلها المصالح، لأن كل مؤسسة في حد ذاتها عبارة عن نظام معقد للسلطة والنفوذ والمراكز الإجتماعية والسياسية والاقتصادية، وحينما ندرس مثلاً ما يحدث داخل الصحيفة أو محطة الإذاعة المسموعة أو محطة الإذاعة المرئية فإننا نشعر بالدهشة من تعقد وتشابك الأعمال داخلها. ففي داخل تلك المؤسسات الإعلامية تتخذ يومياً، بل وفي كل دقيقة، قرارات مهمة وخطيرة. ونظراً لأهمية تلك القرارات للجماهير يجب أن نعرف الأسلوب الذي يتم بمقتضاه اتخاذ تلك القرارات، والمراكز أو المناصب التي تنفذ تلك القرارات فعلاً، وطبيعة القائم بالاتصال، والنواحي التي تؤثر على اختيار المادة الإعلامية، وقيم ومستويات القائمين بالاتصال.
والواقع أنه من الصعب تفسير سبب إهمال الباحثين حتى وقت قريب دراسة ما يحدث داخل مؤسسات الإعلام الجماهيرية، ودراسة القائمين بالاتصال. ومع ذلك علينا أن نعترف عند تحديد تأثير الرسالة الإعلامية، بأن القائم بالاتصال لا يقل أهمية عن أهمية مضمون الرسالة الإعلامية نفسها. ومعنى هذا ليس أن الباحثين لم يكتبوا عن قدامى الأعلاميين، بل لأن واقع تاريخ الصحافة حافل بسير أعلام الصحافة. كما تقوم مؤسسات التعليم العالي عادة بتدريس ما يحدث داخل الصحيفة أو أسلوب عملها لطلبة الصحافة. والذي نقصده هنا هو القيام بتحليل طبيعة وسائل الأعلام الجماهيرية كمؤسسات لها وظائف اجتماعية، ودراسة دور ومركز العاملين في الصحيفة، وأعني الصحفيين، والظروف أو العوامل التي تؤثر على اختيار مضامين الصحف. فالأخبار هي ما يصنعه الصحفيون، ولكن كيف يصنع أولئك الصحفيون الأخبار ؟!.. وما هي الالتزامات المهنية أو الأخلاقية، التي يفرضها الصحفي على نفسه ؟ وما هي طبيعة السيطرة البيروقراطية التي تفرض نفسها على الصحفي في المؤسسة التي يعمل فيها ؟ والواقع أن أول دراسة تناولت بالشرح قطاع القائمين بالاتصال بالمعنى الذي نقصده، هي دراسة روستن التي ظهرت في الولايات المتحدة تحت عنوان (مراسلي واشنطن) سنة 1937، وتعتبر هذه الدراسة، دراسة كلاسيكية تناولت سيكولوجية المراسل الصحفي. كما نشرت مجلة "الصحافة" ربع السنوية التي تصدر في ولاية أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1941 دراسة مهمة عن العاملين بصحيفة (ملواكي)، وكان من الممكن أن تفتح هذه الدراسة الباب للقيام بتنظيم دراسات مماثلة تتناول مؤسسات الاتصال والإعلام الجماهيرية الأخرى، ولكن الذي حدث أنه مضت فترة طويلة دون أن تظهر أبحاث تتناول بالدراسة القائمين بالاتصال ومؤسساتهم، إلى أن قام الباحث الأمريكي ديفيد مانج وايت بنشر دراسته (حارس البوابة وانتقاء الأخبار) التي أعطت دفعة قوية للأبحاث في هذا المجال المهم.
ويرجع الفضل في هذا لعالم النفس النمساوي الأصل الأمريكي الجنسية كرت لوين، الذي طوير ما أصبح يعرف بنظرية (حارس البوابة) في الإعلام، وتعتبر دراسات لوين من أفضل الدراسات المنهجية في مجال حارس البوابة. وذكر لوين: أن المادة الإعلامية على طول الرحلة التي تقطعها حتى تصل إلى الجمهور الإعلامي تمر بنقاط أو (بوابات) يتم فيها اتخاذ قرارات حول ما يدخل وما يخرج من المواد الإعلامية، وأنه كلما طالت المراحل التي تقطعها الأخبار حتى تظهر في وسيلة الإعلام الجماهيرية، ازدادت المواقع التي يصبح متاحاً فيها لسلطة فرد أو عدة أفراد تقرير ما إذا كانت المادة الإعلامية ستنتقل بنفس الشكل أو بعد إدخال بعض التغييرات عليها، لهذا يصبح نفوذ من يديرون هذه البوابات والقواعد التي تطبق عليها، والشخصيات التي تملك بحكم وظيفتها سلطة التقرير، كبيراً جداً في انتقال المواد الإعلامية. ودراسة (حارس البوابة) في الواقع هي دراسة تجريبية منتظمة لسلوك الأفراد الذين يسيطرون في نقاط مختلفة، على مصير المواد الإعلامية والمضامين الإخبارية.
