الثلاثاء، 2 يونيو 2020

المصدر الإعلامي

المصدر الإعلامي
المصدر الإعلامي



كتبها: أ.د. محمد البخاري.
بالنسبة للمصدر الإعلامي:
يجب تطهير المواد الإعلامية من المعلومات التي تهدد اتفاق الرأي العام، وأن تلك المواد الإعلامية يجب أن تساعد على تحقيق الاتفاق في المجتمع. وبما أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية هي الشريان الرئيسي للاتصال بالجمهور الإعلامي، فيجب أن يكون الهدف الأساسي للمصدر الإعلامي استخدامها لتحقيق الأهداف عن طريق الإقناع، واستغلال العلاقة التي تربط بينه وبين القائم بالإتصال.
أما بالنسبة للقائم بالإتصال:
فهو ينظر إلى نفسه كموزع مستقل للمواد الإعلامية، وأن وظيفته مراقبة وحراسة أعمال الحكومة، والتعاون مع المصادر الإعلامية.
بينما يتوقع الجمهور الإعلامي من وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية أن تغطي الأخبار بشكل موضوعي ونقدي، وبتقييم مستقل. وهذا يتطلب أن تبقى وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية حرة بعيدة عن ضغوط المصادر الإعلامية، ومتحررة من القيود البيروقراطية.
قادة الرأي من وسائل الإعلام الجماهيرية:
ومن العوامل المؤثرة على القائمين بالإتصال في النموذج التصوري، هو تأثير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الضخمة، على وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الأصغر منها. لأن الأخيرة وكما هو معروف تقلد الأولى في أسلوب اختيار المضمون الإعلامي.
وقد توصل وارين بريد نتيجة للأبحاث التي درس فيها صحف النخبة التي تعتبر قادة رأي، إلى فرضية تقول أنه هناك عملية شريانية Arterial Process من التأثير تزيد من التشابه والتماثل بين الصحف الصادرة في الولايات المتحدة الأمريكية، سببه تقليد الصحف الصغيرة لأسلوب اختيار الأخبار في الصحف الكبيرة. ووجد المخرج من هذا الوضع بتعيين مراسلين ومحررين أفضل وبمستويات مهنية أرقى للعمل في الصحف الصغيرة. وهي نفس النتائج التي أكدتها البحوث اللاحقة، ووجدت أن:
آ) وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تتضمن نفس المواد الإعلامية أو مواد إعلامية مشابهة لها؛
ب) هناك تماثل في طرق صياغة وأساليب ترتيب تلك المواد الإعلامية. ومن العوامل الكثيرة المسببة لهذا التماثل في المضمون الإعلامي وطرق معالجة المواد الإعلامية:
1- اعتماد مختلف الوسائل الإعلامية الجماهيرية على خدمات نفس وكالات الأنباء التي تزودها بنفس المواد الإعلامية، مما يسبب ظهورها في تلك الوسائل الإعلامية في وقت واحد؛
2- توزيع المواد الإعلانية والدعاية المتشابهة على نطاق واسع في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المختلفة؛
3- تركز ملكية وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في أيدي قلة من الأفراد، أو تبعيتها لإشراف إدارة مركزية واحدة؛
4- تشابه السياسات التحريرية المحافظة سياسياً في مختلف وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. رغم استقلال المحررين في اختيارهم للمواد الإعلامية بناءً على اعتباراتهم الذاتية Inner-directed.
ومن الأدلة التي تثبت التأثير الشرياني بين وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، متابعة الصحفيين لما تنشره وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، للحصول على معلومات جديدة والاستفادة منها في عملهم.
ومن الدوافع الكثيرة التي تدفع الصحفي لمتابعة ما تنشره وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المختلفة، الحاجة لمعرفة آخر التطورات في أساليب تقديم المواد الإعلامية، بهدف رفع سوية عمله وزيادة فاعليته من خلال متابعة الأحداث الجارية، ومقارنة عمل الغير بالعمل الذي يقوم به، والبحث والتنقيب عن الجديد الذي هو من مميزات الصحفي، فالصحفي يبحث دائماً عن شيء لا يستطيع تحديده بشكل مسبق لأنه يبحث عن الحدث الجديد والمادة الجديدة التي تهم الجمهور الإعلامي. وقد يجد ضالته في ما تنشره وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الكبرى من مواد إعلامية، وهذا حافز يدفعه إلى التقليد.
تأثير الضغوط المهنية على القائم بالاتصال:
والعامل المؤثر الآخر على القائم بالإتصال في النموذج التصوري، هو: الضغوط المهنية التي يتأثر بها القائم بالإتصال أثناء عمله وتجعله يقبل بسياسة وسيلة الاتصال والإعلام الجماهيرية التي يعمل فيها.
ومن هذه الضغوط:
1- ظروف العمل في القسم الإعلامي، التي يفرضها البناء البيروقراطي للعمل الصحفي. ومنها السياسة الإعلامية للوسيلة الإعلامية التي يتبعها القسم، وخاصة عند حدوث تناقض في تلك السياسة.
2- التعارض بين سياسات الناشر وتطلعات القائم بالإتصال: فلكل وسيلة اتصال وإعلام جماهيرية سياسة معينة، سواء اعترفت بتلك السياسة أم لا.
وتظهر هذه السياسة بوضوح من خلال صياغة المواد الإعلامية وطرق عرضها أو نشرها، ومن خلال إهمالها المتعمد لبعض المواد الإعلامية الأخرى التي تتناول موضوعاً معيناً أو حدثاً معيناً يتعارض وسياستها الإعلامية. ودراسة السياسة الإعلامية لأي وسيلة إعلامية، هام جداً لأن المجتمع الديمقراطي يحتاج إعلام حر ومسؤول يحيط الجمهور الإعلامي بما يحدث من حوله في هذا العالم سريع التطور والتغيير، دراسة تتناول أسباب ودوافع تحيز السياسة الإعلامية التي تتبعها الوسيلة الإعلامية أثناء أدائها لعملها. وكذلك أسباب ودوافع تقيد القائم بالإتصال بتلك السياسة الإعلامية غير المعلنة في أكثر الحالات.
تأثير الجمهور الإعلامي:
ويأتي الجمهور الإعلامي كأحد العوامل المؤثرة على القائم بالإتصال في النموذج التصوري.
وقد توصل أثيل دوسولا بول Ithiel de Sola Pool، وشولمان إلى نتيجة مفادها أن الجمهور الإعلامي يؤثر على القائم بالإتصال، وأن القائم بالإتصال يؤثر في الجمهور الإعلامي.
فالمواد الإعلامية التي يقدمها القائم بالإتصال للجمهور الإعلامي تتحكم بها توقعاته لردود الفعل المحتملة من قبل الجمهور الإعلامي، وتصور القائم بالإتصال للجمهور الإعلامي يؤثر كثيراً في نوعية المادة الإعلامية التي يعدها أو يقدمها.
وأظهرت الدراسات التجريبية التي قام بها ريموند باور Raymond Bauer أن نوعية الجمهور الإعلامي الذي يعتقد أن القائم بالاتصال يقدم له المادة الإعلامية يؤثر كثيراً على الطريقة التي يتم بمقتضاها اختيار وإعداد المادة الإعلامية. لأن للجمهور الإعلامي خصائصه واحتياجاته، ولأن ظروف السوق تفرض على وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية أن تشبع حاجات الجمهور الإعلامي وتلبي رغباته. بنفس الطريقة التي يؤثر فيها العرض والطلب على الإنتاج في الاقتصاد، ويؤثر الناخبون على رجال السياسة في النظام الديمقراطي.
فوسائل الإعلام يجب أن ترضي أذواق جمهورها، ولهذا عليها التعرف على الجمهور الذي تتوجه إليه كأحد الجوانب الرئيسية في عملية الإتصال. ولأن الإتصال لا يمكن أن يتم في مجتمعات متفككة لا تعاون فيها ولا اهتمامات مشتركة تجمعها.
ولابد من توافر العلاقات الاجتماعية، واللغة المشتركة، والأفكار المشتركة، والعلاقات المحددة اللازمة لتتم من خلالها عملية الإتصال. ولهذا يتحتم على القائم بالإتصال تكوين فكرة وتصور عن الجمهور الذي يريد أن يوصل إليه مادته الإعلامية.
المقالة التالية وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية


الاثنين، 1 يونيو 2020

القوى المؤثرة على اختيار القائم بالاتصال

القوى المؤثرة على اختيار القائم بالاتصال
القوى المؤثرة على اختيار القائم بالاتصال


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
نموذج تصور القوى الاجتماعية، والسيكولوجية المؤثرة على اختيار القائم بالاتصال للمادة الإعلامية:
يتعرض القائم بالاتصال لضغوط مختلفة، تتنوع بين مجتمع وآخر. ومن هذه الضغوط:
1- المحافظة على قيم وتقاليد المجتمع:
لأن النظام الاجتماعي الذي تعمل في إطاره وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، يعتبر من القوى الأساسية التي تؤثر على القائمين بالاتصال. ومن المعروف أن لكل نظام اجتماعي جملة من القيم والمبادئ التي يعتز بها ويعمل على ترسيخها بين أفراده. وهو ما اصطلح على تسميته بهدف التنشئة الاجتماعية والمحافظة على القيم والثقافية والاجتماعية، سواء في الدول المتقدمة أم في الدول النامية.
2- تحقيق الاتفاق على الأساسيات في المجتمع:
بهدف الحفاظ على الوحدة الوطنية وتماسك المجتمع داخلياً. ومن أجل ذلك يختار القائمون بالاتصال في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المواد الإعلامية التي تحقق هذا الهدف، عن طريق اختيار الأنباء والإغفال المتعمد لبعضها. ويتحقق هذا الهدف أيضاً عن طريق المصادر الإعلامية المؤثرة على القائمين بالاتصال، لأن الصحفي يسعى دائماً لاستقاء المعلومات من مصادرها الهامة. فيتجهون لمن يشغلون المناصب القيادية، الذين بدورهم يعطون المعلومات التي تخدم أهدافهم. وكثيراً ما يلجأ القائمون بالاتصال إلى تقديم تلك المعلومات منسوبة لمصادرها، أو تأجيل التعليق عليها رغبة في الظهور بمظهر الحياد، وتحقيق هدف الإجماع والاتفاق في المجتمع.
3- تأثير المؤسسات الإعلامية الكبيرة، على الصغيرة:
فهناك مؤسسات إعلامية جماهيرية تتحكم بتدفق المعلومات من خلال إمكانياتها التقنية والمادية، وبالتالي تسيطر من خلال ما تقدمه من مواد إعلامية على المؤسسات الإعلامية الأصغر حجماً والأقل إمكانية. وتؤثر على القائمين بالإتصال من خلال ذلك.
4- دور وكالات الأنباء، والوكالات المتخصصة في زيادة التماثل في مواد مختلف الوسائل الإعلامية الجماهيرية:
فهي تقدم موادها الإعلامية لكل أنواع وأشكال وسائل الإعلام الجماهيرية في نفس الوقت، مما يؤدي إلى تشابه المواد المنشورة عن نفس الموضوع فيما لو نشرته أكثر من وسيلة إعلامية جماهيرية.
5- تأثير الاعتبارات الذاتية والضغوط المهنية على القائم بالإتصال:
ويتضمن:
أ- الضغوط التي يتعرض لها القائم بالإتصال في حجرة الأخبار.
ب- تأثير سياسة الناشر.
ج- طموح القائم بالإتصال ورغبته في تحسين أوضاعه الوظيفية بسرعة، وتطوير نفسه.
د- اعتبارات آلية العمل، وضرورة تقديم المعلومات في موعد محدد ليتم نشره في الوقت المناسب دون تأخير.
6- الجمهور الإعلامي:
من خلال تأثيره على القائم بالإتصال عند مراعاته لرغبات الجمهور الإعلامي في اختيار المادة الإعلامية المناسبة للنشر وإعدادها.
دور وسائل الإعلام الجماهيرية في المحافظة على القيم الاجتماعية، وتحقيق الانصهار الثقافي والاجتماعي في المجتمع:
ذكر وارين بريد Waren Breed في دراسته التي نشرها عام 1964، أن كل نظام في شبكة الإتصال الجماهيرية مهما كان نوعه، مقيد بجملة من الظروف والأحداث المتصلة ببعضها البعض. ويتوجب أن ندرس مدى اعتماد كل نظام على الأنظمة الأخرى المتصلة به، والأحداث التي تدور من حوله.
وأن القائم بالإتصال يعمد في بعض الأحيان إلى عدم تغطية الأحداث التي تقع من حوله كاملة، منطلقاً من ضميره وشعوره بالمسؤولية حيال المجتمع. وحتى أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تضحي بالسبق الصحفي، من أجل تدعيم تقاليد القيم الاجتماعية، وخلق الاتفاق والإجماع والاندماج في المجتمع، وتجنب ما يضر بمؤسساته.
