الجمعة، 8 مايو 2020

عملية الاتصال الجماهيري

عملية الاتصال الجماهيري
عملية الاتصال الجماهيري


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
تعريف جماهيري:
يشير مصطلح جماهيري إلى جمهرة أو حشد أو مجموعة كبيرة من الناس مؤلفة من مختلف الطبقات والشرائح الاجتماعية، يختلف أفرادها في مراكزهم الاجتماعية ومهنهم وثقافاتهم وثرواتهم، وهم مجهولي الهوية ولا يتفاعل الواحد منهم مع الآخرين ولا يتبادل معهم المشورة والخبرة، وغير منظمين ولا يمكن أن يعملوا ككتلة واحدة، ولا تتاح لهم فرصة الاختلاط والتقارب، وكل ما يشدهم إلى بعضهم البعض هو حدث محلي أو وطني أو قومي هام يعنيهم جميعاً ويشدهم إلى متابعة تطوراته.
وازداد اتساع حجم الجماهيري وأهميته في ظروف التطور العلمي والتقني والتكنولوجي الصناعي الحديث. إذ كانت المجتمعات البشرية لعدة قرون خلت منغلقة في مجتمعات صغيرة، متمثلة بالمزارع والقرى والمدن، وكان عدد المدن الكبيرة محدود جداً حتى أن روما في قمة مجدها لم يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، عاش غالبيتهم في جماعات صغيرة مكونة من الأقارب والأصدقاء وجماعات العمل والجيش. ولكن الحروب والغزوات والاحتلال والهجرات الجماعية أدت إلى اتصال الجماعات المعزولة نسبياً ببعضها البعض.
بينما نجد في حياتنا المعاصرة اليوم أنه خلال جيل واحد وبسبب الحروب الحديثة وانتقال القوات بأعداد كبيرة من قارة إلى قارة أخرى، وما رافقها من تطور لوسائل المواصلات والاتصال الحديثة وخاصة شبكة الانترنيت العالمية، وانتشار وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الحديثة في جميع أنحاء العالم، أدى إلى خروج الناس عن إطار ثقافاتهم الأصلية المغلقة، ليعيشوا في عالم منفتح جديد وواسع.
تعريف عملية الاتصال:
وعملية الاتصال ظاهرة تتغير بشكل مستمر خلال فترة محددة من الزمن، لا بداية ولا نهاية ولا تسلسل لأحداثها، وإذا رجعنا إلى ثورة الفلسفة العلمية التي أحدثها اينشتين وراسل ووايت هيد، نجد أن الثورة العلمية قد نفت نظرية ثبات الأشياء، كما نفت وجود أشياء مستقلة تقوم بعملها بشكل منفرد. وأدى هذا إلى ظهور نظرية النسبية التي تقول:
أولاً: أن أي ظاهرة يمكن تحليلها ووصفها على ضوء ظاهرة أخرى متصلة بها أو عمليات تدخل في ملاحظتها فقط.
وثانياً: أن الملاحظة القوية أظهرت أن الأشياء الثابتة مثل الأثاث المنزلي يمكن النظر إليها كظواهر خاضعة لعوامل غير مستمرة، فهي تتغير تماماً مثل الإنسان الذي يقوم بملاحظتها، وتعود أسباب عدم القدرة على ملاحظة التغييرات إلى قصور أعضاء الحس لدى الإنسان نفسه. فالكون يتغير دائماً ويتأثر بعوامل عديدة، نعرف بعضها ونجهل بعضها الآخر.
والعلم كنشاط إنساني يهدف إلى كشف العلاقات المشتركة بين الظواهر المختلفة، وتجعلها تؤثر على بعضها البعض. واكتشاف علاقة الظواهر بعضها ببعض وفهمها هما شيء واحد لأن فهم الظواهر معناه كشف العلاقة التي تربط بينها وبين ظواهر أخرى.
أما إذا لم نعثر على تلك العلاقة فستبقى غير مفهومة لدينا أو بدون تفسير محدد لتلك الظواهر لأن المعرفة والفهم لا يتمان من دون اكتشاف العلاقات المختلفة بين المتغيرات وموضوع الفهم والمعرفة. كما لا يمكن فهم جانب واحد من السلوك البشري دون ربطه بالجوانب السلوكية الأخرى.
ونحن نفهم معنى الأحداث من خلال ربطها بالأحداث الأخرى التي سبقتها والظروف المحيطة بها فالفهم إذن يتم بعملية ربط أو إدراك العلاقات بين الظواهر المطلوب تفسيرها، وربطها بالأحداث الأخرى التي تلازمها والتي سبقتها والتي تؤثر فيها.
فالفهم لن يتحقق إلا بربط الظاهرة بالمتغيرات والظروف الأخرى الخارجة عنها، والتي يعتبر وجودها مسؤولاً عن تسلسل أحداث الظاهرة نفسها.
والأسلوب الوظيفي لدراسة التفاعل البشري يفترض أن الناس عندما يتصلون ببعضهم البعض يستخدمون كل إمكانياتهم وطاقاتهم، لأن عملية الإتصال تتطلب استغلال كل إمكانيات وطاقات الفرد، من مدارك وتعلم ودوافع وعواطف واتجاهات ومعتقدات وقيم ومعاني وظروف اجتماعية.
فالاتصال البشري هو عبارة عن عملية واحدة مركبة تجمع العديد من العمليات والقوى المعقدة والمستمرة والتي تتفاعل في ظرف متبدل لا بداية ثابتة له ولا نهاية ثابتة له. وكل أوجه النشاط تلك تؤثر على الإتصال البشري الذي يعتبر تجميعاً لعناصر وقوى متفاعلة مادية وسيكولوجية واجتماعية، وعلينا التنبؤ بكيفية تفاعل تلك المتغيرات أو ردود الفعل المحتملة لإحداث نتائج معينة.
وتأثير الرسالة الإعلامية لا يمكن تفسيره على ضوء نموذج المثير والاستجابة البسيط، لوجود عدة متغيرات خارجة عن عملية الإتصال ذاتها، وتؤثر على نتيجة عملية الإتصال تأثيراً مباشراً.
لأننا نبحث عن تفسير ظاهرة معينة وعن مؤثرات ومتغيرات خارجة عن عملية الإتصال وتربطها بها علاقة وظيفية محددة.
منطلقين من مبدأ أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تؤثر في الجمهور الإعلامي، وأن الجمهور الإعلامي بدوره يؤثر على مضمون وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.
وأن السياسة تغير الرأي العام، وأن الرأي العام يغير السياسة.
وأن التغيير الاقتصادي يحدث تغييراً في الإتصال والإمكانيات الإعلامية التي بدورها تعاون على التغيير الاقتصادي.
وبمعنى آخر أن الأسلوب الوظيفي لتفسير عملية الإتصال يأخذ في اعتباراته ظواهر متعددة لتأثير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.
وظائف الاتصال الأساسية:
نستطيع أن ندرس أهداف عملية الاتصال من خلال وجهة نظر المرسل أو من وجهة نظر المستقبل على حد سواء.
كما ونستطيع تحديد وظائف عملية الإتصال على أساس الفرد أو على أساس المجتمع. فمن وجهة نظر الفرد القائم بالاتصال، أي المرسل بشكل عام، هي:
1- الإعلام.
2- التعليم.
3- الترفيه.
4- الإقناع.
أما من وجهة نظر المستقبل، أي الطرف الآخر في عملية الإتصال، فهي:
1- المشاركة في عملية الإتصال.
2- فهم ما يحيط به من ظواهر وأحداث.
3- تعلم مهارات جديدة.
4- الاستمتاع والاسترخاء والهرب من مشاكل الحياة.
5- الحصول على معلومات جديدة تساعده على اتخاذ القرارات والتصرف بشكل مقبول اجتماعيا.
المقالة التالية أهداف الفرد من عملية الاتصال