ولكن من هم حراس البوابة (GEET KEEPARS) ؟.. والجواب أنهم من الصحفيين الذين يقومون بجمع الأنباء، ولهذا هم مصدر الأنباء التي يزودون بها صحفيين آخرين، وهم أفراد من الجمهور الإعلامي يؤثرون على إدراك واهتمامات أفراد آخرين من خلال المواد الإعلامية، وكلهم حراساً للبوابة، في نقطة ما، أو في مرحلة ما من المراحل التي تقطعها المواد الإعلامية.
وفي خمسينيات القرن الماضي أُجرت مجموعة من الباحثين الأمريكيين منهم: وارن بريد جاد (Breed)، وروى كارتر (Carter)، وستارك (Stark)، وجيبر (Gieber)، وروبرت جاد (Judd)، ووايت (White)، وكن مكرورى (Macrorie) وغيرهم، سلسلة دراسات هامة ركزت على الجوانب الأساسية لوظيفة (حارس البوابة) دون أن استخدام هذا المصطلح بالضرورة، وقدمت تلك الدراسات تحليلاً وظيفياً لأساليب السيطرة أو التحكم في العمليات الجارية بغرفة إعداد الأخبار، والتناقض في إدراك دور ومركز ووضع العاملين بالصحيفة ومصادر أخبارهم، والعوامل التي تؤثر على اختيار المحررين، وعلى طريقة عرضهم للأخبار.
وفي عام 1951 نشر الباحث الأمريكي شارلي ميتشل دراسة عن حجرة الأخبار في الإذاعة المسموعة والأفراد الذين يعملون فيها، ونشر الباحث سابين دراسة عن كتّاب الافتتاحات في ولاية أوريغون. وقدم لورنس دراسة عن محرري ولاية كنساس. ولخص الباحث الأمريكي ولتر جيبر في مقالته (الأخبار هي ما يجعلها الصحفيون أخباراً) نتائج الأبحاث الأساسية التي أُجريت على حارس البوابة، كما قام في عام 1956 بدراسة شملت محرري الأنباء الخارجية في 16 صحيفة يومية بولاية وسكونسن، تستقبل أنباءها من وكالة أسوشيتدبرس فقط. وأوضحت دراسات جيبر أن المحرر إذا كان يختار عينة معينة مما يصله من أنباء فيمكن القول: أنه قد وفق في أداء عمله. وأضاف أنه يمكن من خلال متابعة الأسلوب الذي يتبعه المحرر ليختار أنباء فترة لا تزيد عن أيام قليلة، فيمكننا أن نتنبأ بما قد يختاره في يوم آخر، وكان العامل المشترك بين جميع محرري الأنباء الذين تابعهم جيبر، أن الضغوط التي يفرضها الواقع البيروقراطي للعمل في غرفة الأخبار تعتبر من أقوى العوامل تأثيراً، لأن محرر الأنباء الخارجية في عملة يأخذ دائماً بعين الإعتبار الضغوط الميكانيكية أكثر مما يأخذ باعتباره المعاني الإجتماعية وتأثير الأخبار، وباختصار كانت ظروف إخراج الصحيفة والروتينو البيروقراطية والعلاقات الشخصية داخل غرفة الأخبار تؤثر بشكل كبير على عمل المحرر. وأظهرت دراسات جيبر حقيقتان تثيران القلق، وهما:
أولاً: أن السلوك الاتصالي لمحرر الأنباء الخارجية يبدو وكأنه سلبيا ولا يلعب دوراً فعالا في سلوكه كقائم بالاتصال، وهو لا يحلل برقيات الأنباء التي تصله بشكل انتقادي. وأن بعض الدلائل تشير إلى أن محرر الأنباء الخارجية كصحفي يعمل في  مكتبه، وقد تختلف دوافعه عن دوافع المخبر الذي يتنقل من مكان إلى آخر، من أجل جمع الأخبار، وهذا بالتالي يؤثر على ما يختاره المحرر من أنباء، وربما كان محرر الأنباء الخارجية كسولاً، أو أصبح كسولاً لأن رؤساءه لا يشجعونه ليصبح أكثر نشاطاً، وأن المحرر بشكل عام لا يختار برقياته بشكل يظهر أنه يقيم ما يقدمه بشكل نقدي.
