الاثنين، 17 أغسطس 2009

آفاق دراسات الأدب الشعبي العربي في أوزبكستان

آفاق دراسات الأدب الشعبي العربي (الفلكلور) في أوزبكستان

أ.د. محمد البخاري.

معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، هو أول مؤسسة للتعليم العالي في مجال الدراسات الشرقية بمدينة طشقند. تأسس عام 1918 تحت اسم "معهد تركستان للدراسات الشرقية". وبعد تأسيس جامعة آسيا الوسطى الحكومية (حالياً جامعة ميرزة أولوغ بيك القومية الأوزبكية) ألحق بها باسم الكلية الشرقية. ومع استقلال جمهورية أوزبكستان تحولت الكلية الشرقية في عام 1990 إلى معهد عالي للدراسات الشرقية في الجامعة. وفي عام 1991 وبتوصية من مجلس الوزراء، تحول المعهد بقرار من رئيس الجمهورية إلى معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، وتولى رأسته المستعرب الكبير الأستاذ الدكتور نعمة الله إبراهيموف، عضو أكاديمية العلوم الأوزبكستانية، والعضو السابق بالمجلس الأعلى بجمهورية أوزبكستان، والرئيس السابق للمجلس الأوزبكستاني لجمعيات الصداقة والعلاقات الثقافية والتربوية مع الدول الأجنبية. وفي عام 2005 تولى رئاسته المستشرق المعروف أ.د. روشان عبد الله ييف، رئيس جمعية الصداقة الأوزبكية المصرية.
ومنذ تأسيسه تمكن المعهد من إقامة شبكة واسعة من علاقات التعاون العلمي والثقافي مع عدد كبير من مؤسسات التعليم العالي في: الولايات المتحدة الأمريكية، واليابان، وكوريا الجنوبية، وجمهورية الصين الشعبية، وهولندا، ومصر، والمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة الكويت. ورغم حصول موفدين جامعيين اثنين من سورية بعد إنشائه على درجة الدكتوراه في فلسفة الأدب لم يستطع المعهد المحافظة على تقاليد الصداقة والتعاون التي كانت قائمة مع مؤسسات التعليم العالي السورية وهو ما يحز في قلوب عشرات المستعربين الذين درسوا أو عملوا في سورية بمسحة من الألم والتساؤل دون أن يجدوا جواباً على تساؤلات تحيرهم من ؟ ولماذا ؟ وكيف ؟ متمنين أن تعود تلك العلاقات التي كانت تربطهم بالأوساط الأكاديمية والأدبية في سورية إلى مجراها الطبيعي، وبقيت أعداد مجلة المعرفة التعويض الوحيد لمدرسي اللغة العربية وآدابها في المعهد والتي أضعها تحت تصرفهم فور وصولها لي من إدارة المجلة، وهذا الوضع مستمر منذ تأسيس المعهد وحتى اليوم والفضل للوزارة وإدارة التحرير ولهم الشكر الجزيل.
وسبق للمعرفة أن نشرت في السنوات السابقة بعض المقالات في الدراسات الأدبية لأساتذة المعهد أذكر منها على سبيل المثال: علوم اللغة العربية ومخطوطاتها في أوزبكستان. // العدد 468/2002. وعرب آسيا المركزية: آثار وملامح. // العدد 460/2002. والمخطوطات العربية في جمهورية أوزبكستان. // العدد 457/2001. وعرب آسيا المركزية: آثار وملامح. // العدد 445/2000.
