السبت، 5 سبتمبر 2009

مبادئ الصحافة الدولية والتبادل الإعلامي الدولي 1 من 2

وزارة التعليم العالي والمتوسط الفني بجمهورية أوزبكستان
معهد طشقند العالي الحكومي للدراسات الشرقية
الدكتور محمد البخاري
مبادئ الصحافة الدولية والتبادل الإعلامي الدولي 1 من 2
طشقند - 1997


المحتويات:
المقدمة.
الفصل الأول: وسائل الإعلام الجماهيرية الدولية: الصحافة المطبوعة؛ الصحافة المسموعة ( الراديو )؛ الصحافة المرئية ( التلفزيون )؛ الصحافة الدولية؛ وظائف الصحافة الدولية؛ مشاكل الصحافة الدولية؛ الصحافة الدولية والصراعات الدولية.
الفصل الثاني: التبادل الإعلامي الدولي في إطار العلاقات الدولية: الصحافة الدولية في إطار السياسة الخارجية للدولة؛ التبادل الإعلامي الدولي كوظيفة من وظائف المنظمات الدولية؛ التبادل الإعلامي الدولي والتفاهم الدولي؛ مشاكل التبادل الإعلامي الدولي: المعيقات السياسية لعملية التبادل الإعلامي الدولي؛ المعيقات الاقتصادية لعملية التبادل الإعلامي الدولي؛ خصائص التبادل الإعلامي الدولي؛ الاحتكار والتبادل الإعلامي الدولي؛ تأثير التبادل الإعلامي الدولي على أصحاب القرار.
الفصل الثالث: التدفق الإعلامي الدولي والتبادل الإعلامي الدولي: التدفق الإعلامي الدولي من وجهة نظر تحليل المضمون؛ التبادل الإعلامي الدولي وتكوين وجهات النظر؛ التبادل الإعلامي الدولي والتعاون الدولي؛ أساليب وتقنيات وسائل الإعلام الجماهيرية الدولية؛ الجوانب الثقافية للتبادل الإعلامي الدولي؛ فاعلية التبادل الإعلامي الدولي؛ وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية كمصدر للتبادل الإعلامي الدولي؛ عناصر الاتصال.
الفصل الرابع: نظريات الصحافة الدولية: نظرية خضوع الصحافة للسلطة المطلقة؛ نظرية الصحافة الحرة؛ النظرية الاشتراكية للصحافة؛ نظرية المسؤولية الاجتماعية للصحافة؛ نظرية المسؤولية العالمية للصحافة.
الهوامش.
المقدمة: الحديث عن التبادل الإعلامي في حياة الأمم المعاصرة، وفي ظل النظام الدولي الراهن أصبح واحداً من أكثر الموضوعات إثارة للاهتمام، وذلك نظراً للإمكانيات الهائلة القائمة والمحتملة للتبادل الإعلامي الدولي على ضوء التطور الهائل لوسائل الاتصال الإليكترونية. التي تنبأ لها البروفيسور الياباني يونيجي ماسودا: بأن تمكن الإنسان في نهاية القرن الحالي من الحصول على أية معلومات يريدها بمنتهى السرعة واليسر والسهولة.
وهو ما حدث فعلاً عبر شبكات الكمبيوتر العالمية، والقنوات التلفزيونية الفضائية، ووسائل الاتصال الأخرى من فاكس وتلكس... الخ والتي أصبحت تستخدمها وسائل الإعلام الجماهيرية الدولية فعلاً لمخاطبة العقول أينما كانـت، ومهما تباينت، وبأية لغة يفهمها الإنسان المعاصر الذي تميز بسعة الأفق والمعرفة التي وضعتها بين يديه وسائل الإعلام الجماهيرية أينما كان.
وسمحت تقنيات الاتصال الحديثة للتدفق الإعلامي أن يكون تبادلاً إعلامياً دولياً، تسيطر فيه الدول المتطورة من خلال إمكانياتها المادية والتقنية. في نفس الوقت الذي تستطيع فيه أية دولة أو أية جماعة مهما كان حجمها وإمكانياتها من ولوج عالم التبادل الإعلامي الدولي بالحرف والصوت والصورة.
وقد التفتت الدول والتجمعات الدولية، بعد أن تجلت لها حقيقة ثورة المعلومات خلال العقود الثلاثة الماضية، إلى التركيز على أهداف ووظائف التبادل الإعلامي الدولي، بعد أن كان مجرد مطالبة بتحقيق العدالة في التدفق الإعلامي الدولي، وردم الهوة بين الدول المتطورة والغنية، والدول الأقل تطوراً والمتخلفة والفقيرة.
وأصبح اليوم المدخل لدراسة مشاكل الاتصال والتبادل الإعلامي الدولي، تدارس قضايا الإعلام والاتصال، والسعي لإقرار نظام عالمي جديد للتبادل الإعلامي الدولي، يهدف أساساً إلى الحد من اختلال التوازن بين الدول المتقدمة والدول النامية.
وقد تناولت بهذه الدراسة موضوع الصحافة الدولية والتبادل الإعلامي الدولي لسد شيء من حاجة طلاب كليات الصحافة، وأقسام الصحافة الدولية، والعلاقات الدولية للمراجع في هذا المجال.
وتناولت في الفصل الأول: الصحافة الدولية، المطبوعة، والمسموعة، والمرئية. إضافة لوظائف ومشاكل ودوافع الصحافة الدولية.
وفي الفصل الثاني: تناولت موضوع التبادل الإعلامي الدولي في إطار العلاقات الدولية، والسياسة الخارجية للدولة، ومشاكل التبادل الإعلامي الدولي ودوره في التفاهم الدولي.
أما الفصل الثالث: فقد تناول فيه التدفق الإعلامي الدولي، والتبادل الإعلامي الدولي ودورهما في التعاون الدولي وتكوين وجهات النظر، وفاعلية التبادل الإعلامي الدولي من جوانبه الثقافية والتقنية.
وتناولت في الفصل الرابع: عرضاً موجزاً لأكثر النظريات الإعلامية انتشاراً في العالم.
آملاً أن يكون هذا الجهد العلمي المتواضع ذخيرة تمد الباحثين وطلاب الصحافة والعلاقات الدولية، للاستفادة منها في دراساتهم وبحوثهم عن الإعلام والاتصال.
د. محمد البخاري طشقند في 28/7/1997
الفصل الأول: وسائل الإعلام الجماهيرية الدولية.
1/1- الصحافة المطبوعة: تعد الصحف من أقدم وسائل الإعلام في العالم على الإطلاق، فقد سبقت منافستيها الإذاعة المسموعة والمرئية بعدة قرون. وللصحف خصائص تميزها عن سواها من وسائل الإعلام الجماهيرية، فالصحيفة لا تستطيع نقل الأخبار بتلك السرعة التي تنقلها بها الإذاعة، ولا يمكنها نقل وتقريب الواقع كما فعله الإذاعة المرئية، ولكنها تقوم بذلك بشكل متميز جعل من الصحيفة جزءاً لا يتجزأ من حياة الفرد المتعلم في كل أنحاء العالم.
وبداية ظهور الصحف بشكلها المعاصر يعود إلى عام 1454م عندما اخترعت الطباعة عن طريق صف الحروف،(1) وخدم هذا الاختراع المركز الرئيسي للسلطة في العالم المسيحي آنذاك، والمتمثل بسلطة الكنيسة. بينما تأخر استخدام هذه الوسيلة الحديثة في طباعة الكتب والنصوص لعدة قرون في العالم الإسلامي بسبب التحريم الديني.
وخدمت المطابع الكنيسة في نشر مواضيع تهم الدين والدنيا، وأصبحت من عوامل الإصلاح الديني في العالم المسيحي خلال الفترة الممتدة مابين القرنين السادس عشر والسابع عشر. ونشرت المطابع روائع كتب القرون الوسطى، وكتب عصر النهضة بنسخ كثيرة، ووضعتها بمتناول الجميع بعد أن كانت حبيسة خزائن الكتب. ونقلت أخبار التجارة والاقتصاد للتجار في كل مكان. ولعل المنشورات مجهولة المصدر والهوية، التي لعبت دوراً كبيراً إبان الثورتين الفرنسية والأمريكية، من أبلغ الأمثلة على الدور الهام الذي لعبته الطباعة في تغيير العلاقات الإنسانية في المجتمع الإنساني المعاصر.
وأصبحت الصحف بالتدريج حارساً للديمقراطية، بإتاحتها الفرصة للمرشح والناخب بالتعرف إلى بعضهما البعض دون اتصال مباشر، بل عن طريق انتقال الأفكار المنشورة على صفحاتها. وأصبحت من الوسائل الهامة التي يعتمد عليها التعليم في مختلف مراحله، وساعدت الصحف من خلال الإعلانات التي تنشرها على تصريف قدر هائل من السلع المنتجة في المصانع، وإيجاد فرص العمل، وتوفير الأيدي العاملة للباحثين عنها.(2)
وجاءت الثورة الصناعية للصحف مع مطلع القرن العشرين بالمطبعة البخارية أولاً، ومن ثم بالمطبعة الكهربائية، مما ساعد على خفض تكاليف طباعتها، وأجور الإعلانات على صفحاتها وزيادة عدد نسخها، مما ساعدها على الانتشار الواسع وتحولها إلى وسيلة اتصال جماهيرية، رخيصة الثمن توزع أعداد ضخمة من النسخ يعتمد عليها لنشر إعلانات مربحة للمنتج والناشر في آن معاً.
ومن الميزات الهامة الأخرى التي تنفرد بها المادة المطبوعة عن غيرها من وسائل الإعلام الجماهيرية، أنها تسمح للقارئ بالتكيف مع الظروف ومطالعتها في الوقت الملائم له، وإعادة القراءة كلما أراد. إضافة إلى أنها من أفضل الوسائل لمخاطبة الجماعات والشرائح الاجتماعية الصغيرة والمتخصصة.
1/2- الصحافة المسموعة ( الراديو ): تعتبر الإذاعة المسموعة من أفضل وسائل الاتصال الجماهيرية قدرة على الوصول للمستمعين في أي مكان بسهولة ويسر متخطية الحواجز الجغرافية والأمية، لأنها تستطيع مخاطبة الجميع دون تمييز وبغض النظر عن فارق السن ومستوى التعليم، ولا تحتاج لظروف وأوضاع خاصة للاستماع كما هي الحال بالنسبة للإذاعة المرئية (التلفزيون). حتى أنها أصبحت في بعض المجتمعات المتقدمة نوعاً من الوسائل الإعلامية التي يتعامل معها الإنسان دون اهتمام أو تركيز، كمصدر للترفيه أكثر من أنها مصدراً للمعلومات يحتاج للتركيز والاهتمام. (3)
ومن الصعب جداً تحديد أصل الاختراعات العلمية التي أدت إلى ظهور الإذاعة المسموعة، التي تعتبر اليوم واحدة من أهم وسائل الإعلام الجماهيرية. ففي الفترة من 1890 إلى 1894 اكتشف برافلي المبادئ الأساسية للمبرق اللاسلكي، ونجحت تجارب ماركوني التي أجراها خلال الفترة من 1894 وحتى 1899 عندما نجح في إرسال أول برقية لاسلكية عبر بحر المانش. (4)
وتطورت الأبحاث العلمية بعد ذلك، حتى استطاع المهندس الفرنسي رايموند برايار، وزميله الدكتور البلجيكي روبير فولدا سميث، من إرسال واستقبال بث إذاعي عن بعد عدة كيلو مترات عام 1914، وتوقفت التجارب بعد ذلك بسبب الحرب العالمية الأولى. إلى أن عادت مرة أخرى إلى دائرة الاهتمام بعد انتهاء الحرب.
وبدأت أول البرامج الإذاعية اليومية المنظمة بالبث من ديتروا نيوز في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1920، وتبعتها بريطانيا التي نظم فيها دايلي مايل أول برنامج إذاعي في نفس العام. أما فرنسا فقد نجح الجنرال فيري من إرسال أولى البرامج الإذاعية عام 1921.
وتعتبر عشرينات القرن العشرين فترة هامة في حياة هذا الاختراع الهام، الذي أخذ بالتطور والتوسع. ورافقه في عام 1925 اختراع البيك آب الكهربائي، وفي عام 1934 اختراع التسجيل على الاسطوانات المرنة، وآلة التسجيل عام 1945، وتمكن الأمريكيان براتان وباردن عام 1948 من اختراع المذياع، الذي انتشر في الأوساط الشعبية اعتباراً من عام 1950وتبع هذا الاختراع عام 1958 اختراع اسطوانة التسجيل الستريو التي نقلت البث الإذاعي معها إلى مرحلة جديدة. (5)
1/3- الصحافة المرئية ( التلفزيون ): بدأت أولى التجارب على إرسال الصور الثابتة باللونين الأسود والأبيض عن بعد في منتصف القرن التاسع عشر، وتطور هذا الاختراع حتى استطاع الألماني دي كورن من اختراع الفوتوتلغرافيا عام 1905، وجاء بعده الفرنسي إدوارد بلين، الذي طور الاختراع الأول وأطلق عليه اسم البيلينوغراف عام 1907. واستمرت هذه التجارب بالتطور مستخدمة وسائل ميكانيكية أولاً ثم راديو كهربائية، حتى توصل كلاً من الإنجليزي جون لوجي بيارد والأمريكي س. ف. جنكيس إلى وسيلة إرسال تستعمل فيها اسطوانة دورانية مثقوبة عام 1923.
وقد تكللت التجارب التي جرت خلال ثلاثينات القرن العشرين بالنجاح، حيث بدأ مركز أليكساندر بلاس البريطاني للتلفزيون، بالبث التلفزيوني لمدة ساعتين يومياً عام 1936، وتبعه المركز الفرنسي في لاتوريفال ببث برامج تلفزيونية يومية عام 1938، وتبعتها الولايات المتحدة الأمريكية في العام التالي ببث تلفزيوني لجمهور كبير. وأخرت الحرب العالمية الثانية البداية الفعلية لانتشار البث الإذاعي المرئي للجمهور العريض حتى عامي 1945 - 1946 أي عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وفي خمسينات القرن الحالي بدأ الانتقال التدريجي من نظام البث بالأسود والأبيض إلى نظام البث التلفزيوني الملون، وتبعه الانتشار العاصف للبث التلفزيوني بواسطة الدارات المغلقة، ومحطات التقوية الأرضية، إلى أن انتقل البث الإذاعي المرئي طريقه عبر الأقمار الصناعية مع تطور غزو الإنسان للفضاء الكوني الذي بدأ في نفس الفترة تقريباً.
ويعتقد أن للإذاعة المرئية فاعلية فريدة لأنها الوسيلة التي تعتمد على حاستي السمع والبصر في آن معاً. وقد لوحظ أنها تستحوذ على الاهتمام الكامل للجمهور الإعلامي، أكثر من الوسائل الإعلامية الأخرى، وخاصة في أوساط الأطفال واليافعين. وقد كشفت بعض الدراسات أن الصغار والكبار على حد سواء يميلون إلى تقبل كل ما تقدمه الإذاعة المرئية بدون مناقشة، لأنهم يعتبرونها واقعية وتعلق في أذهانهم بصورة أفضل. (6)
والاختلاف بين الإذاعة المرئية والإذاعة المسموعة، أن الإذاعة المرئية تحتاج لحاستي السمع والبصر وانتباهاً لا يستطيع المتفرج أن يفعل شيئاً آخر أثناء المشاهدة، في حين أن المستمع للإذاعة المسموعة يستطيع أثناء استماعه أن يقرأ ويمشي ويعمل ويقود سيارته، أو أن يستلقي مغمضاً عينيه سارحاً في خياله. ومن المزايا التي تتميز بها الإذاعة المرئية عن سواها من وسائل الإعلام الجماهيرية: 1- أنها أقرب للاتصال المباشر، وتجمع بين الصورة والصوت والحركة والألوان، وتتفوق عن الاتصال المباشر بأنها تكبر الأشياء الصغيرة، وتحرك الأشياء الثابتة. 2- أنها تنقل الأحداث فور حدوثها، أو بفارق زمني طفيف. 3- أنها تسمح بأساليب متعددة لتقديم المادة الإعلانية، مما يضاعف من تأثيرها على الجمهور. 4- أنها أصبحت وسيلة قوية بين وسائل الإعلام الجماهيرية بعد أن دخلت كل بيت، ووفرت لها الأقمار الصناعية المنتشرة في الفضاء الكوني انتشاراً عالمياً، مما زاد من فاعلية عملية التبادل الإعلامي والثقافي العالمي، لأصبح وسيلة تقارب بين الشعوب.
وهكذا نرى كيف تغير وضع الإنسان الذي عاش قديماً في مجتمعات صغيرة، محدودة العدد معزولة عن بعضها البعض، يصعب الاتصال فيما بينها. ليأتي القرن العشرين ليغير الوضع تماماً لسببين أساسيين نلخصهما: 1- نشوب الحرب العالمية الأولى ( 1914 - 1918 )، والحرب العالمية الثانية (1939 - 19945)، وما تمخض عنهما من انتقال للقوات العسكرية عبر الدول والقارات. وهذا بحد ذاته ساعد على تطوير وسائل المواصلات البرية والبحرية والجوية، ومعها تطور الطرق البرية والمائية والسكك الحديدية والموانئ البحرية والجوية. 2- وانتشار وسائل الاتصال الحديثة، من تلغراف وتلفون وراديو وحاسبات إلكترونية (كمبيوتر). ووسائل الإعلام الجماهيرية، من صحف ومجلات وإذاعة وتلفزيون. مما " أحدث تغيرات جذرية على تصورات المواطنين في جميع أنحاء العالم، واتسع أفق الأفراد وإطارهم الدلالي بشكل لم يسبق له نظير، بحيث لم يعد بالإمكان عزل الناس عقلياً أو سيكولوجياً عن بعضهم البعض. لأن ما يحدث في أي بقعة من بقاع العالم، يترك آثاره على جميع الأجزاء الأخرى. فالعالم اليوم هو قرية الأمس. واتسعت تصورات الفرد التقليدي القديم التي كانت تتسم بالبساطة عن واقعه وأصبح عليه أن يجاهد حتى يفهم الأخبار التي تغمره بها وسائل الإعلام الجماهيرية يومياً عن أحوال الأمم والشعوب الأخرى المختلفة الألوان والعقائد ". (7)
وخرجت وسائل الإعلام الجماهيرية بالتدريج عن إطارها المحلي لتصبح أداة اتصال وتواصل بين الأمم لها دوراً مرسوماً ومحدداً في إطار العلاقات الدولية، وعملية التبادل الإعلامي الدولي. ودخلت ضمن الأدوات والوسائل التي تحقق من خلالها مختلف الدول والمنظمات الدولية والإقليمية والمحلية بعضاً من سياساتها الخارجية.
1/4- الصحافة الدولية: المؤسسات الصحفية تعمل على نشر المبادئ والأفكار والمواقف والأخبار عن طريق وسائل الإعلام الجماهيرية المختلفة بغرض الإقناع والتأثير على الأفراد والجماعات داخل المجتمع. وعندما تخرج هذه المؤسسات عن نطاق المحلية وتجتاز وسائل إعلامها الجماهيرية الحدود الجغرافية والسياسية للدولة، لنقل تلك المبادئ والأفكار والمواقف والأخبار لمواطني دول أخرى، لخلق نوع من الحوار الثقافي معها، متجاوزة الحواجز اللغوية، تأخذ هذه المؤسسات الصحفية ووسائلها الإعلامية صفة الإعلام الدولي.
والإعلام الدولي جزء لا يتجزأ من السياسة الخارجية للدول المستقلة، ووسيلة فاعلة من الوسائل التي تحقق بعض أهداف السياسة الخارجية لكل دولة داخل المجتمع الدولي. تخدم من خلالها المصلحة الوطنية العليا للدولة، وفقاً للحجم والوزن والدور الذي تتمتع به هذه الدولة في المعادلات الدولية، وتأثيرها وتأثرها بالأحداث العالمية المستجدة كل يوم. وخاصة عند نشوب أزمات سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو اجتماعية تطال تلك الدول، أو الدول المجاورة لها. أو تطال مناطق المصالح الحيوية للدول الكبرى في أنحاء العالم. أو في حال حدوث كوارث طبيعية، أو أخطار تهدد البيئة والحياة على كوكب الأرض. وللإعلام الدولي دوافع متعددة، سياسية، واقتصادية، وعسكرية، واجتماعية، وثقافية، وإنسانية، تتفق والسياسة الخارجية للدولة، وتنبع من المصالح الوطنية العليا للدولة، وتعمل من خلال ذلك على تعزيز التفاهم الدولي والحوار بين الأمم. بعد أن أدى التفاهم الدولي إلى خلق تصور واضح للدول بعضها عن بعض، مفاده التحول من النظام الثقافي القومي التقليدي المغلق، إلى نظام ثقافي منفتح يعزز التفاهم الدولي ويعمل على تطويره.
وكان لوسائل الإعلام الجماهيرية دوراً أساسياً في هذا التحول بعد التطور الهائل في التقنيات خلال القرن الحالي. ساعدت من خلاله على إحداث تغيير ثقافي واجتماعي واضح، رغم تضارب المصالح الاقتصادية والسياسية والصراعات الإيديولوجية المؤثرة في القرار السياسي اللازم لأي تقارب أو حوار دولي.
1/5- وظائف الإعلام الدولي: من الأمور التي تميز البشر عن غيرهم من المخلوقات الحية أنهم قادرون على الاتصال، فالإنسان كان في حاجة دائماً إلى وسيلة تراقب له الظروف المحيطة به، وتحيطه علماً بالأخطار المحدقة به أو الفرص المتاحة له، وسيلة تقوم بنشر الآراء والحقائق وتساعد الجماعة على اتخاذ القرارات، وسيلة تقوم بنشر القرارات التي تتخذها الجماعة على نطاق واسع، وسيلة تقوم بنقل حكمة الأجيال السابقة والتطلعات السائدة في المجتمع إلى الأجيال الناشئة، ووسيلة ترفه عن الناس وتنسيهم المعاناة والصعوبات التي يواجهونها في حياتهم اليومية.
وقد عهدت القبائل البدائية بتلك المهام إلى الأفراد. فقام بعضهم بوظيفة الحراسة يحيطون القبيلة علماً بالأخطار المحيطة والفرص المتاحة، أو عند اقتراب قبيلة معادية من القبيلة، للاستعداد للدفاع عن الأرواح والأملاك، أو عند اقتراب قطيع من الحيوانات التي يمكن أن يصطادوا بعضها للطعام والزاد، فيكون هؤلاء الأفراد القائمون برصد الحياة من حول الجماعة أشبه بمراكز الإنذار المبكر، في حالتي الخطر والأمان.
كما وعهدت القبيلة إلى بعض الأفراد " مجلس القبيلة " بسلطة اتخاذ القرارات عن احتياجات وأهداف وسياسات القبيلة الداخلية والخارجية، والتأكد من أن تلك القرارات ستنفذ. وكان لابد من وجود رسل يحملون الأوامر والمعلومات من مجلس القبيلة إلى أفراد القبيلة، أو نقل الرسائل والمعلومات إلى القبائل المجاورة. وكفلت القبيلة لنفسها وسيلة تساعدها على الاحتفاظ بحكمتها وتراثها الثقافي للأجيال القادمة، ووسيلة وأسلوباً لنقل ذلك التراث الثقافي والحكمة إلى الأجيال الصاعدة، فقام الآباء والشيوخ بتعليم الجيل الصاعد، أو الأعضاء الجدد في القبيلة عادات القبيلة وتقاليدها. وعلمت الأمهات بناتهن طريقة إعداد الطعام، وحياكة الملابس، علم الآباء أبناءهم فنون الحرب والصيد والقنص. وتولى الرواة الذين يحكون الحكايات والقصص عن أمجاد الآباء والأجداد وما سلف من تاريخ القبيلة وظيفة الترفيه، وأسندوا للمغنين مهمة إنشاد الأغاني المحببة، والراقصين أداء الرقصات الدينية والفلكلورية في المناسبات المختلفة. (8)
وبالطبع لم تكن تلك هي جميع مهام الإعلام والاتصال في القبيلة القديمة، ولكنها كانت أهمها. ومن الغريب أن تلك المهام هي نفس مهام الإعلام والاتصال في المجتمع الحديث، ولكن بفارق أن تلك المهام تؤدى اليوم بشكل جماهيري واسع جداً، وبأساليب وتقنيات حديثة متطورة بعيدة المدى أحاطت بالكرة الأرضية برمتها وتعدتها إلى الفضاء الكوني. ومع ذلك فنحن مازلنا في حاجة إلى معلومات عن الظروف المحيطة بنا تصلنا بسرعة فائقة ودقة كبيرة عن طريق وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي باتت تستخدم أحدث وسائل الاتصال المزودة بأحدث المعدات الإلكترونية والتجهيزات المتطورة. تلك المعلومات التي تساعدنا على اتخاذ القرارات ونشرها. أي أن مهام الاتصال التي وجدت في المجتمعات القديمة هي نفسها الموجودة من حيث المبدأ في المجتمعات الحديثة، والفارق الوحيد أنها أصبحت متعددة ومتشعبة وأكثر دقة اليوم بفضل وسائل الاتصال الحديثة المتطورة التي لم تكن معروفة من قبل. وأصبحت الدولة حالياً تشارك عن طريق ممثليها في التأثير على الحياة الاجتماعية في الداخل والخارج من خلال سياساتها الداخلية والخارجية، وأصبحت المصالح العليا للدولة تؤثر في عملية اتخاذ القرارات على الصعيدين الداخلي والخارجي.
ودخلت وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية القرية والمدينة والتجمعات السكانية أينما كانت، لتصبح نظاماً مفتوحاً أمام قوى التغيير التي تأتي من الداخل ومن الخارج، ومعنى هذا أن الوظائف القديمة للإعلام اختلفت في درجتها وحجمها فقط وليس في نوعها. ولكن لماذا كل هذا الاهتمام بوسائل الإعلام الجماهيرية؟ والجواب أن تلك الوسائل أصبحت تصل إلى جمهور واسع غفير. ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي كانت يوماً ما تصل إلى جمهور محدود وبتأثير محدد، أصبحت اليوم تصل إلى سكان العالم أجمع تقريباً، وتؤثر على آراء الناس وتصرفاتهم وأسلوب حياتهم. فالصحيفة والمجلة والكتاب الذي كان يقرؤه في الماضي عدد محدد من الأفراد، يقرؤه اليوم ملايين البشر، مطبوعاً أم منقولاً عبر البريد الإلكتروني عبر شبكات الكمبيوتر المتطورة. والبرنامج الإذاعي الذي كان يسمعه الناس في دائرة محدودة أصبحت تسمعه الملايين من البشر في مناطق متباعدة من العالم، والبرنامج الإذاعي المرئي الذي كان حكراً على منطقة جغرافية محدودة أصبح اليوم في متناول المشاهد في قارات العالم. والبريد الإلكتروني والفاكس والتلكس حلت مكان المبرقات التلغرافية القديمة، مما جعل الناس يؤمنون بأن تلك الوسائل قادرة على التأثير على المجتمع وتغييره بشكل أساسي ليس على الصعيد المحلي وحسب، بل وعلى صعيد العالم برمته. وبرز كإعلام دولي له مكانته وتأثيره ووظائفه. (9)
وكما كان للإعلام الدولي دوافعه المحددة، كما أشرنا سابقاً، فله وظائف محددة أيضاً يؤديها تنفيذاً للدور الذي تفرده له السياسة الخارجية للدولة، وهي:
1- الاتصال بالأفراد والشرائح الاجتماعية والجماعات والكتل السياسية والمنظمات داخل الدولة التي يمارس نشاطاته الإعلامية داخلها. وتتمثل بالحوار مع القوى المؤثرة في اتخاذ القرار السياسي من شخصيات وأحزاب وكتل برلمانية، سواء أكانت في السلطة أم في المعارضة على السواء، للوصول إلى الحد الأقصى من الفاعلية التي تخدم السياسة الخارجية لبلاده. وتخضع عملية الاتصال هذه عادة لمعطيات هامة من حيث المواقف من القضايا المطروحة قيد الحوار ومواقف السلطة والمعارضة منها والخط السياسي الرسمي للدولة حيالها. وتتراوح هذه المواقف عادة مابين المؤيد التام، والمؤيد، والحياد التام، والحياد، والمعارضة التامة، والمعارضة، والعداء التام، والعداوة. ولهذا كان لابد من التحديد الدقيق للموقف السياسي للدولة، والمواقف الأخرى، للعمل على كسب التأييد اللازم لصالح القضايا المطروحة للنقاش، والعمل على زحزحة المواقف السياسية المعلنة للدولة، لصالح تلك القضايا. أو خلق مناخ ملائم للحوار الإيجابي على الأقل. كما ويجب الأخذ بعين الاعتبار أيضاً طبيعة النظام السياسي السائد في تلك الدولة، ومدى ديمقراطية هذا النظام، وطرق اتخاذ القرارات السياسية في ظل النظام السياسي القائم، ومدى المشاركة الفعلية لكل القوى السياسية الموجودة في اتخاذ تلك القرارات.
لأن الاتصال بالجماهير الشعبية في أي دولة يتم من خلال تلك القوى التي تمثل النخبة المؤثرة، أولاً : بين أصحاب الحق باتخاذ القرارات، وثانياً: على الجماهير الشعبية، التي هي بمثابة قوة ضاغطة على أصحاب حق اتخاذ القرار. ومن هنا نفهم مدى أهمية إلمام خبراء الإعلام، المخططين للحملات الإعلامية الدولية، بالنظم السياسية للبلدان المستهدفة والقوى المؤثرة فيها سلطة أم معارضة، ودور كل من تلك القوى في اتخاذ القرارات. لاستخدامها في التخطيط للحملات الإعلامية المؤيدة أو المضادة، آخذين بعين الاعتبار الحقائق الاجتماعية والثقافية التي تساعد على نجاح الحملات الإعلامية الدولية.
2- الاتصال المباشر بالجماهير الشعبية، عن طريق وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية ومن خلال النشرات الإعلامية، والمؤتمرات الصحفية، والمقالات، والبرامج الإذاعية المسموعة والمرئية، والعروض السينمائية والمسرحية، وأفلام الفيديو، والمعارض الإعلامية، وتشجيع السياحة وتبادل الزيارات، وغيرها من الوسائل التي تتيح أكبر قدر ممكن من الصلات المباشرة مع الجماهير، للوصول إلى تأثير إعلامي أفضل وأكثر فاعلية. وتأخذ بعض الدول لتحقيق سياستها الخارجية أسلوب مخاطبة الجماعات المؤثرة فقط، توفيراً للنفقات التي تترتب من جراء استخدام أسلوب الاتصال بالجماهير الشعبية العريضة، وتوفيراً للوقت الذي يستغرق مدة أطول من الوقت اللازم عند مخاطبة قطاعات وشرائح اجتماعية متباينة من حيث المصالح والتطلعات، ومستوى التعليم، والثقافة، والاتجاه الفكري. ومزاجية تلك الجماهير العريضة في متابعة القضايا المطروحة، المحصورة في بوتقة اهتمامات شريحة اجتماعية معينة فقط. ولأن أسلوب الاتصال الفعال بالجماهير الشعبية يحتاج أيضاً لإمكانيات كبيرة ووسائل متعددة، تفتقر إليها الدول الفقيرة والنامية بينما نراها متوفرة لدى الدول الغنية القادرة من حيث الإمكانيات المادية والتقنية والخبرات الإعلامية، من استخدام الأسلوبين في آن معاً.