الخميس، 7 مايو 2020

نماذج عملية الاتصال الجماهيري

نماذج عملية الاتصال الجماهيري

نماذج عملية الاتصال الجماهيري


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
تميز الربع الأخير من القرن العشرين بالتركيز على دراسات الإتصال والإعلام الدولي على ضوء التطورات الهائلة المحققة في وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية وخروجها من إطار المحلية إلى الإطار الدولي. وما نتج عن ذلك من مشاكل معقدة احتاجت للمزيد من الدراسات والبحث لمعرفة وفهم المتغيرات التي طرأت على نظم الإتصال والإعلام الجماهيري في مختلف دول العالم.
وبقى التصنيف الذي وضعه كتاب "نظريات الإعلام الأربع" الذي صدر عام 1956، قائماً في تصنيفه رغم انهيار الإتحاد السوفييتي السابق ومعه المنظومة الاشتراكية التي كان يقودها في مطلع تسعينات القرن العشرين، واتجاه معظم الدول المستقلة إلى تبني نظم ديمقراطية في سياساتها الإعلامية.
وبقيت الحاجة لدراسات تركز تأثير الانفتاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي على وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وتأثير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في شكلها الراهن على هذا الانفتاح وتحليل المتغيرات الحاصلة في التعليم والدخل القومي وتوزيع الثروات والاستقرار السياسي والاجتماعي ومشاكل البيئة والتلوث... وغيرها من البحوث التي لها علاقة مباشرة بنظم الاتصال والإعلام الجماهيري في دول المنظومة الاشتراكية السابقة ومقارنتها مع النظم القائمة في مختلف دول العالم.
وهو ما سبق وتنبهت له الدول الأوروبية وانعكست صورته في ما نشرته مجلة اتحاد الإذاعات الأوروبية E. B. U. Review، ومجلة معهد الإذاعة الدولي Inter Media في لندن، ومجلة Gazette في هولندا، وغيرها من المجلات المتخصصة.
نماذج عملية الاتصال الجماهيري:
ظاهرة الاتصال بين الأفراد والأمم والشعوب هي ظاهرة قديمة قدم الإنسان والأمم، لكن الاهتمام بدراسة الاتصال والإعلام والدعاية والرأي العام دراسة منهجية منتظمة اتضح في الفترة التي رافقت الحرب العالمية الثانية كما سبق وأشرنا، وظهرت بعض الكتب والدراسات القيمة خلال خمسينات وستينات القرن العشرين تناولت مواضيع الاتصال والإعلام الجماهيري الدولي، وانصب الاهتمام فيها نحو دراسة الإنتاج الفكري للفترة الممتدة بين الحرب الكونيتين الأولى والثانية. ولكن قبل أن نتحدث عن نماذج الاتصال لابد أن نوضح ما المقصود من اصطلاحات الاتصال، والجماهيري، وعملية الاتصال بحد ذاتها.
تعريف الاتصال:
الاتصال هو من أقدم النشاطات الإنسانية على الإطلاق، وهو من الظواهر المألوفة لدى الإنسان ومعنى مصطلح الاتصال واضح وغامض في نفس الوقت، والمعنى يصبح واضحاً حينما نستخدمه بشكله التقليدي الضيق، ولكنه يتسم بالغموض عندما نستخدمه بشكله الشمولي الواسع. فإذا تحدث فرد مع آخر وأدى هذا الحديث إلى تفاهم متبادل بين الطرفين، فيمكننا القول أنه حدث اتصال، أي تحقق الهدف من الحديث. أما إذا أدى الحديث إلى حدوث سوء تفاهم، فيمكننا القول أنه لم يحدث اتصال أي لم يتحقق الهدف من الحديث. أو نصبح غير واثقين مما إذا حدث الاتصال فعلاً أم لا.
وذكر كارل هوفلاند، أن الاتصال هو عملية ينقل من خلالها الفرد (القائم بالاتصال) مثيرات (رموزاً لغوية، رسالة)، لكي يعدل من سلوك الأفراد الآخرين (مستقبلي الرسالة). وفي هذه الحالة ينقل القائم بالاتصال الرسالة عمداً، أي بشكل هادف لإحداث تأثير معين.
أما تشارلس موريس، فذكر أن اصطلاح الاتصال حينما نستخدمه بشكل واسع النطاق، فإنه يتناول أي موقف يشارك فيه عدة أفراد بموضوع معين. ولكنه حصر الاتصال في استخدام الرموز لكي تحقق انتشاراً ومشاركة ذات مغزى. أي أن يتحقق تفاهم حول موضوع معينٍ، سواء عن طريق الرموز أو أية وسيلة أخرى سماها تشارلس موريس Communization، كأن ينتقل الغضب من شخص إلى شخص آخر، أو أن لا يغضب الشخص فعلاً ولكنه يبدي دلائل توحي بالغضب، وهذا الموقف ينطوي على إحساس ومشاركة نسميها اتصال.
واعتبر جورج لندبرج أن الاتصال هو نوع من التفاعل يحدث بواسطة الرموز، ويستخدم للإشارة إلى التفاعل بواسطة العلامات والرموز، التي يمكن أن تكون حركات أو صور أو لغة أو أي شيء آخر يمكن أن يثير السلوك الإنساني. والسلوك الناتج عن هذا التفاعل قد لا يكون بسبب التعرض للرموز نفسها، إن لم يكن المتلقي مهيأً للاستجابة للرمز بصورة معينة. وأن الاتصال يختلف عن التوصيل، وأن الاتصال الحقيقي هو نوع من التفاعل يتم بواسطة الرموز والعلامات، ويؤدي إلى تخفيف أو زيادة التوتر والشك وزيادة أو تشويش الفهم لدى الأفراد.
أما إدوار سابير فقد كتب عن الإتصال المحدد، والاتصال الضمني، ما يلي:
- الإتصال المحدد، هو:
- اتصال بالمعنى التقليدي، أما الإتصال الضمني، فهو:
- التفسير البديهي للرموز اللاشعورية نسبياً، والاستيعاب اللاشعوري للأفكار والسلوك في ثقافة الفرد.
بينما اعتبر بعض علماء الإتصال أن مفهوم الإتصال يتضمن كل العمليات التي يؤثر من خلالها الناس على بعضهم البعض.
بينما عرف ستيفنز الإتصال باستجابة الكائن الحي على منبه معين بشكل متميز، بحيث يقدم بنتيجتها على استجابة أو ردة فعل متميزة.
والرسالة التي لا تحظى باستجابة لدى المستقبل لا تعتبر اتصالاً عكس نوبرت وينر الذي يعرف الإتصال بشكل أوسع يشمل التفاعل بين الآلات، عندما يقول: أن الإتصال بمعناه الواسع يتضمن كل الإجراءات التي يمكن بمقتضاها أن يؤثر عقل بشري على عقل آخر، أو يؤثر جهاز على جهاز آخر كأجهزة الرصد والتوجيه الأوتوماتيكي، وأجهزة الاستشعار عن بعد مثلاً.
ولكننا ورغم الاختلاف في التعريف نرى أنه هناك اتفاق على استخدام مصطلح اتصال لنقل المعاني، وانه في صيغة المفرد يستخدم للإشارة إلى عملية الإتصال، وفي صيغة الجمع فيستخدم للإشارة إلى الرسائل الإعلامية ومؤسسات الإتصال والإعلام الجماهيري بشكل عام.
تليها عملية الاتصال الجماهيري