وتعمل وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية على تحقيق الاستقرار والإجماع الثقافي في المجتمعات المعقدة متعددة الأنماط الثقافية وأساليب الحياة، بتأكيدها على كل تلك الأنماط. انطلاقاً من فرضية أن المادة الإعلامية:
آ- تعكس صورة المجتمع؛
ب- وتشكل المجتمع؛
ج- وتحافظ على المجتمع وتجعله أكثر استقراراً.
ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تخدم أهدافاً اجتماعية وثقافية محددة، وتقرب بين الناس وتوثق علاقاتهم، وتساعد على تنشئتهم اجتماعياً، وتعودهم على أنماط من السلوك المقبولة اجتماعياً.
وقد كان الاعتقاد السائد أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تعمل على تحقيق الاستقرار والاجتماع الثقافي في المجتمع عن طريق التأكيد على الأنماط والأساليب المثالية السائدة داخل المجتمع. وهو ما أثبتته دراسات تحليل مضمون المواد الإعلامية المنشورة.
وكان وارين أول من ساهم في تغيير اتجاه دراسات تحليل مضمون المادة الإعلامية عندما قام في دراساته بتحليل المواد الإعلامية غير المنشورة، أي المحذوفة، مستعيناً بآراء الصحفيين. فتوصل بذلك إلى افتراض جديد، يقول: أن وسائل الإعلام الجماهيرية تعمل على تحقيق الاتفاق الثقافي والاجتماعي عن طريق الحذف وإبعاد المواد الإعلامية التي تهدد البناء الاجتماعي والثقافي، وتهدد ما يؤمن الفرد به.
وقد أظهرت الدراسات التي قام بها وارين أن ثلث المواد الإعلامية المحذوفة تتعلق بالموضوعات السياسية والاجتماعية، وأن خمس المواد الإعلامية المحذوفة تتعلق بالأمور الدينية، بينما تناولت بقية المواد الإعلامية المحذوفة قضايا الأسرة، والبطولة الفردية، والصحة، والقضاء، وكرامة الفرد.
ونستنتج من ذلك أن وسائل الإعلام الجماهيرية تقوم بحماية الأنماط الثقافية والقيم الاجتماعية منطلقة من موقفها ومن وجهة نظرها الخاصة. وأن ما لا تقدمه وسائل الإعلام الجماهيرية من مواد إعلامية لا يقل أهمية عن المواد الإعلامية التي تقدمها. وفي هذا تبرير لاستخدام الكذب الأبيض من قبل وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وتجنب ذكر الحقائق التي تجرح الشعور العام.
القائمون بالإتصال والمصادر الإعلامية:
ومن العوامل المؤثرة على القائمين بالإتصال في النموذج التصوري، العلاقة بين القائمين بالإتصال والمصادر الإعلامية التي تعمل على تحقيق مبدأ الاتفاق الإجماعي. وهي:
آ) أن يبقى المراسلون مستقلون عن مصادر الأنباء؛
ب) أن يجد المراسلون والمصادر الإعلامية مجالات يتعاونون فيها من أجل تحقيق مصالحهم المشتركة؛
ج) أن تسيطر المصادر الإعلامية على المراسلين، وبالعكس.
وقد وجد ولتر جيبر Walter Gieber الذي درس العلاقات بين المراسلين والمصادر الإعلامية، أن كلاً من القائم بالإتصال والمصدر الإعلامي يعتبرون وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية حارساً للديمقراطية. وأنهما يؤيدان إبقاء قنوات الإتصال الجماهيرية مفتوحة انطلاقاً من اهتمامهما المشترك بالمصلحة العامة، وأدرك الفوارق بينهما والتي تتلخص في:
1- أن المصدر الإعلامي يعتبر نفسه حارساً لرفاهية المجتمع؛
2- وأن القائم بالإتصال يعتبر نفسه حامياً للجمهور الإعلامي؛
3- وأن لكل منهما فكرة مهزوزة وإدراك نمطي عن الجمهور الإعلامي؛
4- وأن كلاً منهما قد طور إدراكاً خاصاً لدوره العام، وإطار دلالي خاص به يحدد من خلاله الإتصال بينهما؛
5- وأن كلاً منهما يدعي لنفسه الدور الأساسي في الإتصال بالجمهور الإعلامي؛
6- وأنهما معاً مسؤولان عن انهيار عملية الإتصال.
المقالة التالية المصدر الإعلامي