ثانياً: أن محرر الأنباء الخارجية، كقائم بالاتصال، ليس لديه إدراك حقيقي لطبيعة جمهوره، ولهذا فهو لا يتصل عملياً بالجمهور في واقع الأمر، وأن مهمته الرئيسية في الصحيفة هي تقديم تقرير هادف عن الظروف المحيطة خدمة القارئ، ولهذا يمكن القول أن هذه المهمة كانت تؤدى بالصدفة فقط. لأن الصحيفة لم تعد تدرك أن هدفها الحقيقي هو خدمة جمهور معين أو الجمهور بشكل عام، لأنه كثيراً ما تحدد مجموعة المحررين الأهداف التي تقوم من خلالها بجمع الأخبار إضافة للنظام البيروقراطي، أو تحدد ما يظهر في تلك الصحيفة. ولهذا رأى جيبر أنه بدون دراسة الأوساط الاجتماعية التي تؤثر على عملية جمع الأخبار لا يمكننا فهم حقيقة تلك الأخبار.
9- دراسات القائمين بالاتصال والنخبة الإجتماعية
ومن أعمق الدراسات التي أجريت على القائمين بالاتصال والنخبة الاجتماعية التي تؤثر على العاملين في الصحف، الدراسة التي قام بها وارين بريد سنة 1955، حيث اكتشف بريد أدلة تشير إلى وجود عملية تسيطر بمقتضاها شخصيات تشغل مراكز مرموقة في "صحف النخبة" أو يهيمنون من خلالها للتأثير على مضمون الصحف الكبيرة، أو المحطات الإذاعية المسموعة والمرئية، وهذه الطريقة تؤثر حالياً على الطريقة التي تعالج بها مضامين الصحف الصغيرة، من أخبار وموضوعات مهمة، أي كما يقال في عالم البحار أن الكبير يبتلع الصغير، ولا شك أن هذا يحرم وسائل الإعلام الجماهيرية من التغيير والتنويع وتعدد الآراء الذي يساعد على تكوين رأي عام واعٍ لما يجري حوله من أحداث.
وفي دراسة أخرى استخدم بريد أسلوب التحليل الوظيفي ليظهر كيف تدفن أو تحذف الصحف الأخبار التي تهدد النظام الاجتماعي والثقافي أو تهاجمه، أو تهدد إيمان القائم بالاتصال بذلك النظام الاجتماعي والثقافي، وقال بريد: أن سياسة الناشر هي التي تطبق عادة في أي صحيفة، بالرغم من مظاهر الموضوعية في اختيار الأخبار، بالإضافة إلى ذلك أن مصدر الجزاء الذي يناله الإعلامي في الصحيفة ليس القراء الذين يعتبرون عملاءه، بل أن مصدره هم زملاؤه ورؤساؤه في العمل. لذلك يقوم المحرر في الصحيفة بإعادة تحديد وتشكيل قيمه الخاصة بشكل يحقق له أكبر منفعة. واستنتج بريد من هذه الدراسة، أن الظروف الثقافية التي تحيط بالصحفي في غرفة الأخبار قد لا تؤدي إلى النتائج التي تفي بالاحتياجات الديمقراطية الأوسع.
واستخدم الباحث الأمريكي المشهور سوانسون أساليب المتابعة المباشرة والاستفسار للحصول على معلومات عن معتقدات العاملين في صحيفة يومية صغيرة، وعن خصائصهم الشخصية. وقام بروس وستلي بدراسة محرري الأخبار الخارجية في صحف ولاية وسكونسن، باستخدام سلم "قياس القيم" الذي قارن من خلاله القيم التي يعتقد بها المحررون والتي تؤثر على اختيارهم للأخبار. وتعتبر دراسة القائمين بالاتصال وأدوار الاتصال المختلفة التي قام بها كلاً من: بروس وستلي، ومالكلوم ماكلين، من أهم الدراسات التي جرت في هذا المجال، وكان من الملاحظ وجود عنصر مشترك في كل تلك الدراسات، وهو تركيزها على الاهتمام بتفاعل الأنماط والأخلاقيات الصحفية المثالية، والأساليب الاجتماعية والتنظيمية المتبعة في مجتمع كبير، مع تنوع في الظروف، واختلاف في الأوضاع. وكان لتلك الدراسات فوائد كبيرة لوسائل الإعلام الجماهيرية والمهنيين الإعلاميين على حد سواء، لأنها ساعدت على الوصول إلى تصورات أكثر دقة عن العاملين في الوسيلة الإعلامية، في الإطار الاجتماعي المباشر، وأبرزت الكثير من الأسئلة المهمة التي يجب الإجابة عليها.