والدراسات العربية التي قام بها أساتذة المعهد منذ ثمانينات القرن الماضي وصدرت كثيرة ومتنوعة أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: دراسة أ.د. نعمة الله إبراهيموف: الأدب العربي الشعبي في القرون الوسطي. موسكو: 1984. (باللغة الروسية)؛ وأ.د. نعمة الله إبراهيموف: الرواية العربية الشعبية. موسكو: 1984. (باللغة الروسية)؛ وأ.د. نعمة الله إبراهيموف: ابن بطوطة ورحلته إلى آسيا الوسطي. موسكو: 1988. (باللغة الروسية)؛ وحياة ومغامرات علي الزيبق. ترجمها وكتب مقدمتها أ.د. نعمة الله إبراهيموف، وأ.د. تيمور مختاروف. موسكو: 1990 (باللغة الروسية)؛ وأ.د. تيمور مختاروف، ود. ساتييف ل.، ود. شاه رستام شاه موساروف. دراسات ومقالات عن النثر العربي في القرون الوسطى. طشقند: 1992. (باللغة الروسية)؛ وأ.د. محمد البخاري، وأ.د. تيمور مختاروف: تراجم من الأدب العباسي، مقرر لطلاب السنة الرابعة/قسم اللغة العربية. طشقند: معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية. 1992؛ وأ.د. نعمة الله إبراهيموف: الأدب الروائي الكتابي في القرون الوسطي المتأخرة. طشقند: 1994. (باللغة الروسية)؛ وأ.د. نعمة الله إبراهيموف، وأ.د. زاهد الله منوّاروف، وأ.د. تيمور مختاروف: شهرزاد من آسيا الوسطى. بيروت 1994؛ والأساطير العربية. ترجمة أ.د. نعمة الله إبراهيموف، وأ.د. تيمور مختاروف. طشقند: 1994. (باللغة الروسية)؛ وأ.د. نعمة الله إبراهيموف، وأ.د. تيمور مختاروف: رحلات ابن بطوطة. العالم العربي وآسيا المركزية. طشقند: 1996. (باللغة الروسية)؛ وأ.د. محمد البخاري: نظرة في بعض مصادر الأدب الأوزبكي. // الكويت: مجلة الكويت، العدد 168/1997؛ وأ.د. بيداييفا آ. أ.، وأ.د. شاه رستام شاه موساروف: كلمة عن الفلكلور. طشقند: 1999. (باللغة الروسية)؛ وأ.د. بهادر نزاروف: الشيخ العلامة بهاء الدين نقشبندي في مخطوطات المقامات. ترجمة أ.د. محمد البخاري. // القاهرة: مجلة منبر الإسلام، العدد 1/ 2000؛ وأ.د. بهادر نزاروف: السير الإسلامية في الدراسات الشرقية بجمهورية أوزبكستان. ترجمة أ.د. محمد البخاري. // القاهرة: مجلة منبر الإسلام، العدد 5/ 2000؛ وأ.د. بهادر نزاروف: العالم … الفقيه … المتصوف، النقشبندي .. كما تصوره المخطوطات. ترجمة أ.د. محمد البخاري. القاهرة: مجلة ليالي الشرق، العدد 4/2000؛ وأ.د. محمد البخاري، أ.د. مليكة أنور ناصيروفا: دراسات حول مخطوطات علوم اللغة العربية في أوزبكستان. // الرياض: الفيصل، العدد 303/2001؛ وأ.د. محمد البخاري، وأ.د. تيمور مختاروف: تحقيق المخطوطات الإسلامية في أوزبكستان … جهود متواصلة لحماية التراث. // أبو ظبي: الاتحاد، عددي 11 و13 /3/2001؛ وأ.د. محمد البخاري، وأ.د. سرفار جان غفوروف: المملكة العربية السعودية. مقرر جامعي. معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، طشقند: 2001. (باللغة الروسية)؛ وأ.د. محمد البخاري، وأ.د. تيمور مختاروف: صور عربية من تاريخ العرب في ما وراء النهر. العين: مركز زايد للتراث والتاريخ، 2002؛ وأ.د. محمد البخاري، وأ.د. سرفار جان غفوروف: جمهورية مصر العربية. مقرر جامعي. معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية، 2002. (باللغة الروسية)؛ وأ.د. محمد البخاري: رواد النهضة الحديثة في أوزبكستان. // الكويت: جريدة الفنون، العدد 51/2005. ومن المنتظر أن يصدر المعهد خلال العام الجاري كتاباً جامعياً عن الجمهورية العربية السورية.