3- كما ويمثل الإعلام الدولي الدولة أو المنظمة التي ينتمي إليها، سواء أكانت محلية أم إقليمية أم دولية أم متخصصة أم تجارية. كمكاتب الأمم المتحدة ومؤسساتها المتخصصة في العديد من دول العالم، ومكاتب منظمة الوحدة الإفريقية، والجامعة العربية، والأوبك، والسوق الأوربية المشتركة، وغيرها من المنظمات الدولية والإقليمية.
ونحن عندما نرى اليوم الدول الغنية تستخدم كل تقنيات وسائل الاتصال الحديثة في خدمة حملاتها الإعلامية الدولية، ومن أبسط صورها قنوات الإذاعة المرئية الفضائية، بعد انتشار استعمال هوائيات استقبال البث الإذاعي المرئي عن طريق الأقمار الصناعية في المنازل. وشيوع استخدام شبكات الكمبيوتر حتى من قبل الأفراد، ومن أهم هذه الشبكات، شبكة الكمبيوتر العالمية " إنترنيت " التي تملكها وتديرها الولايات المتحدة الأمريكية، دون منافسة تذكر حتى الآن. بينما نرى الدول النامية تتخبط بمشاكلها الإعلامية، وتعاني من الآثار المترتبة عن التطور التكنولوجي الحديث، والخلل الفاحش في التدفق الإعلامي الدولي أحادي الجانب والتوجه والتأثير. (10)
1/6- مشاكل الصحافة الدولية: رغم الجهود الحثيثة التي بذلتها وتبذلها الدول النامية والفقيرة حتى اليوم، للخروج من المأزق الإعلامي التي تعاني منه، نراها تتخبط بمشاكلها الإعلامية التي تزداد تشعباً وتعقيداً كل يوم بسبب التطور العلمي والتكنولوجي الهائل في ميدان وسائل الاتصال الحديثة، ووسائل الإعلام الجماهيرية حتى على الصعيد الوطني، ومن أهم هذه المشاكل: 1- الخلط بين الوظيفة الإعلامية الدولية، والوظيفة الإعلامية الإقليمية، والوظيفة الإعلامية المحلية، ومتطلبات كل من تلك الوظائف وخصائصها المتميزة. 2- الخلط بين السياسات الداخلية والإقليمية والخارجية للدولة عند التخطيط للحملات الإعلامية الدولية، والارتباك في تحديد الأولويات. 3- ضعف أجهزة وتقنيات المؤسسات الإعلامية الوطنية، وافتقارها للمعدات والتجهيزات المتطورة، والإمكانيات المالية اللازمة للحملات الإعلامية الدولية، أو استخدامها للإعتمادات المالية المتاحة بشكل سيء، أو بشكل غير فعال في الأغراض المطلوبة، إضافة لسطحية المساعدات الخارجية التي تحصل عليها تلك الدول من الدول الغنية، والمنظمات الدولية المختصة. 4- النقص الفاضح في الكوادر الإعلامية المتخصصة بالإعلام المحلي أو الدولي، وندرة أصحاب التخصص الأكاديمي بينهم، مما يؤدي إلى: 5- اختيار كوادر غير كفوءة للعمل الإعلامي الدولي، لاعتبارات سياسية في أكثر الأحيان، وهذا بدوره يؤدي إلى: آ- غياب التنسيق بين المخطط والمنفذ وأجهزة المتابعة، في الحملات الإعلامية الدولية. ب- ضعف الإلمام بخصائص الجمهور الإعلامي الأجنبي، وعدم وضع أسلوب إعلامي منطقي ملائم ومتطور قادر على إيصال مضمون الرسالة الإعلامية للجمهور المستهدف من الحملة الإعلامية الدولية. ج- غياب التعاون وحتى التنسيق بين المؤسسات الإعلامية، ومؤسسات التعليم العالي المتخصص ومؤسسات البحث العلمي، فيما يخص إعداد الكوادر الإعلامية الوطنية والبحوث العلمية التطبيقية، وخاصة فيما يتعلق بدراسة راجع الصدى الإعلامي وتأثير المادة الإعلامية، وفاعلية الخطط الإعلامية. والاكتفاء بالبحوث النظرية البحتة التي تتناول الجوانب الوصفية والتاريخية فقط، مبتعدة عن الدراسات التي تتناول جوهر التخطيط، وتحليل مضمون الرسالة الإعلامية، وتقدير راجع الصدى الإعلامي المخطط له وراجع الصدى الفعلي للمادة والوسيلة الإعلامية.
1/7- الصحافة الدولية والصراعات الدولية: يعاني عالم اليوم من صراعات سياسية ومنازعات عسكرية عديدة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي مازالت تهدد الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم منذ أكثر من نصف قرن وأدت إلى عدة حروب مدمرة منذ قيام دولة إسرائيل بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 181 عام 1947 الذي قضى بإنشاء دولتين عربية وعبرية على أرض فلسطين، التي كانت آنذاك تحت الانتداب البريطاني، وبدأت هذه الحروب بالحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام 1948 وانتهت باحتلال إسرائيل لقسم من الأراضي المخصصة للدولة العربية في فلسطين وإعلان الهدنة، التي استمرت حتى العدوان الثلاثي الإنكليزي الفرنسي الإسرائيلي على مصر عام 1956 وانتهى بانسحاب القوات المعتدية من الأراضي المصرية المحتلة، ثم العدوان الإسرائيلي على مصر والأردن وسورية عام 1967 الذي انتهى باحتلال الجيش الإسرائيلي لشبه جزيرة سيناء المصرية وقطاع غزة الفلسطيني الذي كان تحت الإدارة المصرية آنذاك، وكامل الضفة الغربية لنهر الأردن الفلسطينية والخاضعة آنذاك للإدارة الأردنية، وهضبة الجولان السورية بعد إعلان وقف إطلاق النار. والحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 التي خاضتها مصر وسورية مدعومة من بعض جيوش الدول العربية لتحرير الأراضي العربية من الاحتلال الإسرائيلي، وانتهت باحتلال إسرائيل لمزيد من الأراضي المصرية والسورية. لتعقبها المعركة السياسية من أجل تحقيق السلام في الشرق الأوسط، والتي تكللت بتوقيع أول معاهدة سلام بين إسرائيل والعرب، وهي المعاهدة الإسرائيلية المصرية المعروفة بمعاهدة كمب ديفيد، التي صمدت رغم الاجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية عام 1982 واحتلالها المستمر لجزء من أراضيه. وبدأت عام 1991 المسيرة السلمية الشاملة في الشرق الأوسط عندما انعقد مؤتمر مدريد الدولي لحل قضية الشرق الأوسط بمشاركة جميع الأطراف المعنية، وأطراف دولية أخرى برعاية الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وما أعقبها من اتفاقيات سلام بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، ومعاهدة السلام الأردنية إسرائيلية.
ومن بؤر الصراع الخطيرة الأخرى في العالم، الصراع الباكستاني الهندي حول مقاطعة كشمير الحدودية المتنازع عليها بين الطرفين والذي يهدد بالانفجار في أي وقت كان، والحرب الأهلية الدامية والمدمرة في أفغانستان، التي بدأت عام 1979 ضد التدخل العسكري السوفييتي في الشؤون الداخلية لأفغانستان، وتحولها بعد ذلك إلى حرب عرقية ودينية إثر انسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان، تلك الحرب التي تهدد أمن واستقرار الدول المجاورة لها.
إضافة إلى مناطق التوتر الجديدة التي ظهرت بعد انهيار الإتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، كالصراع في قره باغ بين أذربيجان وأرمينيا، والصراع في الشيشان بين روسيا الاتحادية والمطالبين باستقلال جمهورية إشكيريا، والصراع في أبخازيا المطالبة بالاستقلال عن جورجيا، والحرب الأهلية في طاجيكستان، والصراع بين البوسنيين، والصرب، والكروات، فيما كان يعرف سابقاً بيوغسلافيا الاتحادية، والوضع الشاذ في ألبانيا عندما انهارت وبسهولة، أجهزة وبنا الدولة العسكرية والسياسية. والصراعات الكامنة الأخرى بين الكوريتين الشمالية والجنوبية، والحرب الأهلية في الصومال وجنوب السودان، والوضع المتوتر في منطقة الخليج العربي، وغيرها من بؤر التوتر الكثيرة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهي بمعظمها من التركة الثقيلة للاستعمار الأوروبي الطويل في تلك المناطق.
وقد بينت السوابق التاريخية أن لكل صراع أبعاداً داخلية، وأبعاداً إقليمية، وأبعاداً دولية، وعناصر قوى يجب مراعاة التفاعل بينها، وتأثير هذا التفاعل على تطور الصراع بشكل عام، بقصد التعامل مع هذا الصراع ومعالجته بالشكل المناسب، وهذا لا يمنع وجود عناصر مشتركة بين الصراعات المختلفة، يمكن أن الاستفادة منها عند معالجة أو التعامل مع تلك الصراعات. (11)
وتعتمد النتائج النهائية لأي صراع من الصراعات، على عناصر القوى المتوفرة لدى كل طرف من أطرافه، وتضم هذه العناصر القوى العسكرية، والمعلوماتية، والتكنولوجية، والإمكانيات الاقتصادية، والسياسية، والبشرية، والحالة المعنوية للقوى البشرية. كما وتعتمد على مسائل أخرى كعنصر المفاجأة، وتطوير الإستراتيجية والتكتيك، واللجوء إلى أساليب جديدة غير معروفة من قبل، مما تجعل عملية التنبؤ بنتائج الصراع صعبة جداً، وفي بعض الأحيان غير مجدية. إضافة للإمكانيات الذاتية للأشخاص القائمين على إدارة الصراع، ومدى توفر المعلومات لديهم، والتقنيات والأدوات الحديثة التي يستخدمونها في الصراع. فصانع القرار في عملية الصراع يبني قراره على معطيات ملموسة أولاً، وعناصر غير ملموسة تشمل الخصائص النفسية والحالة المعنوية للخصم ثانياً.
وتقتضي معالجة الصراع الاعتماد على العقلانية وبعد النظر، واستبعاد العواطف والانفعالات. لأن عملية معالجة أي صراع هي عملية معقدة وشاقة، ونابعة أساساً من عناصر القوى المشاركة فعلاً في الصراع من الجانبين، ومبنية على الحسابات الدقيقة والخطط الموضوعة، والمستخدمة فعلاً من قبل طرفي الصراع. وتتنوع أدوات الصراع، عندما تقتضي ظروف الصراع اللجوء إلى القوة العسكرية تارة، وإلى القوة الاقتصادية تارة أخرى، أو إلى العمل السياسي والدبلوماسية الهادئة في حالات أخرى، أو قد يلجأ الجانبان المتصارعان إلى استخدام القوة العسكرية، والاقتصادية، والسياسية، والدبلوماسية في آن معاً، مستخدمين المرونة في تكتيك إدارة الصراع وفقاً لطبيعة الظروف المتبدلة محلياً وإقليمياً ودولياً.
ويبقى دور وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في عملية الصراع متمثلاً بتعبئة الرأي العام المحلي والعالمي حول وجهة النظر الرسمية للدولة من الصراع الدائر، وشرحها، وتغطية أخبار أهم أحداثها تباعاً. وشرح وتحليل أبعاد هذا الصراع وأسبابه، مع مراعاة أن يأخذ خبراء الإعلام والصحفيون بعين الاعتبار، خصائص الجمهور الإعلامي المخاطب ثقافياً وسياسياً وتاريخياً، ومدى تعاطفه مع وجهة النظر الرسمية للدولة المعنية في هذا الصراع، واختيار اللغة المناسبة للرسالة الإعلامية لتصل إلى أقصى حد ممكن من التأثير والفاعلية. لأن سلاح الإعلام في أي صراع كان لا يقل أهمية عن القوة العسكرية والاقتصادية، وهو الوسيلة الناجعة لرفع معنويات القوى البشرية في الدولة المعنية، وتحطيم الروح المعنوية للخصم في الصراع الدائر، والإعلام الناجح هو السند القوي في الكفاح على الجبهة السياسية والعمل الدبلوماسي الهادئ والرصين والمنطقي.
الفصل الثاني: التبادل الإعلامي الدولي في إطار العلاقات الدولية.
2/1- الصحافة الدولية في إطار السياسة الخارجية للدولة: للصحافة الدولية جوانب مختلفة في إطار العلاقات الدولية، من خلال اضطلاعها بدورها ضمن إطار السياسة الخارجية للدولة. ويمكن القول بأن السياسة الخارجية لأي دولة هي نتاج لعدة عوامل مشتركة، داخلية وإقليمية ودولية. وتتناول العوامل الداخلية التراث الثقافي والتاريخي والفكري، والأوضاع الاجتماعية والسكانية، والإمكانيات الاقتصادية والعسكرية، إضافة للتركيبة السياسية.(12)
وترتبط العوامل الإقليمية، بالنظام الإقليمي السائد في الإقليم الذي تنتمي إليه هذه الدولة، ومدى تأثر السياسة الخارجية للدولة بهذا النظام، وتفاعل عناصر القوى داخل الإقليم، وعلاقة النظام الإقليمي بالنظام العالمي. كإقليم جنوب شرق آسيا، وآسيا المركزية، والعالم العربي، وحوض البحر الأبيض المتوسط، وحوض الكاريبي، وغيرها من الأقاليم. أما العوامل القارية فترتبط بتفاعل عناصر القوى على مستوى القارة بكاملها، والأنظمة السائدة فيها وإمكانية تأثيرها على السياسة الدولية كما هي الحال في الإتحاد الأوروبي ومنظمة الوحدة الإفريقية مثلاً.
وتتناول العوامل الدولية، النظام الدولي وخصائصه، وتطوره وأبعاده، والعلاقة بين الدول الكبيرة والدول الصغيرة، والدول الغنية والدول الفقيرة، وعناصر قوى الأطراف المختلفة ومدى تأثيرها على السياسات الخارجية لدول العالم. واعتماداً على كل تلك الحقائق يتم رسم وتشكيل السياسة الخارجية للدولة من قبل أجهزة رسم السياسة الخارجية للدولة، وكثيراً ما تكون هناك مؤسسات رسمية وأخرى غير رسمية، وكثيراً ما يفوق دور المؤسسات غير الرسمية على دور المؤسسات الرسمية، وإن كان ذلك يختلف باختلاف النظم السياسية ودرجة التطور في مختلف أنحاء العالم.
ويلاحظ أن السياسة الخارجية الحديثة، لم تعد تعتمد على فرد، بل أصبحت تعتمد على فريق عمل متكامل، مزود بأحدث تقنيات الاتصال والمتابعة التي تمكنه من الوقوف على تطور الأحداث فور وقوعها، مما أفسح المجال لصاحب القرار في مجال السياسة الخارجية، ليعتمد على فريق عمل من المستشارين المتخصصين في تخصصات متنوعة، فتعرض عليهم الموضوعات التي تدخل ضمن إطار تخصصاتهم، وفي بعض الأحيان يعرض الموضوع الواحد على أكثر من مستشار بتخصصات متعددة لها علاقة بالموضوع قيد البحث، وبناءً على ذلك توضع عدة بدائل تعالج موضوع واحد مع شرح للمساوئ والمحاسن التي ترجح كل بديل عن غيره، تاركين القرار لصاحب الحق في اتخاذ القرار في مجال السياسة الخارجية للدولة.
ورغم اعتماد السياسة الخارجية للدولة على الدراسة والأساليب والمناهج العلمية الحديثة المتطورة والمنطقية في اتخاذ القرار، إلا أن هذا لا ينفي دور المؤسسات الديمقراطية من برلمان وأحزاب وتجمعات سياسية واستفتاء شعبي، لإضفاء الشرعية على قرار معين في السياسة الخارجية للدولة.
وكثيراً ما تكون هناك سياسة خارجية معلنة للدولة وسياسة فعلية غير معلنة، ولظروف معينة قد تختلف السياسة المعلنة عن السياسة الفعلية غير المعلنة، وقد يعلن عن السياسة الفعلية بعد زوال الظروف التي حالت دون إعلانها.
وتدخل السياسة الخارجية للدولة حيز التنفيذ فور اعتمادها، بإتباع كل الوسائل المتاحة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وإعلامياً واجتماعياً وثقافياً، ويدخل في إطار الوسائل السياسية التمثيل الدبلوماسي المعتمد، والمقابلات والزيارات الرسمية، والمعاهدات، ودبلوماسية القمة التي يلجأ إليها في المسائل الملحة والهامة والمصيرية. ويساعد على ذلك اليوم التطور الهائل في وسائل المواصلات والاتصالات التي قصرت المسافات بين الدول، ووفرت الوقت والجهد. فانتقال صورة وثيقة رسمية عبر الأقمار الصناعية من جهاز فاكس موضوع في كندا إلى جهاز مماثل له موضوع في آسيا المركزية مثلاً يستغرق دقائق لا أكثر، وعبر شبكات الحاسب الآلي ثوان لا أكثر مع إمكانية تخزين وتعديل واسترجاع وطباعة المعلومات المرسلة والمستقبلة عبر شبكات الحاسب الآلي والبريد الإلكتروني مرات ومرات.
ومن الوسائل المتبعة في تنفيذ السياسة الخارجية للدولة، اتفاقيات التعاون الاقتصادي والمالي، وتنمية العلاقات الاقتصادية والتجارة الخارجية، وتقديم الهبات والمساعدات والقروض، وإقامة المشروعات الاقتصادية المشتركة، وإرسال الخبراء الاقتصاديين. وهو ما يسمى بدبلوماسية المساعدات الاقتصادية لتحقيق أغراض سياسية معينة. وهنا أيضاً يبرز دور شبكة الإنترنيت العالمية، بعد أن تطور مفهوم التجارة الالكترونية، وظهور هذا المصطلح في قاموس التجارة الخارجية، في نفس الوقت مع التقدم الهائل في تكنولوجيا الاتصال، وما رافقها من تطورات هامة تؤثر على عمليات التبادل الإعلامي الدولي، والتبادل التجاري وتبادل السلع والخدمات بين الدول المختلفة. وينطوي مفهوم التجارة الالكترونية على أي نوع من أشكال التعاملات التجارية التي تتم الكترونياً عبر شبكة المعلومات الدولية (انترنيت) وتتم هذه التعاملات بين الشركات بعضها البعض، أو بين الشركات وعملائها، أو بين الشركات والإدارات المحلية.
وبهذا يمكن للتجارة الالكترونية أن تقوم بوظائف عديدة في عمليات التبادل التجاري الدولي. من بينها الإعلان والتسويق والمفاوضات وتسوية المدفوعات والحسابات، ومنح الامتيازات والتراخيص، وإعطاء أوامر البيع والشراء. ولهذا بدأت الشركات الكبرى في العالم تأسيس مواقع خاصة لها على شبكة الانترنيت، التي بدأ يتزايد عدد مستخدميها ليصل إلى أكثر من خمسين مليون مشترك من كافة أنحاء العالم. وتشير الإحصائيات إلى أن حوالي 20 % من حجم الصفقات التجارية في الولايات المتحدة الأمريكية، وحوالي 10 % منها في أوروبا يتم من خلال التجارة الالكترونية. ويتوقع أن تزيد هذه النسبة في الفترة المقبلة. هذا وتتيح التجارة الالكترونية العديد من المزايا من شأنها تسهيل عمليات التبادل الإعلامي الدولي، وإتاحة المزيد من الاختيارات أمام المستهلك، وتخفيض الوقت والتكلفة لكل من المستهلك والمنتج، واتساع دائرة التسويق من السوق المحلي إلى السوق العالمي، وسهولة النفاذ إلى الأسواق الجديدة.
وتؤدي هذه المزايا التي تتمتع بها التجارة الالكترونية إلى تغييرات جوهرية في طبيعة وأساليب قيام عملية التبادل الإعلامي الدولي لأنها تعمل على تحقيق ثلاثة عناصر رئيسية تتمثل في الكفاءة من خلال تخفيض التكاليف في مراحل عديدة من بينها تكلفة الإعلان والتصميم والتصنيع، والفعالية من خلال توسيع نطاق السوق وتلبية احتياجات المستهلك، والابتكار وتحسين نوعية المنتج وذلك في ظل المنافسة الشديدة وتوافر المعلومات.(13)
أما الوسائل العسكرية في تنفيذ السياسة الخارجية للدولة، فتكون بالتهديد أو التلويح باستخدامها، أو استخدامها الكلي أو المحدود في بعض الأحيان، وسياسة تقديم المساعدات العسكرية، وإمدادات العتاد والسلاح بأنواعه المختلفة لتحقيق أهداف سياسية معينة. واتفاقيات التعاون العسكري، والدخول في عضوية الأحلاف العسكرية. وتبادل المعلومات لاستخدامها في حرب المعلومات في ظل الثورة التكنولوجية، التي أحدثتها تكنولوجيا الاتصال.
غير أن التحليل الدقيق لمفهوم الثورة التكنولوجية يظهر أن ظاهرة حرب المعلومات ليست قاصرة على الجوانب التقنية المعقدة لنظم الاتصال والحاسب الآلي الحديثة المستخدمة في إدارة العمليات الحربية، بل تتعدى ذلك لتشمل طبيعة الحرب نفسها مع قدوم عصر المعلومات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي أفرزها. فقد واكب الاهتمام المتزايد بحرب المعلومات داخل أروقة البنتاغون الأمريكي إدراكاً متنامياً في أوساط المفكرين ورجال الأعمال بمدى عمق التحولات التي تشهدها مجالات السياسة والاقتصاد وأنماط التفاعل الاجتماعي، والتي تتمثل في السمة المشتركة بينها في زيادة الاعتماد على جمع وتحليل كم هائل من المعلومات للتعامل مع درجة التعقيد التي وصلت إليها البيئة الإنسانية والتكنولوجية في نهاية القرن العشرين، والتي بلا شك ستكون السمة الغالبة التي ستميز القرن القادم.
هذا الاتجاه نحو التعقيد استمر في التأثير على حركة التطور إلى أن أصبحت وظيفة تحليل المعلومات تفوق في أهميتها الوظائف التقليدية التي ميزت العصر الصناعي. وهي ظاهرة برزت بوضوح في تحول اقتصادات بأكملها من نمط صناعي يعتمد على الإنتاج الشامل إلى اقتصاد المعلومات تدار فيه عمليات الإنتاج والتجارة عن طريق شبكات الاتصال وتبادل وتحليل المعلومات إلكترونياً.(14)
وتشتمل الجوانب الإعلامية والثقافية والعلمية والاجتماعية في إطار تنفيذ السياسة الخارجية للدولة، إضافة لاتفاقيات التعاون المشترك، على تبادل المواد الإعلامية والأفلام التسجيلية وأفلام الفيديو والكتب والمعارض، وتدعيم التعاون بين المؤسسات الإعلامية والاجتماعية والثقافية والتعليمية ومراكز البحث العلمي، وتبادل المنح الدراسية، وتشجيع الدبلوماسية الشعبية وتبادل الزيارات والوفود والمجموعات السياحية.
ويعد التبادل الإعلامي الدولي من الوسائل الفعالة لتنفيذ السياسة الخارجية للدولة، يمارسها الجميع من رئيس الدولة إلى أصغر المناصب الإدارية في الدولة كل في اختصاصه. ووسائل الإعلام الجماهيرية الموجهة للخارج تسعى لتحقيق أهداف السياسة الخارجية للدولة من خلال المؤسسات الإعلامية المختصة بالإعلام الخارجي، كما وتقوم البعثات الدبلوماسية المعتمدة، بوظيفة إعلامية بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال إصدارها للنشرات الإعلامية، أو ما تتناقله وكالات الأنباء العالمية من تصريحات، أو ما تنشره الإذاعات المسموعة والمرئية والصحف والمجلات واسعة الانتشار، التي أصبحت بمتناول الجميع بسبب التطور العلمي والتقني الهائل الذي حدث خلال التسعينات من القرن العشرين، الذي سمح باستقبال البث الإذاعي المرئي عبر الأقمار الصناعية، ومطالعة الصحف من خلال شبكات الكمبيوتر وخاصة شبكة الإنترنيت العالمية. ومن لا يعرف اليوم وكالات الأنباء العالمية ومحطات الإذاعة المسموعة والمرئية العالمية الأمريكية والفرنسية والبريطانية، الموجهة إلى جميع دول العالم تقريباً وبأكثر اللغات العالمية انتشاراً، كالإنكليزية، والفرنسية، والإسبانية، والعربية، والصينية، والروسية، والبرتغالية، والفارسية، والتركية، والألمانية، وغيرها من اللغات الحية.
والتبادل الإعلامي الدولي يعكس أساساً الأوضاع القائمة من ثقافية وعلمية وسياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية، ولكن لا يمكن هنا التقليل من أهمية وإمكانيات الإعلام الموجه، وتأثيره وفعاليته من خلال التخطيط المحكم للحملات الإعلامية، وتكتيكات وأساليب عمله، ومتابعته ورصده للإحداث وشرحها وتحليلها، ومراعاته لخصائص المستقبل المحلي والأجنبي للرسائل والمواد الإعلامية.
ويتمتع الإعلام الدولي بأهمية خاصة كوسيلة من وسائل تنفيذ السياسة الخارجية للدول الكبرى والغنية، تتناسب وحجم مصالح هذه الدول على الصعيد الدولي، وتعاظم دورها وتأثيرها في السياسة على الساحة الدولية، فهي تعمل من خلال وسائل الإعلام المتطورة التي تملكها، وتوجهها إلى تحقيق أهداف سياستها الخارجية وحماية مصالحها في الخارج.
ومن نظرة موضوعية في الوظيفة الإعلامية، فإننا لا نستطيع الفصل بين الإعلام الداخلي والإعلام الخارجي، لأنهما عملياً يكملان عملا واحداً يخدم سياسة الدولة ويدعم مواقفها على الصعيدين الداخلي والخارجي. وتخطئ الدولة التي تدعم الإعلام الداخلي على حساب الإعلام الخارجي، أو بالعكس، لأن هذا يضر بمصالح هذه الدولة على الصعيد العالمي ويفسح المجال واسعاً أمام وكالات الأنباء ووسائل الإعلام العالمية، للإضرار بسياسة تلك الدولة وتشويه سمعتها أمام الرأي العام المحلي والعالمي، أو الإقلال من أهميتها في المجتمع الدولي، أو على الأقل التعريف بتلك الدولة من خلال وجهات نظر تلك الوكالات والوسائل الإعلامية الأجنبية التي لا تتطابق والمصالح القومية للدولة المعنية، حتى وعلى الصعيد الداخلي في تلك الدولة بعد انهيار الحواجز الجغرافية واللغوية والزمنية أمام وسائل الاتصال الحديثة والمتطورة.
وكلما أمسكت وسائل الإعلام الوطنية الموجهة للخارج بزمام المبادرة، والسرعة في الحركة، وتمشت مع التطور العلمي والتقني. كلما كانت أكثر فاعلية وتأثيراً وخدمة لأهداف السياسة الخارجية للدولة. ولكن هذا يخضع لعدة مؤثرات أخرى يدخل ضمنها الإعلام المضاد، والخلفية الثقافية للمستقبل الأجنبي، التي تحدد مدى راجع صدى المادة الإعلامية الموجهة للمستقبل الأجنبي.
وطبيعي أن أية حملة إعلامية مهما بلغت من الدقة في الإعداد والتوجيه لتحقيق أهداف معينة، فإنها قد تحقق جزءاً من تلك الأهداف أو كلها حسب ظروف المستقبل الأجنبي ومدى تعاطفه وردة فعله على مضمون المادة الإعلامية لأن الإنسان بحد ذاته يشكل جملة أحاسيس ومشاعر ومعتقدات وأفكار، وليس آلة يمكن توجيهها حيث يشاء صاحب المادة الإعلامية الموجهة، وتتحكم بردة فعله من المادة الإعلامية جملة مؤثرات داخلية وخارجية، على الخبير الإعلامي السعي لمعرفتها والاستجابة لها، عند الإعداد لأية حملة إعلامية أو عند إعداد أية مادة إعلامية موجهة للمتلقي الأجنبي.
ومن العوامل الأخرى التي تحد من فعالية وتأثير الإعلام الوطني الموجه للخارج، التأخر في نشر المادة الإعلامية، أو نشرها بعد فوات الأوان، أو مواجهته لإعلام مضاد قوي يستند على حقائق تاريخية وثقافية ولغوية، ومنطق إعلامي مقبول لدى المستقبل الأجنبي، من المنطق الذي تخاطبه به وسائل الإعلام الوطنية الموجهة للخارج. إضافة للإمكانيات المادية الكبيرة التي يحتاجها نجاح الإعلام الخارجي الموجه في الدول الصغيرة والفقيرة، مما يجعلها عاجزة أمام الإعلام الموجه للدول الكبيرة والمتطورة والغنية، وهو ما يفسر نجاح الحملات الإعلامية لتلك الدول بغض النظر عن الموضوعية والمنطق والحجج التي يلجأ إليها إعلام تلك الدول.(15)
2/2- التبادل الإعلامي الدولي كوظيفة من وظائف المنظمات الدولية: يعد التبادل الإعلامي وظيفة من وظائف المنظمات الدولية، وتختلف هذه الوظيفة باختلاف طبيعة عمل هذه المنظمات وأنشطتها ووظائفها في المجتمع الدولي. كما وتعتبر المداولات الجارية في المؤتمرات واللقاءات الدولية التي تدعو لها هذه المنظمات على مختلف الأصعدة والمستويات، والمواد الإعلامية التي تصدرها من تقارير ومعلومات وكتب ومجلات ونشرات إحصائية وإعلامية وأفلام فيديو ومراسلات إعلاماً دولياً، يجد طريقه للنشر جزئياً أو بالكامل من خلال وسائل الإعلام الجماهيرية للعديد من دول العالم. كما وتستفيد الدول الصغيرة والفقيرة التي لا تملك إعلاماً خارجياً، من منابر هذه المنظمات لتوجيه بيانات ومذكرات تجد طريقها في أكثر الأحيان للنشر في وسائل الإعلام الدولية المختلفة.
ومشاكل التبادل الإعلامي الدولي والاتصال والتدفق الحر للمعلومات، والتعاون السلمي بين الشعوب، كانت من أولى المشاكل التي تصدت لها منظمة الأمم المتحدة منذ تأسيسها، عقب الحرب العالمية الثانية. حيث أصدرت العديد من المبادرات ودعت لانعقاد العديد من المؤتمرات واللقاءات الدولية لبحث مشاكل التبادل الإعلامي الدولي، وأصدرت الكثير من التقارير والوثائق الدولية حول هذا الموضوع.(16)
وكان لمنظمة الأمم المتحدة دوراً كبيراً في تقديم المساعدة للدول الفقيرة لإنشاء وسائل إعلامها الوطنية. وبحثت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة العديد من المسائل التي مازالت تعتبر من المشاكل الرئيسية للتبادل الإعلامي الدولي، منها تعريف حرية الإعلام والحقوق المترتبة عن حرية الإعلام وطرق تنفيذها على الصعيد الدولي، هذه المشكلة المدرجة على جدول أعمال منظمة الأمم المتحدة منذ سنوات قيامها الأولى وتناولت التدفق الحر للإعلام، والتغلب على الحواجز المعيقة للاتصال والتبادل الإعلامي الدولي، ومن ضمنها تحديد موجات الإرسال الإذاعي والتلفزيوني. ووافقت الجمعية العمومية لمنظمة الأمم المتحدة على بعض الاتفاقيات الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية وحرية التعبير، وتنظيم وضع المراسلين الأجانب في البلدان المضيفة، ولاسيما أثناء الأزمات حيث يعتمد وضعهم على حسن نية وتفهم الدول والأفراد.
ويستنكر ميثاق منظمة الأمم المتحدة التحريض على الحرب، والاستعداد النفسي لها، والدعاية لها. ووفقاً لأحكام القانون الدولي: فإن التخطيط للحرب والإعداد لها وإعلانها، جريمة ترتكب ضد البشرية وتهدد السلام العالمي. ويدخل في هذا الإطار الأنشطة الدعائية التي تمهد للعدوان، ونشر الكراهية ضد الشعوب الأخرى، ونشر المعلومات الكاذبة والمشوهة لتبرير نوايا عدوانية مبيتة. وأصدرت الجمعية العمومية لمنظمة الأمم المتحدة قرار في تشرين ثاني/ نوفمبر عام 1974 يدين كافة أشكال الدعاية التي تهدد السلام، ويطالب الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة باتخاذ كل الوسائل الكفيلة بمقاومتها في بلادهم.
وفي إطار الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة تم بحث مشروع النظام الدولي لأخلاقيات العمل الصحفي. وبحثت المشاكل المتعلقة بأخلاقيات الدعاية والإعلان التجاري، " وإذا كانت هذه الوظيفة لا غنى عنها، فإنها تعد عامل إزعاج للمستهلكين، ويراها البعض خطراً على التطور الثقافي للبشرية، ولها مدلولات دولية، وهي قد تعني فرض أساليب وقيم ومعتقدات لدولة معينة على دولة أو دول أخرى، دون الأخذ في الاعتبار مراحل التطور وظروفه، ويلاحظ أنه من المشاكل التي تواجه الدول النامية حالياً، مشكلة الاستهلاك الترفي، والمحاكاة للدول المتقدمة، دون تقدير لظروف وأولويات مراحل التنمية المختلفة ".(17)
كما وتقوم منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم، في إطار تسهيل التبادل الإعلامي الدولي، بتطوير جميع أشكال التعاون الثقافي والعلمي والتربوي والإعلامي، إسهاماً في تعزيز التعاون السلمي بين دول العالم. وقد بحثت الهيئة العامة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (UNESCO) موضوع التدفق الحر للمعلومات، وأصدرت في 4/11/1966 إعلان لمبادئ التعاون الدولي أشار في مادته السابعة إلى ضرورة نشر الأفكار والمعرفة وتبادلها ومناقشتها بحرية من أجل البحث عن الحقيقة والتطور الفردي، والسعي للتعاون الثقافي من أجل تعزيز الصداقة والسلام، ودعى للتعبير عن الرأي وتجنب المواقف العدائية، وعدم نشر أية معلومات قبل التأكد من صدقها.(18) وهذا إن دل على شيء، إنما يدل على وجود خطر تعاني منه الدول الصغيرة والفقيرة، يتمثل في التغلغل الثقافي والسياسي والإعلامي للدول الكبرى في تلك الدول، هذا الخطر الذي قد يتحول إلى تهديد مصيري لتلك الشعوب فيما لو أستغل هذا الخلل في عملية التبادل الإعلامي الدولي وأسيء استعماله لصالح تلك الدول القادرة إعلامياً، والتي تملك مؤسسات ووسائل إعلامية واسعة الانتشار في العالم.
ومنظمة الأمم المتحدة بالإضافة إلى تناولها مشاكل التبادل الإعلامي الدولي بحثاً عن حلول ملائمة لها، فإنها تقوم بوظائف إعلامية محددة، من خلال نشر مطبوعاتها المختلفة باللغات الرسمية المستخدمة في هذه المنظمة على نطاق واسع. كما وأنشأت منظمة الأمم المتحدة مكاتب لها في العديد من دول العالم، وشمل نشاط المكتب الدولة المقر والدول المجاورة لها، وعلى سبيل المثال: مركز منظمة الأمم المتحدة في بانكوك عاصمة تايلاند يشمل نشاطه إضافة إلى تايلاند كمبوديا ولاوس وماليزيا وسنغافورة وفيتنام. ومركز منظمة الأمم المتحدة في القاهرة عاصمة مصر، يشمل نشاطه إضافة لمصر المملكة العربية السعودية واليمن. ومكتب الأمم المتحدة في جينيف عاصمة سويسرا، يشمل نشاطه إضافة لسويسرا إسبانيا والبرتغال والنمسا وبلغاريا وألمانيا وبولندا والمجر.(19)
ومع الوقت تضخمت كميات المعلومات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة، ومنظماتها المتخصصة بشكل أصبح التعامل مع هذه المعلومات صعب رغم استخدام أحدث السبل والتقنيات الحديثة لنشر وحفظ وفهرسة تلك المعلومات، وهو ما يسمى اليوم بالانفجار الإعلامي الدولي. ومن المنظمات الدولية المتخصصة في مجال التبادل الإعلامي الدولي: World Intellectual Property Organization (WIPO) المنظمة العالمية لحماية حقوق التأليف؛ Universal Postal Union (UPU) إتحاد البريد العالمي؛ International Maritime Catelli Organization (INMARSAT) المنظمة العالمية للاتصالات البحرية عبر الأقمار الصناعية؛ Organisation International de Radio diffusion et Te'le' vision (OIRT) المنظمة العالمية للإذاعة والتلفزيون؛ International Telecommunications Satellite Organization (INTELSAT) المنظمة العالمية للاتصالات الإليكترونية عبر الأقمار الصناعية؛ International Telecommunication Union (ITU) المنظمة العالمية للاتصالات الإليكترونية؛ United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization (UNESCO) منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة؛ Organization of Journalists (IOJ) منظمة الصحفيين الدولية.
وتقوم المنظمات الإقليمية بوظائف إعلامية من خلال وسائل إعلامها الخاصة بها، والتي تغطي أخبار مؤتمراتها ونشاطاتها الخاصة، وتشرح وجهة نظرها من القضايا الإقليمية والدولية. ومن هذه المنظمات الإقليمية:(20) Asian and PACIFIC Council (ASPAC) مجلس آسيا والمحيط الهادي؛ Association of South East Asian Nations (ASEAN) رابطة دول جنوب شرق آسيا؛ Caribbean Community (CARICOM) منظمة حوض الكاريبي؛ League of Arab States جامعة الدول العربية؛ Organization of African Unity (OAU) منظمة الوحدة الإفريقية.
ويعتبر التبادل الإعلامي الدولي وظيفة من الوظائف المتعددة للمنظمات الدولية والإقليمية، ويخضع للحدود التي تخضع لها تلك المنظمات الدولية والإقليمية، وتخضع قراراتها وفق أنظمة تلك المنظمات للمداولة تحت ظروف من الضغوط الخارجية، ومصالح أعضائها ومصالح الدول الكبيرة المهيمنة على الساحة الدولية. رغم أن قرارات هذه المنظمات غير ملزمة وفقاً للمبدأ القائل أن المنظمات الدولية ليست فوق الدول ولكنها تشكل إرادة مستمدة من إرادة الدول الأعضاء في تلك المنظمات.
ومهمة التبادل الإعلامي الدولي هي وظيفة من وظائف المنظمات الدولية والإقليمية، وتسهم في تشجيع التعاون السلمي والتفاهم بين الشعوب، ودفع التطور الإنساني ونشر المعرفة لما فيه مصلحة الإنسان والمجتمع، مستخدمة في ذلك كل وسائل وتقنيات الاتصال الحديثة، ووسائل الإعلام الجماهيرية.
2/3- التبادل الإعلامي والتفاهم الدولي: والإطار المثالي للتفاهم الدولي بأتي من خلال التبادل الإعلامي الدولي، عن طريق توخي الموضوعية المجردة، والدقة في إبراز الوقائع التي ترتبط بالصدق، وفي تناول الجوانب المختلفة للموضوع والابتعاد عن التشويه،(21) والسعي نحو الحقيقة، وهو ما يصعب تحقيقه.
وتعتبر هذه الصورة مثالية بحد ذاتها وترتبط في معظم الأحيان بالحديث عن السلام العالمي والتفاهم والتعاون الدولي، ونبذ الصراع بكل أشكاله، واللجوء إلى التفاوض لحل المشاكل والخلافات المحلية والإقليمية والدولية، والسعي لما فيه خير البشرية، والسعي لإقامة سلطة تتعدى سلطة الدول، وهو ما نجده في بعض نصوص القانون الدولي وخاصة عندما توضع في محك التطبيق العملي. كما ونصادفها في كتابات الفلاسفة على مر العصور عندما يتناولون مواضيع التفاهم الدولي والتعاون بين الأمم.
وعلى كل حال فإن العلاقات الدولية والظواهر الاجتماعية المختلفة تتسم بالدينامية وسرعة الحركة والتغيير، وما هو مثالي صعب التحقيق اليوم قد يصبح سهلاً وواقعياً في فترة لاحقة. وما كان مثالياً وضرباً من الخيال قبل انهيار الإتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية التي كان يقودها، أصبح واقعياً بعد انهيارهما السريع والمفاجئ، وانتهاء الحرب الباردة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بين الشرق والغرب.
ومعروف أن العالم يستخدم ما يقرب من 2900 لغة،(22) بالإضافة إلى لهجات محلية منبثقة عن تلك اللغات، وكلها تجعل من عملية التفاهم الدولي مهمة شاقة وصعبة، وباهظة التكاليف المطلوبة للترجمة الفورية والتحريرية، إن كان في المؤتمرات واللقاءات الدولية، أم في وسائل الإعلام الجماهيرية الموجهة للمواطن الأجنبي. ولهذا حاول الإتحاد الدولي للغة الاسبيرانتو لنشر لغة عالمية هي خليط من اللغات الأوربية، وخاصة الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والألمانية، وتدريسها، واستخدامها في العلاقات الدولية، كوسيلة لتحقيق التعاون الثقافي والتقارب بين الشعوب.
ورغم اعتراف منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) بالنتائج التي أمكن تحقيقها بفضل لغة الاسبيرانتو في مجال التبادل الفكري العالمي، وتحقيق التعاون بين الشعوب، ورغم تأييد هذه المحاولة من قبل العديد من رؤساء الدول والوزراء والبرلمانيين، وعلماء اللغة وأعضاء الأكاديميات العلمية والمعاهد وأساتذة الجامعات، والكتاب والفنانين والصحفيين والعلماء، وعدد من الحائزين على جائزة نوبل للسلام، لم تستطع هذه اللغة أن تنتشر بالشكل المطلوب.(23)
في حين تسعى الدول الكبرى إلى نشر لغاتها عالمياً بشتى الأشكال، نتيجة لسياسات القوى في العالم وما ارتبط بها من حركات استعمارية أدت لنشر لغة المستعمِر في أوساط الشعوب المستعمَرة، لتصبح هذه اللغات من أكثر اللغات انتشاراً في العالم. ورغم انحسار الاستعمار خلال النصف الثاني من القرن العشرين، نرى استمرار التراث الاستعماري في الدول المستقلة، وبقاء لغة المستعمر السابق في الدول المستقلة، كضرورة للاستفادة من التقدم العلمي والتقني والثقافي في تلك الدول التي تتحدث بتلك اللغات كلغة أم، واندفاع أبناء الشعوب الأخرى لتعلم لغات الدول الكبرى الأكثر تقدماً في العالم لاستخدامها في الدراسة والإطلاع والبحث العلمي، والتعامل مع وسائل الاتصال المتقدمة والحديثة، وفي العلاقات الدولية والتفاهم بين الشعوب والتبادل الإعلامي الدولي.
ويعد التبادل الإعلامي في كثير من الحالات معوقاً للتفاهم الدولي، عندما لا يلتزم بالموضوعية، ويشوه الوقائع ويبرز وجهة نظر دون أخرى، وكثيراً ما يضع جوانب الموضوع التي تفيده فقط، ويتعمد التشويه خدمة لطرف واحد من أطراف الصراع، مهاجماً أو مواجهاً الطرف الآخر من الصراع الدائر. بطريقة يتم فيها احتكار تفكير الإنسان، وتوجيهه دون إرادة منه، بمفاهيم تحتوي على جانب واحد من الحقيقة، وبتكرارها بصور وأشكال مختلفة يصبح الإنسان مقتنعاً بها، معرضاً عن الجانب الآخر من الحقيقة حتى ولو اطلع عليها بطريقة أو أخرى.
ويفسر ذلك أن التبادل الإعلامي الدولي، بالأساس هو وسيلة من وسائل تنفيذ السياسات الخارجية للدول، وبالتالي فهو يسعى لخدمة هذه السياسات والتفاعل من أجل ذلك مع الوسائل الأخرى لخدمة تلك السياسات، ومن هنا فإن الموضوعية أو عدم تشويه الوقائع أو الكذب، الذي يصاغ بشكل يراعى فيه عدم إمكانية اكتشافه، واستخدامه ببراعة للهجوم على الخصم، من خلال وضع جوانب الموضوع بتكتيك معين يسير في إطار تحقيق أهداف السياسات الخارجية للدول.
ومن هنا نفهم واقع سوء توزيع مصادر الأنباء في العالم، عندما توظف الدول المتقدمة إمكانياتها الاقتصادية، وتقدمها العلمي والتكنولوجي في خدمة سياساتها الخارجية، الأكثر نضجاً من غيرها في الدول الأقل تطوراً، ويبرز الواقع أيضاً أن هذه الدول المتقدمة والغنية، تتحكم بوكالات الأنباء المؤثرة والرئيسية المسيطرة على توزيع الأنباء في العالم، بالإضافة إلى محطات الإذاعة المسموعة والمرئية، وشبكات الكمبيوتر العالمية، والصحف والمجلات المنتشرة على نطاق عالمي، ووسائل الاتصال الحديثة وشبكة الأقمار الصناعية المخصصة للاتصالات ونقل البث الإذاعي المسموع والمرئي، التي مكنت تلك الدول من إيصال واستقبال المعلومات الفورية دون أية حواجز تذكر إلى ومن أية نقطة في العالم.
وجعل التطور العلمي والتكنولوجي في مجال الاتصال، من وسائل الإعلام الجماهيرية سلاحاً خطيراً في أيدي القوى الكبرى والدول المتقدمة والغنية، للتأثير على الرأي العام العالمي وتوجيهه، وخاصة فيما إذا استخدمت وسائل الإعلام الجماهيرية القوية والمسيطرة تلك للتحريض على الحرب وإثارة التعصب الديني والقومي والعنصري، دون الدعوة للسلام والتعاون والتفاهم بين الشعوب، ونبذ أي نوع من التعصب مهما كان نوعه، خدمة للتقدم الإنساني.
2/4- مشاكل التبادل الإعلامي الدولي: آ- المعيقات السياسية لعملية التبادل الإعلامي الدولي: خلال العشرين سنة الأخيرة من القرن العشرين تزايد الدور العالمي لوسائل الإعلام الجماهيرية، واسعة الانتشار دولياً وخاصة برامج الإذاعة المرئية المنقولة عبر الأقمار الصناعية، رغم تباين النظم السياسية والإيديولوجية ودرجات النمو الاقتصادي والثقافي والاجتماعي لدول العالم المختلفة، ورغم عدم التكافؤ الواضح بين القلة القليلة التي تبث السيل الهائل من المعلومات على مدار الساعة يومياً، وبين الغالبية العظمى من دول العالم التي تستقبل ما يرسل إليها، بغض النظر عن وضعها الاقتصادي غنية كانت أم فقيرة، لأن من يصنع ويملك تقنيات وتكنولوجيا الاتصال ويتحكم بصياغة المادة الإعلامية هو المسيطر على عملية التبادل الإعلامي الدولي دون منازع يذكر، ومن عداه فهو مستهلك لتكنولوجيا وتقنيات الاتصال وللمادة الإعلامية باهظة النفقات والتكاليف.
والعلاقة شديدة الصلة بين السياسات الخارجية للدول، والرأي العام الوطني، والرأي العام العالمي، كل منها يؤثر ويتأثر بالأخرى، وهذا بحد ذاته يضع مشكلة سياسية عويصة أمام عملية التبادل الإعلامي الدولي. مفادها ضخامة وتضارب المصالح الحيوية لمختلف دول العالم وخاصة الدول المتطورة والغنية، التي تتجاوز حدودها الجغرافية المعترف بها إلى مناطق أخرى بعيدة كل البعد جغرافياً، وتعدد المشاكل السياسية والاقتصادية والإيديولوجية بينها بشكل يجعل عملية التبادل الإعلامي تؤثر وتتأثر حتماً بوسائل تنفيذ السياسات الخارجية للدول الأخرى، وهذا مرتبط بمدى قوة وفاعلية وسائل الإعلام الجماهيرية الموجهة للخارج لكل دولة.
فوسائل الإعلام الجماهيرية الدولية، ومن خلال عملية التبادل الإعلامي الدولية، تسعى لخدمة سياسة معينة وكثيراً ما لا تتماشى هذه السياسة ومتطلبات التفاهم الدولي، لأن هذه الوسائل بالأساس تتصدى لمشكلة أو مشاكل سياسية معينة، وتسير في خط معين مرسوم لها ضمن السياسة الخارجية للدولة، وكثيراً ما يبتعد هذا الخط عن الموضوعية والدقة في عرض الوقائع، وقد ينجح في إقناع عدد كبير من مستقبلي الرسالة الإعلامية، بعدالة وصدق موقفه من المشكلة المطروحة، رغم أن الحقيقة عكس ذلك، ومرد ذلك إما الظروف المتاحة دولياً والتفاهم والتعاطف الدولي مع سياسة خارجية معينة، أو قوة أساليب العمل ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية التي يملكها هذا الطرف أو ذاك، أو ضعف أساليب عمل ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية للطرف المواجه، أو غيابها تماماً عن الساحة الدولية مما يتيح للخصم ظروفاً ممتازة لإقناع الرأي العام العالمي بعدالة وصدق مواقفه كما يشاء دون منازع.
وقد أدى انهيار المنظومة الاشتراكية والإتحاد السوفييتي، إلى انتهاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب، وإلى انفراج نسبي في العلاقات الدولية، وخفف نوعاً ما من الصراع الإيديولوجي الذي كان قائماً، أو استبدل بصراع من نوع جديد أخذاً طابع تدعيم الديمقراطية والانفراج الدولي ومحاربة التطرف الديني أو الإرهاب الدولي من وجهة نظر القوي المسيطر على عملية التدفق الإعلامي الدولي. وإلى تخفيف السباق المتسارع بين التكتلات الإقليمية والدولية المتصارعة للإمساك بزمام المبادرة في توجيه الحملات والضربات الإعلامية ضد بعضها البعض، والتي كان لها الفضل الأكبر في دفع التطور السريع لتقنيات ومعدات الاتصال، التي نعرفها اليوم، وكانت محض خيال قبل نصف قرن من الزمن.
كما وتتولى وسائل الإعلام الجماهيرية لأية دولة في العالم، توجيه حملات إعلامية مركزة لتقوية الرأي العام المحلي داخلياً وتحصينه ضد الحملات الإعلامية الخارجية، وتشترك بنفس النشاط تقريباً مع وسائل إعلام الدول الأخرى التي تشترك معها في تحالفات وتكتلات إقليمية ودولية، يظهر من خلالها مدى ضلوع عملية التبادل الإعلامي الدولي في مشاكل ومتناقضات السياسة الدولية، محلياً وإقليمياً ودولياً.
ومن المشاكل العويصة التي تواجه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية كوسيلة من وسائل السياسة الخارجية للدولة، العلاقة الموضوعية بين السياسة الخارجية للدولة، والرأي العام الوطني، والرأي العام الإقليمي، والرأي العام الدولي، وخاصة عندما يبرز تضارب واضح وتباين بينها. فبينما تعمل وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية على تهيئة الرأي العام العالمي لاتخاذ موقف معين من قضية معينة تتفق والسياسة الخارجية للدولة المعنية، نراها في أكثر الأحيان مضطرة لاتخاذ موقف آخر قد يكون مغاير تماماً، لتهيئة الرأي العام المحلي من القضية ذاتها،(24) وهذه مشكلة عويصة بحد ذاتها أمام المخططين والمنفذين للسياسات الإعلامية الداخلية والإقليمية والخارجية.
خاصة بعد التطور الهائل في وسائل الاتصال الحديثة، وتعدد وسائل الإعلام الجماهيرية وتنوعها وتجاوزها للزمن والمسافات والحدود الجغرافية واللغوية والحضارية، وأصبح ما يحدث اليوم في أي جزء من العالم، في متناول الإنسان أينما كان ومهما بعدت المسافات خلال دقائق عبر قنوات التلفزيون الفضائية وشبكات الكمبيوتر، لتصبح قدرة الدول في التحكم الفعلي بالرأي العام المحلي محض خيال، بعد أن طالته وسائل الإعلام الجماهيرية الدولية، وأصبح الخيار في أيدي من يملك وسائل الاتصال الحديثة، ومن يوجه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، ويسيطر على صياغة الخبر بالطريقة التي تحلو له.
وإذا كان العالم اليوم يتجه حسيساً نحو الانفراج والتعاون الإيجابي بين الأمم، فإن هذا لا يعني انتهاء المشاكل والصراعات الدولية القديمة منها والجديدة والمتجددة، وكل ما يحدث هو تغير في الظروف الدولية ودينامية العلاقات الدولية، وزيادة في عملية التفاعل والتبادل الإعلامي الدولي. وهذا يفرض على خبراء الإعلام الإلمام بالعلاقات الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية الدولية، وتاريخها، والنظم والاتجاهات السياسية السائدة في دول العالم، وخلفية مواقفها من العلاقات الدولية المعاصرة، ليستطيع كلاً منهم أخذ مكانه الفاعل والمؤثر في عملية التبادل الإعلامي الدولي المتجددة، وخدمة سياسات بلده الداخلية والإقليمية والدولية بعد أن تجاوزت وسائل الإعلام الجماهيرية فعلاً الحدود الفاصلة بين تلك السياسات.
ب - المعيقات الاقتصادية لعملية التبادل الإعلامي الدولي:(24) للتبادل الإعلامي الدولي دور هام في المجتمعات الحديثة، ويسهم في إغناء الثقافات وتجديدها، وتعريف الشعوب ببعضها البعض، ويعمل على خلق عادات جديدة في المجتمعات لم تكن معروفة أو مألوفة في السابق، ولكن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية خاضعة بالكامل لسلطة رأس المال، الذي يقوم على دعائم اقتصادية وصناعية وتجارية تتطلب استثمارات هائلة قد تفتقر لها موارد الدولة أو حتى عدة دول مجتمعة، مما وضعها في حالة من التبعية تراوحت مابين احتكار الدولة أو عدة دول مجتمعة.
وأدى التطور الاقتصادي والعلمي الهائل خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، إلى تطور مماثل شمل وسائل وشبكات الاتصال الحديثة في العالم، وجعلها حكراً في أيدي الدول المصنعة والغنية، بعيدة عن متناول ومقدرات بعض الدول الصغيرة والفقيرة، لأن الحصول عليها واستثمارها، أو تصنيعها يتطلب أموالاً طائلة واستثمارات كبيرة، وخبرات علمية وتكنولوجية متطورة تفتقر إليها معظم الدول النامية في العالم.
ولهذا نرى أن الأوضاع الاقتصادية، ومدى التقدم التقني والعلمي في أي دولة، قد ترك بصماته على وسائل الاتصال المتطورة، ووسائل الإعلام الجماهيرية الحديثة. مما سمح لبعض الدول الغنية والمتطورة والأكثر تقدماً اقتصادياً وعلمياً وتقنياً، بالسيطرة على وكالات الأنباء العالمية، وقنوات الإذاعة المسموعة والمرئية الفضائية، والصحف والمجلات الأكثر انتشاراً في العالم، تلك التي تشكل بمجلها المصدر الرئيسي للأنباء في العالم.
لأن الاستثمارات الصناعية الضخمة في مجال وسائل وأجهزة الاتصال تتركز في الدول المتقدمة، بينما الدول المتخلفة والنامية والفقيرة مستهلكة لبعض منتجات هذه الاستثمارات من خلال الاستيراد وبرامج المساعدات الاقتصادية، وهذا يخلق في بعض الأحيان مشاكل تقنية في مجال استثمار واستخدام تلك الأجهزة أمام الدول المستوردة أو المستفيدة من برامج المساعدات الاقتصادية، بسبب تعدد مصادر تلك الأجهزة وعدم ملاءمتها تكنولوجياً للاستثمار في تلك البلاد، بحيث يتطلب الأمر إجراء بعض التعديلات عليها قبل إدخالها حيز الاستثمار الفعلي مما يرفع من الأعباء المالية على تلك الدول. خاصة وأن عملية الحصول على الأخبار الدولية وتوزيعها بحد ذاتها باهظة التكاليف، ولا تستطيع تحمل نفقاتها إلا الدول المتقدمة والغنية، كما هو الحال دائماً، بينما نرى أن الدول النامية والفقيرة لم تزل كما كانت دائماً، تعاني من نقص حاد في الخدمات الإعلامية، ونقص وسائل الاتصال الإلكترونية ومحطات البث والاستقبال الإذاعي، هذا إن لم نشر إلى مشاكل استفادة هذه الدول من خدمات شبكة الأقمار الصناعية في مجال الاتصال وقنوات البث التلفزيوني الفضائية، والاستفادة من خدمات شبكات الكمبيوتر الدولية.
ومن هنا نرى أن التقدم التكنولوجي يعتمد على الثروة المتوفرة لدى الدول الغنية والكبيرة، قليلة العدد في المجتمع الدولي وهي وحدها القادرة على تمويل المشاريع الضخمة في مجال إنتاج أجهزة وتكنولوجيا الاتصال الضرورية لوسائل الإعلام الجماهيرية، مما يتيح لها وضعاً ممتازاً لنشر سياستها الخارجية وفرضها في بعض الظروف على الدول الأخرى الأقل تطوراً. وكما هو معروف فإن وسائل الإعلام الجماهيرية لكل دولة من دول العالم تركز في برامجها على الأخبار الداخلية، وما يتصل بقضاياها ومشاكلها من الأخبار العالمية، وقد أوضحت بعض الدراسات العلمية، أن عملية التبادل الإعلامي الدولي تركز بالدرجة الأولى على أخبار الدول الكبرى المتطورة والغنية، وأخبار بعض الدول الأقل تطوراً المؤثرة في ميدان الأحداث والسياسة الدولية، والسبب سيطرة هذه الدول ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وبشكل أقل روسيا وغيرها من الدول المتطورة على وسائل الإعلام الدولية، مما يتيح لتلك الدول فرض وجهة نظرها من خلال عملية التبادل الإعلامي الدولي أحادي الجانب.
وتركز وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في موادها الإعلامية على أخبار دولها والدول الحليفة لها، إلى جانب أهم الأحداث العالمية من وجهة النظر السياسية الرسمية للدولة، فوكالات الأنباء الدولية مثل اليونيتد بريس، والأسوشيتد بريس، والقنال التلفزيونية الدولية CNN، وشبكة الكمبيوتر العالمية INTERNET التي تملكها الولايات المتحدة الأمريكية، ووكالة الأنباء رويتر Reuter، وهيئة الإذاعة والتلفزيون البريطانية BBC، ووكالة فرنس بريس الفرنسية، ووكالة إتار تاس الروسية، وغيرها من الدول المؤثرة في السياسات الدولية وما تتمتع به من علاقات واسعة مع مختلف دول العالم، ولتفوقها العلمي والصناعي والاقتصادي والعسكري، تطغي أخبارها على أخبار غيرها من الدول، وبمعنى أوضح تسيطر على عملية التبادل الإعلامي الدولي وتوجهها لصالحها وصالح حلفائها من دول العالم الأخرى.
وقد وصل الخلل في بعض الأحيان إلى درجة أصبح معها أبناء الكثير من دول العالم يعرفون عن الدول الكبرى أكثر مما يعرفون عن بلدانهم، ويعرفون عن تلك الدول الواقعة خلف البحار والمحيطات أكثر مما يعرفون عن البلدان المجاورة لهم، يعتمدون أساساً في الحصول على المعلومات والأنباء على المصادر الإعلامية للدول الكبرى الموجهة إليهم والناطقة بلغاتهم القومية.
وبينما تنتج الدول المتقدمة كل متطلبات الإنتاج الإعلامي من آلات تسجيل سمعية وبصرية وآلات تصوير وآلات طباعة وورق الكتابة والطباعة، والحاسبات الالكترونية (الكمبيوتر)، وأجهزة البث والاستقبال الإذاعي المسموع والمرئي، وتنتج أعداداً هائلة من المواد الإعلامية من صحف ومجلات وكتب، وبرامج إذاعية مسموعة ومرئية وأفلام، ووسائل تعليمية مختلفة، نرى الدول النامية والفقيرة لا تملك ولا تنتج مثل هذه المنتجات الإعلامية والتقنية وتفرض أحياناً قيوداً ورسوماً جمركية على استيراد المواد والمعدات الإعلامية وحتى على ورق الطباعة، بسبب ظروفها الاقتصادية الصعبة.
وهكذا نرى مدى تأثر عملية التبادل الإعلامي الدولي بالأوضاع الاقتصادية لكافة دول العالم، التي نستطيع تقسيمها إلى دول متطورة غنية مسيطرة، تمتلك وتتحكم بالمصادر الإعلامية الدولية وتقنياتها، وتوجه عملية التدفق الإعلامي الدولية، ودول متوسطة تؤثر وتتأثر بعملية التدفق الإعلامي الدولية، ودول نامية فقيرة على هامش عملية التبادل الإعلامي الدولية، لا تملك حتى صحيفة يومية واحدة تنطق باسمها، متأثرة بالسيل المتدفق للإعلام الدولي الأجنبي. وبالطبع فإن إدراك الجمهور الإعلامي في الدول التي لا تنتشر فيها وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية على نطاق واسع، أو التي ترتفع فيها نسبة الأمية الأبجدية أو الحضارية، أو التي ينتشر فيها الفقر، الذي نعتبره صعوبات مادية واقتصادية، يكون إدراكهم لمختلف الموضوعات التي تعرضها وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، أقل إدراكاً من الجمهور الإعلامي للدول المتقدمة.(25)
ج - خصائص التبادل الإعلامي الدولي: يقول مارشال ماكلوهين، أن مضمون الرسائل الإعلامية لا يمكن النظر إليها بمعزل عن التكنولوجيا التي تستخدمها وسائل الإعلام الجماهيرية، فالكيفية التي تعرض بها المؤسسات الإعلامية الموضوعات، وطبيعة الجمهور الذي توجه له رسالتها الإعلامية، يؤثران على ما تنقله تلك الوسائل. وأن وسائل الإعلام الجماهيرية التي يستخدمها المجتمع أو يضطر إلى استخدامها، تحدد طبيعة المجتمع وكيف يعالج مشاكله. وأي وسيلة إعلامية جديدة تشكل ظروفاً جديدة محيطة تسيطر على ما يفعله الأفراد الذين يعيشون في ظل ظروف معينة، وتؤثر على الطريقة التي يفكرون ويعملون وفقاً لها. فوسيلة الإعلام هي امتداد للإنسان، والكاميرة التلفزيونية تمد أعيننا، والميكرفون يمد آذاننا، والآلات الحاسبة الإليكترونية توفر بعض أوجه النشاط التي كانت في الماضي تحدث في عقل الإنسان فقط، وهي مساوية لامتداد الوعي.(26)
ووسائل الإعلام الجماهيرية الحديثة، كامتداد لحواس الإنسان توفر للإنسان الزمن والإمكانيات، وتشكل تهديداً له، لأنه عندما تمتد يد الإنسان وحواسه عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، تستطيع هذه الوسائل أن تمد يد المجتمع إليه، كي تستغله وتسيطر عليه. ولكي نمنع احتمال التهديد يؤكد ماكلوهين على أهمية إحاطة الناس بأكبر قدر ممكن من المعلومات عن وسائل الإعلام الجماهيرية، لأنه بمعرفة كيف تشكل التكنولوجيا الحديثة البيئة المحيطة بنا، نستطيع أن نسيطر عليها ونتغلب تماماً على نفوذها أو قدرتها الحتمية.
وفي الواقع، بدلاً من الحديث عن الحتمية التكنولوجية، قد يكون من الأدق أن نقول أن متلقي الرسالة الإعلامية يجب أن يشعر بأنه مخلوق له كيان مستقل، قادر على التغلب على هذه الحتمية التي تنشأ نتيجة لتجاهل الناس لما يحدث حولهم. وأنه يجب اعتبار التغيير التكنولوجي حتمياً لا مفر منها، وهو ما يحدث فعلاً، ذلك لأننا إذا فهمنا عناصر التغيير يمكننا أن نسيطر عليه ونستخدمه في أي وقت نريده بدلاً من الوقوف في وجهه، كما يحدث لدى البعض أحياناً.
ومن المشاكل التي تواجه عملية التبادل الإعلامي الدولية، أهمية مراعاة الظروف البيئية المحيطة بالإنسان، واختلافها من دولة إلى دولة، بل واختلافها من منطقة إلى أخرى داخل الدولة ذاتها. ومن هنا فمن الأهمية بمكان أن يحيط خبراء الإعلام والصحفيون بالاعتبارات البيئية والظروف المحيطة بالإنسان. وإذا كان هذا الإلمام أكثر سهولة في الإعلام الداخلي، فإنه أكثر صعوبة بالنسبة للإعلام الدولي، حيث تتعدد الاعتبارات البيئية وتتنوع الظروف واللغات، وتختلف من دولة إلى دولة، ومن منطقة إلى منطقة، ومن قارة إلى قارة.
ومع تزايد وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية وتطورها واتساعها، أصبح العالم أقرب إلى القرية العالمية Global Village ومما ساعد على ذلك تطور وسائل المواصلات وسهولة انتقال الأشخاص والسياح، وهجرة السكان من أماكن سكنهم الأصلية، والإقامة الطويلة لرعايا دولة معينة لدى دولة أخرى بقصد الدراسة أو العمل، وتزايد حجم وسرعة وتنوع المراسلات، ودخولها عصر الحوار المباشر عبر التلكس والفاكس والبريد الإلكتروني وشبكات الكمبيوتر العالمية بين مختلف دول العالم. وتطور البث الإذاعي المسموع والمرئي واتساع استخدام الأقمار الصناعية لأغراض الاتصال ونقل المعلومات. وساعد الاحتكاك بالأمم المتقدمة على حدوث تحول ثقافي واجتماعي عالمي، برزت معه قيم ومعتقدات جديدة لم تكن متوقعة من قبل. ومن هنا فإن على خبراء الإعلام والصحفيون أن يدركوا كل تلك المتغيرات عند إعدادهم وتنفيذهم للحملات الإعلامية الموجهة للداخل والخارج على السواء، كي لا تحدث إخفاقات تؤدي إلى عدم استجابة المستقبل لمضمون الرسالة الإعلامية الموجهة له، وأن لا تكون ردة فعله مغايرة لأهداف الحملة الإعلامية. وأن يؤخذ في الحسبان أيضاً اختلاف درجات التقدم الاجتماعي والثقافي والعلمي والتكنولوجي، وتباين النظم والمعتقدات السياسية والإيديولوجية بين دول العالم المختلفة، ودرجات التباين بين دول النظام المتشابه.
د - الاحتكار في التبادل الإعلامي الدولي: لم يزل العالم يتجه باضطراد نحو تحطيم الحواجز القائمة بين الشعوب، كما وتتجه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في العديد من دول العالم نحو الاتسام بطابع العالمية. ورغم التقدم الهائل لوسائل الاتصال نرى أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في العالم، لم تزل تعتمد في القسط الأكبر من أخبارها على وكالات الأنباء العالمية الخمس رويتر، والأسوشيتد بريس، واليونيتد بريس، ووكالة الأنباء الفرنسية، ووكالة إتار تاس. رغم الجهود الحثيثة التي تقوم بها وكالات الأنباء الوطنية، وشبكة المراسلين الأجانب في جميع دول العالم تقريباً، والذين يراسلون مباشرة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي ينتمون إليها والمنتشرة في مختلف دول العالم.
ويرتبط الاحتكار والتركيز في التبادل الإعلامي الدولي بالمشاكل السياسية والاقتصادية التي سبق وأشرنا إليها، التي نتج عنها احتكار قلة قليلة من دول العالم لمصادر الأنباء العالمية من خلال وكالات الأنباء والإذاعات وقنوات التلفزيون والصحف والمجلات الهامة والمنتشرة عالمياً، إضافة لاحتكارها لوسائل الاتصال الحديثة وخاصة شبكة الأقمار الصناعية التي تتولى نقل ما تبثه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية إلى كافة أنحاء العالم.
ومن الناحية التاريخية نرى أن وكالة الأنباء الفرنسية هافاس Havas - ووكالة الأنباء البريطانية رويتر Reuter - ووكالة الأنباء الألمانية وولف Wolff قد قامت بتقسيم العالم في القرن التاسع عشر إلى مناطق نفوذ إعلامية، تمشياً مع السياسة الاستعمارية التي كانت تتبعها آنذاك الدول الأوروبية وخاصة فرنسا وبروسيا وبريطانيا، الشركاء الثلاثة في الاحتكار الدولي للأنباء. وكان همهم الوحيد آنذاك الحصول على الربح ودعم الحكومات المتعاونة معها في الداخل والتي تقدم لها المساعدة والمؤازرة للاحتفاظ بالسلطة والأوضاع الراهنة. واتفقت وكالات الأنباء الثلاث على تنسيق أعمالها عام 1856 لتجنب المنافسة، وتحقيق معدلات عالية من الربح، وتزايد الاحتكار الدولي للأنباء بعد توقيع اتفاقية الأنباء عام 1870 حيث قسم العالم إلى عدد من مناطق النفوذ، يكون لكل منها وكالة أنباء معينة لها الحق الكامل في جمع وتوزيع الأنباء.
وعلى هذا الأساس منحت وكالة الأنباء الألمانية وولف حق السيطرة على جمع ونقل الأنباء من وإلى ألمانيا والنمسا وهولندا واسكندينافيا والإمبراطورية الروسية والبلقان، وكانت وكالة أنباء فيينا آنذاك تابعة لوكالة الأنباء الألمانية وولف. بينما منحت وكالة الأنباء الفرنسية هافاس نفس الحق في إيطاليا وسويسرا وإسبانيا والبرتغال وأمريكا الوسطى والجنوبية، ومصر بالتعاون مع وكالة الأنباء البريطانية رويتر. ومنحت وكالة الأنباء البريطانية رويتر نفس الحقوق في الإمبراطورية البريطانية والشرق الأقصى والإمبراطورية العثمانية، ومصر بالاشتراك مع وكالة الأنباء الفرنسية هافاس. أما وكالة الأنباء الأمريكية The New York Associated Press وكانت عضو صغير في الاحتكار الدولي فقد منحت نفس الحقوق داخل الولايات المتحدة الأمريكية فقط. بينما اعتمدت وكالة الأنباء الروسية The Russian Telegraph Agency كما سبق وأشرنا على وكالة الأنباء الألمانية وولف. ورغم تمتع وكالة الأنباء الأمريكية الأسوشيتد بريس بعد إعادة تنظيمها، بكامل العضوية في هذا الاحتكار الدولي، خلال السنوات العشر الأولى من القرن العشرين، إلا أنها لم تحقق نجاحاً ملحوظاً أمام منافسة شركائها في الاحتكار. ورفضت طلب الصحف الأمريكية الجنوبية للتعاون معها بعد أن ضاقت تلك الصحف ذرعاً من الدعاية الفرنسية والأنباء التي كانت تزودها بها وكالة الأنباء الفرنسية هافاس.
وبدأ الاحتكار بالتداعي عندما بدأت وكالة الأنباء الأمريكية اليونيتيد بريس التي لم تدخل في عضوية الاحتكار العالمي للأنباء، بمنافسة وكالة الأسوشيتد بريس، في سوق الأنباء العالمية، ودخولها سوق أمريكا الجنوبية، فما كان من الاحتكار الدولي إلا أن منح وكالة الأنباء الأمريكية الأسوشيتد بريس العضو في الاحتكار حق السيطرة المطلقة على تلك السوق. واستمرت الحال حتى مطلع الثلاثينات من القرن الحالي حين خرقت وكالة الأنباء الأمريكية الأسوشيتد بريس الاتفاق المبرم مع الاحتكار الدولي، وبدأت باستغلال السوق اليابانية الغنية متحدية الاحتكار القائم لوكالة الأنباء البريطانية رويتر فيها.
وكان من الطبيعي أن تهتم وتدعم وكالة الأنباء الفرنسية هافاس خط السياسة الخارجية الفرنسية، ووكالة الأنباء البريطانية رويتر خط السياسة الخارجية البريطانية، ووكالة الأنباء الألمانية وولف خط السياسة الخارجية الألمانية. وكانت النتيجة اختفاء هذا الاحتكار الدولي إثر الحرب العالمية الثانية بعد غياب الوكالة الألمانية في خضم الدعاية النازية، وإحراق وكالة الأنباء الفرنسية هافاس لاتهامها بالتفريط بالمصالح القومية الفرنسية، لتحل مكانها وكالة الأنباء الفرنسية AFP كوكالة أنباء دولية بارزة، واستمرت وكالتي رويتر البريطانية، والأسوشيتد بريس الأمريكية في العمل، مع ظهور وكالة الأنباء السوفييتية تاس، كوكالة أنباء دولية من نمط خاص.(27) والتي تحولت بعد انهيار الإتحاد السوفييتي السابق إلى وكالة إتار تاس.
ومن هنا نرى أنه إضافة للاحتكار وتوزيع مناطق النفوذ في عملية التبادل الإعلامي الدولي، فإن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، تحرص على نقل وتوزيع الأخبار والتعليقات والتحليلات السياسية والاقتصادية والعسكرية من منظور المصالح التي تمثلها، أخذة بعين الاعتبار مصالحها السياسية والاقتصادية الخاصة بها. وهذه معضلة لم تزل تعاني منها الدول الأقل تطوراً والدول النامية والدول الفقيرة، المضطرة لاستخدام ما يصلها من المصادر الإعلامية الدولية، متأثرة بمواقف تلك المصادر.
وهذا يفسر محاولات بعض الدول الأقل تطوراً والدول النامية، للتكتل عالمياً وإقليمياً لإنشاء وسائل إعلام جماهيرية قوية، يمكن أن تخلصها من احتكار وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، لجمع ونقل وتوزيع ونشر الأنباء عالمياً. كمجمع وكالات أنباء دول عدم الانحياز الذي كان يضم في عهده الزاهر دولاً متقاربة من التطلعات وفي الآمال العريضة، بتجمع يأخذ باعتباره دول العالم الثالث فيرعى مصالحها ويذود عن حقوقها، ويكسر احتكارات الدول الكبرى وسيطرتها على تدفق الأخبار على النحو الذي يرضي احتكاراتها تلك، ويلبي بواعث سطوتها العسكرية ومصالحها الاقتصادية. وبرغم الآمال التي علقت على ذلك التجمع وما كان يميزه من تقارب التطلعات والمساعي إلا أنه لم يتمكن من مواجهة الوكالات الكبرى ولا استطاع أن يعدل مسار التدفق الإعلامي غير المتوازن، فظلت الأخبار تصب من الشمال إلى الجنوب فتغرقه وتثير الفتن فيه.(28)
هـ - تأثير التبادل الإعلامي الدولي على اتخاذ القرارات: تتمتع وسائل الإعلام الجماهيرية بتأثير هام على الجمهور وخاصة في الميدان السياسي، ولذلك كان لابد عند دراسة تأثير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية على اتخاذ القرارات، من الأخذ بالاعتبار تأثير هذه الوسائل على الزعماء السياسيين، واستناداً لعدة أبحاث، فإن قائد الرأي لا يبحث غالباً عن دور قائد الرأي، وأحياناً ليس لديه شعور بدور قائد الرأي، ويتميز قادة الرأي هؤلاء بعدة خصائص منها: - أنهم يمثلون الجماعات التي ينتمون إليها، ويؤثرون فيها جيداً. وأنهم قادة للرأي في مجال اختصاصهم، الذي يتناسب والمجموعات التي يؤثرون فيها. وأنهم أكثر من غيرهم من أعضاء المجموعة التي ينتمون إليها، معرضون لوسائل الإعلام الجماهيرية (كشخصية مؤثرة). وأنهم أكثر من غيرهم من أعضاء المجموعات التي ينتمون إليها، على اتصال مع غيرهم من قادة الرأي. وأنهم متواجدون في كل الأوساط الاجتماعية. وبما أن لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية من خلال عملية التبادل الإعلامي الدولي، المقدرة على تقرير ما ينبغي أن يعرف وما ينبغي الاحتفاظ به، فإنها تتمتع بأهمية خاصة في العلاقات الدولية.(29)
وقد تقوم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بمجرد نقل المعلومات الصادرة من قبل واضعي السياسة إلى الجمهور الإعلامي، دون أي اعتبار لدور الرأي العام في وضع تلك السياسة، كما يحدث في أكثر البلدان النامية. أو قد تستخدم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية لدعم أهداف سياسية معينة، أو لخلق أحداث معينة من خلال التمهيد لها، والمساهمة في خلق ودعم وجهة النظر المعارضة، وهذا يفسر قيام بعض المخططين السياسيين، في البلدان المتقدمة بوجه خاص، بوضع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية والرأي العام في مرتبة واحدة، يؤثر كلاً منها بالآخر ويعكس صورة الآخر. ويشمل هذا الوضع أيضاً، واضعي السياسة الخارجية للدولة، من خلال تعاملهم مع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المحلية والدولية، والرأي العام المحلي والعالمي.
كما ويميل المخططون السياسيون إلى اعتبار أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تعكس في الحقيقة مواقف الرأي العام، وكثيراً ما يقبل المخطط السياسي ما تنشره وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية على أنها انعكاس للحقيقةـ التي يراعيها عند رسم الخطة السياسية المطلوبة.
ولكن الحقيقة أن المؤسسات الإعلامية في أي بلد من بلدان العالم، غالباً ما تحدد أسبقيات ما تنشره وما لا تنشره من خلال ظروف تقنية بحتة لا علاقة لها البتة بالموضوع المنشور، وتتحكم بالزمن المتاح في الوسائل الإعلامية المسموعة والمرئية، والمساحة المتاحة على صفحات الصحف والمجلات. وهكذا يؤثر التبادل الإعلامي الدولي على اتخاذ القرارات في السياسة الخارجية للدولة، من خلال مساهمته بإمداد أصحاب القرار بالمعلومات اللازمة، التي يمكن على أساسها اتخاذ قرار معين. ويبرز دور التبادل الإعلامي الدولي من خلال وكالات الأنباء والإذاعات وقنوات التلفزيون العالمية، والصحف والمجلات الأكثر انتشاراً في العالم، إبان الأزمات السياسية والاقتصادية، والكوارث الطبيعية، والأخطار التي تهدد بلادهم أو تهدد البشرية، والصدامات العسكرية الساخنة، أو التهديد باستخدام القوة العسكرية على الساحة الدولية. حيث يعتمد أصحاب القرارات الحاسمة عند دراستهم للظروف والأوضاع من كل الجوانب، قبل اتخاذ القرار اللازم، على ما توفره مصادر الإعلام الدولية، والمصادر الدبلوماسية، ومصادر أجهزة أمن الدولة، ولهذا تعكف بعض المؤسسات العلمية على دراسة العلاقة بين عملية التبادل الإعلامي الدولي وعملية اتخاذ القرارات السياسية، من قبل الزعماء السياسيون، كواحدة من مؤشرات العلاقات الدولية بشكل عام.
ومن البحوث الإعلامية التي أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية، الدراسة التي قامت بها مجلة Public Opinion Quarterly لمعرفة عادات القراءة لدى قادة الرأي الأمريكيين،(30) وأظهرت أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المقروءة من قبل كبار قادة المؤسسات السياسية والاقتصادية الأمريكية، تعتبر مصادر معلومات يؤخذ بها من قبلهم، لاتخاذ القرار ومزاولة مختلف الأنشطة السياسية والاقتصادية. وتناولت الدراسة 545 شخصاً من بينهم: قادة الرأي في القطاعات الأساسية: منفذون في المجالات الصناعية 48؛ منفذون في المجالات غير الصناعية 53؛ أصحاب الثروات الكبيرة 29؛ رؤساء اتحادات عمالية 48؛ أعضاء في الكونغرس الأمريكي 58؛ موظفون فيدراليون معينون 60؛ كبار موظفي الخدمة المدنية 54؛ رسميون في الأحزاب السياسية 51؛ زعماء جمعيات خيرية 53؛ عاملون في المؤسسات الصحفية 65. وقادة رأي خارج القطاعات الأساسية: رجال البيت الأبيض 6؛ أكاديميون ( اقتصاديون أساساً ) 15؛ آخرون 5.
وأظهرت الدراسة أن أكثر الصحف والمجلات الأمريكية الرئيسية قراءة لديهم هي: The New York Times نيويورك تايمز؛ The Wall Street Journal وول ستريت جورنال؛ The Washington Post واشنطن بوست؛ The Washington Star واشنطن ستار؛ The New York Post نيويورك بوست؛ The Chicago Tribune شيكاغو تربيون.
وأن أكثر الصحف والمجلات انتظاماً في المطالعة هي: Time تايم؛ Newsweek نيوزويك؛ The New York Times نيويورك تايمز؛ Magazine ماغازين؛ U.S. News and World Report يو إس نيوز إند وولد ريبورت.
كما وأظهرت الدراسة نسبة تفضيل مطالعة الصحف والمجلات فكانت كالتالي: وول ستريت جورنال: 84 % منفذون صناعيون؛ 65 %؛ أصحاب ثروات كبيرة؛ 31 % رجال الكونغرس. واشنطن بوست: 82 % رجال الكونغرس. نيوزويك: 81 % عاملون في المؤسسات الصحفية؛ 68 % رجال الكونغرس؛ 59 % منفذون صناعيون؛ 53 % زعماء أحزاب سياسية؛ 40 % كبار موظفي خدمة مدنية. نيويورك تايم مغازين: 78 % عاملون في المؤسسات الصحفية؛ 46 % منفذون صناعيون؛ 40 % كبار موظفي الخدمة المدنية؛ 30 % رجال الكونغرس؛ 23 % زعماء أحزاب سياسية. تايـــــم: 76 % عاملون في المؤسسات الصحفية؛ 70 % منفذون صناعيون؛ 66 % رجال الكونغرس؛ 58 % زعماء أحزاب سياسية؛ 36 % كبار موظفي في الخدمة المدنية. يو إس نيوز إند وورلد ريبورت: 70 % رجال الكونغرس؛ 65 % زعماء أحزاب سياسية؛ 50 % منفذون صناعيون؛ 30 % كبار موظفي الخدمة المدنية؛ 24 % عاملون في المؤسسات الصحفية. نيويورك تايمز: 67 % رجال الكونغرس؛ 64 % منفذون صناعيون؛ 54 % أصحاب ثروات الكبيرة. بيزنس ويك: 63 % منفذون صناعيون؛ 26 % زعماء أحزاب سياسية؛ 21 % كبار موظفي الخدمة المدنية؛ 20 % رجال الكونغرس؛ 19 % عاملون في المؤسسات الصحفية. لايـف: 61 % عاملون في المؤسسات الصحفية؛ 48 % رجال الكونغرس؛ 42 % زعماء أحزاب سياسية؛ 33 % منفذون صناعيون؛ 25 % كبار موظفي الخدمة المدنية. واشنطن ستار: 58 % رجال الكونغرس. جورناليزم: 58 % عاملون في المؤسسات الصحفية؛ 5 % رؤساء مؤسسات خيرية؛ 3 % رؤساء اتحادات عمالية؛ 2 % كبار موظفي الخدمة المدنية. فورين إفيرز: 22 % عاملون في المؤسسات الصحفية؛ 16 % رجال الكونغرس؛ 14 % زعماء أحزاب سياسية؛ 14 % رؤساء مؤسسات خيرية.
ومن نتائج الدراسة تتبين أن الشرائح الاجتماعية المدروسة تطالع الصحافة الدورية بنسب مؤوية تتراوح مابين 84% و 2%، وأن أكثر الصحف مطالعة بين رجال الكونغرس هي الواشنطن بوست 82%، وأقلها مطالعة هي الوول ستريت جورنال31%، ومن بين المجلات يو إس نيوز إند وورلد ريبورت 70% وأقلها فورين إفيرز 16% أي أن رجال الكونغرس يفضلون مطالعة الصحف أكثر من المجلات، بفارق واضح. كما وبينت الدراسة أن أكثر الشرائح الاجتماعية الداخلة في الدراسة مطالعة للصحف والمجلات، هي من العاملين في المؤسسات الصحفية، وأن هذه الشريحة تميل لمطالعة المجلات أكثر من الصحف.
وبقي التأكيد على أن دراسات عادات المطالعة والاستماع والمشاهدة، لدى قادة الرأي، ومن ثم دراسة مضمون الرسالة الإعلامية، المبنية على نتائج تلك الدراسات، تسمح للمخططين الإعلاميين بزيادة فاعلية وتأثير الحملات الإعلامية، وللمخططين السياسيين من زيادة فاعلية دور وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، كواحدة من أدوات تنفيذ السياسة الرسمية للدولة، وكمصدر نافع من مصادر المعلومات لرسم تلك السياسة. وتوسيع دورها في عملية التبادل الإعلامي المحلي والدولي.
الفصل الثالث: التدفق الإعلامي الدولي والتبادل الإعلامي الدولي:
3/1 - التدفق الإعلامي الدولي والتبادل الإعلامي الدولي: يمثل الاستقلال السياسي للعديد من دول العالم إثر انهيار المنظومة الاشتراكية التي كان يقودها الإتحاد السوفييتي السابق، أحد خصائص النظام الدولي الجديد الآخذ بالتبلور خلال العقد التاسع من القرن العشرين. ورغم ذلك فإن الظروف العالمية الراهنة تظهر اتجاه بعض الدول إلى تبني هيمنة وتأثير بعض الدول المعينة، على هذا النظام الدولي الجديد والآخذ بالتبلور. بينما تتجه دول أخرى لرفض تلك الهيمنة والتأثير عليها، إضافة للسعي الحثيث للعديد من شعوب المناطق المضطربة والداخلة ضمن الحدود السياسية لبعض الدول، إلى الاستقلال السياسي عنها والتمتع بالسيادة القومية على أراضيها.
وقد كان لمعادلة القوى تأثيرها على التبادل الإعلامي الدولي، كنتيجة للتقدم التكنولوجي والعلمي في مجال تقنيات الاتصال، فقد أصبحت الدول أكثر ارتباطاً وقرباً من بعضها البعض من ذي قبل(31)، وأصبح للتبادل الإعلامي الدولي والاتصال دور متميز في العلاقات الدولية، خاصة فيما يتعلق بمكونات الشخصية القومية لمختلف الشعوب، وتشكيل وتوظيف السياسة الخارجية للدول، ووسائل السياسات الدولية بشكل عام. ويمثل عدم التوازن والتفاوت في الاتصال والتبادل الإعلامي الدولي، بين مختلف دول العالم، أحد الأبعاد الهامة في السياسة الدولية. وهذا يؤكد أن التدفق الحر للمعلومات لا يعد أكثر من مجرد تدفق في اتجاه واحد، وليصبح التدفق حراً لابد من تحقيق شيء من التوازن الحقيقي بين الدول.
وقد يحدث عدم التوازن داخل دورة التبادل الإعلامي الدولي بأشكال مختلفة، مثلاً: بين الدول المتقدمة والدول الأقل تقدماً والدول النامية. وبين الدول ذات النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية المختلفة. وبين الدول المتقدمة المنتمية لنفس المنظومة السياسية، وخاصة من حيث الإمكانيات، بين الدول الكبيرة والدول الصغيرة. وبين الدول النامية نفسها، الدول الفقيرة ذات الدخل المنخفض، والدول الغنية ذات الدخل المرتفع، من عائدات الموارد الطبيعية مثلاً. وبين الأنباء المشجعة والأنباء السيئة.
وكل هذه الأشكال من حالة عدم التوازن لا تقتصر فقط على التدفق الإعلامي والاتصال والتبادل الإعلامي الدولي فقط، بل تتعداها إلى جمع وإعداد ونشر المعلومات لأغراض التطور العلمي، ونقل التكنولوجيا المتطورة الجديدة، وحاجات الاقتصاد الوطني ....... الخ. وبالتالي يؤدي هذا إلى اتساع الفجوة بين الدول المرسلة، أي منابع التدفق الإعلامي الدولي، وبين الدول المستقبلة، أي المستهلكة للمادة الإعلامية الدولية.
وقد دعت الدول المنتسبة لبعض التكتلات الدولية، كمنظمة الدول غير المنحازة، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والمنظمات الإقليمية كجامعة الدول العربية، ومنظمة الوحدة الإفريقية، وغيرها من المنظمات، إلى استقلالية وسائل الإعلام الجماهيرية الدولية، وإلى تحقيق التوازن في تدفق الأنباء والتخفيف من آثارها السلبية، ونادت هذه الدول بإقامة نظام عالمي جديد للتبادل الإعلامي الدولي، ليحل مكان النظام القديم، من خلال بناء نظام دولي للاتصال أكثر حرية ومرونة، وأكثر عدلاً وفاعلية وتوازناً، نظام جديد مبني على أسس المبادئ الديمقراطية وتكافؤ الفرص بين مختلف دول العالم.(32) ويرتبط التدفق الإعلامي، ونظام الاتصال الدولي، والتبادل الإعلامي الدولي، بمفاهيم متداخلة، مثل (حرية الإعلام)، و(التدفق الحر للإعلام)، و(التدفق المتوازن للإعلام)، و(النمو الحر لوسائل الإعلام).
وهناك بعض الصعوبات الناتجة عن بعض التصرفات السياسية، والتي تعيق حرية التبادل الإعلامي الدولي، ويمكن تداركها بسهولة لو توفرت النوايا الحسنة، مثل استخدام العنف الجسدي ضد الصحفيين، والتشريع القمعي، والرقابة المجحفة، وإدراج أسماء الصحفيين في القوائم السوداء، ومنعهم من النشر، وحظر انتقال الصحف والمجلات والكتب ومنع استيرادها، أو تصديرها في بعض الأحيان من قبل الدول المتقدمة، خوفاً من تسرب التكنولوجيا المتطورة.
وقد استخدم مبدأ التدفق الحر للإعلام كوسيلة سياسية في الصراع بين الدول الاشتراكية بقيادة الإتحاد السوفييتي السابق، والدول الرأسمالية المتطورة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، إبان سنوات الحرب الباردة. واقتصادية من قبل الدول الغنية لتحقيق أهداف سياستها الخارجية في الدول النامية. ولهذا رأت الدول النامية في مبدأ التدفق الحر للإعلام، تأكيداً لسيطرة عدد قليل من الدول الصناعية المتقدمة على سيل المعلومات المتدفقة إلى الدول النامية. وترى أن حرية الإعلام تعني أن يكون تدفق المعلومات باتجاهين، تأكيداً للعدالة في التبادل الإعلامي الدولي.
وقد أدى مبدأ التدفق الحر للإعلام، إلى تدفق أحادي الجانب للمعلومات والرسائل الإعلامية، والبرامج الإذاعية المسموعة والمرئية، وبرامج الكمبيوتر والمنتجات الثقافية من الدول المتطورة صناعياً إلى الدول الصغيرة الأقل تطوراً والدول النامية، مما عزز من سيطرة مراكز القوى في العالم، وأحكم سيطرتها على عملية التدفق الإعلامي من الشمال الغني إلى الجنوب الفقير.
والتدفق الإعلامي باتجاه واحد يعتمد على أنماط تاريخية وثقافية معينة، يؤثر حتى على بعض الدول الداخلة في إطار إقليم جغرافي واحد، إذ نرى في أوروبا بعض الدول تسيطر على سيل المعلومات المتدفقة من القارة الأوربية، وتجاهل وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية لهذه الدول المسيطرة للإنجازات الضخمة والنجاحات التي حققتها بعض الدول الأوربية الصغيرة، أثناء بثها للمعلومات من خلال عملية التبادل الإعلامي الدولي.
وعلى هذا الأساس فإنه يمكننا استنتاج ما يلي: أنه هناك سيل جارف من المعلومات بين شمال القارة الأمريكية، والقارة الأوربية. وأنه هناك اتجاه واحد للتدفق الإعلامي، يتركز من شمال الكرة الأرضية إلى جنوبها، يستقبل من خلاله العالم أكثر من 90 % من المواد الإعلامية عبر لندن وباريس ونيويورك. ويظهر هذا بوضوح في عدم التوازن في إنتاج الصحف والمجلات والكتب والبرامج الإذاعية المسموعة والمرئية، وغيرها من المواد الإعلامية، ونشرها وتوزيعها عبر الشبكات الدولية لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، ويعكس في نفس الوقت الوضع الحقيقي للتبادل الإعلامي الدولي. وكانت ردة فعل الدول المتقدمة والمسيطرة على وسائل الاتصال والتدفق الإعلامي بشكل عام، غير مرضية، على مساعي مجموعة الدول غير المنحازة لتقوية وضعها في التبادل الإعلامي الدولي.(33)
ويعد التدفق الإعلامي في اتجاه واحد، انعكاساً لسيطرة النظم السياسية والاقتصادية للدول المتطورة والمسيطرة في العالم، والتي تؤكد دائماً على تبعية الدول الأقل تطوراً والدول النامية للدول المتقدمة، من خلال تركيز وسائل إعلامها الدولية على الأزمات والصراعات والصدامات العنيفة.
كما ويعد التدفق الإعلامي الدولي رأسياً، بدلاً من أن يكون أفقياً كونه أحادي الجانب، يأتي من الأعلى من الدول المتقدمة، إلى أسفل للدول الأقل تطوراً والدول النامية. وكل ما سبق ذكره يظهر معادلة القوى في التبادل الإعلامي الدولي، في إطار العلاقات الدولية.
ومن الظواهر الواضحة في التبادل الإعلامي الدولي، بعد التطور الهائل في وسائل الاتصال الحديثة، طرح المعلومات كسلعة وخدمات تتمثل في نقل وحفظ واسترجاع البيانات والمعلومات، واحتلال الأنشطة التجارية حيزاً كبيراً من المساحة الإعلامية، وهو ما تظهره الصحف والمجلات والبرامج الإذاعية والتلفزيونية وبرامج الكمبيوتر في القنوات والشبكات العالمية، مما يقلل من القيمة الثقافية والاجتماعية لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، ضمن عملية التبادل الإعلامي الدولي.
3/2- التدفق الإعلامي الدولي من وجهة نظر تحليل المضمون: قام جوهان جالتونج Gohan Galtung بدراسة اتجاه التدفق الإعلامي الدولي، في النمط الذي قدمه ( المركز - الهامش ) بدراسته عن النظرية الهيكلية للاحتكار الدولي. وقد قسم العالم إلى جزأين " المركز " الذي يمثل الدول المسيطرة، و" الهامش " الذي يمثل المناطق التابعة لتلك الدول. وخرج بنتيجة مفادها أن التفاعل الرأسي يعد العامل الرئيسي الذي يؤكد انعدام المساواة بين دول العالم. وخلص جالتونج إلى الاستنتاج التالي: أن " المركز " يسيطر على تدفق الأنباء في العالم. وأن الأنباء الذي تتحدث عن " المركز " تشغل الحيز الأكبر من مضمون الأنباء الأجنبية في وسائل الإعلام الجماهيرية لدول " الهامش "، أكثر مما تشغله أنباء دول "الهامش" في وسائل الإعلام الجماهيرية لدول " المركز ". وأنه هناك تدفق إعلامي أقل نسبياً للأنباء ضمن مجموعة دول " الهامش ". وأن التدفق الإعلامي الدولي، يعد واحداً من المجالات الرئيسية للاتصال والتبادل الإعلامي الدولي. وأن الوكالات الأربع للأنباء (AP, AFP, UPI, Reuter) تعد من المصادر الإعلامية المسيطرة على تدفق الأنباء الخارجية لمعظم دول شمال القارة الأمريكية، وغرب القارة الأوروبية، وقارات آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية. وأن وكالة أنباء Tass تعتبر المصدر الرئيسي لمعظم الدول الاشتراكية قبل انهيار المنظومة الاشتراكية والإتحاد السوفييتي السابق.
ويتمثل الحجم الإجمالي للأنباء التي توزعها الوكالات الرئيسية الأربع للأنباء في العالم بحوالي 32,850,000 كلمة يومياً موزعة بين تلك الوكالات كالتالي: (34) 17,000,000 AP؛ 11,000,000 UPI؛ 3,350,000 AFP؛ 1,500,000 Reuter. كما يوضح الأرقام التالية حجم الأنباء التي توزعها يومياً بعض وكالات الأنباء الأخرى في العالم: الدولة وكالة الأنباء كلمة؛ ألمانيا DPA 115,000؛ إيطاليا ANSA 300,000؛ إسبانيا EFE 500,000؛ يوغوسلافيا Tan jug 75,000؛ APS 100,000؛ المجـمـوع 1,090,000 كلمة يومياً وهذا يوضح مدى سيطرة الوكالات الأربع الرئيسية للأنباء في العالم، على التدفق الإعلامي الدولي، إضافة لبثها المواد التلفزيونية المصورة أيضاً.
كما وأوضحت الدراسات أن هذه الوكالات تركز في أنبائها على الأخبار السلبية والسيئة عن الدول الأقل تطوراً والنامية في العالم، كالفساد والعنف والكوارث، أكثر من تناولها للأنباء الخاصة بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية والعلمية واحتياجاتها، بتأكيد على الأحداث الجارية دون تناول العوامل المسببة لتلك الأحداث. إضافة لتركيز هذه الوكالات على الصفوة في المجتمع، أكثر من اهتمامها بالقطاعات العريضة من المجتمع. كما وأوضحت تأثير الفوارق الاجتماعية والثقافية بين شعوب العالم على التدفق الإعلامي الدولي، تلك الفوارق التي تشكل عائقاً أمام التبادل الإعلامي الدولي.
وأظهرت الدراسات أن الإذاعة المرئية تعتبر من أكثر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تأثيراً على الجمهور الإعلامي، وتؤكد تأثيره النسبة المرتفعة لساعات المشاهدة يومياً، في أوساط المشاهدين للبرامج الإذاعية المرئية(35). ويعد التدفق الإعلامي الدولي عبر القنوات الإذاعية المرئية الفضائية، مؤثراً بصورة خاصة على النساء و الأطفال الأكثر تعرضاً للبرامج الإذاعية المرئية في الدول المتقدمة، ومجمل سكان الدول الأقل تقدماً، وأن النموذج الإعلامي الإذاعي المرئي الغربي المسيطر، أو النموذج الاشتراكي، لا يلبيان الحاجات الإعلامية للدول النامية.
ويعد التبادل الإعلامي الدولي، أحد الاتجاهات الرئيسية للتدفق العالمي للاتصال ونقل البيانات والمعلومات، حيث يتزايد اعتماد البنوك، وشركات التأمين العالمية، وخطوط النقل الجوي، وشركات الملاحة البحرية، والشركات متعددة الجنسية، ووكالات الأنباء .. وغيرها، على وسائل الاتصال الحديثة من تلكس وفاكس وشبكات الكمبيوتر عبر خطوط الهاتف والأقمار الصناعية المخصصة لأغراض الاتصال.
وقد أصبح هذا النوع من الاتصال الدولي ممكناً، بفضل التطور العلمي والتقني الهائل في نظم الاتصال الإلكترونية عبر الفضاء. مما سمح للولايات المتحدة الأمريكية الأكثر تطوراً في وسائل الاتصال الفضائية والإلكترونية، والتي تملك أوسع شبكة كمبيوتر منتشرة عالميــــاً ( الإنترنيت )، لاحتلال موقع المسيطر في هذا المجال الحيوي للاتصال في العالم. وعلى سبيل المثال في عام 1981 كانت الولايات المتحدة الأمريكية وحدها مسؤولة عن نقل وتوزيع 80% من البيانات والمعلومات في العالم. بفضل ثورة الحاسبات الإلكترونية التي توغلت في كل مناحي الحياة وامتزجت بكل وسائل الاتصال واندمجت معها، ولعل شبكة انترنيت الأمريكية الشهيرة تمثل جوهر ذلك الامتزاج حيث يتم تخزين معلومات واردة من 21 ألف شبكة معلومات بشكل منظم منسق يسهل عملية استرجاعها بواسطة أي مستخدم، وذلك من خلال الحاسبات الإلكترونية، ثم تقوم بعد ذلك بواسطة تقنيات الاتصال المتطورة التي توظف الخطوط الهاتفية والأقمار الصناعية في توصيلها إلى 33 مليون مشترك في جميع أنحاء العالم.(36)

مبادئ الصحافة الدولية والتبادل الإعلامي الدولي 2 من 2

وزارة التعليم العالي والمتوسط الفني بجمهورية أوزبكستان
معهد طشقند العالي الحكومي للدراسات الشرقية
الدكتور محمد البخاري
مبادئ الصحافة الدولية والتبادل الإعلامي الدولي 2 من 2
طشقند - 1997
3/3- التبادل الإعلامي الدولي وتكوين وجهات النظر: تساهم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في خلق التصور وفهم أو سوء فهم أو عدم فهم الشعوب لبعضها البعض، وقد تكونت هذه الظاهرة، كنتيجة حتمية لانعدام التوازن في التدفق الإعلامي الدولي، ونتيجة للتشويه الناتج عن وصف الدول الأقل تطوراً، والدول النامية من خلال المواد التي تنشرها وتبثها مصادر الأنباء المسيطرة في العالم، بشكل سلبي يعطي صورة الاضطراب والفوضى والعنف والفساد والفشل عن تلك الدول.
وقد خلصت بعض الدراسات إلى أن قيام الأفراد ببناء وتقويم التصور الذهني لدى الشعوب، تماثل عملية قيامهم ببناء الصورة الذهنية الواقعية. وأن قيمة أحكامهم ترجع إلى خليط من العوامل الجغرافية والسياسية والعرقية أو إلى جوانب أخرى عن هذه الدول. ويميل القائمون بالاتصال في الدول الغربية عامة، إلى التأكيد على الصراعات والأحداث المشؤومة، مع التركيز على التأثيرات السلبية في تقويمهم للحكومات أو المجتمعات.
كما خلصت بعض الدراسات الميدانية إلى نتيجة مفادها، أن التعليم في كل بلد يظل العامل المستقل والمسيطر على عملية التنبؤ المعرفي، حتى وبعد إضافة عوامل التعرض لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. وأن الرجال أكثر ميلاً من النساء للتعرف على الخصائص الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بالبلاد.
ويتأثر التصور الذهني لدى الإنسان، من خلال أخبار العالم التي يتعرض لها بأوجه القصور التالية: أن الأنباء الدولية تركز على الغرب أساساً، لأن مصادر الأنباء هي غربية بشكل عام. وأن التغطية الإخبارية للدول النامية يتم بطريقة سلبية واضحة. وأن الأنباء الدولية تميل للتعقيد بدلاً من أن تكون بسيطة للغاية.
ومما سبق كله نستطيع الخروج بخلاصة مفادها، أن التدفق الإعلامي الدولي يخدم ويؤكد أساساً تكوين التصور الذهني الإيجابي عن الغرب وحده. في نفس الوقت الذي يكون فيه التصور الذهني السلبي عن الدول النامية، رابطاً بين تلك الدول والجوانب السلبية من عنف وفساد وإرهاب وعنف وفشل ... الخ، من صور التشويه في إطار التدفق الإعلامي الدولي، والتبادل الإعلامي الدولي.
3/4- التبادل الإعلامي الدولي والتعاون الدولي: ولمواجهة المشاكل التي خلقها التدفق الإعلامي الدولي للدول النامية، طالبت هذه الدول عبر المحافل الدولية، بإقامة نظام عالمي جديد للتبادل الإعلامي الدولي. لتحقيق العدالة وتحسين وضع الدول النامية في عملية التدفق الإعلامي الدولي.
وقد تحقق تحسن ملحوظ في إطار التدفق الإعلامي الدولي، بين الدول النامية والدول الصناعية المتقدمة، بعد ظهور بعض الأنظمة الإعلامية الجديدة، وإنشاء العديد من وكالات الأنباء التابعة للتجمعات الدولية والإقليمية. ومن ضمن تلك الوكالات، وكالة الأنباء الدولية IPS)) The Inter Press Service المتخصصة بتوزيع أنباء الدول النامية، والعمل على تدعيم وتشجيع ربط التبادل الإعلامي الأفقي بين الدول النامية، وتوزيع أنبائها على وسائل الاتصال والإعلام في أوروبا وأمريكا الشمالية. وافتتحت هذه الوكالة مكاتب لها في أكثر من 60 دولة ثلثيها في الدول النامية.
وعقدت وكالة الأنباء الدولية IPS اتفاقيات ثنائية مع 30 وكالة أنباء وطنية في الدول النامية، لتبادل الأنباء بينها. إضافة لتركيزها على قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، والتطور الحاصل في الدول النامية. كما عقدت وكالة الأنباء الدولية اتفاقيات مع عدد من وكالات منظمة الأمم المتحدة لتغطية أخبار أنشطتها المختلفة.(37)
وتحصل وكالة الأنباء الدولية IPS على 70 % من الأنباء التي توزعها، من مراسليها الموزعين في مختلف دول النامية. أما الـ 30 % الباقية فتحصل عليها من وكالات الأنباء الوطنية في الدول النامية، التي أبرمت معها اتفاقيات تبادل إعلامي، بالإضافة لبعض وكالات الأنباء الصغيرة.
وتوزع وكالة الأنباء الدولية IPS أخبارها يومياً، من خلال شبكتين رئيسيتين ناطقتين باللغتين الإسبانية حوالي 30,000 كلمة يومياً، والإنجليزية 20,000 كلمة يومياً. إضافة لترجمة وتوزيع مجموعة مختارة من تلك الأنباء إلى اللغات الفرنسية والألمانية والعربية والبرتغالية والهولندية والنرويجية والسويدية.
ويوضح الجدول التالي توزيع وكالات الأنباء الوطنية للدول النامية وغيرها المشاركة في شبكة توزيع أنباء وكالة الأنباء الدولية IPS :
الشبكة الناطقة بالإنجليزية ENGLISH NETWORK: الوكالة البلد؛ JANA ليبيا؛ INA العراق؛ WAM الإمارات العربية المتحدة؛ MANE نيجيريا؛ QNA قطر؛ TAP تونس؛ LAKAPUVAT سيريلانكا؛ WAFA فلسطين؛ IPS – TAP تونس؛ IPS – JANA ليبيا؛ APA النمسا؛ GNA غرينادا؛ PNA الفلبين.
الشبكة الناطقة بالإسبانية SPANISH NETWORK: VENPRESS فنزويلا؛ NOTIMEX المكسيك؛ TANJUG يوغسلافيا؛ COLPISA إسبانيا؛ ANN نيكاراغوا؛ IFDA الدولية؛ P. L كوبا؛ BOLPRESS بوليفيا؛ ILET المكسيك؛ QNA قطر؛ COLPRESS كولومبيا؛ ECUAPRESS الإكوادور؛ INA العراق؛ JANA ليبيا؛ WAM الإمارات العربية المتحدة؛ PANAPRESS بنمـــا؛ DOMPRESS الدومنيكان؛ NAN نيجيريا؛ RSS نيبال.
ومن كل ذلك نستنتج أن وكالة الأنباء الدولية IPS تشارك بشكل مختلف تماماً في التدفق الإعلامي الدولي، وفي عملية التبادل الإعلامي الدولي، فهي تعكس الوضع في الدول النامية بكل مشاكله وتحدياته، وتسعى إلى خلق تأثير إيجابي في المعرفة والآراء واتجاهات الرأي العام الدولي المتعلقة بقضايا الدول النامية.
وخلاصة القول أن التدفق الحر للإعلام في وضعه الراهن، ليس أكثر من تدفق لسيل من المعلومات باتجاه واحد يخدم مصالح الدول الصناعية المتقدمة، المسيطرة على وسائل الاتصال الحديثة. وأن الدول النامية تنظر بقلق بالغ نحو الواقع المؤلم لها، والمتمثل بسيطرة الدول الصناعية المتقدمة على وسائل الاتصال الحديثة، ومصادر الأنباء وتوظيفها لصالح دعايتها على حساب المصالح الوطنية للدول النامية العاجزة اقتصادياً وتقنياً وعلمياً عن حل هذه المعضلة التي تقف عاجزة أمامها.
وأن التبادل الإعلامي الدولي بحد ذاته هو تبادل رأسي، لا يراعي متطلبات التبادل الأفقي بين كل دول العالم، وفي أكثر الأحيان يكون تدفقاً إعلامياً باتجاه واحد، ووجهة نظر واحدة تعبر عن رأي القوي المسيطر فقط.
ووفقاً لنموذج جوهان جالتونج " المركز والهامش " فإن العالم مقسم إلى جزأين غير متكافئين هما: " المركز " المسيطر وتمثله الدول الصناعية المتقدمة، وهي قليلة العدد، و" الهامش " الأقل تطوراً والمتخلف والذي يمثل دور التابع في النموذج، والذي يتفاعل مع التبادل الإعلامي الدولي رأسياً من فوق ( الدول المتطورة صناعياً) إلى أسفل ( الدول الأقل تطوراً والدول النامية ). إضافة لسيطرة الوكالات الأربع للأنباء في العالم AP, UPI, Reuter, AFP على مصادر الأنباء الأجنبية في معظم دول العالم. من خلال توزيعها حوالي 32,850,000 كلمة في اليوم. إضافة للصور والمواد التلفزيونية المصورة.
وأن تصاعد دور تكنولوجيا وسائل الاتصال الحديثة، وخاصة شبكات الكمبيوتر العالمية(38) وقنوات التلفزيون الفضائية، في عملية التبادل الإعلامي الدولي، قد يسهم في التخفيف من أحادية الجانب المسيطرة حالياً. ويساعد على ظهور نظام إعلامي دولي جديد مازالت الدول النامية تطالب به. لمواجهة مشاكل التدفق الإعلامي الذي يشوه صورة الدول النامية من خلال تركيزه على السلبيات دون الإيجابيات في تلك الدول. نظام إعلامي جديد يقوم بدور أكثر فاعلية في التفاهم الدولي والعلاقات الدولية بشكل عام.
وهذا بحد ذاته يحتاج إلى الاستمرارية والصبر وعدم التراجع من قبل الدول الأقل تطوراً والدول النامية. للانتقال إلى وضع أفضل ومناسب، يستفيد من التغييرات العالمية السريعة والتطورات التي تلت انهيار المنظومة الاشتراكية والإتحاد السوفييتي، وهيأت العالم لتقبل نظام دولي جديد بعيد عن ظروف الحرب الباردة بين الشرق الغرب ونتائجها على الدول النامية.
وهذا يرتبط بتغييرات فعالة وجذرية في بنى وسياسات عديدة، للتخلص من المعوقات التي تقف حائلاً دون ظهور نظام إعلامي دولي ديمقراطي جديد. يشمل تطوير النظام الدولي للاتصال ليتمشى والتحديات القائمة، من قضايا مثل: القائم بالاتصال، ومضمون الاتصال، ووسائل الاتصال، وجمهور الاتصال، وتأثير الاتصال، وأهداف الاتصال. واختيار أنسب العناصر الملائمة للتبادل الإعلامي الدولي، ليسهم على المدى القريب في تحسين وضعية الدول النامية والدول الأقل تطوراً في إطار نظام إعلامي ديمقراطي عالمي جديد.
والدعوة إلى نظام إعلامي جديد، ليست سوى دعوة من قبل أكثرية دول العالم لتحقيق العدالة والتوازن في عملية التدفق الإعلامي.(39) وهي دعوة للتأثير المعنوي لا أكثر، لأن تغيير واقع النظام الإعلامي الدولي، وتحسين ظروف التبادل الإعلامي الدولي لا يتم إلا بالاعتماد على النفس، والسعي الدائم من قبل الدول النامية لتطوير إمكانياتها الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية، وإقامة وسائل إعلام جماهيرية حديثة قادرة على مخاطبة الرأي العام الدولي دون وسيط.
3/5- أساليب وتقنيات وسائل الإعلام الجماهيرية الدولية: أشارت بعض البحوث العلمية إلى أهم عناصر نجاح حملات الدعاية الموجهة والإعلام والموجه للجمهور الإعلامي في الخارج، وهي الأساليب والتقنيات والتكتيكات التي يستخدمها الصحفيون للوصول إلى النجاح، وإقناع القارئ والمستمع والمشاهد، بما يقدمونه له وصولاً للأهداف المرسومة في الخطة الإعلامية. وبينت أن الأساليب المستخدمة في الحملات الإعلامية والدعائية الدولية، تساعد على:(40)
جذب انتباه مستقبل الرسالة الإعلامية وتشده إلى مضمونها من خلال مراعاتها لاهتماماته وميوله الثقافية. ويحدث هذا عندما تعتمد الرسالة الإعلامية على أسلوب شيق لصياغة مادتها بشكل تصبح معه قابلة للتصديق بعيدة عن الشك أو التشكيك لأن ذلك يؤدي إلى استغلال هذا الشك أو التشكيك من قبل الدعاية المضادة، ويتحول إلى عنصر إضعاف للحملة الإعلامية والدعائية ويعيق من وصولها للنتائج المرجوة منها.
واستخدام تقنيات الكذب وحبكه بشكل محكم يحرك مشاعر مستقبل الرسالة الإعلامية ويصعب عليه اكتشاف الكذب المخفي داخل الرسالة الإعلامية. كما وتسعى الحملات الإعلامية الدعائية إلى توريط مستقبل الرسالة الإعلامية وشده للمشاركة معها في العمل مجبرة إياه على تأييد خطتها وأسلوبها في العمل، والبحث عن تبريرات لتأييده لها. كما وتستخدم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية في حملاتها الدعائية، أسلوب التكرار وعرض الموضوع أكثر من مرة للتأكد من وصوله إلى الجمهور الإعلامي المقصود والتأكد من تحقق أكبر قدر ممكن من التأثير المطلوب، ويتم ذلك عادة بمراعاة الوقت الملائم والظروف المؤاتية والوسائل الناجعة للتكرار. وتستخدم كذلك أسلوب المبالغة بشكل يصعب معه اكتشافها من قبل القارئ والمستمع والمشاهد، للتهويل على الجمهور الإعلامي، وصولاً للحد الأقصى من التأثير المعنوي عليه. وتستخدم معه أسلوب الكذب والتضليل لتبرير أمور أو مواقف معينة جرت فعلاً.
ومن الأساليب الشائعة جداً أسلوب التلميح والغمز عند توجيه الاتهام لشخص ما أو جماعة معينة أو دولة بحد ذاتها، كون تأثير هذا الأسلوب أكبر من تأثير الاتهام المباشر على الجمهور الإعلامي. وكذلك تستخدم أسلوب عرض المواضيع بقالب يوحي بأنها حقيقة ثابتة، لا تقبل الجدل لمنع تسرب الشك إلى أذهان الجمهور الإعلامي.
وتسعي وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية دائماً للتقرب من الجمهور الإعلامي باستخدام أشخاص يعرفون ثقافة وميول ورغبات واستعداد مستقبل الرسالة الإعلامية، ويعرضون المادة الإعلامية بالصورة واللغة التي يفهمها جيداً الجمهور الإعلامي المستهدف،إضافة لمحاولة تقمص شخصية القارئ والمستمع والمشاهد أثناء تنفيذ الحملات الإعلامية والدعائية.
وتلجأ وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، في حملاتها الإعلامية والدعائية إلى الاعتماد على المصادر الموثوقة عند إعداد وصياغة المادة الإعلامية، بهدف زيادة الثقة لدى الجمهور الإعلامي وتدعيم تقبله للمادة الإعلامية الموجهة له. أو إلى التجاهل المتعمد لأحداث معينة أو ما تروجه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية والدعائية المضادة، من مواضيع لا يمكن الرد عليها بسبب ضعف الموقف المواجهة للدعاية المضادة.
كما وتلجأ وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية إلى استخدام لغة إعلامية واضحة من خلال العبارات المستخدمة تجنباً للالتباس في المعاني والتفاسير، وتأكيداً للوصول إلى الهدف المرسوم. أو تلجأ إلى الربط المزيف لترك مستقبل الرسالة الإعلامية، يتقبل موقفاً معيناً ويرفض موقفاً آخر، معتمداً على خبراته السابقة، دون وعي أو إدراك أو تفكير. ويزداد أثر هذا الأسلوب على الجمهور الإعلامي الذي يتمتع بمستوى تعليمياً ضعيفاً.
وكثيراً ما تستخدم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية في حملاتها الدعائية، العاطفة وغريزة القطيع في توجيه الحملة الإعلامية للجماعات الإنسانية التي تربط بينها روابط مشتركة كالدين والعقيدة أو العنصر البشري أو الجنس أو البيئة أو المهنة أو العمل أو الانتماء لتنظيم معين أو الاشتراك في حمل جنسية معينة.
ومعروف للجميع أنه من الصعب جداً تحديد مدى التزام، أو عدم التزام، وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية بأخلاقية العمل الصحفي، إذ قد تلجأ في بعض الأحيان مضطرة، أو عن سابق ترصد وإصرار إلى أساليب وتقنيات تتعارض مع أخلاقيات العمل الصحفي المعروفة والمعترف بها دولياً، في حملاتها الدعائية بقصد الوصول لأهداف معينة. في نفس الوقت الذي تنفي فيه عن نفسها هذه التهمة، مؤكدة التزامها بأخلاقيات العمل الصحفي، لأن اعترافها بالخروج عن مواثيق أخلاق العمل الصحفي الدولية، يعني فقدان مصداقيتها وانتهاء دورها الإعلامي الدولي، وهذا وضع لا يستطيع قبوله أحد.
3/6- الجوانب الثقافية للتبادل الإعلامي الدولي: هناك جوانب ثقافية للحملات الدعائية الدولية،(41) يطلق عليها اسم الدعاية الثقافية الدولية ويزداد فاعلية هذا الدور طردياً بالتناسب مع قوة ومكانة ودور الدولة التي تمارسه في النظام الدولي. حيث تركز هذه الدولة على نشر ثقافتها داخل الدول الأخرى، مما حذا بالبعض لوصف هذا النشاط الموجه لمجتمعات الدول الأضعف بالامبريالية الثقافية، إلا أن تطور العلاقات الدولية تقتضي تفاعلاً أكثر بين ثقافات مختلف الأمم. وهناك فرق واضح بين التفاعل الحر بين الثقافات، وبين فرض ثقافة معينة على حساب تحطيم الثقافة الأصلية لشعب معين، من خلال استغلال التبادل الإعلامي الدولي من قبل الدول المتقدمة، في حملات دعايتها الثقافية الموجهة للدول الأقل تطوراً والدول النامية.
ويدخل هذا النشاط الثقافي الهادف إلى التأثير على المجتمعات الأخرى ضمن الحملات الدعائية الدولية، ويشمل في طياته الأدب والفنون والتعليم والرياضة والتبادل الثقافي والمنح التعليمية ودعوة الصفوة من مثقفي الدول الأضعف لزيارة الدولة الأقوى والأكثر تطوراً للإطلاع على المنجزات الثقافية فيها.
وعلى سبيل المثال تمارس الولايات المتحدة الأمريكية حملاتها الدعائية الثقافية، من خلال وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، وهيئة الاستعلامات الأمريكية التي تمارس أنشطة متعددة خارج الولايات المتحدة، ومن خلال المكتبات والمراكز الثقافية المنتشرة في العديد من دول العالم. ومن خلال سعيها الحثيث لنشر تعليم اللغة الإنكليزية وأنظمة التعليم الأمريكية في الخارج، وتقديم المنح الدراسية لطلاب من الدول الأخرى، واستيعاب الطلاب الوافدين من الدول الأخرى الراغبين في الحصول على التعليم في مؤسسات التعليم والجامعات الأمريكية.
ومن خلال اتفاقيات التعاون الثقافي الموقعة بينها وبين الدول الأخرى، إضافة لبرامج المساعدات الثقافية الأمريكية للدول النامية.
أما بريطانيا فهي إضافة لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، تمارس حملاتها الإعلامية والدعائية والثقافية الدولية من خلال المجلس البريطاني(42) الذي تمده بثلث مخصصاته المالية، مؤسسة التنمية البريطانية فيما وراء البحار. وتدخل معظم الوظائف التعليمية التي يقوم بها المجلس البريطاني في إطار برنامج المعونة الفنية. ويعمل المجلس في أكثر من ثمانين دولة، بتعليم اللغة الإنكليزية، مركزاً على تدريب معلمي اللغة الإنكليزية في هذه الدول. وللمجلس البريطاني مكتبات في أكثر من خمسين دولة، ويعمل على تنمية الاتصالات بين العلماء والفنانين والمهنيين وغيرهم من مثقفي الدول النامية، إضافة لإيفاده العديد من الدارسين من تلك الدول إلى انكلترا للتحصيل العلمي والدراسي. وتختلف أوضاع العاملين في الخارج من موظفي المجلس البريطاني عن الدبلوماسيين المعتمدين. وفي حالات نادرة يكون ممثل المجلس في البلد المتواجد فيها ملحقاً ثقافياً في سفارة بلاده.
أما فرنسا فتمارس حملاتها الإعلامية والدعائية الثقافية الدولية، إضافة لوسائل الاتصال والإعلام الدولية، من خلال رابطة أليانس فرنسيس الذي أحدثته في عام 1883 بهدف مضاعفة تأثيرها في الخارج، ونشر الثقافة واللغة الفرنسية في العالم. ويتبع لرابطة أليانس فرنسيس 1010 لجنة وجمعية في الخارج تقوم بتنظيم المؤتمرات والاجتماعات، وافتتاح المكتبات. و600 مركزاً منتشرة في أنحاء مختلفة من العالم.(43)
والشائع أن تمارس الدول نشاط دعايتها الثقافية من خلال المراكز الثقافية التابعة لسفاراتها في الدول الأخرى، ويتولى إدارة تلك المراكز المستشارون أو الملحقون الثقافيون المعتمدون في السلك الدبلوماسي المتواجد في ذلك البلد. بينما تكتفي الدول غير القادرة على افتتاح مركز ثقافي لها في البلدان الأخرى على نشاط المستشارين والملحقين الثقافيين المعتمدين في سفاراتها بالخارج.
وتبدلت الصورة بعد أن جاء عصر التخطي المعلوماتي للحدود القومية خلال العشرين السنة الأخيرة، والذي تضمن تحولات جذرية في وسائل تخزين، ومعالجة واسترجاع المعلومات، والنمو السريع لتقنيات وتجهيزات الاتصال السلكية واللاسلكية من ميكروويف، وألياف بصرية، وتكنولوجيا الأقمار الصناعية للاتصالات، وبرامج الكمبيوتر، والإذاعتين المسموعة والمرئية.(44)
حاملاً معه ظاهرة الثقافة عابرة القوميات، وهي عملية أساسية يحل فيها بدرجات متفاوتة وفي سياقات مختلفة، تنظيم الشعوب في مجموعات " أفقية " محل تنظيمهم رأسياً في مجموعات وطنية، وبمعنى آخر ترتبط الشعوب بعضها ببعض بأساليب إلكترونية، وليس بالجوار الجغرافي(45)، وليس بالثقافة الوطنية أو القومية. ويذهب البعض إلى أن ظاهرة التخطي المعلوماتي، للحدود المعترف بها لدول العالم، أو الثقافة عابرة القوميات، هي ظاهرة الأمركة "فرض النمط الأمريكي".(46)
ويثير التخطي المعلوماتي للحدود القومية والوطنية، تساؤلات محورية وأساسية ومهمة لكل المجتمعات، بغض النظر عن وضعها الاقتصادي الراهن أو الحالي أو المشاكل التي تواجهها أو الضغوط التي تتعرض لها.
وتتصل هذه التساؤلات بعدد من القضايا الأساسية، وهي: السيطرة الثقافية، والإنتاج الثقافي، وتوزيع الإنتاج الثقافي، والنفاذ إلى المعلومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية....الخ للدول الأخرى. وخلق نظام إعلامي عالمي جديد، وتنظيم عمليات تدفق البيانات عبر الحدود، والتحكم فيها عن بعد، وتحديد سياسة الدولة في المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية ....الخ، وتنمية طاقات وطنية تكنولوجية وإنتاجية، وإعادة بناء الفهم لما هو وطني وقومي بالمعنى الثقافي والتاريخي والتراثي وغيره.(47)
ولهذه القضايا المطروحة دائماً للبحث، بعدها العالمي وانعكاساتها على معظم دول العالم، إلا أنه بالنسبة للعديد من دول العالم الثالث، تبدو أكثر ضغطاً وإلحاحاً بسبب أن الدول في إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، هي بالمعنى الجوهري من الدول التي بعظمها استقلت حديثاً وما زالت تعاني من مشاكل التخلف الموروثة من العهد الاستعماري.(48) ونضيف إليها الدول المستقلة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية والإتحاد السوفييتي السابق، والتي تعاني من مشاكل الانتقال إلى اقتصاد السوق والسيادة الوطنية، ونراها تسعى حثيثاً لإيجاد مكان لائق لنفسها في النظام الإعلامي العالمي، وللمشاركة الفاعلة في عملية التبادل الإعلامي الدولي.
3/7- فاعلية التبادل الإعلامي الدولي: تساعد وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، على تكوين المواقف من القضايا المطروحة، أو تضخيمها. وتلعب دوراً كبيراً في عملية التغيير السياسي والاجتماعي والثقافي والفكري، لدى القراء والمستمعين والمشاهدين.
كما وتساعد وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية في تدعيم سلوك الجمهور الإعلامي من موقف معين، أو التشكيك به، أو رفضه، أو تغييره لصالح موقف جديد. وهذا متوقف على مدى تكثيف الحملة الإعلامية والوسائل المستخدمة فيها، ومدى وضوح موقف مستقبل الرسالة الإعلامية للقائم بالاتصال. أو تعرض مستقبل الرسالة الإعلامية لموقف إعلامي غير متماسك أو لصور نمطية سبق لمستقبل الرسالة الإعلامية وتعرض لها، ومدى تحيزه لمضمون الرسالة الإعلامية بحد ذاتها.(49)
ولابد للقائم بالاتصال من معايير خاصة يعتمد عليها، من أجل الوصول إلى فاعلية أكبر من الحملات الإعلامية الدولية، وإمكانيات أكثر للوصول إلى الأهداف المرسومة للحملة الإعلامية. ولابد من مقاييس يعتمد عليها المخططون للحملات الإعلامية، والقائمون بالاتصال لتحديد مدى نجاح أو فشل الحملة الإعلامية. ومن تلك المعايير مثلاً القدرة على التصدي للإعلام المضاد الموجه لنفس الساحة الإعلامية، ومدى قدرة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية المستخدمة من قبل القائمين بالاتصال على انتزاع المبادرة من الإعلام المضاد والتوجه إلى الجمهور الإعلامي بشكل أكثر فاعلية في المواضيع المطروحة.
والمعيار من الأمور الهامة جداً لقياس راجع صدى الرسالة الإعلامية، ومعرفة مدى نجاح الحملة الإعلامية. ولو أن الظروف الدولية من تأزم أو انفراج العلاقات الدولية، يعتبر من الأمور الخارجة عن نطاق المعايير الإعلامية، ولكن الحملات الإعلامية قد تؤدي في بعض الحالات إلى انفراج أو خلق الأزمات في العلاقات الدولية المتشعبة.
ومن المناهج المستخدمة لقياس راجع الصدى في الحملات الإعلامية الدولية، نذكر:
- المناهج الاستقرائية: التي طورتها إدارة الإعلام والتعليم بجيش الولايات المتحدة الأمريكية من خلال البحوث التطبيقية التي أجرتها إبان الحرب العالمية الثانية، وأعقبتها أبحاث هوفلاند Hovland وزملائه. وجرى من خلال هذه الأبحاث قياس تأثير الاتصال من خلال التجربة المسيطر عليها من خلال التركيز على العناصر التالية:(50)
1- القائم بالاتصال: فتبين أن تأثير الرسالة الإعلامية يزداد في حالة إذا كان القائم بالاتصال ينقل مواقف تتماشى ومواقف مستقبل الرسالة الإعلامية. وأن المستقبل يبدأ بنسيان مصدر الرسالة الإعلامية أو القائم بالاتصال بعد مدة وجيزة، وهو ما أطلق عليه اسم التأثير النائم، وأنه هناك عوامل مساعدة أخرى لزيادة التأثير الذي يمارسه القائم بالاتصال، على مستقبل الرسالة الإعلامية كالسن والجنس والمظهر الخارجي للقائم بالاتصال.
2- الرسالة الإعلامية: وتبين أن زيادة فاعلية الحملة الإعلامية الدولية يمكن أن يتم في حالة إذا تمشت الرسالة الإعلامية مع أهداف الحملة الإعلامية الدولية واحتياجات مستقبلي الرسالة الإعلامية، والقيم السائدة والمواقف الفكرية والآراء والمعتقدات الخاصة بهم. ولوحظ أيضاً أن العرض الجزئي للمشكلة أكثر تأثيراً لدى المستقبل إذا كان محدود الثقافة والتعليم. وأن عرض المشكلة من كل جوانبها يكون أكثر تأثيراً على المستقبل الذي حصل على نسبة أعلى من التعليم والثقافة، أو إذا كان المستقبل يعارض مبدئياً مضمون الرسالة الإعلامية. وهذا يمكن أن يساعد على تحصين المستقبل ضد الدعاية المضادة مستقبلاً، فيما لو روعيت عناصر اختيار المصادر الإعلامية، والطريقة التي يتم من خلالها عرض الرسالة الإعلامية، مع التطورات السابقة واللاحقة للقضية المطروحة.
3- الوسط الإعلامي: حيث تبين أن الرسالة الإعلامية والوسيلة الإعلامية مرتبطتان الواحدة بالأخرى، لأن طريقة عرض وتقديم الرسالة الإعلامية مرتبط بالتأثير الإعلامي إلى درجة تعادل أهمية الرسالة الإعلامية نفسها. وأنه لابد من مراعاة مدى انتشار كل وسيلة اتصال إعلامية جماهيرية في الأوساط المستهدفة من الحملة الإعلامية الدولية قبل استخدامها، واختيار الوسيلة التي يمكن أن تعطي أكبر قدر ممكن من التأثير والفاعلية الإعلامية. وهناك من يرجح الاتصال المباشر، ومن يرجح الإذاعة المسموعة، ومن يرجح الإذاعة المرئية، وهناك من يرجح المادة المطبوعة، وكلها احتمالات يمكن الاستفادة منها في حدودها الممكنة.
4- مستقبل الرسالة الإعلامية (الجمهور الإعلامي): ويتوقف على معرفة خصائص مستقبل الرسالة الإعلامية من النواحي الثقافية والفكرية والمعتقدات والمواقف السياسية وأنماط السلوك والسن والجنس والوضع التعليمي والوضع الاجتماعي والاقتصادي، والعنصري والإقليم الجغرافي والتنظيم أو النظام الذي ينتمي إليه.
- والمناهج الاستنباطية: المعتمدة على النظرية السلوكية، التي تركز على تغيير المواقف وتكوينها وتعديلها.
- ونظرية الإدراك المعرفي، التي تعمل على شرح تكوين المواقف وتعديلها والتنبؤ بأثر عملية الاتصال، والتركيز على تعديل المواقف من خلال معتقدات وعواطف الفرد، وتحقيق التوافق المنطقي لمعارف الفرد، تعتمد كلها على عملية الاتصال. فما هو الاتصال؟
3/8- وسائل الاتصال كمصدر للتبادل الإعلامي الدولي: عناصر الاتصال: عملية الاتصال في التبادل الإعلامي الدولي، هي مجموعة من الوسائل تربط بني البشر ببعضهم، وتحقق التفاعل في العلاقات الإنسانية. وقد تعرَّف على أنها عمل لتغيير المفاهيم باستعمال اللغة أو أي من الوسائل الأخرى المتيسرة. وعملية الاتصال تهدف إلى إحداث تجاوب مع الشخص أو الأشخاص المتصل بهم. وبعبارة أخرى تحاول أن تشاركه أو تشاركهم في استيعاب المعلومات أو في نقل فكرة أو اتجاه فكري إليه أو إليهم.(51)
ويعرَّف الاتصال أيضاً بأنه عملية يتم من خلالها تبادل المفاهيم بين الأفراد وذلك باستخدام نظام الرموز المتعارف عليها، ويعتبر استخدام الكلمة طريقة من أكثر وسائل الاتصال شيوعاً بين المرسل والمتلقي.
وعلم الاتصال يمتد بجذوره في التاريخ إلى أرسطو الذي وضع أسساً علمية لعملية الاتصال لم تزل قائمة حتى الآن للتفاعل بين (الخطيب - المرسل) و(الجمهور - المستقبل) تقوم على أن يعد المرسل (رسالته - خطبته) بصورة شيقة وجذابة ومقنعة، حتى يمكن أن تؤثر في الجماهير بالصورة المستهدفة. وذلك لأنه لا قيمة للاتصال، من وجهة نظر أرسطو ما لم يكن مقبولاً ومفهوماً من (الجمهور - المستقبلين).(52)
وهنا يتضح محور العلاقة التي أوجدها وحددها أرسطو بين المرسل، والرسالة، والمستقبل. حيث قسم أرسطو الموقف الاتصالي إلى ثلاث مراحل: الخطيب - الخطبة - الجمهور. وأوجب أرسطو على (الخطيب - المرسل) أن يدرك ما يعتمل في نفوس الجمهور من قيم ومبادئ ومعايير وسنن اجتماعية. وعلى أساس إدراك الجمهور للرسالة يتأثر بتفسيره بهذه الرسالة. وهذا التفسير يعتمد على الوضعية الاجتماعية للجمهور من حيث نشأته الاجتماعية، والإطار أو النسق القيمي الذي يأخذ به.(53)
أما الموقف الاتصالي لدى ابن خلدون فينحصر بالآتي: 1- المرسل: ويرى ابن خلدون أن الناقلين " الأخصائيين بالاتصال " لا يعرفون القصد مما عاينوا أو سمعوا، وينقلون الخبر على ما في ظنهم وتخمينهم فيقعون في الكذب في كثير من الأحيان. 2- الرسالة: والتي من الضروري مناقشتها في ذاتها للوقوف على مدى اتفاقها مع طبيعة الأمور، ومع الظروف والملابسات التي يحكيها الراوي - المرسل - ومناقشة مادة تلك الرواية - الرسالة. 3- المستقبل: وقد أوجب عليه ابن خلدون أن يتأكد من أمانة الراوي - المرسل، وصدقه وسلامة ذهنه، وطهارة عقيدته، ومتانة خلقه، وقيمته الشخصية.(54)
وتسلط هذه النظرة الضوء على حقيقة الرسالة والأمانة عند المرسل، والذكاء الاجتماعي عند المستقبل، ونلاحظ أن رؤية أرسطو أكثر شمولاً واتساعاً من نظرة ابن خلدون للاتصال التي يبدو عليها مسحة مثالية. ولكنها تبقى أقرب لأخلاقيات الاتصال المطلوبة.(55)
وهناك عدة نظريات حديثة للاتصال منها على سبيل المثال لا الحصر نظرية كولن للاتصال والتي يمكن تلخيص الموقف الاتصالي فيها على النحو التالي: 1- المرسل ويستمد من عقله الرسالة التي يرغب في توصيلها إلى شخص آخر. 2- الرسالة ويستخدم الإنسان عقله وقدراته واستعداداته النفسية مثل التذكر والإدراك والانتباه لاستيعاب تلك الرسالة. 4- التغذية العكسية أو راجع الصدى وهي الاستجابة للرسالة (المثير) من قبل المرسل، وبذلك تكمل الدورة الاتصالية.(56) وتعتمد هذه النظرية على عقل الإنسان باعتباره المركز الرئيسي للاتصال سواء في الإرسال أم في الاستقبال.
أما ستيفنسون فقد ربط بين نظريته في الاتصال و"الإمتاع" على أساس أن "المستقبل" يشعر بالاستغراق والمتعة فيما يقرأ أو يشاهد لاسيما في الاتصال الجماهيري، ولكي تستمر المتعة فيما يقرأ أو يسمع أو يشاهد من الضروري أن تتخلل العملية الاتصالية بعض القطع الموسيقية أو الأغنيات الخفيفة لتقليل حالة الضغط الإعلامي على المستقبل.
ومن شروط الموقف الاتصالي في هذه النظرية: 1- إلزام المرسل بإيديولوجية المجتمع التي من أهدافها ربط المواطنين بمجتمعهم والارتقاء بأذواقهم في مختلف النواحي الاجتماعية والثقافية. 2- صياغة الرسالة في أسلوب شيّق يعتمد على الإمتاع بشكل يجعل المستقبل على اتصال دائم بمصادر المعلومات.(57) 3- إتاحة الفرصة للمستقبل للدخول في حوار مع المرسل، حتى يؤدي ذلك إلى تكوين رأي عام مستنير، يعتمد على الحقائق الواضحة، وليس على ما تقدمه له الأجهزة التنفيذية، دون أن تكون للجماهير حق معرفة مصادر وصدق وثبات ما يقدم لها من معلومات.(58)
أما نظرية لازر سفيلن فتلخص الموقف الاتصالي بالتالي: 1- المرسل: وهو مؤلف وناقل الرسالة. 2- الرسالة: وهي ما يرغب المرسل إرساله للمستقبل من خلال وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. 3- المستقبل (الجمهور الإعلامي): وهو من وجهة نظر تلك النظرية لا يتأثر بالرسالة مباشرة وإنما يتأثر بها أكثر إذا ما نقلت إليه مرة أخرى عن طريق قادة الرأي ويمكن تصور مفهوم قادة الرأي من خلال الدراسات التي أجريت على بنية الاتصال في المجتمعات القروية. حيث يحتكر قائد الرأي بعض الأساليب الاتصالية (القراءة) أو أجهزة الاتصال (جهاز استقبال البث الإذاعي) مثلاً. ومن خلال متابعته للقراءة أو الاستماع، فإنه يستطيع إعادة صياغة الرسالة بشكل يتفق مع الحالة المعنوية للمستقبل.(59)
أما نظرية إسفيروس في الاتصال فقد ركزت على العملية الاتصالية كظاهرة اجتماعية تقوم على التفاعل الذي يتحقق في المجتمع وعلى ارتباط بقية الظواهر الاجتماعية الأخرى. واعتبره موضوعاً إنسانياً بالدرجة الأولى.(60) وعلى ذلك فإن الموقف الاتصالي في هذه النظرية يقوم على: 1- المرسل: وهو المجتمع. 2- الرسالة: وهي التعبير الموضوع الموجه لعقلية الجماهير وروحها وميولها واتجاهاتها. 3- المستقبل: وهو المجتمع أيضاً. 4- وسائل الاتصال: مثل الإذاعتين المسموعة والمرئية، والصحف، وهي المنابر التي لا يرتقيها القادة السياسيون وحسب، وإنما ترتقيها الجماهير أيضاً، لكي تعبر عن مطالبها وآمالها، كي تشترك بالرأي في إدارة شؤون المجتمع التي ليست حكراً لأحد.(61)
أما ويفر وشانون فيحددان العلاقة بين المرسل والرسالة والمستقبل بالتالي: 1- المرسل: (وهو أخصائي اجتماعي) ينتخب أو يختار رسالة (مجموعة توجيهات) يرغب في توصيلها إلى مستقبل (مبحوث) الأمر الذي يضطر المرسل إلى تحويل رسالته إلى شكل أو هيئة أو رمز، بحيث يمكن نقلها عبر قنوات الاتصال إلى المستقبل (المبحوث). وبذلك يكون عقل الأخصائي الاجتماعي هو مصدر المعلومات. 2- الرسالة: وهي عبارة عن مجموعة توجيهات من أخصائي موجهة إلى مبحوث، يتولى صوت الأخصائي الاجتماعي توصيلها، وتقوم الموجات الصوتية بدور قناة الاتصال الرئيسية لعملية الاتصال. 3- المستقبل: وهو متلقي الرسالة ويقوم بتحويلها إلى الشكل أو الرمز التي كانت عليه في هيئتها الأولى، وبذلك يكون عقل المبحوث هو الهدف الذي يرمي الأخصائي الاجتماعي توصيل التوجيهات إليه. على حين تمثل أذن المبحوث جهاز الاستقبال الذي يتلقى المعلومات.(62)
وقد حدد هودينت العناصر الفعالة للعملية الاتصالية في سبعة أجزاء وهي: مشكلة؛ ومرسل؛ ورسالة؛ ووسيلة؛ وأحياناً ناقل؛ ووسيلة للاستقبال؛ واستجابة.(63)
والسؤال المطروح: كيف تؤثر وسائل الاتصال والإعلام على عملية إشباع حاجات الفرد الاجتماعية ؟
لأن وسائل الاتصال والإعلام تنشر المعلومات وتزوِّد الأفراد بعدد من الموضوعات التي تسهِّل على المؤسسة، الاتصال المتبادل. وهذا يعني أن وسائل الاتصال والإعلام تتعرض لجمهور واسع من الناس، وتعرض معلومات عن حوادث أو ظاهرات معينة من التي لها أهمية اجتماعية.
وليس للإنسان دائماً الفرصة ليكوِّن علاقات مع الآخرين وهو وحيد لأسباب مختلفة. وهذا النقص في الترابط مع العالم الخارجي ربما يؤدي به إلى اليأس، ويستطيع جهاز استقبال البث الإذاعي المسموع أو المرئي أن يسدي خدمة كبيرة له. لأن صوت جهاز استقبال البث الإذاعي المسموع يبعد عنه الشعور بالوحدة وهذه إحدى الخدمات النفسية المهمة التي يؤديها جهاز استقبال البث الإذاعي المسموع وهذا ينطبق على جهاز استقبال البث الإذاعي المرئي ولو أن تأثير الأول أوسع في هذا المجال من الثاني. ولكن لماذا يعير عدد كبير من الناس الذين يعانون من هذا النقص في الروابط الاجتماعية اهتماماً كبيراً لوسائل الاتصال والإعلام ؟ (64)
والجواب يأتي من أن الإنسان يحتاج للارتباط بالآخرين وهذه حقيقة لا جدال فيها، ولكن هذه الارتباطات تتطلب منه درجة معينة من التكيف. وتستطيع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية أن تزوده بتعويضات تتطلب منه درجة معينة من التكيِّف. كما وتستطيع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية أن تزوِّده بتعويضات لإشباع حاجته للاتصال الاجتماعي. وليستطيع أن يكون صلات اجتماعية مع أشخاص يتمتعون بأهمية اجتماعية كبيرة عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، ويستطيع كذلك أن يناقش ويجادل، ويستطيع أن ينهي المناقشة بإشارة من يديه عندما يرغب ذلك.(65)
وهكذا فإن إشباع حاجة التكيُّف (الملائمة) عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، أصبحت عنصراً ضرورياً في حياة إنسان هذا العصر. وعلى ما يبدو أن قضية التكيُّف ليست متعلقة بسؤال (ماذا) وحسب، وإنما كذلك بـ(كيف) و(لماذا) وهذا يعني أن الإنسان يحتاج أيضاً للتكيُّف لكي يتعلم، وإن هذا التكيف يعلمه أي سلوك عليه أن يتبنى بالنسبة لمواقف معينة، ويسدي له النصيحة في كيفية التصرف في مواقف معينة لكي يصل إلى إشباع أكبر حاجاته. وتأثير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في هذا المجال واسع جداً لأنها تزوِّد الفرد بخلاصات قيم المجتمع المميزة ومستجداته.(66)
ولا تكتمل دائرة الاتصال إلا حين تتوفر للموقف التعليمي جميع العناصر اللازمة لعملية الاتصال ويدل توافر هذه العناصر على أن الدائرة تؤدي عملها بصرف النظر عن طبيعة التعليم المنتظر. ولتقدير فاعلية التعليم ينبغي إيلاء انتباه خاص للتغييرات التي تبدو متداخلة ومؤثرة على هذه العملية.
و يمكن تحديد العلاقة بين عناصر الاتصال وفقاً للتالي:
أولاً: المصدر: سواء أكان فرداً أو مجموعة من الأفراد. فهو عامل هام في الاتصال ويتوقف أداؤه لمهمته على أنواع المتغيرات التي تتضمنها عملية الاتصال بصرف النظر عن إمكانية توجيهها أو ضبطها. وقد لا تتوافر مصادر المعلومات الكافية والمناسبة، وربما تعوز المصدر المهارة اللازمة لإعداد مضمون رسالته بدقة وفعالية. وإذا كان المصدر شخصاً ما، فما هي اتجاهاته نحو عمله ونحو مستقبلي الرسالة الإعلامية، ونحو الوسيلة الإعلامية التي يستخدمها. وهذه بعض العوامل التي تؤثر على عملية الاتصال في التعليم.(67)
ثانياً: يتطلب استكمال دائرة الاتصال تواجد المصدر في جانب والمستقبل في جانب آخر. ولو أن المصدر قد يكون هو المستقبل في نفس الوقت. فإننا نتحدث هنا عن شخصين مختلفين. وكما كانت توجهات المصدر مهمة فإن اتجاهات المستقبل لا تقل أهمية عنها. وإذا كان للمستقبل اتجاه سلبي نحو المصدر فإن التعليم يصبح قليل الفاعلية، وقد تكون النتيجة مشابهة للشعور المماثل الذي يشعر به المستقبل اتجاه الكتاب أو المواد التعليمية الأخرى، عندما لا يكون في حالة تقبل للمصدر. وأكثر من ذلك فإن استقبال الرسالة الإعلامية يتطلب مهارات معينة، وبصرف النظر عن قدرة المستقبل على استخلاص المعاني والقراءة المناسبة والاستماع والتفكير فإن هناك متغيرات هامة ينبغي اعتبارها في الموقف الاتصالي التعليمي.
ثالثاً: الرسالة الإعلامية: وتعتبر عملية تضمين الرسالة واستخلاص محتواها خطوة هامة في عملية الاتصال. فقد يستخدم المصدر بعض المصطلحات كرموز لجميع أجزاء ومقاطع المعلومات. مما يؤدي إلى صعوبة فهمها من قبل المستقبل، مما يؤدي إلى إضعاف عملية الاتصال. ومثال ذلك ما يحدث أثناء تعليم لغة أجنبية، فإذا أغفل المصدر مستوى المستقبل، وطبيعة الرسالة والأسلوب الذي تقدم به المعلومات، والأفكار. فمن غير شك أن كثيراً من هذه المعلومات ستتعرض للضياع، بصرف النظر عن شكل أو أسلوب الاتصال الذي يستخدم. لهذا يجب على القائم بالاتصال أن يعالج الرسالة الإعلامية بشكل ملائم ومنسق وأن يعيد صياغة الرسالة الإعلامية في كل مرة لضمان استقبال نافع وفعال.
رابعاً: التوافق بين المرسل والمستقبل: ويمكن أن يكون عندما يراعى في عملية الاتصال مستوى الخبرة المتوفرة لديهما في إطار المعلومات الاجتماعية والثقافية... إلخ. وفي بعض الحالات التي لا يملك فيها المصدر الصورة الواضحة عن مستوى فهم المستقبل وقدراته فإننا نجد أن اللغة المستخدمة والأمثلة المختارة والأسلوب الذي تقدم به المعلومات قد لا تؤدي إلى استقبال واضح ودقيق لدى المستقبل. الذي يمكنه في هذه الحالة أن يستجيب للمثير فقط من خلال خبراته ومعلوماته المتعلقة بموضوع الرسالة الإعلامية.(68)
وخلاصة القول أن وسائل الاتصال والإعلام هي ركائز أساسية لتبادل الأفكار والمعلومات بين أفراد المجتمع، وتعد أساساً لتفاعلاته الاجتماعية وتقريب وجهات النظر بين المجتمعات المختلفة وبين مواطني البلد الواحد كذلك.
الفصل الرابع: نظريات الصحافة الدولية: هناك مجموعة من العوامل تشترك في تأسيس منطق النظرية العلمية في المجالات الإنسانية والحياتية المختلفة، وهي في حقيقتها نابعة من بيئة الإنسان ومجموعة المنبهات والاستجابات التي تتكون وفقاً لها. وقد عرف الإنسان إنسانيته فعلاً، واستطاع تشخيص تلك العوامل البيئية والاجتماعية والنفسية بعد أن عرف اللغة ومفرداتها، واللغة في شكلها الأول وبطبيعتها البسيطة البدائية كانت ضرورية لحياة الجماعة وأساساً لتكوين العلاقات الإنسانية، وبمرور الزمن تطورت اللغة لتصبح ذاكرة المجتمع ومكنت الإنسان من تنسيق جهوده وتوحيدها في مجرى مشترك عام وجعلت تداول الخبرة ممكناً بين الأفراد والأجيال والمجتمعات.(69)
وفي هذا المعنى الواسع أصبحت اللغة أداة رئيسية للاتصال بين بني البشر، كما أنها في الجانب الثاني أصبحت أداة فكر وأداة لتبادل الآراء والأفكار بين الناس. وجاءت المطبعة لتفتح الطريق أمام الثورة الصناعية بعد أن مهدت لها الثورة العلمية، وما أن دخلنا القرن العشرين حتى صار العالم يعيش ثورة شاملة في الاتصال والإعلام. وانحسرت المسافات الجغرافية أمام القدرات التكنولوجية لوسائل الاتصال والإعلام. ومن أجل تسخير هذه القدرات وتوظيفها لخدمة المعلومات وتبادلها بين المجتمعات أخضعتها الحكومات والدول إلى نظرياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. مما دفع علماء الإعلام والاتصال لتأسيس نظريات إعلامية مستنتجة من تلك النظريات السياسية الأوسع وتطبيقاتها العملية في المجتمعات المختلفة من رأسمالية أو اشتراكية أو هجينة أو خاصة وغيرها.
ولا غرابة في أن يكون لإعلام الدول النامية قولٌ في هذا المجال لاسيما وأنها ابتليت بالأوضاع التي فرضتها السياسات الاستعمارية، وما تعانيه من شدة الخلافات السياسية التي انعكست بالنتيجة على فعالياتها الإعلامية.
والإعلام هو ظل السياسة في عملية الاتصال اليومية وتطبيق المنهج السياسي والاقتصادي والفكري والتربوي والتعليمي والثقافي، في هذا البلد أو ذاك. ووعي الإنسان لمثل هذه العوامل والتكوينات الاجتماعية وتقديره للظروف الموضوعية والذاتية التي تحيط به، يرتبط ارتباطاً مباشراً بلغته القومية، لأن اللغة هي المعبر عن تقديرنا للواقع الموضوعي، وقد ظهر الوعي واللغة في مرحلة محدد من التطور الاجتماعي للبشرية، ليتمكن بني البشر من التواصل والاتصال فيما بينهم.(70)
و اللغة تمنح الإنسان بالإضافة إلى ما ورثه بيولوجياً فرصة كغيره للاستثمار الأمثل للثقافة والمعرفة. وقد أتاح العلم الحديث للغة ممكنات ووسائل متعددة للتعبير عن دقائق الأحكام الفعلية في صورها النظرية والتطبيقية ولمختلف الحاجات الإنسانية. نظراً لتعدد خصوصيات تلك الحاجات الإنسانية وأساليب إشباعها من الوجهة الاتصالية والإعلامية فقد عمد رجال الإعلام إلى إتباع النظرية المناسبة لهم في خطابهم الاتصالي الإعلامي لتجسيد المستويات الإعلامية الوظيفية المطلوبة وهي: 1- المستوى المعلوماتي: الذي يتوسل باللغة لتوصيل المعلومات إلى المتلقي بأسلوب مباشر وبصياغة واضحة ودقيقة. 2- المستوى الإقناعي: وهو الذي يقصد إقناع المتلقي ودعوته للالتزام الأولي ومن ثم تبني المضمون المطروح أو الفكرة المقصودة أو الرأي المراد إيصاله ومن ثم تدعيمه عن طريق خلق القناعات لدى مجموع الجماهير. 3- المستوى التعبيري: ويدخل في باب فن الأدب المستخدم في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية السمعية والمرئية والمقروءة لاسيما المستندة منها على استعمال الصورة المتحركة أو الثابتة. وسنتناول في هذا الفصل عرض أولي للنظريات الإعلامية السائدة في العالم:
4/1- نظرية السلطة المطلقة: السلطة من أنظمة الحكم وتتمثل في الحكم المطلق لديكتاتور لا يؤمن بالحرية أو الديمقراطية ولا يسمح بمشاركة الشعب في الحكم على الإطلاق، وتستند السلطة باعتبارها نظاماً من أنظمة الحكم على فكرة (الحق الإلهي المقدس) وعلى الفكرة القائلة (بأن الحاكم ظل الله وخليفته في الأرض).
آ - مدخل لنظرية السلطة المطلقة: من المتفق عليه أن عام 1450 هو تاريخ ولادة الإعلام المطبوع وتشير المصادر إلى أنه تاريخ ظهور الطباعة، وقد كان الإعلام المطبوع خاضعاً للسلطة، ومقدار هذا الخضوع مرتبط بطبيعة المجتمع الذي يتواجد فيه. فإما أن يكون المجتمع يخضع للسلطة المطلقة، أو أن الفلسفة التي تحكم هذا المجتمع تدعو إلى ذلك.
وقد شهد العالم من هذه الفلسفات شتى أنواع السلطة المطلقة. وعلى سبيل المثال سيطرة الكنيسة ورجال الدين في المجتمع الأوروبي، التي خلقت من النظام السائد مجتمعاً خاضعاً للسلطة المطلقة، تحتل فيه الدولة درجة أعلى من الفرد في سلم القيم الاجتماعية ولا يستطيع الفرد في مثل هذا المجتمع أن يحقق أهدافه أو ينمي قدراته وملكاته إلا عن طريق خضوعه للدولة خضوع الخانع الذليل. وأن يكون أسمى تفكير عنده التفكير التابعي الذي يلغي الوعي والعقل والشخصية.
وفي دولة السلطة المطلقة، رجل أو رجال قليلون يشغلون مراكز القيادة، ويتمتعون بسلطات مطلقة، على الآخرين الطاعة والخنوع لها ولا وجود للتمثيل الشعبي في مثل هذه الدول. ولكن ما هو مصدر الحقيقة في مجتمع السلطة المطلقة؟
وللجواب على هذا السؤال يمكن أن نعتمد على حقيقة التفويض الإلهي أو على الإدعاء العنصري في مثل هذا المجتمع. الذي يقول بوجود جنس معين يعتبر نفسه أعلى من الأجناس الأخرى ويتمتع بحكمة أكثر منهم. وباختصار فالحقيقة تتمثل في قدرة القائد أو الجماعة المعينة على تقدير الظروف وتفهم المخاطر وتشخيص إمكانيات تخطيها.
وتعتبر الحقيقة في هذا المجتمع حكراً لهذه القلة التي تعتبر نفسها حكيمة، وترى أن من حقها أن توجه الجماهير الغفيرة. أي أن الحقيقة تتمركز حول مراكز القوة والسلطة، وليس من المهم في هذه الحالة البحث عن مصدر الحقيقة التي تستمد منها الدولة المتسلطة فلسفتها وسياستها. إذ أنها مقصورة على فئة محدودة من الناس، ولا يحق لأي فرد من الأفراد أن يتخذ إليها سبيلاً، لأن من أهداف الدولة المتسلطة الحفاظ على وحدة الفكر والعمل حسب اجتهادات السلطة، لإبقاء الجماهير في حالة من العوز والقهر حسبما تشاء.
بـ - أسس نظرية السلطة المطلقة: مذهب الحق الإلهي: وهو مذهب أعتمد من قبل الأباطرة في الحكم و توارثه النبلاء للاحتفاظ بأوضاعهم ومراكزهم وامتيازاتهم في السياسة والحكم وترجع هذه النظرية إلى أقدم عصور التاريخ.
وقد يرجع سيادة هذه الفلسفة أو النظرة إلى الإمبراطوريات الشرقية والغربية على حد سواء ما عدا بعض الاختلافات الجزئية الطفيفة التي تحدث بين كل حاكم وآخر في ممارسة التعسف على المجتمع. إذ لا ينكر أن بعضهم كان يؤمن بالحق والفضيلة وتبادل الرأي والمشورة، كما كان نقيضه يمارس الاستبداد والقسوة تحت تعبير أو فلسفة ظل الله وخليفته في الأرض، وقد كانت أوروبا تحت هذا الحكم خلال العصور الوسطى وتحول الشعب خلاله إلى عبيد أقنان خاضعين بصورة مطلقة لهذا الحاكم أو ذاك.
ج - الصحافة والسلطة المطلقة: لم تستطع الصحافة وأساليبها من تغيير شيء في نظرية السلطة المطلقة، بل إن سطوة هذه النظرية ازدادت وظلت تمارس تسلطاً جوهرياً على الصحافة وعلاقتها بالمجتمع ووظيفتها التي الإعلامية التي مارستها تحت سيطرة الحكم المطلق، ودأبت السلطة على تعزيز نظرية السلطة المطلقة للحفاظ على سلطانها المطلق وأخذت تحيط نفسها، بالعقلاء والحكماء وأصحاب الامتيازات الفكرية، القادرين على إدراك أهداف الدولة في السيطرة والاستقرار. وأخذت تمنحهم المناصب المرموقة في المجتمع ليعملون كمستشارين للحكام يحتكرون كل الحقائق الفكرية لأنفسهم ويسخروا فلسفاتهم وأفكارهم لخدمة الطبقة المسيطرة على جهاز الدولة، التي تعطيهم حق مخاطبة الشعب وأن يكونوا ألسنة للحكام تتصل بالجماهير عن طريق وسائل الاتصال الجماهيرية المتاحة، ومنها الصحافة المطبوعة التي حظروا عليها كل الآراء التي توقظ الشعب من سباته العميق، للإبقاء على الأوضاع القائمة.
وقد ارتبطت هذه النظرية في العصر الحديث ارتباطاً وثيقاً بأنظمة الحكم الشيوعية والفاشية والنازية، كالنظام الهتلري في ألمانيا النازية، ونظام موسوليني الفاشي في إيطاليا والنظم الفاشية في إسبانيا والبرتغال. حيث سيطرت الدولة المستبدة سيطرة تامة على أجهزة ووسائل الإعلام الجماهيرية وفرضت عليها تعبئة الشعب تعبئة عدوانية خدمة للأهداف التوسعية التي رسمتها لنفسها وتسببت في قيام الحرب العالمية الثانية التي أزهقت ملايين الأرواح البريئة لبني البشر.
د - الرقابة وسيطرة الأجهزة المسؤولة على الصحافة: تعتبر الرقابة من الركائز الهامة في نظرية السلطة المطلقة. ويمكن أن نرجع تاريخها إلى الرقابة الدينية في العصور الوسطى بأوروبا عندما كانت الكنيسة الرومانية في أوج قوتها. وكانت مصدر التفويض الإلهي. واستطاعت الكنيسة أن تسيطر في بلاد كثيرة، على الرأي العام وعلى حرية التعبير لعدة قرون. وسيطرت الكنيسة واستفادت من اختراع الطباعة إلى أن قامت الحكومات بالسيطرة على الوسيلة الإعلامية الجديدة. وكانت السيطرة عن طريق إصدار التراخيص للطابعين والناشرين ومن ثم تحكمت الحكومات على من مارس هذه المهنة بشكل عام. وقد كان الترخيص آنذاك يعتبر امتيازاً يلزم الناشر بطبع وتوزيع ما يرغبه الحاكم. غير أن هذا الأسلوب لم يجد نفعاً، مما أدى إلى فرض الرقابة المسبقة وفحص جميع الأصول المخطوطة من قبل ممثلي الحكومة قبل الطبع والنشر لإصدار الترخيص بالطبع، بقصد السيطرة على ما تنشره الصحف ودور النشر بشكل محكم.
وأخضعت الحكومات الاستبدادية دائرة الاتصال بالجماهير لقيود وعقبات ومعوقات كثيرة جعلت الطريق مفتوحاً أمام الدولة فقط، وأغلقته في وجه الأفراد لاغية بذلك أي نوع من أنواع حرية الإعلام. بحجة تحقيق أمن وسلامة الدولة. وبهذه الذريعة ألغت كل الحريات، وهو ما استقت منه الفلسفات الفاشية والعنصرية كل المبررات لإهدار حقوق الإنسان.
هـ - التاريخ الطويل للإيديولوجية السياسية لنظرية السلطة المطلقة: رأى أفلاطون أن تقسيم السلطة بالتساوي داخل الدولة يعتبر بداية تفكك وانهيار الدولة. وكانت حجة أفلاطون في ذلك أنه مادام الإنسان يتحكم بغرائزه وشهواته عن طريق العقل، فإنه على الحكام في الدولة بالمقابل أن يمنعوا المصالح المادية والعواطف الأنانية للجماهير من أن تسيطر على المجتمع.
وأكد أكثر فلاسفة العصور اللاحقة على قوة السلطة كميكافيلي الذي دعى إلى إخضاع كل شيء لأمن الدولة. وبرروا الأعمال اللا أخلاقية التي يمارسها القادة السياسيون والرقابة الصارمة على الحوار والمناقشة وعلى نشر المعلومات في المجتمع. معتبرين أن لها ما يبررها مادامت تخدم مصالح الدولة وسلطة الحاكم، أي أن الغاية تبرر كل وسيلة.
أما جورج هيجل الذي لقب بأبو الفاشية الحديثة والشيوعية الحديثة، فقد أعطى فلسفة السلطة المطلقة لمساتها النهائية حين قال: الدولة هي: روح الأخلاق وهي الإرادة وهي العقل. والدولة كحكم أو سلطة تعتبر هدفاً في حد ذاته وبالتالي فهي تتمتع بأكبر قدر من الحقوق التي هي فوق المواطنين الأفراد.
وهكذا فرضت نظرية السلطة المطلقة وجوهاً فكرية صارمة، تنبع من الإسهام الفكري للحكماء شريطة أن تخدم نظرياتهم المجتمع، الذي تسهر عليه الدولة بالرعاية والإرشاد واليقظة والرقابة. وهو ما صاغه الفلاسفة الأقدمون أمثال: سقراط وأفلاطون وأرسطو من نظريات فلسفية تخدم السلطة الاستبدادية، بدليل أن أفلاطون خلع صفة المثالية على الشكل الارستقراطي للدولة معتقداً أن طبيعة الإنسان واهتماماته المادية وعواطفه الأنانية تتسبب في تدهور الحكم من الارستقراطية إلى الديمقراطية، أي إلى التفتت والانحلال. واعتبر أن الدولة لا تجد الأمان إلا في أيدي الحكماء من رجالها، ورجال القانون من أنصارها، أصحاب المثل الأخلاقية العليا الني يتم فرضها على كل عناصر المجتمع، ليظلوا على الطريق القويم الذي رسموه لهم. معتبراً أن هذه الصفوة من البشر تجعل العقل يسيطر على عواطف القلب وغرائز الجسم.
4/2- نظرية الصحافة الحرة: سميت هذه النظرية بنظرية الصحافة الحرة كونها تؤمن بالفرد أساساً لها، وتعتبر أن الفرد يولد وهو مزود بحقوق طبيعية، وتؤمن وتفترض أن الفرد كائن عقلاني وأخلاقي وأن أخلاقيته تحدد له ما يجب المحافظة عليه دون قانون، أي تمتعه بالحرية المطلقة في حياته، وآرائه، والدعوة إلى العيش الكريم دون أي تدخل من السلطة. ويرى أصحاب هذه النظرية أن الفرد أسمى من الحكومة، ومن الدولة. وأن الدولة هي وسيلة فقط، أو واسطة يمارس من خلالها الفرد نشاطه، وحين تقف الدولة في وجهه فعليه محاربة تلك القوة التي تمنع تحقيق أهدافه التي يرغب الوصول إليها.
وقد ولدت هذه النظرية من رحم نظرية السلطة المطلقة، والاستبداد العبودي للإنسان متمثلة بسلطة: طبقة الحكام؛ وطبقة النبلاء؛ وطبقة الإقطاع؛ وسلطة الكنيسة. التي عانت منها الشرائح الاجتماعية على اختلاف أنواعها بالاضطهاد السياسي والاقتصادي والنفسي وحتى الديني، وكان الظلم المتمثل بنظام الأقنان من أقسى أنواع الظلم البشري، ولذلك فقد تمتع النظام الحر أو الليبرالي في بعض التسميات، بمسحة سحرية تمتع بها الفرد ومن ثم المجتمع بالديمقراطية الليبرالية والتقدم بمعايير ذلك الزمن.
آ - مبادئ النظرية الحرة: تعتمد نظرية الصحافة الحرة على مبدأين أساسيين هما: 1- مبدأ الفردية. 2- مبدأ المنافسة.
ويرتبط هذان المبدآن ارتباطاً وثيقاً بالنظريات الاقتصادية والسياسية. ويعتبران مبدأ الفردية أو الحرية الفردية من المبادئ الواضحة في مفهوم النظرية الحرة ويرتكز أساساً على حرية النشاط الفردي في المجالات الاقتصادية والسياسية، كرد فعل لما ظل سائداً لقرون طويلة من اضطهاد للفرد من قبل الإقطاع. حيث ناضل الرواد الأوائل لهذه النظرية من أجل أن تظل الحكومات بمنأى عن التدخل في شؤون الأفراد ونشاطاتهم الاقتصادية والفكرية. وفي شؤون وسائل الاتصال والإعلام أيضاً.
بـ - إيديولوجية نظرية الصحافة الحرة: كان ظهور نظرية الصحافة الحرة نتيجة للتطورات الفكرية والأحداث السياسية والاجتماعية التي مر بها المجتمع الأوروبي. ومن أهم تلك الأحداث في التاريخ الأوروبي الحديث اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789 التي أعلنت حقوق الإنسان وطرحت مبادئ كان لها تأثير كبير في التاريخ الإنساني. سمحت للفرد بالتحرر ومزاولة نشاطاته الاقتصادية والفكرية دون أي نوع من التدخل من جانب الدولة. واعتبرت الدولة مسؤولة عن وظائف محددة هي: 1- المحافظة على القضاء والأمن في الداخل. 2- الدفاع عن الوطن ضد أي اعتداء خارجي. 3- احترام حقوق المواطن في التفكير والعمل الاقتصادي والاجتماعي والفكري والسياسي.
ورأت نظرية الحرية المرتكزة على الإيمان المطلق بالإنسان، على عكس نظرية السلطة المطلقة التي تنظر إلى الإنسان على أنه جزء من المجتمع تنحصر قيمته وفقاً لفهم السلطة. أن سعادة الفرد هي الغاية من وجود المجتمع، بينما رأى أنصار مذهب السلطة المطلقة أن سعادة المجتمع هي الغاية من وجود الفرد حتى وإن كانت تلك السعادة على حساب حياته الخاصة. وساعدت نظرية الحرية على ظهور الديمقراطيات الرأسمالية، ومن ثم ظهور الاحتكارات بأوسع معانيها.(71)
وحقق مفهوم نظرية الحرية انتصارات كبيرة على صعيد المجتمع وعلى صعيد الفرد فتوسع التعليم الذي لم يكن متيسراً كما هو معروف الآن قياساً بما تحقق بعد زوال العهد الإقطاعي الاستبدادي، ومنح حق الانتخاب لأكثر المواطنين ومنها حق الفرد في ممارسة نشاطاته الاجتماعية، والتنافس للحصول على أكبر قدر ممكن من الربح المادي، وزيادة الإنتاج مما حقق للمجتمعات الرفاهية والتقدم.
وظهر مفهوم الحرية بادئ الأمر في أوساط الطبقة الوسطى في المجتمع الأوروبي، مطالباً بالحرية، وضمان حقوق الأكثرية في المجتمع. وتجلى هذا الأمر بوضوح عندما تبنت الحركات السياسية مبدأ المناشدة بالحرية.
وكان لظهور الفيلسوف جون لوك أثر كبير على تطور نظرية الحرية، عندما قال: أن الشعب هو مصدر السلطات. وفسر هذا القول بأن الشعب يمكنه أن يسحب السلطة متى شعر بأن الحكومة لا تعمل لصالحه.
وجاء جون ملتون 1644م ليقول: أن الحقيقة لا تضمن لنفسها البقاء إلا إذا أتيحت لها الفرصة لأن تتقابل وجهاً لوجه مع غيرها من الحقائق في طرح كامل وبحرية تامة.
بينما رأى جون راسكين: أن كل إنسان يسعى لتنوير الآخرين لا إلى تضليلهم، ومن حقه أن ينشر كل ما يدور بعقله وما يختلج ضميره سواء أكان في الموضوعات الحكومية أم في الموضوعات الخاصة.
أما جون ستيوارت فقال: أن من حق الفرد الناضج في المجتمع أن يفكر ويتصرف كما يشاء مادام لا يؤذي أحداً بتفكيره أو تصرفه. وما دام هذا التفكير والتصرف يؤديان إلى منفعة الآخرين.
وانتشرت هذه الطروحات الفلسفية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وكانت ترمي في الأساس ما يلي: 1- تطبيق الحرية بمعناها الواسع. 2- احترام الإنسانية وحفظ قيمة الفرد. 3- ضمان مستقبل الفرد. 4- تحقيق الرفاهية والسعادة للمجتمع. ولم تجد تلك المبادئ طريقها إلى التطبيق إلا في العقود الأخيرة من القرن العشرين، في ظل هيمنة الدول الصناعية المتقدمة وسيطرتها على الاقتصاد ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.
د - الصحافة الحرة ووسائل الإعلام الجماهيرية: لكل نظرية من النظريات شكلها المعين ومفاهيمها المعينة التي تسيطر من خلالها على أساليب وأنماط الإعلام. وتنبع فلسفة الإعلام عادة من فلسفة الدولة، فالإعلام في نظرية السلطة المطلقة هو إعلام استبدادي شمولي، أي أن الدولة كما ذكرنا تحل محل الشعب عن طريق كتابها وألسنتها الناطقة باسمها، ولا تسمح إطلاقاً إلا بما يراعي مصالحها وتوجهاتها. إضافة لتفرضها رقابة قسرية على وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.
وقد أدى ظهور نظرية الحرية إلى صراع تمثل بين المفهوم الغربي للحرية، والمفهوم السوفييتي للحرية، إبان الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والشرقي بقيادة الإتحاد السوفييتي والاختلاف المطروح كان في أي المفهومين أصدق أو أقرب أو أنفع للفرد والمجتمع؟ فكلا الجانبين يتهمان بعضهما باضطهاد الإنسان واستغلاله وكل منهما طرح أسلوبه وأفكاره وفلسفته بين الجماهير وروج لها بين الشعوب. وقد سخر الماركسيون من الحرية النظرية التي عرفها العالم الغربي عندما أعلن ستالين: "إنه لا معنى مطلقاً للحرية بالنسبة للمتعطل، ولا معنى للحرية بالنسبة للجائع فإن الحرية لا توجد إلا عندما يختفي الاستغلال والتسول والخوف أو يختفي شبح البطالة من المجتمع اختفاء تاماً ".(72)
وهذا كلام واضح لا يحتاج إلى تعليق. فالسخرية تبدو رافضة تماماً لهذه النظرية.بينما أعلن الغربيون أن صحافتهم تتمتع بالحرية المطلقة وأن الصحافة السوفييتية تنوء تحت وطأة السلطة، وأنها تخضع كل الخضوع للرقابة الحكومية أو رقابة الحزب الواحد. بينما أعلن السوفيت أن صحافتهم غير مأجورة كالصحافة الأمريكية التي اتهموها بأنها مأجورة، وأن الصحافة السوفييتية ليست خاضعة لسيطرة رأس المال والاحتكار كما هو الحال في الغرب. ووصفت الصحافة الأمريكية نفسها بأنها صحافة الخبر وأنها تساير في ذلك التطور الصحفي في البلاد المتقدمة، وأنها قادرة على نشر الأخبار بسرعة فائقة، وأنها أقدر من سواها على تسلية القارئ وإمتاعه وتزويده بالمعلومات النافعة.
بينما ردت الصحافة السوفييتية بقولها أن السبق الصحفي في الأخبار وتسلية القراء لا يعتبران جزءاً من الخدمة العامة التي تقدمها الصحافة الرشيدة للشعب. كون أن خبر التسلية والترفيه عن القراء كثيراً ما يكون منافياً للشرف الصحفي وفق المفهوم السوفييتي له.
وعلى العموم فإن الغرب يضع الحرية في المرتبة الأولى والمسؤولية في المرتبة الثانية بينما السوفييت قبل الانفتاح الغورباتشوفي كانوا يضعون المسؤولية أولاً والحرية بعد ذلك. وتغيرت الظروف والطروحات بعد انهيار المنظومة الاشتراكية والإتحاد السوفييتي السابق، ولاحت تباشير الانفتاح على المفهوم الغربي للحرية والديمقراطية في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية للدول المستقلة التي قامت على أنقاض الإتحاد السوفييتي السابق، وأنقاض المنظومة الاشتراكية السابقة التي كان يقودها الإتحاد السوفييتي في أوروبا الشرقية.
4/3- النظرية الاشتراكية للصحافة : ظهر مفهوم النظرية الاشتراكية مع بداية عام 1830 واستمر في تطوره حتى عام 1948. وخلال هذه الفترة الطويلة التي دامت قرابة القرن من الزمن ظهر الكثير من المفاهيم والمذاهب الفلسفية والأفكار السياسية المكملة لمفهوم الاشتراكية. وكان أولها ما ظهر في فرنسا إبان الثورة الفرنسية التي اعتمدت على المنشورات والمطبوعات في نشر أفكارها.
ولأول مرة ظهر مصطلح الاشتراكية بمعناه السياسي الحديث الدال على نظام اجتماعي واقتصادي في الصحافة عندما نشرت صحيفة (كلوب) عام 1832 مقالة عنها بقلم بيير ليرو أحد أتباع مدرسة سان سيمون الفلسفية. وأطلق تعبير الاشتراكية للتعبير عن الفلسفة الاجتماعية الإصلاحية التي آمن بها أتباع هذه المدرسة المؤمنة بالنظرة الإنسانية إلى الطبقات المعدمة. ولكن سرعان ما اتسع مدلول الاشتراكية بفضل فورييه، وبرودون، ولويس بلان، لتعبر عن التطلع إلى نوع جديد من النظم الاجتماعية.
آ - التيارات الاشتراكية: تبلورت في أوروبا ثلاثة تيارات اشتراكية، وهي تيارات تمثل خلاصة للصراع الإنساني ضد الاحتكار الرأسمالي وفق المفهوم الاشتراكي، وهي:
1- الاشتراكية الإنتاجية: التي تتبنى مشاريع تنمية الثروة القومية وإطلاق طاقات رأس المال في المشروعات الإقليمية والعالمية. داعية الناس القادرين على الإنتاج والبذل وفق مفهوم الكل منتج دون تدخل من الدولة، تاركين الأمر للتجار والصناعيين والمثقفين والعلماء والفنيين لتحقيق الكفاية، وتزعم هذه المدرسة الفيلسوف سان سيمون وأتباعه.
2- الاشتراكية التعاونية: وتزعم هذا الاتجاه في إنكلترا الفيلسوف ورجل الصناعة روبيرت أوين، وفي فرنسا شارل فورييه، واعتبر أوين أن حل المشكلة يتوقف على خلق النموذج الاشتراكي الإنساني الذي سوف يجذب أصحاب النوايا الطيبة من الأغنياء ورجال المال والصناعة. وأعطى المثال بنفسه عندما أقام مستعمرة اشتراكية على أساس المساواة المطلقة والمشاركة في الجهود والأرباح، وانتفاء الأسلوب الرأسمالي الاستغلالي في التعامل.
3- الاشتراكية العلمية: التي صاغ نظريتها الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية كارل ماركس، بعد استيعابه الفلسفة الجدلية لهيجل، ومذهب الاقتصاد الحر لآدم سميث، والدراسات الفلسفية الاجتماعية لسان سيمون وتلاميذه.
بـ - دعائم النظرية الاشتراكية للصحافة: تقوم النظرية الاشتراكية للصحافة والإعلام على دعائم أساسية هي: 1- ملكية الشعب لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. 2-ربط مؤسسات ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بالمجتمع الاشتراكي ربطاً وثيقاً، وتحديد دور إيجابي يلتزم به جميع العاملين في الميدان الإعلامي.
وبهذا الوضع وانطلاقاً من هذه الأفكار فإن الصحافة التي تؤمن بهذه الفلسفة هي صحافة واقعية لا عناية لها إلا بالموضوع أو الموضوعية الأكاديمية، لذلك فهي تؤمن بالواقع الملموس من المكاسب التي تحصل عليها الطبقة الكادحة. وتضع المسؤولية العامة اتجاه الطبقة أولاً والحرية ثانياً.
وعلى هذا الأساس أصبح للحرية الصحفية في النظام الاشتراكي معنى مخالفاً تماماً لمعناها في النظام الرأسمالي، ووفقاً لمصالح الطبقة الكادحة(73) فإن النظام الإعلامي الاشتراكي يؤمن بما يلي: 1- حرية القول. 2- حرية الاجتماع بما في ذلك الاجتماعات الشعبية. 3- حرية التجمع أو المواكبة أو التظاهرات لتحقيق غرض معين.
ولم يعد بالإمكان التحدث عن نظرية إعلامية اشتراكية سوفيتية بعد انهيار المنظومة الاشتراكية والإتحاد السوفييتي السابق، وتفكك الجمهوريات السوفييتية إلى جمهوريات مستقلة ذات سيادة واستقلال وطني، وتحول أغلبية دول المنومة الاشتراكية إلى أنظمة ديمقراطية لها أساليبها السياسية والإعلامية الخاصة بها وعلاقاتها الدولية المبنية على مفاهيم جديدة. بل أن بعض هذه الجمهوريات الجديدة أخذت تعمل على تكييف نظرية الإعلام الحر لممارساتها الإعلامية الفعلية.
4/4 - نظرية المسؤولية الاجتماعية: ولدت نظرية المسؤولية الاجتماعية نتيجة للمعاناة من النظريات التي سبقتها. وبتأثير من نتائج الحرب العالمية الثانية. وقد وجد المفكرون في المبادئ والوظائف والصيغ الجديدة انعكاساً للنظرية الليبرالية.
وأعتبر القرن العشرين الميدان التطبيقي لأفكار هذه النظرية في المجتمع والدولة، وكان أمثل تطبيق لأفكار هذه النظرية في الولايات المتحدة الأمريكية التي طبقت فيها ومن ثم أخذت بالانتشار في بقية أنحاء العالم.
وتوجهت أفكار ومبادئ هذه النظرية بالنقد لأفكار النظرية الليبرالية (نظرية الحرية). ومن أهم المبادئ التي تقوم عليها هذه النظرية: 1- إعطاء الحقيقة للفرد ولا يحق التستر عليها ولا يجوز تزويد الفرد بمعلومات كاذبة أو ناقصة. 2- ممارسة النقد البنّاء والقبول بأي فكرة أو طرح جديد من قبل الفرد وتقبل مناقشة ذلك الفرد، لتصحيح الخطأ إن وجد بأسلوب ديمقراطي بناء هادف وهادئ. 3- نشر أهداف المجتمع وخططه التربوية والتعليمية والاقتصادية. فالإعلام يهدف إلى خدمة المجتمع ويبشره بالرفاهية، واحترام حقوق الفرد السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية. 4- إتاحة الفرصة للفرد للحصول على المعلومة التي يستفيد منها أو يريد أن يتعلمها أو يضيفها إلى حصيلة مستواه الثقافي والسياسي من خلال فكر الدولة أو فكره الشخصي.
وتتلخص الوظائف العامة لنظرية المسؤولية الاجتماعية بالتالي: 1- خدمة النظام السياسي المتفق عليه من قبل الأغلبية. 2- إعلام الرأي العام وإعلاء ممارسة حكم الشعب لنفسه. 3- حماية حقوق الأفراد في المجتمع، وحقوق الدولة لخدمة المجتمع باحترام النظام العام، واحترام حركة الإعلام. 4- خدمة النظام من خلال إبراز الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. 5- تقديم البرامج المتوازنة الخاصة بالتسلية والترفيه للفرد من خلال ذلك القسط من الحرية الممنوح من الدولة وبما يحقق راحة الجميع. 6- التركيز على مبدأ تحقيق الاكتفاء الذاتي.
ووجهت هذه النظرية بعض أوجه النقد للنظرية الليبرالية (نظرية الحرية) وتمثل هذا النقد في: 1- أن الصحافة لم تؤد دورها الصحيح في عرض وجهات النظر المختلفة للأفكار المطروحة في المجتمع. بينما تؤمن نظرية المسؤولية الاجتماعية بضرورة إعطاء الحقيقة ووجهات النظر المختلفة كلها دون مراوغة أو تضليل الفرد وإنما منحه حقيقة الفكر المطروح من خلال الوسائل الإعلامية الجماهيرية. 2- وأن نظرية الحرية الليبرالية تهدف إلى إثارة الأحاسيس والمشاعر في المجتمع. ولذلك فإنها لا تعطي الحقيقة كلها بل تجزئها وأحياناً تحرفها، بشكل يؤدي إلى خداع المجتمع في النهاية، وقد يساند الفرد ممارسات تلك الدولة أو تلك دون أن يعرف توجهها الصحيح، ولكنه يكتشف بعد فوات الأوان أنه كان مخدوعاً. بينما تخالف نظرية المسؤولية الاجتماعية هذا الرأي وتؤكد على ضرورة ممارسة حرية إعلام المواطن بالخبر والأحداث ومنحه حق منافسة الدولة والآخرين بشكل يؤدي إلى العمل والتعاون والتقدم.
وتتحمل الصحافة ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الأخرى قدراً من المسؤولية في ممارسة البناء والنمو الاجتماعي على أساس الالتزام بحقوق الآخرين. فالحرية تنطوي على قدر كبير من المسؤولية الاجتماعية ولذلك فإن الحرية ليست حقاً طبيعياً يعطى دون مقابل، بل حقاً مشروطاً بمسؤوليات يمارسها الإنسان اتجاه نفسه واتجاه المجتمع.
ولا يحق لأحد الاعتداء على حريات الآخرين. أي أن الحكومة والشعب يعطيان للصحافة حقها في حرية التعبير، ولكن في نفس الوقت يمكن أن يفقد هذا الحق فيما لو أسيء استعماله ولا يمكن عزل المجتمع والصحافة والدولة عن بعضهم البعض
والتمتع بالحقيقة وحرية الرأي أمر ضروري للأطراف الثلاثة الدولة والمجتمع ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية لأن الغاية واضحة للجميع. وتبدأ عملية تفكير الفرد فور تسلمه للخبر ليناقشه مع نفسه أولاً ومن ثم مع السياسة المعلنة للدولة ووسيلة الاتصال والإعلام الجماهيرية المنتمية لتلك الدولة مخالفة أم مؤيدة لرأي وفكر الدولة.
وبذلك يصبح الفرد متمتعاً بالحرية والحقيقية والقدرة على التعبير عن رأيه وأفكاره ومفاهيمه ومواقفه. إلا أن هذا لا ينفي وجود الرقابة الموضوعية على النشر. إذ أن الرقابة موجودة ولا تسمح بنشر أي شيء يتعارض وتوجه وخدمة الجماهير العريضة، ولا يهم الرقابة الآراء المتعلقة بالأفراد كأفراد، لأنها تضع مصلحة المجتمع فوق كل المصالح، وتحترم المصلحة الجماعية لذلك المجتمع.
4/5 - نظرية المسؤولية العالمية للصحافة: تهدف نظرية المسؤولية العالمية، إلى: 1- ربط أجهزة الاتصال والإعلام والعاملين فيها بقضية الإنسان في كل مكان. 2- رفع مسؤولية الإعلام إلى مستوى القضايا العالمية التي تحتاج إلى كلمة الحق المنزهة عن الهوى، وإلى الموضوعية التي تفتقر لها أجهزة الاتصال والإعلام في المجتمعات المختلفة. 3- تحقيق المساهمة الإيجابية لأجهزة الاتصال والإعلام في معركة الوجود الإنساني نفسه. 4- نبذ ومحاربة التهديدات الإنسانية المصيرية والمتمثلة في الحرب النووية والاحتكارات والمصالح الدولية.
وأهداف وغايات هذه النظرية بالأساس تنبثق من مفهوم خدمة المجتمع الإنساني ككل. وهذه النظرية تعتبر امتداداً للنظريات الإعلامية السابقة ولكنها قد تكون أكثرها شمولاً كونها تنطلق من وإلى المجتمع الإنساني الأشمل. دون تحديد لجنس هذا المجتمع لأنها ترفض الأفكار العنصرية والعرقية والدينية وتعمل على خدمة الإنسان من كل جوانب حياته، وتؤمن بتوفير الحرية الكاملة والكافية التي تمكن الإنسان من إبداء رأيه وأفكاره، من خلال وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المتاحة. وتتلخص فلسفة هذه النظرية بالعبارة التالية: (حب الإنسان للإنسان)....
ومهما تكن الاختلافات بين الإنسان والإنسان الآخر فإن شعار هذه النظرية يؤكد على التآخي ودعوتها الصريحة تتسم بالبساطة والوضوح. فقد استندت إلى حقيقة موضوعية في ارتباط الإنسان بالإنسان الآخر من حيث الحضارة والمصالح والتاريخ والجغرافية والديانات وكل ذلك يستدعي من الإنسان أن يحب أخيه الإنسان الآخر في العالم الإنساني الواسع الفسيح الأرجاء. وقد تختلف أو لا تختلف الغاية من الأهداف التي تتضمنها هذه النظرية. إلا أن الغاية الأساسية تركز على تكييف طبيعة الصراع الإنساني لتحقيق الغاية الأسمى. غير أن هذه النظرية لا يمكن تحقيقها ما لم يظهر من بين دعاتها أفراداً مخلصون لمبادئ الإنسانية عموماً.
والذاتية كنزعة إنسانية فردية تقود بعض المنظرين والسياسيين المتزعمين لحركة المجتمع أو المتزعمين لحركته الفلسفية والفكرية إلى ضيق الأفق. فالإخلاص هنا يركز على مبادئ الإنسانية جمعاء، وليس على المبادئ الذاتية التي تضلل الناس المتطلعين إلى السلام والحرية. ومحاربة كل وسائل الإعلام الرأسمالية التي تعمل على استلاب حياة الناس واستلاب رغيف الخبز الذي يعيشون عليه.
وتعتبر أن الإنسان المتطلع إلى مبادئ المسؤولية العالمية بحق، هو ذلك الإنسان المنادي بالحرية الحقيقية وبمفهومها الحقيقي، ومعناها المناهض للوسائل المتخلفة التي تعمل على تفكيك وتجزئة شعوب العالم من خلال النزاعات الدينية والتوسعية والعبودية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. والتي في النهاية تحطم الإنسان في كل مكان. لذلك ومع توسع الثورة الإعلامية والتكنولوجية وخضوع أجهزة الاتصال والإعلام للاحتكارات أو الفئات الحاكمة والسير في ركابها وعدم ارتباطها بالمجتمع وتسخير قدراتها لخدمة قضاياه.
ويحتاج تطبيق هذه النظرية العالمية لأولئك الرجال الذين يستطيعون تخطي الحواجز الإقليمية والارتفاع فوق الصراعات والمصالح الشخصية والقطاعية والإقليمية والنظرة إلى الإنسان كإنسان في كل مكان. وقد وجدت محاولات فردية كالمحاولة التي قام بها الفيلسوف البريطاني برتراند راسل، وعارض فيها الحرب الفيتنامية، وجهود بعض الكتاب الأحرار في مقاومة التفرقة العنصرية.
ولكن هذا الذي يحدث هنا وهناك لم تواتيه القوة المؤثرة ولا زالت تلك النظرية بعيدة عن الرواج أو التأثير. كما ونجد أن الكثير من المحاولات العالمية الإعلامية والسياسية لمناصرة حقوق الشعوب المضطهدة وقضاياهم العادلة، وفضح المخططات التوسعية والعنصرية في العالم، دون المستوى المطلوب. ونرى أن الأمم المتحدة معنية في إعادة النظر في جميع الممارسات الإعلامية المستندة على مبدأ حق امتلاك التكنولوجيا، الذي يعني حق احتكار المعلومات والأخبار. فالقضايا الإنسانية وحقوق الشعوب المهضومة جميعها تمثل جوهر عملية الاتصال والإعلام الإنساني الموالي للحب والسلام والوئام بين شعوب العالم على أساس الاحترام المتبادل وتبادل المنافع والمصالح الإنسانية.(74)
الهوامش
(1) - د. جيهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الإعلام. دار الفكر العربي، القاهرة 1978. ص ص 365 - 366.
- William L: Rivers and Wilbur Schramm, Responsibility Mass Communication. New York, Harper & Row, 1969. p. 6
(2) - W. Schramm: One Day In the Wold's Press. pp. 3 - 6.
- Harry Goldstein: " Reading and Listening Comprehension at Various Controlled Rates " (N.Y.: Teachers College, Columbia University Bureau of Publications, 1940).
(3) - P. Lazarsfeld: Radio and the printed Page. ( N.Y.: Duell Sloan and Pearce, 1940 ).
- Lazarsfeld et al: The People's Choice, McGhee, New strategies for Research in the Mass Media.( N.Y.: Bureau of Applied Social Research, Columbia University 1953 ).
- Leo Bogart: the Age of Television. ( N.Y.: Frederick Unger, 1956 ).
((4 - رولان كايرول: الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية. ترجمة: مرشلي محمد. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984، ص81.
(5) - نفس المصدر السابق. ص ص 81 - 85.
(6) - د. جيهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الإعلام. دار الفكر العربي، القاهرة 1978. ص ص 368 - 369. و
- H. Blumer: Movies and Conduct. ( N.Y.: the Macmillan Company 1933);
- W. Charters: Motion Pictures and Youth. (N. Y.: Macmillan 1933);
- Doob, Propaganda: Its Psychology and Technique. (N.Y.: Henry, Holt and Company 1935)
((7 د. جهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الإعلام. دار الفكر العربي، القاهرة 1978. ص 355.
(8) Schramm: " Communication Development and the Development Process," in Lucian Pye (ed) Communication and Political Development. (N. J.: Princeton University Press 1963).
((9 د. جهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الإعلام. دار الفكر العربي، القاهرة 1978. ص ص 356 -357.
- Alan Hancock: Mass Communication (London, Longmans, 1966) pp. 1-4.
((10 جواد مرقة: متخذو القرار الإعلامي العربي والمتوسطي والإفريقي. صحيفة الدستور الأردنية 1/7/1997.
(11) د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990، ص18.
(12) W. Phillips Davison: International Political Communication. New York. Fredrick A. Paeger. 1965, pp. 3-10.
((13 إيهاب السوقي: الأبعاد الاقتصادية للتقدم التكنولوجي على أداء التجارة الخارجية. مجلة السياسة الدولية، العدد 129، مؤسسة الأهرام ، القاهرة يوليو 1997. ص 213.
(14) كريم حجاج: حرب المعلومات وتطور المذهب العسكري الأمريكي. مجلة السياسة الدولية، العدد 123، مؤسسة الأهرام، القاهرة يناير 1996. ص 122. و
- Peter Drucker: The New Realities: In Government and Politics, In Economics and Business, In Society and World View (New York: Harper & Row Publishers, 1989), Scott Lash., John Urry. The End of Organized Capitalism (Cambridge: Polity Press, 1993).
(15) Colin Cherry: World Communication, Threat or Promise. A sociotechnical App-roach, London, Wiley-Interscience. 1971. pp.57-102.
- د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، 1990، ص 31.
(16) Bogdan Osolnik: Some Problems Concerning International Communication from the View Point of Implementing the Principles of the Charter of the U.N. and the Declaration of Human Rights, Symposium Ljubljana 1968, Mass Media and International Understanding. School of Sociology, Political Scince and Journalism. Ljubljana. 1968, pp. 7-15.
((17 د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990، ص 35.
(18) د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص ص 35 - 36.
(19) حقائق أساسية عن الأمم المتحدة 1972 - ص ص. 140-146.
(20) القاموس الدبلوماسي في ثلاثة أجزاء، الطبعة الرابعة، ناووكا موسكو 1986. (باللغة الروسية)
(21) د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990،ص 41.
- Dinker Rao: Mankekar, Mass Media and International Understanding as a Newly - Emerged. Underdeveloped Country Looks at the Problem. Symposium Ljubljana 1968, op. cit. pp. 235 - 239.
- Theodore E: Kruglak. The international News Agencies and the Reduction of International Tensions. Symposium Ljubljana 1968. op. cit., pp. 240-244.
- Khalil Sabat: Role de La Veracite del' Information Dans La Compréhension Internationale. Symposium Ljubljana 1968. op. cit., pp. 245-252.
(22) Oton Pancer: Le Roie de la Langue International Dans La Communication Publique et Dans La Compréhension Internationale. Symposium Ljubljana 1968, op. cit., pp. 337 - 339.
(23 د.محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990، ص 43.
(24) د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأ نجلو المصرية، القاهرة 1990، ص ص 50 - 53.
(25) د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990.
- Wilbur Schamm: Mass Media and National Development, The Role of Information in the Developing Countries Stanford University Press, 1966.
- Mohamed Habiboullah Ould Abdou: L'information en Mauritanie, Thèse de Doctorat de 3e. Cycle. Université de Paris 2, 1975.
-Mohamed Ali Khandan: Sima, Information et Politique Pétrolière. Thèse de Doctorat de Spécialité en Science de L'Information, Université de Paris 2, 1973-1974.
((26 د. جيهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الإعلام. دار الفكر العربي، القاهرة 1978. ص 573.
(27) د. جيهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الإعلام. دار الفكر العربي، القاهرة 1978. ص 373.
- Marshall McLuhan, Quentin Fiore: The Medium is the Massage: An Inventory of Effect (N. Y. Bantam Books 1967) pp. 26-40.
((28 د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص ص 61- 63.
- Theodore E. Kruglak: The International News Agencies and the Reduction of International Tensions, Symposium Ljubljana, 1968. op. cit., pp. 240-244.
((29 جواد مرقة: متخذو القرار الإعلامي العربي والمتوسطي والإفريقي. صحيفة الدستور الأردنية، عدد 1/7/1997.
(30) رولان كايرول: الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية. ترجمة: مرشلي محمد. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984. ص ص631-658.
- د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 65-70.
(31) Carol H. Wese: What America's Leaders Read. Public Opinion Quarterly, Voi. XXXVIII. No. 1. Spring 1974, pp. 1-22.
(32) Sean MacBride and Others: One World: Many Voices More Efficient World Inform-Just and Towards a New More ation and Communication Order, Paris: Unesco, 1980, p. 34.
((33 د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 72.
(34) Paul A. V. Ansah: International News: Mutual Responsibilities of Developed and Developing Nations in World Communication. Edited by Gerbner & Siefert, N. y., Longman inc, 1984, pp. 83-85.
(35)- Hamid Mowlana: International Flow of Information: a Global Report and Analysis, Paris: Unesco, 1985, pp. 21-23.
- Ithiel de Sola Pool: The Changing Flow of Television, Journal of Communication, Spring 1977.
(36) C. Anthony Giffard: The Inter-Press Service: New Information for a New Order, Journalism Quarterly, Spring 1985. pp. 17-18.
((37 د. محمود علم الدين: ثورة المعلومات ووسائل الاتصال، الـتأثيرات السياسية لتكنولوجيا الاتصال. السياسة الدولية العدد 123، مؤسسة الأهرام، القاهرة يناير 1996.
- د. عارف رشاد: التعامل مع انترنيت: العالم رهن إشارتك. مجلة عالم الكمبيوتر العدد 86، السنة الثامنة، فبراير 1995. ص ص 18-22. والعدد 87، مارس 1995. ص ص 18-23.
- د. عارف رشاد: انترنيت: نشأتها، تطورها، حجمها، وسبل الولوج إليها. مجلة الكمبيوتر والاتصالات والإلكترونيات العدد 7، المجلد 12، سبتمبر 1995. ص ص 26-74.
(38) د. محمود علم الدين: ثورة المعلومات ووسائل الاتصال. التأثيرات السياسية لتكنولوجيا الاتصال. مجلة السياسة الدولية العدد 123- يناير 1996. ص ص 102-116.
(39) د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 84.
-International Information and Communication Order. Source Book, Prague: International Organization of Journalists, 1986.
(40) Ralph k. Whito: Propaganda, Morally Questionable and Morally Unquestionable Techniques, The Annals of the American Academy of Political and social Science, Vol. 398, Nov. 1971. pp. 26-35.
- Charles A. Siepmann: Propaganda Techniques, Voice of the people Readings in Public Opinion and Propaganda, Editod by Reo M. Christenson and Robert O. Mc Williams, 2nd Edition, New York, Mc Graw - Hill Book Company. 1967. pp. 331-339.
(41) Arthur Goodfriend: The Dilemma of Cultural Propaganda. " Let It Be ", The Annals of the American Academy of Political and Social Science, Voi. 398, Nov. 1971. pp. 104-112.
(42)- LE PETIT LAROUSSE: Dictionnaire encyclopédique. Larousse, Paris 1993. p. 1124.
(43) Geoffrey Reeves: Communications and the Third World, London, Rout ledge, 1993,p.1.
((44 د. الفت حسن أغا: النظام الإعلامي الأوروبي في عالم متغير. مجلة السياسة الدولية، العدد 109، يوليو 1993. ص 318.
(45)- نفس المرجع السابق.
(46) Josiane Jouet & Sylvie: New Communication Technologies: Research Trends, Reports and Papers on Mass Communication, No. 105, Unisco, Paris, 1991, pp. 27-39.
((47 د. محمود علم الدين: ثورة المعلومات ووسائل الاتصال، التأثيرات السياسية لتكنولوجيا الاتصال. مجلة السياسة الدولية، العدد 123، يناير 1996. ص 105.
(48) Harold Beeley: The Changing Role of British International Propaganda, The Annals of the American Academy of Political and Social Science, Vol. 398 Nov. 1971, pp. 125-127.
(49) John Martin: Effectiveness of International Propaganda, The Annals of the American Academy of Political and social Science, Vol. 398, Nov. 1971, p. 61.
- د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص ص 97-100.
(50) - نفس المصدر السابق. و
- Joseph T. Klapper: The Effects of Mass Communication. New York, Free Press, 1960, pp. 108-109.
((51 ليستريبرسون: ماذا يجري في العالم الغني والعالم الفقير. إعداد إبراهيم نافع، القاهرة، دار المعارف بمصر 1971. ص 35 وما بعدها.
- د. جبار عودة العبيدي، هادي حسن عليوي: مدخل في سياسة الإعلام العربي والاتصال. مكتبة الجيل الجديد، صنعاء 1993. ص ص 7-13.
(52) محمد عاطف غيث: التنمية الشاملة والتغير الاجتماعي. مطبعة كريدية. بيروت 1974.
- سها سهيل المقدم: مقومات التنمية الاجتماعية وتحدياتها. معهد الإنماء العربي. بيروت 1978.
(53) Carlo Mongardini: A new definition of the concept of development. The New International Economic order Vienna 1980. p. 41.
((54 حسين العودات: الإعلام والتنمية. دراسة مقدمة إلى ندوة خبراء السياسات الإعلامية والوطنية. بنغازي 25-28 نيسان/ أبريل 1983. ص 105.
(55) د. جبار عودة العبيدي، هادي حسن عليوي: مدخل في سياسة الإعلام العربي والاتصال. مكتبة الجيل الجديد، صنعاء 1993. ص 8.
(56) التقرير الختامي لندوة خبراء " إستراتيجية تنميـة القـوى العاملـة العـربية في بغداد "
4-6 تشرين أول/أكتوبر 1982. مجلة العمل العربي العدد 25/1982. ص 105.
(57) د. كمال بلان، وسليمان الخطيب: المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في الوطن العربي ومدلولاتها على التنمية. مجلة الإعلام العربي. العدد 2 المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الأليسكو). تونس 1982. ص 78.
(58) أوسكار لانجه: التخطيط والتنمية الاقتصادية. مركز الدراسات الاقتصادية. دمشق 1970. ص 9 وما بعدها.
(59) ليستريبرسن: ماذا يجري في العالم الغني والعالم الفقير. إعداد إبراهيم نافع، دار المعارف بمصر، القاهرة 1971. ص 233.
(60) د. طلال البابا: قضايا التخلف والتنمية في العالم الثالث. دار الطليعة. بيروت 1971. ص 74.
(61) محمد مصالحة: نحو مقترب علمي لحق الاتصال في الوطن العربي. مجلة شؤون عربية العدد 24 آذار/مارس 1983.
(62) إدوارد كوين: مقدمة إلى وسائل الاتصال. ترجمة وديع فلسطين، مطابع الأهرام، القاهرة 1977. ص 28.
(63) اليونسكو: التقرير الختامي للجنة الدولية لدراسة مشكلات الإعلان. باريس 1978. ص 21 وما بعدها.
(64) د. الإدريس العلمي: الإعلام الذي نريده: دراسة مقدمة إلى لجنة أليسكو لدراسة قضايا الإعلام والاتصال في الوطن العربي. 1983. ص 11.
(65) د. سهير بركات: الإعلام الإنمائي وإعداد البنية البشرية الإعلامية العربية. مجلة الإعلام العربي العدد 2، كانون أول/ديسمبر 1982. ص 82.
(66) ولبر شرام: وسائل الإعلام والتنمية القومية. ترجمة أديب يوسف. وزارة الثقافة، دمشق 1969.
(67)- د. عبد الوهاب مطر الداهري: دراسات في اقتصاديات الوطن العربي. معهد البحوث والدراسات العربية. بغداد 1983. ص 31 وما بعدها.
(68) نادي روما: من التحدي إلى الحوار. ج2، ترجمة عيسى عصفور. وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق 1980. ص 150.
(69) حسين العودات: الإعلام والتنمية. دراسة مقدمة إلى لجنة أليسكو لدراسة قضايا الاتصال والإعلام في الوطن العربي. تونس 1983. ص ص 9-10.
(70) جيهان رشتي: نظم الاتصال والإعلام في الدول النامية. ج1. دار الحمامي للطباعة والنشر، 1972. ص 82.
(71)- انظر نص الإعلان في مجلة الإعلام العربي (الأليسكو) العدد 2 ديسمبر/كانون الأول 1982. ص 171 وما بعدها.
(72) د. جبار عودة العبيدي، و هادي حسن عليوي: مدخل في سياسة الإعلام العربي والاتصال. مكتبة الجيل الجديد، صنعاء 1993. ص 21-23.
(73) UNESCO: Final Report. Intergovernmental Conference on Communication in Latin American & the Caribbean. San Jose Costa July 1976. p. 23.
(74) د. جبار عودة العبيدي، وهادي حسن عليوي: مدخل في سياسة الإعلام العربي والاتصال. مكتبة الجيل الجديد، صنعاء 1993. ص ص 29-31.
المراجع
باللغة العربية:
1. إدوارد كوين: مقدمة إلى وسائل الاتصال. ترجمة وديع فلسطين، مطابع الأهرام، القاهرة 1977.
2. د. الإدريس العلمي: الإعلام الذي نريده: دراسة مقدمة إلى لجنة أليسكو لدراسة قضايا الإعلام والاتصال في الوطن العربي. 1983.
3. أوسكار لانجه: التخطيط والتنمية الاقتصادية. مركز الدراسات الاقتصادية. دمشق 1970.
4. إيهاب السوقي: الأبعاد الاقتصادية للتقدم التكنولوجي على أداء التجارة الخارجية. مجلة السياسة الدولية، العدد 129، مؤسسة الأهرام ، القاهرة يوليو 1997.
5. د. الفت حسن أغا: النظام الإعلامي الأوروبي في عالم متغير. مجلة السياسة الدولية، العدد 109، يوليو 1993.
6. التقرير الختامي لندوة خبراء " إستراتيجية تنميـة القـوى العاملـة العـربية في بغداد "4-6 تشرين أول/أكتوبر 1982. مجلة العمل العربي العدد 25/1982.
7. د. جبار عودة العبيدي، وهادي حسن عليوي: مدخل في سياسة الإعلام العربي والاتصال. مكتبة الجيل الجديد، صنعاء 1993.
8. جواد مرقة: متخذو القرار الإعلامي العربي والمتوسطي والإفريقي. صحيفة الدستور الأردنية 1/7/1997.
9. د. جيهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الإعلام. دار الفكر العربي، القاهرة 1978.
10. جيهان رشتي: نظم الاتصال والإعلام في الدول النامية. ج1. دار الحمامي للطباعة والنشر، 1972.
11. حسين العودات: الإعلام والتنمية. دراسة مقدمة إلى لجنة أليسكو لدراسة قضايا الاتصال والإعلام في الوطن العربي. تونس 1983.
12. حسين العودات: الإعلام والتنمية. دراسة مقدمة إلى ندوة خبراء السياسات الإعلامية والوطنية. بنغازي 25-28 نيسان/ أبريل 1983.
13. حقائق أساسية عن الأمم المتحدة 1972.
14. رولان كايرول: الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية. ترجمة: مرشلي محمد. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984.
15. سها سهيل المقدم: مقومات التنمية الاجتماعية وتحدياتها. معهد الإنماء العربي. بيروت 1978.
16. د. سهير بركات: الإعلام الإنمائي وإعداد البنية البشرية الإعلامية العربية. مجلة الإعلام العربي العدد 2، كانون أول/ديسمبر 1982.
17. د. طلال البابا: قضايا التخلف والتنمية في العالم الثالث. دار الطليعة. بيروت 1971.
18. د. عارف رشاد: التعامل مع انترنيت: العالم رهن إشارتك. مجلة عالم الكمبيوتر العدد 86، السنة الثامنة، فبراير 1995. والعدد 87، مارس 1995.
19. د. عارف رشاد: انترنيت: نشأتها، تطورها، حجمها، وسبل الولوج إليها. مجلة الكمبيوتر والاتصالات والإلكترونيات العدد 7، المجلد 12، سبتمبر 1995.
20. د. عبد الوهاب مطر الداهري: دراسات في اقتصاديات الوطن العربي. معهد البحوث والدراسات العربية. بغداد 1983.
21. القاموس الدبلوماسي في ثلاثة أجزاء، الطبعة الرابعة، ناووكا موسكو 1986. (باللغة الروسية)
22. كريم حجاج: حرب المعلومات وتطور المذهب العسكري الأمريكي. مجلة السياسة الدولية، العدد 123، مؤسسة الأهرام، القاهرة يناير 1996.
23. د. كمال بلان، وسليمان الخطيب: المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في الوطن العربي ومدلولاتها على التنمية. مجلة الإعلام العربي. العدد 2 المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الأليسكو). تونس 1982.
24. ليستريبرسن: ماذا يجري في العالم الغني والعالم الفقير. إعداد إبراهيم نافع، دار المعارف بمصر، القاهرة 1971.
25. مجلة الإعلام العربي ( الأليسكو) العدد 2 ديسمبر/كانون الأول 1982.
26. د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990.
27. محمد عاطف غيث: التنمية الشاملة والتغير الاجتماعي. مطبعة كريدية. بيروت 1974.
28. محمد مصالحة: نحو مقترب علمي لحق الاتصال في الوطن العربي. مجلة شؤون عربية العدد 24 آذار/مارس 1983.
29. د. محمود علم الدين: ثورة المعلومات ووسائل الاتصال، الـتأثيرات السياسية لتكنولوجيا الاتصال. السياسة الدولية العدد 123، مؤسسة الأهرام، القاهرة يناير 1996.
30. نادي روما: من التحدي إلى الحوار. ج2، ترجمة عيسى عصفور. وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق 1980.
31. ولبر شرام: وسائل الإعلام والتنمية القومية. ترجمة أديب يوسف. وزارة الثقافة، دمشق 1969.
32. اليونسكو: التقرير الختامي للجنة الدولية لدراسة مشكلات الإعلان. باريس 1978.
باللغات الأجنبية:
33. Alan Hancock: Mass Communication (London, Longmans, 1966)
34. Arthur Goodfriend: The Dilemma of Cultural Propaganda. " Let It Be ", The Annals of the American Academy of Political and Social Science, Voi. 398, Nov. 1971.
35. Bogdan Osolnik: Some Problems Concerning International Communication from the View Point of Implementing the Principles of the Charter of the U.N. and the Declaration of Human Rights, Symposium Ljubljana 1968, Mass Media and International Understanding. School of Sociology, Political Scince and Journalism. Ljubljana. 1968,
36. Carlo Mongardini: A new definition of the concept of development. The New International Economic order Vienna 1980.
37. Carol H. Wese: What America's Leaders Read. Public Opinion Quarterly, Voi. XXXVIII. No. 1. Spring 1974,
38. Colin Cherry: World Communication, Threat or Promise. A sociotechnical App-roach, London, Wiley-Interscience. 1971.
39. C. Anthony Giffard: The Inter-Press Service: New Information for a New Order, Journalism Quarterly, Spring 1985.
40. Charles A. Siepmann: Propaganda Techniques, Voice of the people Readings in Public Opinion and Propaganda, Edited by Reo M. Christenson and Robert O. Mc Williams, 2nd Edition, New York, Mc Graw - Hill Book Company. 1967.
41. Dinker Rao: Mankekar, Mass Media and International Understanding as a Newly .
42. Doob, Propaganda: Its Psychology and Technique. (N.Y.: Henry, Holt and Company 1935)
43. Emerged. Underdeveloped Country Looks at the Problem. Symposium Ljubljana 1968,
44. Geoffrey Reeves: Communications and the Third World, London, Rout ledge, 1993,
45. Hamid Mowlana: International Flow of Information: a Global Report and Analysis, Paris: Unesco, 1985,
46. Harold Beeley: The Changing Role of British International Propaganda, The Annals of the American Academy of Political and Social Science, Vol. 398 Nov. 1971,
47. Harry Goldstein: " Reading and Listening Comprehension at Various Controlled Rates " ( N.Y.: Teachers College, Columbia University Bureau of Publications, 1940).
48. H. Blumer: Movies and Conduct. ( N.Y.: the Macmillan Company 1933);
49. International Information and Communication Order. Source Book, Prague: International Organization of Journalists, 1986.
50. Ithiel de Sola Pool: The Changing Flow of Television, Journal of Communication, Spring 1977.
51. Josiane Jouet & Sylvie: New Communication Technologies: Research Trends, Reports and Papers on Mass Communication, No. 105, Unisco, Paris, 1991,
52. John Martin: Effectiveness of International Propaganda, The Annals of the American Academy of Political and social Science, Vol. 398, Nov. 1971,
53. Joseph T. Klapper: The Effects of Mass Communication. New York, Free Presse, 1960,
54. Khalil Sabat: Role de La Veracite del' Information Dans La Compréhension Internationale. Symposium Ljubljana 1968.
55. LE PETIT LAROUSSE: Dictionnaires encyclopédique. Larousse, Paris 1993.
56. Lazarsfeld et al: The People's Choice, McGhee, New strategies for Research in the Mass Media.( N.Y.: Bureau of Applied Social Research, Columbia University 1953 ).
57. Leo Bogart: the Age of Television. ( N.Y.: Frederick Ungar, 1956 ).
58. Marshall McLuhan, Quentin Fiore: The Medium is the Massage: An Inventory of Effect (N. Y. Bantam Books 1967)
59. Mohamed Habiboullah Ould Abdou: L'information en Mauritanie, Thèse de Doctorat de 3e. Cycle. Université de Paris 2, 1975.
60. Mohamed Ali Khandan: Sima, Information et Politique Pétrolière. Thèse de Doctorat de Spécialité en Science de L'Information, Université de Paris 2, 1973-1974.
61. Oton Pancer: Le Roie de la Langue International Dans La Communication Publique et Dans La Compréhension Internationale. Symposium Ljubljana 1968,
62. Paul A. V. Ansah: International News: Mutual Responsibilities of Developed and Developing Nations in World Communication. Edited by Gerbner & Siefert, N. y., Longman inc, 1984,
63. P. Lazarsfeld: Radio and the printed Page. ( N.Y.: Duell Sloan and Pearce, 1940 ).
64. Peter Drucker: The New Realities: In Government and Politics, In Economics and Businesses, In Society and World View (New York: Harper & Row Publishers, 1989),
65. Ralph k. Whito: Propaganda, Morally Questionable and Morally Unquestionable Techniques, The Annals of the American Academy of Political and social Science, Vol. 398, Nov. 1971.
66. Scott Lash., John Urry. The End of Organized Capitalism (Cambridge: Polity Press, 1993).
67. Sean MacBride and Others: One World: Many Voices More Efficient World Inform-Just and Towards a New More ation and Communication Order, Paris: Unesco, 1980,
68. Schramm: "Communication Development and the Development Process," in Lucian Pye (ed) Communication and Political Development. (N. J.: Princeton University Press 1963).
69. Theodore E. Kruglak: The International News Agencies and the Reduction of International Tensions, Symposium Ljubljana, 1968.
70. UNESCO: Final Report. Intergovernmental Conference on Communication in Latin American & the Caribbean. San Jose Costa July 1976.
71. William L: Rivers and Wilbur Schramm, Responsibility Mass Communication. New York, Harper & Row, 1969.
72. W. Schramm: One Day In the Wold's Press.
73. W. Charters: Motion Pictures and Youth. (N. Y.: Macmillan 1933);
74. Wilbur Schamm: Mass Media and National Development, The Role of Information in the Developing Countries Stanford University Press, 1966.
75. W. Phillips Davison: International Political Communication. New York. Fredrick A. Paeger. 1965.
Kirish
Hozirgi kunda xalqaro axborot almashuvi mavzusi jahondagi eng dolzarb masalalardan biri bo'lib qolmoqda. Keng ko'lamda rivojlanayotgan elektron aloqa vositalari bu sohada yangidan yangi imkoniyatlar yaratib, axborot almashish jarayonining yanada mukammallashuviga sabab bo'lmoqda. Yaponiyalik olim Yuniji Masudining bashorat qilishicha, xx asr oxiriga borib, insonlarga o'zlarini qiziqtirgan ma'lumotlarni istagan vaqtlarida, zudlik bilan olish imkoniyatlarini berishi kerak edi.
Haqiqatdan ham yuqoridagi tahmin xalqaro kompyuter tizimi va sun'iy yo'ldosh telekanallari, teleks, faks va boshqa yangidan yangi aloqa vositalari orqali ro'yobga chiqmoqda. Ommaviy aloqa vositalari, xalqaro va milliy axborot agentliklari zamonaviy axborot uzatish vositalaridan xabarlarni tez va sifatli etkazib berishda, mamlakatlar va xalqlar orasida yangi muloqot vositalari sifatida unumli foydalanmoqdalar. Shuni ham alohida ta'kidlash kerakki, inson aynan ommaviy axborot vositalari yordamida yanada keng dunyoqarash, mukammal bilimlarga ega bo'lish sharafiga ega bo'lmoqda.
So'ngi o'ttiz yil mobaynida axborot almashuvi sohasidagi inqilobiy o'zgarishlar mamlakatlar hamda xalqaro tashkilotlar tomonidan bu yo'nalishga e'tibor kuchayishiga sabab bo'ldi.
Ilgari ham xalqaro axborot almashuvi sohasida rivojlangan va boy mamlakatlar bilan rivojlanayotgan va kambag'al davlatlar o'rtasidagi tengsizlikka barham berish, bu masalada adolatga erishish asosiy muammolardan biri bo'lgan. Hozirda xalqaro axborot almashuvi jarayoni, xalqaro kommunikasiyalar muammolarini o'rganish bilan chambarchas bog'liq bo'lib qoldi. Yangi xalqaro axborot almashuvi tizimini shakllantirishdagi asosiy masala rivojlangan davlatlar va rivojlanayotgan davlatlar orasida bu sohada tengsizlikka barham berish muammosidir.
Bu muammolarni o'rganish xalqaro jurnalistika va xalqaro axborot almashuvi sohalarini jadal rivojlanishiga sabab bo'luvchi omil bo'lib xizmat qiladi.
Universitetlarning xalqaro jurnalistika va xalqaro munosabatlar bo'limlari talabalarining shu muhim yo'nalish bo'yicha adabiyotga bo'lgan extiyojlarini qisman bo'lsada qondirish maqsadida mazkur qo'llanma yaratildi.
Qo'llanmaning birinchi bobida xalqaro jurnalistika yo'nalishi haqida so'z yuritilib, matbuot, radio, televideniening ushbu yo'nalishdagi ish faoliyati, vazifalari va muammolari haqida fikr bildiriladi. Xalqaro jurnalistika istiqbollari tog'risida gap boradi.
Ikkinchi bobda xalqaro munosabatlar va davlatlar tashqi siyosati doirasida xalqaro axborot almashuvi jarayoni, undagi muammolar va uning xalqaro miqyosda mamlakatlar ortasidagi yanada yaqinlashuv, hamjihatlikni ta'minlashdagi o'rni yoritiladi.
Uchinchi bobda xalqaro axborot oqimi, xalqaro axborot almashuvi hamda ularning hamkorlikni mustahkamlash va jamoatchilik fikrini shakllantirishdagi o'rni haqida hamda turli sohalarda xalqaro axborot almashuvi samaradorligi xususiyatlari ko'rib chiqiladi.
To'rtinchi bobda turli mamlakatlarda qabul qilingan jurnalistika nazariyalari haqida qisqacha ma'lumotlar beriladi.
Umid qilamanki, bu kamtarona ilmiy izlanishlar, tadqiqotchilar va talabalar faoliyatlarida kerakli maktab bo'lib xizmat qiladi.
Toshkent 28 iyul 1997 yil Doktor Muhammad Al Buxoriy