وبالتالي الرسالة في نظرية (حارس البوابة) الإعلامية تمر بمراحل عديدة، وهي تنتقل من المصدر إلى أن تصل إلى المستقبل، وهذه المراحل تشبه سلسلة مكونة من عدة حلقات، ووفقاً لمصطلحات هذه النظرية فإن معلومات عملية الاتصال هي مجرد سلسلة متصلة الحلقات. وأبسط أنواعها سلسلة الاتصال المباشر وجهاً لوجه، من فرد إلى آخر، ولكن هذه السلسلة في حالة الاتصال الجماهيري تكون طويلة ومعقدة جداً، لأن المعلومات التي تدخل في شبكة الاتصال معقدة كما هي الحال في الصحيفة، أو في محطة الإذاعة المسموعة أو المرئية، وتمر بالعديد من الحلقات أو الأنظمة المتصلة، فالحدث الذي يحدث في العراق مثلاً، يمر بمراحل عديدة قبل أن يصل إلى القارىء في أمريكا أو أوربا أو الشرق الأوسط، ونجد أن حجم المعلومات التي تخرج من بعض تلك الحلقات أو الأنظمة هي أكثر مما يدخل فيها، لذلك أطلق عليها شانون اسم أجهزة التقوية، فأجهزة التقوية أي وسائل الأعلام الجماهيرية تستطيع في نفس الوقت صنع عدد كبير جداً من الرسائل المتطابقة، مثل نسخ الصحف، ومن ثم توصيلها إلى جمهور عريض.
10- تكنولوجيا وسائل الأعلام وتأثيرها على المجتمعات
(نظرية مارشال ماكلوهان)
تعد نظرية تكنولوجيا وسائل الإعلام، من النظريات الحديثة التي تناولت دور وسائل الأعلام وطبيعة تأثيرها على مختلف المجتمعات، ومبتكر هذه النظرية هو مارشال ماكلوهان الذي عمل أستاذاً للغة الإنجليزية بجامعة تورنتو بكندا، ويعتبر من أشهر المثقفين في النصف الثاني من القرن العشرين.
ولد مارشال ماكلوهان بتاريخ 21/7/1911 بمدينة أد مونتن بالبرنا، في كندا، وكانت الدته ممثلة ووالده تاجر عقارات. وانتسب ماكلوهان إلى جامعة مانيتوبا وكان في البداية ينوى دراسة الهندسة ولكنه على العكس من ذلك درس الأدب الإنجليزي وحصل على الماجستير عام 1934، وبعد حصلوله على الدكتوراه من جامعة كامبردج عام 1943، مارس التدريس في عدة جامعات أمريكية، ومنذ عام 1947 عمل أستاذاً للآداب في جامعة تورنتو. ونشر ماكلوهان مئات المقالات في المجلات، وأصدر أربعة كتب هامة هي:
- The Mechanical Bride.: Folklore of Industrial Man, (1951); - The Gutenberg Galaxy: The Making of Typographic Man (1962); - Under Standing Media: The Extensions of Man (1964); - The Medium is The Message: An Inventory of Effects (1967).
ونال كتابه (عالم جوتنبرج) جائزة الحاكم العام في كندا عام 1962 وهي تعادل جائزة بولتزر في أمريكا. وبشكل عام يمكن القول أن هناك أسلوبان أو طريقتان للنظر إلى وسائل الأعلام من حيث: 1- أنها وسائل لنشر المعلومات والترفيه والتعليم. 2- أو أنها جزء من سلسلة التطور التكنولوجي. وإذا نظرنا إليها على أنها وسيلة لنشر المعلومات والترفيه والتعليم، فنحن نهتم بمضامينها وطريقة وهدف استخدامها أكثر. وإذا نظرنا إليها كجزء من العملية التكنولوجية التي بدأت تغير وجه المجتمع كله، شأنها في ذلك شأن التطورات التقنية الأخرى، فنحن حينئذ سنهتم بتأثيرها، بصرف النظر عن مضامينها.
وذكر مارشال ماكلوهان أن "مضامين" وسائل الأعلام الجماهيرية لا يمكن النظر إليها بشكل مستقل عن تكنولوجيا وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية نفسها. فالكيفية التي تعرض بها المؤسسات الإعلامية الموضوعات، والجمهور الذي توجه رسائلها إليه، يؤثران على ما تذكره تلك الوسائل، ولكن طبيعة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي يتصل بها الإنسان تشكل المجتمعات أكثر مما يشكلها مضمون الاتصال، فحينما نظر ماكلوهان إلى التاريخ أخذ موقفاً نستطيع أن نسميه (الحتمية التكنولوجية Technoligical Determinism)، بينما كان كارل ماركس يؤمن بالحتمية الاقتصادية، وأن التنظيم الاقتصادي للمجتمع يشكل جانباً أساسياً من جوانب حياته، بينما كان سيغموند فرويد يؤمن بان الجنس يلعب دوراً أساسياً في حياة الفرد والمجتمع، بينما آمن ماكلوهان بأن الاختراعات التكنولوجية المهمة هي التي تؤثر تأثيراً أساسياً على المجتمعات.
وكان ماكلوهان شديد الإعجاب بما كتبه المؤرخون أمثال: الدكتور وايت (White Jr) صاحب كتاب (التكنولوجيا الوسيطة والتغير الاجتماعي)، الذي نشر عام 1962، وذكر المؤلف فيه أن الاختراعات الثلاثة التي خلقت العصور الوسيطة هي الحلقة التي يضع فيها راكب الحصان قدمه (Stirrup) على حدوة الحصان (Nailed Horseshoe)، والسرج (Horse Collar).. فبواسطة الحلقة التي وضع فيها راكب الحصان قدمه على حدوة الحصان استطاع الجندي أن يلبس درعاً وأن يركب مع الدرع الحصان الحربي؛ وبواسطة الحدوة والأربطة التي تربط الحصان بالعربة (Harness) توفرت وسيلة أكثر فاعلية لحراثة الأرض، مما ساعد على ظهور النظام الإقطاعي الزراعي، وهذا النظام هو الذي دفع التكاليف التي تطلبها درع الجندي.
وتابع ماكلوهان أن هذه الفكرة هي أكثر تعمقاً واكتشف أهميتها التكنولوجية، مما جعله يطور فكرة محددة عن الصلة بين وجود الاتصال الحديث في المجتمع ،والتغيرات الاجتماعية التي تحدث في ذلك المجتمع، وذكر ماكلوهان أن التحول الأساسي في الاتصال التكنولوجي رافق التحولات الكبرى، ليس في التنظيم الاجتماعي فقط، بل وفي الأحاسيس الإنسانية أيضا. والنظام الاجتماعي في رأيه يحدد المضمون الذي تحمله تلك الوسائل. وبدون فهم الأسلوب الذي تعمل بموجبه وسائل الأعلام الجماهيرية لا نستطيع فهم المتغيرات الاجتماعية والثقافية الجارية في المجتمعات. لأن اختراع اللغة المنطوقة ميز الإنسان عن الحيوان، ومكن البشر من إقامة المجتمعات والنظم الاجتماعية، وجعل التطور الاجتماعي ممكناً، وبدون اختراع الكتابة لم يكن التحضر ممكناً، وبالرغم من اختراع الكتابة فهي لم تكن الشرط الوحيد الذي سبق الحضارة، فالإنسان يجب أن يأكل قبل أن يستطيع الكتابة إلا أنه بفضل الكتابة، استطاع خلق شكل جديد للحياة الاجتماعية، وأصبح الإنسان يعي الوقت، وأصبح التنظيم الاجتماعي يمتد إلى الخلف، "أي إلى الماضي"، وإلى الأمام، "أي إلى المستقبل"، بطريقة لا يمكن أن يتواجد في مجتمع شفهي بحت. والحروف الهجائية هي تكنولوجيا يستوعبها الطفل الصغير بشكل لا شعوري تماماً، "بالاستيعاب التدريجي"، والكلمات ومعانيها تعد الطفل ليفكر ويعمل بطرق معينة وبشكل آلي، فالحروف الهجائية وتكنولوجية الحرف المطبوع طورت وشجعت عملية التجزئة وعملية التخصص والتميز بين البشر، وعملت تكنولوجيا الكهرباء على تقوية وتشجيع المشاركة والوحدة.
وذكر ماكلوهان أن وسائل الأعلام الجماهيرية التي يستخدمها المجتمع أو يضطر لاستخدامها تحدد طبيعة المجتمع، وكيفية معالجته لمشاكله، وأن أية وسيلة جديدة تعتبر امتداداً للإنسان، وتشكل ظروفاً جديدة محيطة به، وتسيطر على ما يفعله الأفراد الذين يعيشون في ظل نفس الظروف، وتؤثر على الطريقة التي يفكرون ويعملون وفقاً لها، أي أن الوسيلة هي امتداد للإنسان، فالملابس والمساكن هي امتداد لجهازنا العصبي المركزي، وكاميرا الإذاعة المرئية تمد أعيننا، وميكروفون المذياع يمد آذاننا، والآلات الحاسبة توفر بعض أوجه النشاطات التي كانت في الماضي تحدث في عقل الإنسان فقط، وهي مساوية لامتداد الوعي الإنساني. ووسائل الاتصال والإعلام الجديدة غدت امتداداً لحواسنا، ووفرت الزمن والإمكانيات التي تشكل تهديداً للإنسان في الوقت نفسه، لأنه في الوقت الذي تمتد فيه يد الإنسان، يمكن أن تصل إليه عن طريق حواسه ووجوده، وتستطيع تلك الوسائل أيضا أن توصل يد المجتمع إليه كي تستغله وتسيطر عليه، ولكي نمنع احتمال التهديد، أكد ماكلوهان على أهمية إحاطة الناس بأكبر قدر ممكن من المعلومات عن وسائل الاتصال والأعلام الجماهيرية لأنه بقدر معرفة كيفية تشكيل التكنولوجيا للبيئة المحيطة بنا، نستطيع أن نسيطر عليها ونتغلب تماما على نفوذها وقدراتها الحتمية. وفي الواقع، بدلا من الحديث عن الحتمية التكنولوجية، يكون من الأدق أن نقول أن المستقبل يجب أن يشعر بأنه مخلوق له كيان مستقل، وقادر على التغلب على هذه الحتمية التي نشأت نتيجة لتجاهل الناس لما يحدث حولهم، وأنه لا يجب اعتبار التغيير التكنولوجي حتمياً أو لا مفر منه، وذلك لأننا إذا فهمنا عناصر التغير تمكنا من السيطرة عليها واستخدامها في أي وقت نريده بدلاً من الوقوف في وجهها.
وعرض ماكلوهان أربع مراحل عكست وفق تصوره تطور التاريخ الإنساني وهي: 1- المرحلة الشفهية، وهي المرحلة القبلية التي سبقت التعلم، (Totally Oral, Preliterate, Tribalism)؛ 2- مرحلة الكتابة (Codification by Script) التي ظهرت بعد هومر في اليونان القديمة واستمرت لنحو ألفي عام؛ 3- عصر الطباعة: الذي استمر من عام 1500 وحتى عام 1900 تقريبا؛ 4- عصر وسائل الإعلام الجماهيرية الإلكترونية: الذي استمر من عام 1900 تقريباً، وحتى الآن.
وطبيعة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي استخدمت في كل مرحلة من المراحل ساعدت على تشكيل المجتمع أكثر مما ساعد مضمون تلك الوسائل على هذا التشكيل. ويعتبر هذا الأسلوب في دراسة التطور الإنساني، أسلوبا جديدا أو مبتكراً تماما. وأشار ماكلوهان إلى أنه يدين لمؤلفات عديدة ساعدته على ذلك، ومن بينها مؤلفات ساعدته على تطوير نظريته المبتكرة، وهي:
- E.H. Gombrich, Art and IIIusion (1960); - H.A. Annis, The Bias of Communication (1951); - Siegfried Giedion, Mechaniztion Takes Command (1948); - H.J. Chaytor, From Scipt to Print (1945); - Lewis Mumford. Techniques and Civilization (1934).
وباختصار أشار ماكلوهان إلى أن التغير الأساسي في التطور الحضاري منذ تعلم الإنسان الاتصال، كان الإنتقال من الاتصال "الشفهي" إلى "الاتصال المكتوب" ومن ثم العودة للاتصال "الشفهي" مرة أخرى. وأن الإنتقال من الإتصال الشفهي إلى الإتصال المكتوب استغرق قروناً عديدة، بينما كان الرجوع مرة أخرى إلى الإتصال الشفهي خلال حياة فرد واحد.
يتبع