ومما سبق نرى مدى الاهتمام الكبير الذي يبدونه للفلكلور العربي في دراساتهم ولوضع قراء المعرفة بدوافع تلك الاهتمامات كان هذا الحوار مع أ. د. ماليكة ناصيروفا أستاذة مادة الفلكلور بكلية الآداب في المعهد التي بدأت حديثها بأنه:
لكل شعب من الشعوب أدبه الشعبي الخاص (فلكلور) يضم أساطير وخرافات وقصص تكونت خلال قرون طويلة، وجميعها تختلف من حيث الجوهر والمضمون والفكرة. وللأدب الشعبي تأثيره الواضح على صنوف أدبية متنوعة وهو ما نلاحظه في الأدب العربي وغيره من آداب الأمم والشعوب لأن الباحثين العالميين يربطون دراسة الأدب الشعبي مع دراسة ظواهر توسع دراسة الأدب بشكل عام وهو ما نلاحظه في دراسات الأدب العربي بشكل عام.
وأن الباحثين يتفقون على أن الأدب العربي استمد جذوره من الفلكلور في مرحلة مبكرة من تطوره، مما أبقى صفات مميزة للإبداع الشعبي الشفهي بشكل ظاهر، واستمرت هذه الظواهر حتى الآن، من خلال انتشارها في الشعر الشفهي للشعراء الشعبيين وخاصة شعراء البادية والريف العرب، وهو ما حاول البعض إثباته انطلاقاً من حقيقة انتشار الأمية بين أوساط البدو والفلاحين العرب.
والفلكلور يرتبط بظاهرة نظم الشعر المكتوب باللهجات المحلية، وهو ما اصطلح على تسميته بالنظم الشعبي. ولكن هناك حقيقة أخرى تتحدث عن نفسها بين بعض الشعراء العرب الذين فضلوا الكتابة باللهجة العامية المحكية دون الفصحى، ومنهم كان: ابن غزمان من الأندلس (القرن الثاني عشر)، وعمر المحار من مصر (القرن الثالث عشر)، وعلى بن صدون (القرن الخامس عشر)، ويوسف المغربي (أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر)، وسعيد السوني من حضرموت (القرن الخامس عشر). وذكر المؤرخ الشهير ابن خلدون بعض الشعراء المغاربة الذين كتبوا باللهجة العامية خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر.
وكان التعامل مع الأدب والفلكلور يتم بأشكال متعدّدة منها ما هو سطحي يتناول الشخصيات الفلكلورية، أو سرديِ إنشائي يتناول الحوادث ببساطة، أو المهارة الأدبية التي تتناول عدة روايات أو أساطير في آن معاً. أو نصوص فلكلورية مأخوذة من الإبداع الأدبي وتجمع تركيبة تتألف من مجموعات منتخبة وممتعة، أو وعظية أو مؤلفات كبيرة الحجم نسخت على شكل مخطوطات قائمة بحد ذاتها.
ويبقى مؤشر انتشار الأعمال الفلكلورية مرتبطاً ليس بعدد النسخ التي تمت إعادة كتابتها، بل بانتشارها بين الناس لأن عدد كبير من آثار الأدب الشعبي هي شفهية تتناقلها الألسن وترافقها عبارات مثل: حكي، وسمعت، بشكل متوازن بين الشفهي والكتابي وفق التقاليد المتبعة في الأدب. ويستخدم الرواة عادة مخطوطات للروايات والقصص والخرافات يتمكنون من خلالها ضبط سيرة العرض دون تغيير في النصوص، في الوقت الذي كان المستمعون فيه يكتبون النصوص التي تعجبهم. ومن نتائج تلك العمليات التي استمرّت لقرون طويلة وشملت جميع الدول العربية نشأ نوع خاص من الأدب الشفهي يقع عند ملتقى الفلكلور والأدب.
وأطلق على هذا اللون اسم الأدب العربي الشعبي وضم الروايات الشعبية والحكايات والقصص ومجموعات تراثية فريدة مثل "ألف ليلة و ليلة"، وبالإضافة للتقاليد الكتابية المتبعة في التراث الأدبي الشعبي دون أن تنسب للفلكلور، رغم تقيدها بالأسلوب الشفهي المشبع بالعناصر الفلكلورية بشكل يسمح بالقول أنها أدب شعبي مميز ضمن الفنون الأدبية بشكل عام.
وتعتبر دراسة العلاقة المتبادلة بين الفلكلور والأدب مسألة هامة في علم الفلكلور، وتهتم بجمع التأثير الفلكلوري الحديث واكتشاف العناصر الفلكلورية في الآثار الأدبية السابقة ودراسة قوانين تطور الفلكلور من حيث الكلمة وخصوصية الفن والمواضيع والخصائص الفنية لتطور الفلكلور العربي الحديث.