السبت، 30 مايو 2020

نظرية حارس البوابة

نظرية حارس البوابة
نظرية حارس البوابة


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
ومن تحليل وسائل الإعلام الجماهيرية كمؤسسات لها وظيفة اجتماعية، ودراسة دور ومركز القائم بالاتصال، والظروف والعوامل التي تؤثر على اختيار مضمون المادة الإعلامية. وكيف يصنع الصحفيون الأخبار، والجوانب الأخلاقية والمهنية التي يتمسكون بها، وطبيعة السيطرة البيروقراطية المفروضة عليه. نرى أن دراسة "مراسلي واشنطن" التي نفذها ليو روستن Leo Rosten عام 1937 كانت أول دراسة كلاسيكية عن سيكولوجية المراسل الصحفي، وتناولت بالشرح والتحليل القائمين بالاتصال في الولايات المتحدة الأمريكية.
وتتالت الدراسات إلى أن نشر الباحث الأمريكي ديفيد مانج وايت D.M.White دراسته "حارس البوابة وانتقاء الأخبار" أعطت دفعة قوية لبحوث القائمين بالاتصال. والفضل الأكبر بتطوير ما عرف بعد ذلك بنظرية "حارس البوابة" يعود لعالم النفس الأمريكي النمساوي الأصل كورت لوين Kurt Lewin.
وذكر لوين أن "المادة الإعلامية عبر رحلتها الطويلة حتى تصل للجمهور الإعلامي، تمر في نقاط أو بوابات يتم فيها اتخاذ قرارات تتعلق بما يدخل وما يخرج. وأنه كلما طالت المراحل التي تقطعها الأخبار حتى ظهورها في وسيلة الاتصال والإعلام الجماهيرية، كلما ازدادت المواقع التي يصبح فيها من سلطة فرد أو عدة أفراد تقرير ما إذا كانت المادة الإعلامية ستنقل بنفس الشكل التي هي عليه، أو بعد إدخال بعض التغييرات عليها.
لهذا يصبح نفوذ من يديرون هذه البوابات والقواعد التي تطبق عليها، والشخصيات التي تملك بحكم عملها سلطة اتخاذ القرار ذات أهمية كبيرة بالنسبة لانتقال المعلومات". أي أن دراسات "حارس البوابة" هي دراسات تجريبية ومنتظمة لسلوك أولئك الذين يسيطرون في نقاط مختلفة على مصير المادة الإعلامية.
نظرية حارس البوابة الإعلامية:
تمر المادة الإعلامية بمراحل عديدة وهي تتنقل من المصدر الإعلامي حتى وصولها للمتلقي "الجمهور الإعلامي"، وتشبه هذه المراحل السلسلة المكونة من عدة حلقات. ومن أبسط أنواع السلاسل الإعلامية، سلسلة الاتصال المباشر بين فرد وآخر. بينما تدخل سلسلة الاتصال الجماهيري شبكة اتصال معقدة تمر عبر العديد من حلقات وأنظمة الاتصال.
وعادة ما تخرج المواد الإعلامية من تلك الحلقات والأنظمة أكثر مما دخل منها، مما سمح لشانون بأن يطلق عليها تسمية (أجهزة تقوية) لأنها تضاعف وتزيد من كميات المواد الإعلامية التي تدخل إليها وتوصلها بالتالي للجمهور الإعلامي.
ووسائل الإعلام الجماهيرية بحد ذاتها هي شبكات من الأنظمة داخل أنظمة متصلة ببعضها بطرق معقدة، يقوم من خلالها القائمون بالاتصال باستقبال وإعداد وإرسال المادة الإعلامية، التي يستقبلها المتلقي الذي هو جزء من شبكة علاقات قائمة داخل الجماعة التي ينتمي إليها. ومن دراسة أسلوب عمل هذه الشبكة نستطيع التنبؤ باستجابة المستقبل للمادة الإعلامية.
ولنتعرف على الطريقة التي تعمل فيها سلاسل الاتصال التي تنقل المواد الإعلامية لجميع أنحاء المجتمع، نذكر الحقائق الأساسية التي أشار إليها كرت لوين: بأنه في كل حلقة من السلسلة، فرداً معيناً يتمتع بحق تقرير ما إذا كان سينقل أو لا ينقل المادة الإعلامية التي تلقاها، وما إذا كانت المادة الإعلامية التي تلقاها ستصل إلى الحلقة التالية تماماً بنفس الشكل الذي وصلت به، أم سيدخل عليها بعض التغييرات والتعديلات.
وحارس البوابة تعني السيطرة على مكان استراتيجي معين في سلسلة الإتصال، بحيث يتمتع فيها حارس البوابة بسلطة اتخاذ القرار والتحكم فيما يمر عبر بوابته، يمر أو لا يمر، وكيف يمر، حتى نهاية السلسلة إلى الوسيلة الإعلامية ومنها إلى الجمهور الإعلامي.
وذكر لوين أن المواد الإعلامية تمر بمراحل مختلفة حتى ظهورها على صفحات الصحف والمجلات، أو عبر وسائل الإعلام الجماهيرية المسموعة والمرئية والإليكترونية، وأطلق على هذه المراحل تسمية بوابات. وذكر أن هذه البوابات تقوم بتنظيم كمية وقدر المواد الإعلامية التي تمر من خلالها. وأشار إلى أن فهم وظيفة البوابة، يعني فهم المؤثرات والعوامل التي تتحكم في القرارات التي يتخذها حارس البوابة.
بما معناه بأنه هناك مجموعة من حراس البوابات، يقفون في جميع مراحل سلسلة الإتصال التي تتنقل المواد الإعلامية عبرها. ويتمتع كل منهم بحق فتح أو إغلاق بوابته أمام المادة الإعلامية التي تصله، وأن من حق كل منهم إجراء تعديلات على المادة الإعلامية التي ستمر عبر بوابته.
ومن نظرة في سلسلة الإتصال التي تنقل الأخبار، نرى أن المحرر في وكالة الأنباء، أو في الصحيفة، أو في البرامج الإذاعية المسموعة أو المرئية. يتلقى كمية كبيرة من المواد الإخبارية التي تحتاج لاتخاذ قراراته كحارس للبوابة. ويتوقف ذلك على مدى مستوى وموضوعية هذا المحرر، لأن له الدور الهام في توجيه الرأي العام وتحديد آرائه عن الأحداث الجارية في أنحاء العالم المختلفة.
دراسات القائم بالاتصال:
تنقسم دراسات السيطرة الاجتماعية، أو حراس البوابة إلى أربعة أقسام رئيسية، وهي:
1- دراسات تأثير الظروف المحيطة على القائمين بالاتصال:
وتهتم بالظروف التي تؤثر على اختيار الوسيلة الإعلامية لمادتها الإعلامية، وكيفية تأثير اهتمام وسيلة إعلامية معينة بموضوع إعلامي معين على اهتمام وسائل إعلامية أخرى بنفس الموضوع. والطريقة التي يتم فيها نقل أو توصيل السياسة إلى حجرة الأخبار والمحررين، ومدى قبول أو رفض الصحفيين لهذه السياسة، ونتائج هذا الرفض أو القبول عليهم. والموضوعات التي تهملها الوسيلة الإعلامية، وتتعمد عدم نشرها، وأهمية هذا الحذف على القيم الثقافية واستمرارها. وبشكل عام على أفكار الصحفيين والضغوط التي تفرض عليهم.
2- دراسات تأثير النواحي المهنية على القائمين بالاتصال:
وتهتم بالطريقة التي يؤثر بها نظام إخراج المادة الإعلامية على المحرر الذي يتلقى المادة الإعلامية، الأمر الذي يحد من مجالات اختياره، وتأثير التدريب المهني للصحفي على إدراكه للأخبار. وتأثير الجوانب المهنية على المادة الإعلامية. وأداء القائم بالاتصال لعمله تحت تأثير الضغوط النفسية المختلفة.
3- دراسات الجوانب الفنية والمادية لعمل القائمين بالاتصال:
وتتناول أسلوب صياغة الأخبار، وانتقالها والميكانيكية التي تتحكم بنشرها.
4- دراسات اختبار وقياس القائمين بالاتصال:
وتتناول خصائص الصحفيين وتوافقهم مع العمل المسند إليهم.
المقالة التالية القوى المؤثرة على اختيار القائم بالاتصال