الأربعاء، 6 مايو 2020

الاتجاه السيكولوجي والاجتماعي للدراسات الإعلامية

الاتجاه السيكولوجي والاجتماعي للدراسات الإعلامية
الاتجاه السيكولوجي والاجتماعي للدراسات الإعلامية


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
يعتبر علم النفس الاجتماعي من المجالات الأساسية والهامة في الدراسات الإعلامية. ويعتبر كارل هوفلاند، وبول لزرفيلد، وكرت لوين، من أوائل الباحثين في هذا المجال الهام.
وركز هوفلاند عالم الاجتماع في جامعة ييل، على عملية الإقناع في دراساته.
بينما ركز لوين عالم الاجتماع في جامعة أيوا، وجامعة ماساتشوسيت للتكنولوجيا دراساته على الجماعات والأدوار الاجتماعية.
بينما ركز لزرفيلد في مركز الأبحاث الاجتماعية التطبيقية بجامعة كولومبيا، دراساته على استقصاء الرأي العام، وتأثير وسائل الإعلام الجماهيرية، وعلى العلاقة بين التأثير الشخصي وتأثير وسائل الإعلام الجماهيرية على الجمهور الإعلامي.
ولد لزرفيلد في فيينا وتعلم فيها حتى حصل على درجة الدكتوراه، وفي عام 1923 ترك مسقط رأسه مهاجراً إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث صب اهتمامه على دراسة الساحة الإعلامية وتأثير وسيلة الاتصال الإعلامية الجماهيرية الجديدة آنذاك. وكان الباحثون هناك مهتمون فعلاً بقياس مدى نجاح الإذاعة المسموعة كوسيلة إعلام جديدة لفتت انتباه المعلنين.
وانصبت دراسات القياس على معرفة عدد المستمعين والبرامج التي يفضلون الاستماع إليها.
واهتم لزرفيلد بمعرفة الأسباب التي دفعت المستمعين لسماع برامج إذاعية بعينها، واستنباط الطريقة التي تمكنه من معرفة كيفية استخدامهم للمعلومات التي يحصلون عليها عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وتأثيرها على أذواقهم واتجاهاتهم الاجتماعية وتأثير الحملات الانتخابية على خياراتهم الانتخابية، وعلاقة الاتصال الشخصي بوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.
وبدأ اهتمام لزرفيلد بالإذاعة المسموعة عام 1937 عندما عين مديراً لمركز أبحاث الإذاعة المسموعة الذي أفتتح للتو في جامعة برنستون بتمويل من مؤسسة روكفلر. مستفيداً من خبرة فرانك ستانتون المدير السابق لشبكة س. ب. إس، في الإذاعة الأمريكية.
وفي عام 1940 انتقل المركز الذي يشرف عليه لزرفيلد إلى جامعة كولومبيا وأصبح مركزاً للأبحاث الاجتماعية التطبيقية. وأثمرت أبحاث لزرفيلد عن مجموعة من الكتب ذات المستوى الرفيع في موضوعات كالتصويت، والبطالة، والاتصال، ومناهج البحث في العلوم الاجتماعية التطبيقية، إضافة لتدريب مجموعة من الباحثين الشباب الذين ذاع صيتهم فيما بعد.
أما عالم النفس والخبير بوسائل وأساليب إجراء التجارب العلمية، وعلم النفس الاجتماعي كورت لوين Kurt Lewin فقد هاجر في مطلع ثلاثينات القرن العشرين من مسقط رأسه في أوروبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن أتم تحصيله العلمي في فيينا. وتمتع بتأثير كبير هناك على طلبته في جامعة أيوا ومعهد ماساتشوسيت للتكنولوجيا، حيث اهتم خلال الحرب العالمية الثانية بدراسة حركة الجماعة، والاتصال داخل الجماعة، وتأثير جماعات الضغط الاجتماعي، وتأثير الجماعة على اتجاهات وتصرفات أعضائها. وركزت أبحاث لوين في علم النفس الاجتماعي على الفرد في ظروف المحيط الاجتماعي، وتحليل المؤثرات الاجتماعية على الطفل، وطبيعة الاختلافات القومية بين الأمريكيين والألمان، والمشاكل الاجتماعية الناتجة عن انتماء الفرد لأقلية اجتماعية.