- هل يمكن إيراد مثال ملموس عن دراسات من هذا النوع قام بها باحثون عرب ؟
- الفلكلور العربي أخذ شكلا متميزاً من خلال الدراسات الأدبية بعد الحرب العالمية الثانية عندما بدأ استخدامه لرفع المعنويات الوطنية عند الشعوب العربية وفي نفس الوقت من أجل تطوير العلوم، ولكن دراسة الإبداع الشعبي الشفهي عند العرب تتم من وجهة نظر تختلف مع الزمن.
ومن ضمن المجموعات التي درسناها أو ترجمناها، كانت نصوص شعرية تحدثت عن الخرافات والأساطير الشعبية الدارجة في مناطق مختلفة من شبه جزيرة العرب، أشار إليها الباحث في الأدب الشعبي العربي عبد الكريم الجهيمان ونشرت له في بيروت عام 1969 ضمن أربعة أجزاء، (عبد الكريم الجهيمان: أساطير شعبية من قلب جزيرة العرب. بيروت: 1969) وكانت من بين الأعمال التي أطلع من خلالها الباحثين الأوزبك على الفلكلور العربي.
- وما هو التصور الذي تكون حتى الآن بين الباحثين الأوزبك عن الأدب الشعبي العربي برأيكم ؟
- للأساطير مقام خاص في النظم الشفهي الغني والمتنوع لسكان الدول العربية، لأن الخرافات والأساطير تتمتع في وقتنا الحاضر بشعبية واسعة في بلادنا أيضاً. والأساطير والخرافات الشعبية العربية ممتعة للغاية من وجهة النظر التاريخية والثقافية، لأنها تحمل القارئ إلى عالم الشرق العربي عبر الرحلات الرومانسية، والأعمال الخارقة لأبطال تلك الأساطير والخرافات، وتعطي تلك الأساطير تصور واضح عن تطور المجتمعات في الدول العربية، وعن تكون الأخلاق والعادات والتقاليد هناك، وتكشف عن الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية في التراكيب الاجتماعية بشكل عام.
ولكن القيمة الأساسية للحكايات الشعبية العربية تكمن برأيينا في كشفها حكمة الشعب وتمجيدها للإنسان الكادح وكشفها لأحاسيس الحب والوفاء والاستعداد للتضحية بالنفس والفداء من أجل الواجب والكلمة الطيبة وكرم الضيافة. كما وتتميز برفضها للجهل والخشونة والكسل والطفيلية والطمع والمكر والجشع والخمول وهو ما يعنى تصادم الحياة على خلفية البيئية الاجتماعية المعروفة وتسيطر عليها عوامل داخلية وتتقيد بقواعد ونظم خاصة بها.
- وهل يشترك الأدب الشعبي العربي مع الأدب الشعبي لشعوب أخرى درستموها ؟
- أساطير الأدب الشعبي العربي كما هي الحال في أساطير شعوب أخرى تكونت وصقلتها الحياة. وفي كل مرحلة تاريخية كان لها شكل معاشي خاص. ولم تتأثر الرواية الشعبية بشروط حياة المجتمع والعلاقات الاجتماعية والتركيبة السياسية وحسب، بل وتأثرت بالأسلوب الأدبي المميز لتلك المرحلة من الحياة الإنسانية.
وعنصر الزمان في الرواية الشعبية الشفهية يعتبر عنصرا هاما يرتبط بالماضي، ولكن سرعان ما تفقد الأسطورة موقعها من حيث شروط تناسق الأخبار وتتاليها في السرد لتعطي الإنسان وصفاً للزمان والمكان عبر التطور السريع لوسائل الإعلام التي يستخدمها الإنسان في مختلف مراحل تطوره الاجتماعي. وهو ما أشار إليه الباحث اليمنى على محمد عبدو عندما قال أنه " في أيامنا هذه أصبح من الملموس أن الشباب والأولاد يسعون إلى مشاهدة برامج التلفزيون الممتعة وكأن الراوي المشهور يقف إلى جانبهم ".