الجمعة، 29 مايو 2020

القائم بالاتصال

القائم بالاتصال
القائم بالاتصال


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
القائم بالاتصال:
في ظروف العولمة التي أحاطت بالعالم مع نهاية القرن العشرين أصبحت المؤسسات الإعلامية عبارة عن شبكات عالمية ضخمة، تتصارع داخلها المصالح الحيوية للدول الغنية المهيمنة من خلال إمكانياتها الاقتصادية والتقنية والتكنولوجية. وتحولت كل مؤسسة إعلامية إلى نظام شديد التعقيد.
فشبكات الإنترنيت التي تجمع وتوزع معلومات مكثفة من جميع أنحاء العالم، رغم المسافات الشاسعة التي تفصل بينها، وتضعها في متناول الراغبين أينما كانوا، تعاني من محدودية الطلب على موادها الإعلامية مقارنة بالعرض الذي يتزايد كل دقيقة. وقد لا ينطبق هذا الوضع على الولايات المتحدة الأمريكية والدول الصناعية المتقدمة. لأن التقدم التكنولوجي المتلاحق في هذه الدول قد غير مسار الإنتاج ونشر المواد الإعلامية من خلال استخدام أجهزة الحاسب الإلكتروني "الكمبيوتر"، والأقمار الصناعية، ووسائل الاتصال المتطورة لجمع ونشر المعلومات التي تطالعنا بها الأخبار اليوم بالحرف والصوت والصورة. وأصبح تدفق المعلومات في وضع يصعب مقاومته مهما بلغت قوة الدولة التي تسعى لاحتواء هذه المعلومات أو مصادرتها.
ولكن هذا الكم الهائل من المعلومات لا يجعلنا نصدق أن كل سكان العالم يستقبلون المعلومات من خلال شبكات الاتصال العالمية. مثل شبكة التلفزيون العالمية CNN، التي تستوعب عمل 35 مراسلاً أجنبياً في 23 وكالة أجنبية، مقابل 500 مراسل لـ 100 وكالة أنباء مدعمة بالمحطات السلكية الرئيسية. وتصل أخبارها إلى 3% من سكان العالم فقط، لأن أربعة أخماس سكان العالم لا يملكون أجهزة استقبال للإذاعة المرئية.
ورغم النبوءة بزيادة عدد الذين يستخدمون شبكة المعلومات الإلكترونية الانترنيت من خلال أجهزة الكمبيوتر إلى ستة ملايين نسمة حتى مطلع القرن الحادي والعشرين. إلا أن التقرير السنوي للأخبار السلكية سجل نقصاً في عدد المراسلين والصحفيين في وكالات الأنباء المحلية والعالمية، وحتى في أكبر الشبكات الإخبارية العالمية كرويترز، و CNN، و AFP لتغطية أنباء جميع أنحاء العالم.
ومن الملاحظ أيضاً أن ظهور الإعلام المرئي قد أدى إلى هبوط الطلب على الإعلام المطبوع. فقد ظل عدد نسخ الصحف في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً من عام 1965 وحتى عام 1995 على حاله 59 مليون نسخة، رغم زيادة عدد السكان من 185 مليون نسمة إلى 260 مليون نسمة. أما بالنسبة للمادة الإخبارية ومحتوياتها، فإن التحول من الكلمة المطبوعة إلى الكلمة المرئية قد أصبح ظاهرة أكبر من كونها مجرد تغيير في وسيلة الاتصال الجماهيرية. والكل يعلم بأن جهاز استقبال الإذاعة المرئية قد احدث تغييراً جذرياً في طريقة تفاعل الجمهور الإعلامي مع الأحداث. وأن السياسيين والدبلوماسيين فهموا أن الإذاعة المرئية أكثر ملامسة للمشاعر والأحاسيس من غيرها. وأن لها تأثير فعال على صناعة السياسة الخارجية أكثر من أي وسيلة اتصال وإعلام جماهيرية أخرى.
وعلى سبيل المثال حذر السياسيون عبر القنوات الإذاعة المرئية السياسة الخارجية الأمريكية من التورط بأي تدخل عسكري خارجي بعد التدخل العسكري الأمريكي في حرب فيتنام، والهجوم الشرس الذي شنه الرأي العام داخل الولايات المتحدة الأمريكية، على الإدارة الأمريكية. وهي الأسباب نفسها التي دفعت بالرئيس جورج بوش الأب لوقف العمليات العسكرية الناجحة ضد العراق عام 1991 خشية تصاعد سخط الشعب الأمريكي إذا ما تورط أكثر من اللازم في حرب الخليج، وهو الموقف الذي اعتمد عليه الرئيس كلينتون في الامتناع عن ما أقدم علية الرئيس جورج بوش الابن عام 2003 بعد التعاطف الذي حصل عليه نتيجة للأحداث الإرهابية التي حدثت في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001 وصدمت الشعب الأمريكي ليؤيد بمعظمه اجتياح القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي بموافقة الشرعية الدولية لأفغانستان في نفس العام والعراق رغم اعتراضات الشرعية الدولية عام 2003 وما رافقها حتى من مخالفات صريحة لمبادئ الحقوق الدولية التي تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية نفسها المدافع الأول عنها.
والصورة الإعلامية اليوم تختلف كثيراً عنها بالأمس، بعد انتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفييتي السابق. والتي تعتبر نقطة التحول في تحول الاستهلاك الإعلامي الأجنبي حتى في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. فقد كانت وسائل اتصالها الإعلامية الجماهيرية تركز في السابق على قطبي الحرب الباردة، وكان الجانب الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية يعتبر الجانب الطيب في مضمونها، بينما مثل الإتحاد السوفييتي السابق الجانب الشرير في مضمونها. وكانت الصورة في مضمون المادة الإعلامية تمثل أن الولايات المتحدة الأمريكية تدعو إلى الحرية والديمقراطية وزيادة الثروة والرخاء، وأن التحالف معها إيجابي. بينما انعكست صور الإتحاد السوفييتي السابق في مضمون تلك المادة الإعلامية كمثال لمساوئ النظم الشمولية والقمع والحرمان. وأن التحالف معه سيء.
وأنهى انهيار الإتحاد السوفييتي السابق قضية التحيز في مضمون المادة الإعلامية لوسائل الإعلام الجماهيرية الأمريكية. وفتر حماس الجمهور الإعلامي داخل الولايات المتحدة الأمريكية نحو أخبار وأحداث الشعوب الأخرى، مع زوال التهديد النووي السوفييتي ضد الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما أثبتته الدراسات العلمية التي نفذتها المنظمات المهنية والعلمية، وتناولت تأثير انتهاء الحرب الباردة على شبكات التلفزيون العالمية، وأظهرت انخفاض كمية المواضيع والأخبار الأجنبية من 35% إلى 23%.
بينما كانت هذه الشبكات تخصص خلال سبعينات القرن العشرين 40% من الوقت المتاح لتغطية الأنباء الأجنبية. وانخفض هذا الوقت عام 1995 إلى 13,5%، كما وتراجعت بعض الشبكات الإخبارية الرئيسية في الولايات المتحدة كـ NBC، و CBS، و ABC عن تسجيل وتغطية الأخبار والأحداث الجارية في الدول الأجنبية، بينما استمرت شبكة CNN في محاولتها تغطية الأنباء العالمية. رغم تزايد عدد الأقمار الصناعية ووسائل الاتصال المتطورة تكنولوجياً.
وعندما ندرس ما يحدث داخل المؤسسات الإعلامية نشعر بمدى تعقد وتشابك أعمالها. ففي داخل تلك المؤسسات الإعلامية تتخذ كل دقيقة قرارات هامة وخطيرة. ونظراً لأهمية تلك القرارات فلابد أن نعرف الأسلوب الذي يتم من خلاله اتخاذ تلك القرارات، ومن يتخذها فعلاً، وطبيعة القائم بالاتصال في تلك المؤسسات، والعوامل التي تؤثر على اختياره للمواد الإعلامية.
المقالة التالية نطرية حارس البوابة