أما كارل هوفلاند فقد تخرج من جامعة ييل وبرز بين علماء النفس التجريبي قبل الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1942 استدعي للخدمة العسكرية والتحق بقسم الأبحاث الإعلامية في الجيش وهناك ركز اهتمامه على بحوث الاتصال وتغيير الاتجاهات.
وبعد الحرب عاد هوفلاند إلى جامعة ييل ووضع برنامجاً للبحث في عناصر الاتصال وتغيير الاتجاهات، وتمتع برنامجه بأسلوب دقيق للقياس يعتمد على التجربة المنظمة.
ودرس هوفلاند:
- تأثير القائم بالاتصال الذي يؤمن الجمهور الإعلامي بصدقه؛
- والقائم بالاتصال الذي يتمتع بالنفوذ؛
- وتأثير عرض الجانب الذي يسعى القائم بالاتصال لترويجه، من خلال عرض الجانبين المؤيد والمعارض في آن واحد؛
- وتأثير بواعث الرسائل الإعلامية المثيرة للخوف الشديد لدى المستقبل؛
- ومقارنة تأثير الرسائل الإعلامية التي تثير خوفاً معتدلاً أو خفيفاً،؛
- وأساليب تحصين الجماهير ضد الدعاية المضادة.
وتعتبر كتبه من أهم ما وضع من كتب في علم الاتصال حتى وقت قريب، وتوفي هوفلاند عام 1961 متأثرا بمرض السرطان عن 48 عاماً، ولم تتوقف أبحاثه التي استمرت على أيدي تلاميذه الذين استمروا على تطويرها والتوسع بها من بعده.
ومن دراستنا لأبحاث الرواد الأربعة في تطوير أبحاث الإتصال الجماهيري: لازويلد، ولزرفيلد، ولوين، وهوفلاند، فإننا نستطيع استنتاج أن  أبحاث:
- لازويل اتسمت بالشمول الذي يهتم بالمجال العام.
- أما لزرفيلد وهوفلاند فقد اتسمت بالمجال الأضيق الذي يهتم بالتفاصيل.
- أما أبحاث لوين عن الجماعات الصغيرة، فقد جاءت في الوسط بين المجالين.
وأضاف الباحث الأمريكي برنارد ولسون إلى المجالين أنفي الذكر خمسة مجالات فرعية للبحوث الإعلامية وهي:
1- المجال الإصلاحي: الذي مثلته لجنة حرية الصحافة في الولايات المتحدة الأمريكية التي شكلت عام 1943، وأصدرت تقريرها عام 1947 واهتمت بتنظيم وسائل الإتصال وتكوينها، وأساليب السيطرة عليها، ومسؤولية وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية اتجاه المجتمع، وهو المجال الذي تجاهلته الجامعات، ووقفت وسائل الإتصال والإعلام التجارية ضده، وضد لجنة حرية الصحافة.
2- المجال التاريخي: الذي تمثل بدراسات ديفيد رايسمان، وهارولد إنيس، واهتم بالتأريخ لحياة القائمين بالاتصال عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. وتدخل ضمنها مؤلفات فرانك لوترموت، وأرنولد هاوسر، التي اعتمدت على السرد والسير الشخصية.
3- المجال الصحفي: ويمثله نشاط معاهد الصحافة ومراكز البحث العلمي في مجال الاتصال والإعلام، وبعض الأساتذة أمثال: كيسي، وريمو ب. نيكسون، وولبر شرام. واهتم:
- بالسيطرة على وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية؛
- وخصائص القائم بالاتصال؛
- واهتمامات قراء الصحف؛
- ومسؤولية الإعلام اتجاه المجتمع.
4- مجال دراسة فلسفة اللغة والمعاني: الذي حاول من خلاله الباحثون تطبيق نظرية المعرفة على الإتصال الجماهيري، واشتغل فيه إضافة للفلاسفة، علماء الأنثروبولوجيا، واللغويين، وعلماء النفس، وعلماء الرياضيات.
5- دور وسائل الإعلام الجماهيرية في مجال نشر الأفكار المستحدثة: الذي اهتم أصلاً بالمجتمعات الزراعية ونشر الأفكار المستحدثة، وله علاقة كبيرة باهتمامات الدول النامية وأساليب التغيير السريع للمعتقدات والقيم. ومن رواده روجر، وكير، وشوميكر.
المقالة التالية: نماذج عملية الاتصال الجماهيري

الثلاثاء، 5 مايو 2020

العوامل التي ساعدت على تطوير بحوث الإعلام والاتصال

العوامل التي ساعدت على تطوير بحوث الإعلام والاتصال
العوامل التي ساعدت على تطوير بحوث الإعلام والاتصال


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
مع الكساد الاقتصادي الذي سيطر على العالم خلال ثلاثينات القرن العشرين وانتهى باندلاع الحرب العالمية الثانية المدمرة التي استخدمت فيها الولايات المتحدة الأمريكية ولأول مرة في تاريخ الإنسانية القنابل الذرية لتدمير مدن يابانية بأكملها وقتل سكانها الأبرياء، دخلت إلى جانب أسلحة التمير الشامل الإذاعات المسموعة الدولية الموجهة كسلاح من أسلحة التمير الشامل في الحرب استخدمته الدول الكبرى آنذاك إيطاليا الفاشية، وألمانيا النازية، واليابان، والإتحاد السوفييتي، وبريطانيا العظمى، وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية، بنجاح كبير.
وبدأت الإذاعات الموجهة الدولية بالبث باللغات الأجنبية كاللغة الإنكليزية والفرنسية والعربية والإسبانية والبرتغالية وغيرها من لغات العالم. بهدف التأثير على عقول شعوب الدول الأخرى، وكسب الرأي العام العالمي لصالح قضاياها ومصالحها في العالم، وهو ما ساعد على تطوير أساليب تحليل المضمون الإعلامي بمختلف الطرق والوسائل كمياً وموضوعياً.
وكان من العوامل الهامة التي ساعدت على تطوير البحوث العلمية الإعلامية والاتصالية آنذاك:
1- ازدياد اهتمام الهيئات الحكومية بالدعاية الأيديولوجية، وتشجيعها على تطوير مناهج البحث وتطبيقها على نطاق واسع لقياس تأثير المادة الإعلامية. وتشجيع دراسات التسويق والإعلان على نطاق واسع.
2- وقلق المجتمعات الديمقراطية من السيطرة السياسية على وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في الإتحاد السوفييتي وألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، واستخدام هذه الدول لها لدعم نفوذها السياسي في الداخل والخارج الوضع الذي استغله بعض علماء الاجتماع لتضخيم قدرات وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في التأثير على العقول والسيطرة عليها.
3- وأدى تركز ملكية وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المقروءة والمسموعة والمرئية، في أيدي قلة من المالكين في الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا، لاختفاء المنافسة في السوق الإعلامية للمجتمعات الغربية. ورافقها قلق واضح من احتكار وسيطرة أقلية من المالكين لوسائل التوجيه والاتصال والإعلام الجماهيري مما أبرز حاجة لدراسة ظاهرة الاحتكار الإعلامي.
4- ومع اشتداد المنافسة بين وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المقروءة والمسموعة والمرئية للحصول على أكبر قدر من الدخل والتمويل عن طريق جذب الإعلانات والدعاية إليها، زادت الحاجة لدراسات قياس تأثير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية كل على حدى ومقارنة تلك الوسائل بعضها ببعض من حيث الانتشار والتأثير الفعلي. ورافقها خلال خمسينات القرن العشرين التركيز على دراسة تأثير الإذاعة المرئية على الأطفال، وتأثير برامج العنف والجريمة على انحراف الأحداث، ودور الإذاعة المرئية في التعليم.
5- وأدى الاهتمام بدراسة التأثير السياسي لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وخاصة أثناء الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى دفع مركز الدراسات الاجتماعية والتطبيقية بجامعة كولومبيا، ومؤسسات البحث العلمي في جامعات ييل، وستانفورد، وآلينوي، للقيام بدراسات لاكتشاف الحقائق عن الدور الذي يلعبه الاتصال الشخصي في المجتمعات المتقدمة، ودور الجماعة في التأثير على أعضائها، وتأثير الإشاعة، وخصائص وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المختلفة. والعمل على تطوير تلك الأبحاث.
ومن الأساليب الشهيرة التي اتبعت خلال ثلاثينات القرن العشرين، كان أسلوب جورج جالوب في قياس اهتمامات قراء الصحف، والذي عرف باسم "أسلوب التعرف" واستخدمته مؤسسة أبحاث الإعلان في دراساتها المستمرة لقراء الصحف في الفترة من عام 1939 وحتى عام 1953 وشملت عينات من قراء 130 صحيفة يومية من جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، ولخصت نتائجها في 138 تقريراً. وشملت "الدراسة المستمرة" تطور الإعلانات في الصحف، وأسلوب تحرير الصحف بشكل عام، وجمعت معلومات كبيرة عن قراء الصحف، والمواد الأكثر قراءة في الصحف وأدى تكرار هذه الدراسات إلى تراكم المادة العلمية وتطوير أساليب البحث المتبعة. وطور كلاً من: سوانسون، وجونز، وبلدو أساليب علمية لقياس اهتمامات قراء الصحف، وابتكروا طرقاً سهلة لتسجيل وتفريغ البيانات.
6- وفي النصف الثاني من القرن العشرين بدأت خطوات تعاون بين مؤسسات التعليم العالي وهيئات البحث العلمي في مجال الدراسات الإعلامية، ومن أبرزها كان البحث الذي موله معهد الصحافة الدولي في زيورخ IPI ودرس طبيعة الأخبار الدولية في عينة من صحف الولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا الاتحادية، وبريطانيا، وفرنسا، وهولندا، وبلجيكا، وسويسرا، والسويد، والهند. ونشرت نتائجه تحت عنوان "تدفق الأخبار" عام 1953.
وأدى تراكم البحوث الإعلامية إلى ظهور أكثر من خمسين وصفاً لعملية الاتصال الجماهيرية، وإلى وضع نماذج كثيرة تشرح عملية الاتصال الجماهيري، منها:
- النموذج الرياضي لكلود شانون عام 1948؛
- ونظرية الإتصال الرياضية لشانون وويفر.
وتجنبت الأبحاث دراسة الدور الاجتماعي لوسائل الإعلام الجماهيرية، رغم أن الدور الاجتماعي لوسائل الإعلام الجماهيرية هو الأساس لمعرفة دور وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في إقناع الجماهير في أي مجتمع من المجتمعات. ورغم استخدام أساليب التحليل الوظيفي في دراسة طبيعة ودور الإتصال الجماهيري على الفرد والمجتمع في الإتحاد السوفييتي السابق.
الاتجاه السياسي للدراسات الإعلامية:
يعتبر عالم السياسة الأمريكي هارولد لازويل، الذي تدرب ومارس التدريس في جامعة شيكاغو، وعمل لسنوات طويلة في جامعة ييل، ممثلا للاتجاه السياسي الذي اهتم باستخدام تحليل المضمون كأسلوب من أساليب القياس في الدراسات الإعلامية. وقد درس لازويل الدعاية الأيديولوجية ودور وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في المجتمعات والدول، والنفوذ السياسي للقائمين بالاتصال، وتحليل المضمون على أسس علمية. ومن الموضوعات التي اهتم لازويل بدراستها:
- وظيفة الإتصال في المجتمع.
- علاقة الإتصال بالحكومات.
- السلطة ممارستها وتوزيعها.
- عوامل الإشراف والسيطرة على وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.
- استخدام الحكومات وسائل الاتصال كأداة سياسية.
- مقارنة نظم الإتصال بين الثقافات والدول المختلفة.
- اقتصاديات وسائل الاتصال والإعلام.
- طبيعة عمل القائمين على عملية الاتصال.
- مضمون وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.
ومن بين الذين درسوا عملية التحضير للاتصال السياسي دانيل لونر، ولوشيان باي. ودرس كلاً من أثيل دوسولا بول، وكارل دويتش أنظمة الاتصال في الدول النامية من خلال دراستهم للإعلام الدولي.
المقالة التالية: الاتجاه السيكولوجي والاجتماعي للدراسات الإعلامية.

الاثنين، 4 مايو 2020

تطور الدراسات الإعلامية واتجاهاتها العلمية

تطور الدراسات الإعلامية واتجاهاتها العلمية
تطور الدراسات الإعلامية واتجاهاتها العلمية


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
الأبحاث العلمية بدأت في أوروبا وانتقلت منها إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال عشرينات القرن العشرين، وركزت الأبحاث الأولى على دراسة وصفية لتاريخ الصحافة، والشخصيات الصحفية التي قامت بإصدار وتحرير صحف كل مرحلة من المراحل المدروسة، وركزت الأبحاث التي جرت خلال تلك المرحلة على مفاهيم فلسفية معينة كحرية الصحافة وحق الأفراد في نشر آرائهم بدون تدخل السلطات، ودور الصحافة في المجتمع وغيرها من الاهتمامات العلمية.
وظهرت في المرحلة التالية دراسات علمية اعتمدت على نتائج الأبحاث التجريبية والميدانية الكمية وأعطت دراسات موضوعية بعيدة عن تحيز الباحث معتمدة على حقائق علمية ثابتة، واستخدمت أساليب القياس والتجربة للوصول إلى نتائج علمية مقنعة. وبالنتيجة توصل العلماء إلى تكوين نظرية علمية تم تطويرها خلال خمسينات وستينات القرن العشرين.
وتوسع البحث العلمي بعد ذلك في مجال الاتصال ليشمل دراسات في الإعلام الدولي وطبيعة الإعلام في الدول الأخرى وخاصة تلك التي تختلف مع الولايات المتحدة الأمريكية إيديولوجياً، أو التي تدخل ضمن مجال اهتمامات سياستها الخارجية والمصالح الأمريكية في العالم بشكل عام. ورافق تطور الأبحاث العلمية في مجال الإعلام اهتمام علماء السياسة والاقتصاد والمجتمع وعلم النفس والأنثروبولوجيا بعلوم الإتصال، وساهموا في تطويرها وبناء نظريات ومفاهيم أساسية لعلم الاتصال مما أعطى الدراسات الإعلامية طابعاً متميزاً ساهم في اتساعها وشموليتها وإثرائها خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
تطور الدراسات الإعلامية واتجاهاتها العلمية:
الاتجاه النظري الفلسفي للدراسات الإعلامية: استخدم اصطلاح "أبحاث الإتصال الجماهيري في مطلع ثلاثينات القرن العشرين بالولايات المتحدة الأمريكية. ولكننا لا نستطيع اعتبار هذا التاريخ بداية للأبحاث العلمية في مجال علوم الاتصال والإعلام. لأن الاهتمام بفهم وتفسير عملية الإتصال بدأ قبل ذلك بكثير. فأرسطو (284-322 ق.م) مثلاً عرَّف في كتابه "فن البلاغة"، دراسة البلاغة (أي الاتصال بمفهوم اليوم) بأنه: "البحث عن جميع وسائل الإقناع المتوفرة"، وحدد عملية الإتصال بالمواقف التالية:
1- متحدث؛
2- حديث؛
3- مستمع.
في الوقت الذي كان فيه الاتصال الجماهيري يعتمد على فن الخطابة لتحقيق أغراض الاتصال السياسي في المدينة الإغريقية الصغيرة. ولم تخرج النماذج الاتصالية فيما بعد عن الإطار العام الذي وضعه وسار عليه أرسطو.
أما بدايات الاهتمام بالأبحاث الإعلامية العلمية فتعود لأوائل القرن العشرين، حين بدأت كما وسبق وأشرنا بالدراسات التاريخية والفلسفية والقانونية والأدبية. ورافق ذلك ظهور أولى الكتب عن الرأي العام، وكان أهمها كتاب جابريل تارد "الرأي العام" الذي ظهر عام 1910، وكتاب جراهام ولاس "الطبيعة البشرية في مجال السياسة" الذي ظهر عام 1909، ومن الكتب الهامة التي تناولت دور الجماعات المنظمة في عملية اتخاذ القرار كتاب بنتلي "عملية الحكم" الذي صدر عام 1908، وتناول موضوع ما عرف فيما بعد بجماعات الضغط وعلاقتها بالرأي العام والسياسة.
وشكلت الحرب العالمية الأولى نقطة بداية سمحت للدول الكبرى وخاصة بريطانيا باستخدام الإعلام كسلاح للتأثير على العقول عن طريق الدعاية المنظمة من خلال الإعلام الموجه، وازداد الاهتمام بعد ذلك تباعاً بدراسة الإعلام بشكل لم يسبق له نظير. ولفتت الحرب أنظار الباحثين إلى أبعاد جديدة للعمل الدعائي، وازداد الاهتمام بوسائل الاتصال والإعلام وأساليب التأثير على الرأي العام واعتبرت الفترة الممتدة من عام 1920 وحتى عام 1930 نقطة التحول الهامة على طريق الدراسات العلمية الإعلامية، وبداية حقيقية لتطبيق مناهج البحث التجريبية الحديثة في مجال دراسة الاتصال والإعلام ووسائله وأساليبه وتقنياته. وظهرت بعد الحرب العالمية الأولى عدة مؤلفات لباحثين أمثال: جورج كريل، وهارولد لازويلد، وج. برنشتورف، وجورج ديمرشيل، وهانز ثيم، وشونمان ، وكميل ستيوارت، وادجار شترن، وولتر ليبمان.
وفرضت الحاجة ضرورة استخدام طرق جديدة في البحث العلمي لمعرفة أفضل طرق جذب المعلنين، ولكن الدفعة القوية للبحث العلمي في مجال وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بدأت مع اهتمام الحكومات بالدعاية خلال الحرب ودراسة الروح المعنوية للقوات المسلحة والمدنيين، وسيكولوجية القيادة ومشاكلها، والعلاقة بين الضباط والجنود وما رافقها من حاجة للأبحاث التجريبية. وكان هذا الاهتمام بمثابة الحافز الذي دفع الباحثين والخبراء والعلماء إلى تطوير بحوثهم العلمية لتشمل مجالات السياسة وعلم النفس، وقياس تأثير الرسائل الإعلامية، فظهرت أسماء جديدة من الباحثين العلميين كان لهم أبلغ الأثر في تطوير البحوث العلمية في مجال الإتصال والإعلام واستخدام أساليب حديثة في البحث كجون لونج، وبارنيز، وريس، وأبراهام ليسكي، وايفي لي، ورالف كيس، وغيرهم.
وشهدت عشرينات القرن العشرين بداية تطبيق أساليب حديثة في البحث الميداني لدراسة سلوك المستهلكين، واهتمامات قراء الصحف والمجلات ومستمعي الراديو ورواد صالات السينما والرأي العام. وبدأت مجلة Literary Digest باستطلاع الرأي العام في تلك الفترة بطريقة غير رسمية لمعرفة المرشح الذي سيصوت الجمهور لصالحه، وهو ما عرف آنذاك باسم Straw Votes. وشهدت نفس الفترة تطور أساليب القياس وطرق إعداد استطلاعات الرأي والدراسات التجريبية، واخترعت بعض الآلات البسيطة لاستخراج النتائج وتلخيص كميات كبيرة من المعلومات بصورة أسرع من الطرق التقليدية المتبعة آنذاك، وهو ما ساعد على القيام بدراسات إحصائية كمية، رافقتها محاولات لقياس الآراء والاتجاهات، لعب فيها الباحثان لويس ثرستون في مجال علم النفس، وستيوارت رايس في مجال السياسة والإحصاء دوراً بارزاً.
وفي نفس الوقت لفتت نجاحات الدعاية السوفييتية، والفاشية الإيطالية أنظار الباحثين في استخدام الدعاية كسلاح من أسلحة السياسة الخارجية للدولة، وكوسيلة ناجحة للسيطرة على الجماهير في الداخل، إلى جانب التقدم الهائل للإعلان التجاري في الولايات المتحدة الأمريكية. وهي الدروس التي استفاد منها أدولف هتلر في كتابه "كفاحي" الذي صدر الجزء الأول منه عام 1925، وصدر الجزء الثاني منه عام 1927، لتستخدم وسائل الاتصال ببراعة فائقة في الدعاية الألمانية النازية. وشهد عام 1925 صدور أول مجلة ربع سنوية متخصصة تعنى بتشجيع ونشر الأبحاث والدراسات الإعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية حملت اسم Journalism Quarterly.


الأحد، 3 مايو 2020

أبحاث الاتصال والمعلوماتية

أبحاث الاتصال والمعلوماتية
أبحاث الاتصال والمعلوماتية


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
ازدادت أهمية المعلوماتية وتقنياتها في العصر الحديث بشكل كبير، بفضل تطور وسائل الاتصال وتقنياتها الحديثة، فالمعلومات أصبحت تحيط بنا في كل مكان وزمان ومن كل اتجاه حتى أصبحت طبقة تحيط بالكرة الأرضية كالغشاء الهوائي الذي يوفر لنا الحياة، طبقة تعود الإنسان عليها حتى كاد ينساها أو يجهل وجودها، عدا قلة من خبراء الاتصال والإعلام الذين يتعاملون مع هذه الطبقة المعلوماتية ويدركون مدى فاعليتها وتأثيرها.
وقد أطلق خبير الاتصال بيير تايلهارد على هذه الطبقة المعلوماتية التي تحيط بالكرة الأرضية اسم الـ"نوسفير"، ويستفيد الإنسان المعاصر من هذه الطبقة متلقياً سيلاَ من المعلومات تتضمن حقائق وآراء مختلفة يستخدمها في مواقف اتصالية يدخل فيها مع آخرين كمتحدث ومستمع، ولكنه لا يؤثر في عملية الاتصال كغيره من الفئات الاجتماعية الأكثر تأثيراً في عملية الاتصال كالمفكرين والصحافيين والكتاب والسياسيين ورجال الدين والأساتذة والمعلنين الذين يعطون من خلال وسائل الاتصال والإعلام أفكاراً ومعلومات معينة في مواقف اتصالية أكثر مما يأخذون من معلومات، بحكم أدوارهم الاجتماعية التي تسمح لهم بالتأثير وتوجيه تفكير غيرهم من الناس.
وأصبح الاتصال اليوم حقيقة طاغية في حياتنا اليومية المعاصرة، وأصبح الناس أداة فاعلة في عملية الاتصال المستمرة على مدار اليوم مرسلين ومستقبلين على حد سواء بفضل تقنيات الاتصال الحديثة التي حولت العالم بأسره من خلال عمليات الاتصال المباشرة والمعقدة إلى ما يشبه قرية الأمس، قرية كونية لم تعد تعترف لا بالحدود الجغرافية ولا بالحدود السياسية لمختلف الدول في العالم.
وفرض تطور تقنيات الاتصال الحديثة على الإنسان المعاصر تعلم مهارات جديدة لم يكن بحاجة لتعلمها قبل عدة عقود فقط، وأصبحت ضرورية لمواكبة العصر واستخدام وسائل الاتصال الحديثة المعقدة حتى في اتصالاته الشخصية عبر شبكات الحاسبات الإلكترونية (الكمبيوتر) التي جعلت من الاتصال عملية سريعة وفورية وسهلة بالاتجاهين. ومع تزايد أهمية الاتصال في حياتنا اليومية المعاصرة، ازدادت أهمية أبحاث الاتصال.
فما هي أبحاث الاتصال؟
أبحاث الاتصال:
يميل بعض علماء الاجتماع إلى التفريق بين الأبحاث الصحافية، والأبحاث الإعلامية رغم امتداد الدراسات التي استهدفت الصحافة خلال القرن العشرين إلى سائر مجالات الإعلام وقنواته انطلاقاً من مفهوم وحدة الفنون الصحفية والإعلامية رغم تشعبها، ورغم اهتمام بعض المعاهد الصحفية في العالم بدراسة مجال واحد من المجالات الإعلامية، كدراسة الإذاعة المرئية أو المسموعة، أو الصحافة المطبوعة، أو الاتصال الشخصي كل على حدى. إلا أننا نعتبر أن مثل هذه الدراسات الناقصة لا تلبي حاجة البحث العلمي في مجال الاتصال والإعلام بشكله الملائم والمطلوب في القرن الواحد العشرين، في زمن تشعبت فيه قنوات الاتصال وتداخلت من خلال شبكات الاتصال الحديثة سمة الحقبة الأخيرة من القرن العشرين.
فالأسلوب العلمي الصحيح اليوم يربط بين أساليب الاتصال وتقنياته الحديثة كوحدة واحدة تتلاقى فيها قنوات الإعلام أصولاً وفروعاً. رغم التقسيم الذي سار عليه بعض الباحثين حينما فرقوا بين الأبحاث الصحفية، وحاولوا حصرها بدراسة وسائل الإعلام أو الرسائل الإعلامية فقط، بينما حاول البعض الآخر حصر أبحاث الإتصال بعملية الاتصال فقط. لأنه من الصعب جداً دراسة وسائل الإعلام الجماهيرية دون الاهتمام بعمليات الإتصال والمواقف الاتصالية التي يتم من خلالها توجيه وتبادل المعلومات.
فأي بحث يتناول الإتصال يجب أن يهتم بالجانبين معاً. فنحن لا نستطيع فهم ما تنشره وما تنقله أو تذيعه أو تبثه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، دون أن ندرك عملية الإتصال، وكيف يؤثر مضمون وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية على الأفراد والجماعات المختلفة.
وحينما نحاول أن نعرِّف المادة الإعلامية نجد صعوبة بالغة في وضع حدود واضحة تحدد الأبحاث الإعلامية وتميزها عن غيرها من أبحاث العلوم الإنسانية. فأهداف واهتمامات أبحاث الإتصال واسعة جداً، لأنها لا تدرس وسائل الإتصال والإعلام فقط، بل تتعداها لدراسة عمليات الإتصال.
وهذا يحتم علينا الاهتمام بعلوم إنسانية أخرى منها التربية، وعلم النفس الفردي، وعلم النفس الاجتماعي، والاقتصاد، والأنثروبولوجيا، والقانون، والستسيولوجيا، والسياسة... الخ، فالصحافة أو الإعلام يشارك العلوم الإنسانية مسؤولية الكشف عن مختلف أوجه المشاكل التي تتضمنها عملية الإتصال في مختلف مراحلها.
ولقد أدرك علماء الإتصال منذ أواسط القرن العشرين، حقيقة أنه لا يمكن فهم الإتصال عن طريق وسائل الإعلام الجماهيرية بدون فهم عملية الإتصال المباشر بين شخص وآخر، وعملية الإتصال داخل الجماعة الصغيرة. فبدون إدراك وفهم عملية الإتصال الفردي، والاتصال داخل الجماعة الصغيرة، لا يمكن فهم عملية الاتصال عن طريق مؤسسات ووسائل الإعلام الجماهيرية، ولا نستطيع كذلك تقدير تأثير تلك المؤسسات والوسائل.
ومن المسلم به أن فهم ودراسة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية هي من مسؤولية المختصين في شؤون الإعلام أساساً، ولكننا لا نستطيع أن ننكر اشتراك علماء السياسة والاقتصاد والمجتمع في هذه المسؤولية بشكل أو بآخر، ولكن المسؤولية تبقى أساساً على عاتق المختصين في الاتصال والإعلام المسؤولين عن دراسة عمليات الإتصال الجماهيرية، والتعرف على تنظيم مؤسسات الإتصال والإعلام الجماهيرية، وأساليب السيطرة الاجتماعية عليها، ومركز تلك المؤسسات في التنظيم الاجتماعي بشكل عام، ووظيفة تلك المؤسسات وجمهورها ومسؤوليتها، وطريقة اضطلاعها بتلك المسؤوليات، ودراسة طبيعة تأثير تلك المؤسسات. واكتشاف السبل لتحقيق فاعلية الاتصال والإعلام، واختيار أنجع الوسائل، والتعرف على طبيعة كل وسيلة منها. وطبيعة الجمهور المتلقي، ومشاكل نقل المعاني والرموز عبر وسيلة الإتصال.
تطور أبحاث الإعلام والاتصال:
يمر التطور التاريخي لأي علم من العلوم الحديثة، بمراحل تطور متشابهة تبدأ من المرحلة الفلسفية التي ينصب الاهتمام فيها على تحديد المسارات الأساسية، وتكوين مفاهيم كلية وافتراضات أساسية، وتحديد طرق وأساليب البحث العلمي، بشكل يمكن بواسطتها جمع المعلومات والحقائق عن العلم المقصود. وتنتهي هذه المرحلة عند التوصل إلى اتفاق عام على بعض المبادئ والافتراضات الأساسية وبعض طرق وأساليب البحث العلمي.
وينتقل الاهتمام في المرحلة الثانية إلى تطبيق أساليب جديدة للبحث، مهمتها قياس صحة الافتراضات التي تم الاتفاق عليها في المرحلة الأولى الفلسفية، يرافقها تجميع حقائق مفصلة عن تلك الافتراضات.
وتنتهي المراحل التجريبية بجمع جملة من الحقائق تستخدم في بناء نظرية علمية محددة، وهي المرحلة الثالثة التي تتابع فيها الأبحاث والتجارب وتؤدي إلى تطور البحث العلمي والوصول إلى نتائج جديدة ومقترحات تؤدي للوصول إلى نظريات علمية جديدة.