ومن ملاحظاتي الخاصة أن للخرافات مقام خاص في العالم العربي حتى الآن، والخرافات بشكلها الشفهي تغلب الشكل المكتوب. وصورة الراوي تتشابه لدى الكثير من شعوب العالم، وتعبر عن: السن الطاعنة، والحياة الطويلة والعصا في يد الراوي، وفي نظرته اللطيفة وحكمته ودهائه، إضافة إلى أنه رجل محترم يتكلم بهدوء وبلا عجلة وباللغة المفهومة للجميع، وإلى حد ما هو متنبئ وإنسان طيب يستطيع تقديم المساعدة في اللحظة الصعبة. وتنبع شهرة الراوي من المغامرات العجيبة والرحلات البعيدة التي يقصها وترافقه عبر حياته كلها.
وكالعادة الراوي هو رجل بسيط من أسرة فلاحيه يعرف الكتابة والقراءة لحد معين وهو قادر على إثارة الفرح وإشاعة الفكاهة، وهي صورة نموذجية – كلاسيكية للرواة الأوزبك أيضا ولا يوجد فرق بين شخصية الراوي في أوزبكستان ووسط آسيا وشخصية الراوي في أي دولة عربية.
ومما يميز الروايات الخرافية الشفهية في المملكة العربية السعودية مثلاً تكرار شخصية المرأة المسنة كراوية والتي لها عادة عشرة أولاد أو أكثر، وتعيش الرواية عادة وسط أسرة بدوية بسيطة، وفي مطلع الرواية تجلس الرواية على بساط ويلتف حولها الأطفال، وقد يعرف أحدهم الخرافة التي تقصها عليهم فيتدخل في السرد مصححا...
- من خلال دراساتكم هل لاحظتم أن دراسات الأدب الشعبي العربي تعاني من بعض صعوبات ؟
- مما يؤسف له ولأسباب اقتصادية واجتماعية تأخر جمع ونشر أساطير وخرافات الأدب الشعبي الشفهي في البلدان العربية، ولم تبدأ إلا منذ زمن قريب، ويمكننا بثقة القول أن كل الكتابات التي تناولت خرافات وأساطير الأدب الشعبي الشفهي العربي تقريبا ترجع لأواخر القرن التاسع عشر، وفي أكثر الحالات للقرن العشرين، ففي ستينات القرن العشرين بدأ الاهتمام بجمع الجديد منها، ونشر مؤلفات تناولت الإبداع الشفهي العربي ومع ذلك فهي قليلة جدا.
وبنشر المجلدات الأربعة لعبد الكريم الجهيمان تعرف القراء لأول مرة على الخرافات العربية، وعرفوا أنها مغايرة تماماً للقصص المعروفة في العالم أجمع كقصص شهرزاد من حكايات "ألف ليلة وليلة".
وفي عام 1980 نشرت مجموعة صغيرة من الأساطير والخرافات اليمنية قام بجمعها من أنحاء مختلفة من اليمن، الباحث الفلكلوري محمود احمد شهاب، وحاول الباحث قدر المستطاع الحفاظ على خصائص اللهجة المحلية واعتنى بوضع الحواشي لكتابه الذي يتمتع بأهمية كبيرة في اليمن لأنه ساهم بالمحافظة على بنية الفلكلور الشعبي اليمني.
وتتميز الأساطير والخرافات العربية بحجمها غير الكبير، وندرة احتوائها على وصف للطبيعة والبساطة والإيجاز، كما يلاحظ قربها من حيث المواضيع من أساطير وخرافات شعوب العالم الأخرى، وتشترك كلها بإثارة انتباه القارئ للظروف الموضوعية المحيطة بالحدث، مثل تحول البطل من إنسان إلى حيوانات مختلفة كماعز أو جمل أو حصان، وبيعة كحيوان وعودة البطل بمساعدة الطقوس السحرية إلى حالته السابقة، بالإضافة لموضوع الزوجة العاقلة التي تنقذ زوجها في الأسطورة.