الخميس، 28 مايو 2020

نموذج تحصين المتلقي ضد الإعلام المضاد

نموذج تحصين المتلقي ضد الإعلام المضاد
نموذج تحصين المتلقي ضد الإعلام المضاد


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
نموذج تحصين المتلقي ضد الإعلام المضاد:
عرفنا مما سبق نشره أسباب وطرق تغيير الاتجاهات والسلوك لدى الجمهور، ولكنا لم نتعرف على أساليب وطرق غرس مقاومة التغيير عند المتلقي. وهناك طرقاً عدة تجعل المتلقي يتصدى للتغيير في ظروف معينة.
ومن الأساليب الفعالة لتحصين المتلقي ضد الإعلام المضاد:
1- استخدام أسلوب الالتزام السلوكي الذي يدفع المتلقي من خلال إيمانه برأي معين للتعبير عنه علناً. وهذه العلنية تفرض عليه التزاماً بما صرح به، وعدم محاولة التراجع كي لا يفقد مصداقيته بين مستمعيه. وبهذا يصبح المتلقي ملتزماً اجتماعياً بتأييد رأي معين، وهي طريقة فعالة للتأكد من مقاومته للإقناع المضاد.
2- ربط معتقداته بأشياء أخرى يعرفها. وبالقيم المشتركة المقبولة التي تجعل من المتلقي أكثر مقاومة للآراء التي تستهدف تغيير اتجاهاته. ولضمان مقاومته للإقناع المضاد، لابد من ربط الاعتقاد بجماعات مرجعية تحظى بتقدير واحترام كبير لديه.
3- إثارة الخوف والقلق لدى المتلقي وزيادة التوتر من نتائج غير مرغوبة لديه، مما يجعله يقاوم الرسائل الإعلامية المضادة. ومن المعروف أن تحصين الإنسان ضد مرض معين يتم من خلال إعطائه جرعة بسيطة من ميكروب المرض لتحقيق هدف التحصين ضد هذا المرض. وهو ما يمكن أن ينطبق على عملية الاتصال، عندما نزيد من مقاومته عن طريق إعطائه جرعات بسيطة من الحجج التي قد يستخدمها الإعلام المضاد بهدف تحويله عن رأي الإعلام المضاد.
وهذا أفضل من إعطائه الحجج المساندة للرأي الذي نريده فقط. وقد أثبتت بعض التجارب أن الجمع بين تأثير الدفاع بالحجج المؤيدة، وتأثير الدفاع بالحجج التي تفند الإعلام المضاد، يعطي فاعلية أكثر من استخدام أي من الأسلوبين منعزلاً عن الآخر.
وقد وجد كلاً من ماجواير، وباباجيورجيس، أن وجود الإنذار أو التحذير المسبق سيجعل من كل أساليب الدفاع، سواء أكانت بالتأييد أو التفنيد، أكثر فاعلية. فبمجرد معرفة أن هناك تهديداً بخطر محدق يدفع المتلقي للتيقن من استخدام جميع أساليب الدفاع المتوفرة لديه أفضل استخدام، كما أنه سيدرب نفسه على تقديم الحجج المضادة الجيدة، بل وقد يذهب إلى أبعد من ذلك فيبتكر بعض الحجج الإضافية.
مقارنة نماذج الإدراك المعرفي:
تقوم كل نماذج الإدراك المعرفي على افتراضات تقول أن الفرد:
1- يسعى لتطوير وإبقاء التوازن بين عناصر معرفته وحالاتها. ويتم إدراك عناصر المعرفة من خلال اتفاقها أو عدم اتفاقها مما يعرفه هذا الفرد.
2- حين يدرك منبه مختلف عما يعرفه، يشعر بتوتر مؤلم وغير سار.
3- وأن التوتر السيكولوجي لدى الفرد يؤدي إلى بذل جهود للتقليل من الاختلاف بين عناصر المعرفة.
4- وأن تقليل الاختلافات في إدراك الفرد تقلل بدورها من حالة التوتر لديه.
وبهذا يتم إعادة التوازن بين مكونات أو عناصر المعرفة وتبقى درجة التقليل من الاختلافات مرتبطة بضخامة التوتر. وعلى أساس هذه الافتراضات، تفرز نماذج المعرفة نظريات تنطبق على مختلف الظروف والأحوال بالرغم من أن النتائج المستمدة من نماذج المعرفة هذه، تبدو للوهلة الأولى مختلفة ومتناقضة، إلا أن هذه الاختلافات يمكن تجنبها عن طريق تجديد شروط وظروف الأساليب المختلفة للمعالجة النظرية.
فإذا كان الاتجاه الأصلي نحو المصدر إيجابي وجاءت مادة إعلامية إيجابية عن موضوع الاتجاه نحوه: كان التغير في الاتجاه نحو المصدر إيجابياً.
وإذا جاءت مادة إعلامية سلبية عن موضوع الاتجاه نحوه: كان سلبياً.
وإذا كان الاتجاه الأصلي نحو المصدر سلباً، كان التغيير في الاتجاه نحو الموضوع سلبياً.
وإذا كانت المادة الإعلامية سلبية عن موضوع الاتجاه نحوه: كان التغيير سلبياً أقل وإيجابياً أكثر.
ومنه نستنتج أن:
1- نماذج الاتصال الذاتي أو الاتصال بين فردين تختلف. وأن نموذج هيدر، ومبدأ أسجود، ونظرية فستنجر، تركز على البناء السيكولوجي، وبناء المعرفة داخل الفرد. بينما يركز نموذج نيوكومب على توجيه المشارك في عملية الاتصال. ولهذا يعتبر نموذجه مثالاً للاتصال بين فردين.
2- تختلف عناصر المعرفة في النماذج. فنموذج هيدر، ونموذج نيوكومب، ومبدأ أسجود، أخذت في اعتبارها اتجاه الفرد نحو فرد آخر، واتجاهه نحو شيء آخر. بينما اهتم نموذج فستنجر بتقييم الفرد لشيئين أو لموضوعين.
3- اعتمدت النماذج الأربعة على وجود مادة تربط بين عناصر الإدراك. وهي في نموذج هيدر المصدر الإعلامي وله اتجاه إيجابي أو سلبي، نحو المتلقي أو شيء معين. وتضمن نموذج نيوكومب عبارة تختلف في درجتها وتسير في اتجاهات متعددة. بينما افترض مبدأ التآلف عند أسجود بعض الإلزام إما بالربط بين المصدر والفكرة، أو الفصل بين المصدر والفكرة. ولم يفترض نموذج فستنجر وجود رابطة محددة بين عناصر الإدراك.
4- إستراتيجية تخفيض التوتر تختلف في جميع النماذج. والإستراتيجية عند هيدر، ونيوكومب، واسجود، تقول بوجود اختلاف في الاتجاهات، يحدث تغيير معين في الاتجاه. أما فستنجر فالإستراتيجية عنده هي الاختلاف بين الاتجاه المبدئي والسلوك، الذي يحدث تغيير معين في الاتجاه. ولكن هذا التغيير في الاتجاه يحدث فقط عندما تسد أو تبعد قنوات التهرب. ومبدأ سد المنافذ الأخرى يستخدم في النماذج الأربعة.
5- يختلف أسلوب تخفيض التوتر من نموذج لآخر. فعند هيدر ينتج التغيير عن عملية الاختيار عند الفرد بين اتجاهات عديدة. وبذلك قد يغير الفرد اتجاه واحد أو عدة اتجاهات، وقد يتغير الإدراك عند الفرد أو قد يشوه إدراكه، بهدف إعادة حالة التوازن. أما نيو كومب فقد اتبع الأسلوب الذي اقترحه هيدر. وافترض نيوكومب أن الفرد قد يتهرب من تشكيل الاتجاه، سعياً لتحقيق التناظر. بينما أكد مبدأ التآلف عند أسجود أن كل الاتجاهات ستتعرض للتغيير، وتتجه نحو الوضع الذي يشكل حلاً وسطاً.
بينما قدمت نظرية التنافر تبريراً لعنصر اختلاف المعرفة الذي يعتمد السلوك أساساً له، لأن الفرد سيغير اتجاهه ليحقق اتفاقاً أكثر مع سلوكه. والتغيير ينتج وفق هذا الاتجاه عن الجهود التي تبذل من أجل تبرير السلوك الذي اتبعه، أو القرار الذي أتخذه الفرد.
6- وتعتبر معادلات التآلف التي قدمها أسجود الأكثر دقة في القياس. وتوفر هذه المعادلات قياس دقيق لقدرة النموذج على التنبؤ. كما ويعتبر نموذج نيوكومب والتعديلات التي أدخلها عليه كلاً من كارتريت عام 1956 وهراري عام 1970 دقيقة القياس أيضاً.
7- وكلما زادت مرونة النموذج، كلما قلت الدقة فيه. ولهذا يعتبر مبدأ التآلف مبدأً غير مرن، بسبب جمود قدراته على التنبؤ الذي يتراوح فيه بين التدعيم أو عدمه. وتعدد البدائل في نماذج هيدر ونيوكومب. بينما تعتبر نظرية التنافر أكثر النماذج مرونة لأنها تفسر عملية تغيير الاتجاه.
المقالة التالية نموذج القائم بالاتصال