- أفهم من قولكم أن الشخصيات الأسطورية في الأدب الشعبي متشابهة، فما تعليقكم على ذلك ؟
- من الصفات المميزة للرواية الشعبية العربية إدماج الشخصيات العادية في شبه الجزيرة العربية لتصور شخصيات خرافية تقليدية، أو إدخال ميزة خاصة أو تفاصيل خاصة في وصف الشخصيات الرئيسية أو تعزيز بعض المواضيع القديمة أو إضعافها أو إظهار وظائف جديدة للشخصيات الرئيسية في الحدث. وهذا يميز الأدب الشعبي الشفهي على الأكثر في شبه جزيرة العرب.
- لنعود مرة أخرى للأدب الشعبي العربي الذي درستموه ؟
- كان الأدباء العرب يركزون في الفلكلور العربي خلال المرحلة المبكرة للقرنين الثاني عشر، والثالث عشر الميلاديين على فن من الفنون الفلكلورية تمثلت بالأمثال الشعبية، واكتسب هذا الفن شعبية خاصة في المشرق العربي، وخلال تلك المرحلة ألفت 44 مجموعة أمثال شعبية عربية بقي منها حتى يومنا هذا 14 مجموعة. وانتهت هذه المرحلة بمجموعتين كبيرتين من الأمثال الشعبية كتبهما أحمد بن الحسين الميداني (توفي 1124م) والعلامة محمود بن عمر الزمخشري (1075-1144م)، وكانا من علماء الأدب الشعبي العربي. وحاول الشاعر المشهور عبد الملك بن إسماعيل الثعالبي (961-1038م) وكان عالما في اللغة العربية وآدابها أن يصنف الأمثلة على مراحل.
وتعتبر الفترة الممتدة من القرن الرابع عشر وحتى القرن الثامن عشر مرحلة انحطاط في الأدب العربي الكلاسيكي واللغة العربية الفصحى وتزايد اهتمام العلماء والأدباء في تلك المرحلة كثيراً بالأدب الشعبي، وخلال تلك المرحلة أخذت تظهر كتابات في الأدب الشعبي لكتاب بارزون أمثال: الشاعر صافي الدين الحلي (1278-1351م)، والمؤرخ الشهير ابن خلدون (1332-1404م)، والأديب الإبشحى (1388-1446م)، وعالم اللغة وآدابها يوسف المغربي (حوالي 1570-1611م) وعلماء آخرين ومهتمين بالإبداع الشعبي.
- وهل اقتصر الاهتمامات تلك على العالمين العربي والإسلامي فقط ؟
- لا... فقد بدأت أبحاث الفلكلور العربي في أوربا مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، وكانت تلك البحوث مرتبطُة بدراسات اللهجات العربية بشكل وثيق، وبقي الفلكلور العربي مادة مساعدة لعلم اللهجات حتى أواسط القرن العشرين، واستمد المستعربون بعض اللهجات العربية وصنفوها في نماذج ونصوص أخذت من مؤلفات فلكلورية من: أمثال شعبية، وفكاهات، وشعر شعبي، وحتى من الحكايات الشعبية الكبيرة.
وفي تلك الفترة قام عالم اللغة البارز الشيخ محمود عياد الطنطاوي بالتدريس في مختلف جامعات سانت بطرس بورغ لأكثر من عشرين عاماً، وألف كتاب لتعليم اللغة العربية المحكية (اللهجة المصرية) ونشره في لايبزيغ عام 1848 وشمل نصوص نحوية وأكثر من مئة مثل شعبي، وعشر حكايات شعبية، وسبعة ألغازٍ.
- وهل تلك الاهتمامات مستمرة حتى اليوم ؟
- نعم فدراسات الفلكلور العربي أصبحت علما مستقلاً في المشرق العربي. وأصبح الفولكلوريون العرب يستخدمون كل منجزات العلم في مجال الفلكلور والأدب الشعبي. وتشمل أعمال الباحثين العرب في الأدب الشعبي كل فن من فنونه أي من قديمها إلى أواسطها وحتى الأحدث منها، وتوجد اليوم مؤسسات علمية وأدبية متخصصة تشغل بالفلكلور وتنشر مجلاتها الخاصة بـ"التراث الشعبي"، وعدد الأعمال الفلكلورية المنشورة في البلدان العربية كبير جدًا.
وقد ظهرت المجموعات الأولية من الخرافات والأساطير الشعبية العربية والنصوص المختلفة الأخرى منذ مائة عام كما وتضاف كتابات الخرافات والأساطير الشعبية عادة إلى الكتب المدرسية باللغة العربية كمواد دراسية، وحتى الوقت الحاضر ترجمت خرافات وأساطير شعبية عربية إلى عدة لغات عالمية.
- وما الأمثلة على ذلك ؟
- دائما يزيد عدد الأعمال التي أهديت لقضايا تاريخ الأدب الشعبي العربي. ومن بين المهتمين بالأدب الشعبي وخلال سنوات طويلة اشتغل م.أ. ساليه، بدراسة "ألف ليلة و ليلة" ونشرت الترجمة الأولى الكاملة لهذا الأثر الأدبي الشعبي العربي إلى اللغة الروسية من مصدره الأصلي مباشرة إلى جانب عدة مقالات علمية ضمن هذه السلسلة من الأعمال. وخصص الأكاديمي أ.يي. كريمسكي، عمله الأصلي "تاريخ الأدب العربي الحديث" فصل كبير تضمنت مقدمة عن تاريخ الأدب الحديث وأعار اهتماما كبيرًا لمؤلفات الأدب الشعبي. ومن الدراسات التي تناولت هذا الحدث الثقافي أعمالهم علماء مشهورون أمثال: إ.ف. تيموفييف، ود.إ. أوناييفا، وف.ف. ليبيديف، وب.يا.شيدفار. ومن الدراسات التي اطلعت عليها على سبيل المثال: دراسة ميليتنسكى ى. م.: بطل الأسطورة الساخرة. موسكو: 1958. (باللغة الروسية)؛ وعلم الفلكلور الروسي. موسكو: 1965. (باللغة الروسية)؛ وغوسيف و. ى.: علم الجمال في الأدب الشعبي (الفلكلور). لينينغراد: 1967. (باللغة الروسية)؛ وبراب و. ى.: الفلكلور والحقيقة. مقالات مختارة. موسكو: 1976 (باللغة الروسية).
- وماذا عن البحوث والدراسات الأوزبكية في هذا المجال ؟
- في أوزبكستان هناك تقدم كبير في الأعمال الشيقة والممتعة في كتابات النصوص الفلكلورية الحديثة التي تعمل على اكتشاف الآثار الفلكلورية للعهود الماضية ومن الدراسات الجديرة لعلماء أوزبك أمثال: أ.د. نعمة الله ابراهيموف، وأ.د. تيمور مختاروف، وأ.د. زاهد الله منواروف، وأ.د. شاه رستام شاه موساروف، وأ.د. لطيف ستييف، وغيرهم من المستعربين، كما ترجم أ. د. نعمة الله ابراهيموف وأ. د. تيمور مختاروف، عدة رواية شعبية عربية إلى اللغتين الروسية والأوزبكية.
وهذا شيء من التجربة المتواضعة المتكونة في معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية بإشراف أ.د. نعمة الله ابراهيموف، عضو أكاديمية العلوم الأوزبكية، والعضو المراسل في مجمع اللغة العربية بجمهورية مصر العربية، ونشرت حتى اليوم أبحاث كثيرة عن الفلكلور العربي في أوزبكستان، ونشرت ترجمات لمجموعات من الأساطير الشعبية في أربعة أجزاء.
- ما سر هذا الاهتمام بالفلكلور في أوزبكستان برأيكم ؟
- نعتقد أن ذلك نابع من الاهتمام بمواضيع دراسة فلكلور عرب آسيا الوسطى الذي لابد وأن يثير اهتمام علمي خاص لدى زملائنا العرب الذين يبحثون في هذا المجال، ولمقارنتها مع فلكلور شعوب آسيا الوسطى التي تتكلم اللغة التركية أي الأوزبك، والقازاق، والقرغيز، والشعوب المتحدثة باللغات الهندوأوروبية أي الطاجيك والأفغان وغيرهم من شعوب آسيا المركزية.
ونعتقد أن دراسة الفلكلور العربي ومقارنته بفلكلور شعوب آسيا المركزية يثير اهتمام الباحثين في أوزبكستان والبلدان العربية في آن واحد ، ويثرى الدراسات العلمية في مجال دراسات الفلكلور الشعبي.
16/12/2007

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق