السبت، 26 يوليو 2014

تراث العلماء ينير الطريق نحو المستقبل المشرق


تراث العلماء ينير الطريق نحو المستقبل المشرق
إحياء التراث الروحي والثقافي الغني الذي خلفه الأجداد العظام كان ولم يزل من أولويات السياسة التي اتبعتها أوزبكستان منذ الإستقلال في عام 1991 وحتى اليوم.

الأمير تيمور
ميرزة ألوغ بيك
ومن أبرز الأمثلة على ذلك القرارات التي أصدرها رئيس جمهورية أوزبكستان للإحتفال وتخلد ذكرى: الأمير تيمور، وميرزة ألوغ بيك، وبهاء الدين نقشبندي، وأبو القاسم الزمخشري، ونجم الدين كبرو، والإمام البخاري، وأحمد الفرغاني، والكثيرين الكثيرين غيرهم من أبرز قادة ومفكري وعلماء الشرق الإسلامي.
وفي نفس الوقت أقامت أوزبكستان تعاون علمي وثقافي واسع على المستوى الدولي، أثمر عن تنظم لقاءآت علمية كرست لتخليد ذكرى قادة ومفكري وعلماء الشرق الإسلامي، ومن بينها كان المؤتمر الدولي "التراث التاريخي لعلماء ومفكري الشرق في القرون الوسطى، ودورهم وأهميتهم في الحضارة المعاصرة" الذي نظم بمدينة سمرقند خلال يومي 15 و16/5/2014

الزمخشري
 الفرغاني
والأعمال والأبحاث الدؤوبة لفلاسفة، وأطباء، وعلماء، ماوراء النهر اطلعت العالم على مفاهيم واضحة عن علوم القرون الوسطى. وعلى سبيل المثال مؤلفات: أبو نصر الفارابي، والبيروني، وابن سينا، وأحمد يسوي، وعلي شير نوائي، وبهاء الدين نقشبندي، ونجم الدين كبرو، وغيرهم من العلماء التي أضحت مؤلفاتهم بمتناول الإنسانية كلها.

البيروني

علي شير نوائي
ونتيجة لحرص علماء الدراسات الشرقية، والمؤرخين، والناقدين الأدبيين، جرت في أوزبكستان خلال السنوات الماضية أبحاثاً محددة شملت مجالات دراسات التراث الثقافي للشعب الأوزبكي. ولم يزل المعاصرون حتى اليوم يدرسون تراث الأجداد التاريخي، ومع ذلك لم يزل يجب عمل الكثير في هذا المجال الهام، لأن صفحات كثيرة من تاريخ ما وراء النهر لم تزل غير مدروسة. ومن بينها على سبيل المثال قضايا نشأة العلوم وتصنيفها، وتحديد دورها في حياة المجتمع المعاصر، وتاريخ الثقافة بشكل عام.
ومن المعروف أنه كان في ما وراء النهر إنتاج زارعي متقدم في القرون الوسطى، واقتصاد مدن قائم على الحرف اليدوية المتنوعة. ودول قديمة، ازدهرت فيها الثقافة المادية والروحية الغنية. ومما يثبت ذلك الكتابات، ونماذج الفنون التطبيقية والسيراميك، والمباني، واللوحات الجدارية، ومختلف الآلات الموسيقية: الصغديانية، والأورخانية، والخوارزمية، التي خلفها الأجداد والمنتشرة حتى اليوم في أنحاء آسيا المركزية.

بيت الحكمة
ومن المعروف أنه ازدهر في بغداد منذ بداية القرن التاسع الميلادي بيت الحكمة الذي أسسه الخليفة المأمون، وبيت الحكمة يعادل في أيامنا هذه أكاديمية للعلوم. وكان بيت الحكمة آنذاك مزوداً بمكتبة ضخمة، وخزائن كتب متنوعة، ومرصد لأبحاث علم الفلك. وورد في المراجع العلمية أنه دعي لممارسة النشاطات العلمية والترجمة فيه عدد كبير من علماء مختلف مناطق الخلافة الإسلامية آنذاك، وأن العلماء أعاروا فيه اهتماماً كبيراً لدراسة الإنجازات العلمية التي حققها علماء اليونان، والهند. وكان من بين العاملين في بيت الحكمة آنذاك كوكبة من العلماء جاؤا إليه من ما وراء النهر، ضمت أبرز عقول تلك المرحلة ومن بينهم: محمد بن موسى الخوارزمي، وأحمد بن محمد الفرغاني، وحبش الحاسب الماروازي، وغيرهم.

الخوارزمي
وإسهامات كبيرة قدمها كبار علماء ما وراء النهر آنذاك لتطوير شعوب الشرق روحياً، وتطوير العلوم الإسلامية، ومن بينهم كان: الإمام البخاري، والإمام الترمذي، والأشعري، والمعترضي، وبرهان الدين المرغيناني. وتطورت العلوم الدينية جنباً إلى جنب مع تشكل وتقدم العلوم الطبيعية، والأفكار الفلسفية، والأدب، والفنون، وعلم الأخلاق. وتشير الماجع إلى أن المرحلة الإسلامية بدأت مبكراً، وحصلت على تقدمها وازدهارها في القرن العاشر الميلادي.
وطور علماء ما وراء النهر آنذاك علوم اللغات وقواعدها (وخاصة اللغة العربية)، والمصطلحات الفلسفية، ووضعو أسساً للفقه والشريعة الإسلامية، وأغنوا أهم المنجزات الفكربة في الرياضيات، وكانوا آنذاك ينظرون إلى الجبر كعلم قائم بحد ذاته. كما أبدوا اهتماماً كبيراً لقياس محيط الكرة الأرضية بدقة بالغة، ووضعوا حلولاً جديدة لمسائل تقسيم الزاوية إلى ثلاثة أقسام متساوية. بالإضافة للأبحاث الإيجابية التي أغنت اتجاهات علمية مثل: التاريخ، والأدب، والموسيقى، وغيرها من المعارف الإنسانية.
ورافق التقدم السريع للحياة الروحية في المنطقة آنذاك ظهور عدد ضحم من المقالات التي طورت مختلف الإتجاهات العلمية. مما يسمح لنا بتسمية هذا العصر وبحق عصر العلماء الموسوعيين العظام، وعمالقة الفكر، والشعر، ومن بينهم كانت أسماء لامعة، مثل: محمد بن موسى الخوارزمي، وأبو يعقوب الكندي، وأبو بكر الرازي، وأبو نصر الفارابي، وأبو ريحان البيروني، وأبو علي بن سينا، ومحمود القشقاري.

ابن سينا
ومن مقارنة مع ثقافة القرون الوسطى في أوروبا في تلك المرحلة التاريخية نرى أن نجاحات العلماء الموسوعيين العظام، وعمالقة الفكر، والشعر في العالم افسلامي كانت آنذاك كبيرة.
وكتب العالم الإنجليزي ج. بيرنال في مؤلفه "العلم في تاريخ المجتمع" أنه في الوقت الذي كان "القسم الأكبر من أوروبا يعاني من الفوضى، الناتجة عن سقوط الإمبراطورية الرومانية...، كان العالم الإسلامي يعيش مرحلة رائعة من الإزدهار".
وفي معرض إشارته إلى منجزات العلماء المسلمين في العلوم الطبيعية، كتب: أن "العلماء المسلمين... أقاموا علوماً حية متطورة... واستخدموا باستمرار خبرات الدول المتقدمة الأخرى، فارس، والهند، والصين، وتمكن العلماء المسلمون من توسيع الأساس الضيق للعلوم اليونانية في الرياضيات، والفلك، والطب. وتمكنوا من وضع أسس علم الجبر وعلم المثلثات، والبصريات. وتوصلوا إلى نجاحات علمية هامة في الكيمياء. وفي هذه المجالات توصلوا إلى نتائج أساسية من خلال التعامل مع النظريات القديمة، مضيفين عليها خبرات جديدة مكنتهم من وضع علوم جديدة وتقاليد علمية جديدة".
والنهضة الثقافية العظيمة في ما وراء النهر، بدأت خلال القرن التاسع الميلادي على أرضية تقدم الاقتصاد، والزراعة وفنون الري، والتجارة، وازدهار بناء المدن. ولهذه الأسباب وتحت تأثير التقاليد العريقة التي حاز عليها العلماء الذين عاشوا خلال الفترة الممتدة من القرن التاسع وحتى القرن الحادي عشر الميلادية، توصلوا إلى حدود متقدمة على المستوى العالمي. ويكفي أن نذكر أعمال الخوارزمي الأساسية في الجبر، والألغاريتم؛ وأعمال الفرغاني عالم الفلك ومخترع أحدث جهاز لقياس مستوى المياة في نهر النيل "مقياس النيل" آنذاك؛ وكتاب الفيلسوف وعالم الطبيعة الكبير الفارابي الذي درسه دانتي مترجماً إلى اللغة اللاتينية؛ والجغرافي البخاري جيهاني مؤسس إتجاه كامل بالجغرافيا في الشرق الإسلامي؛ وابن عراق عالم الفلك والرياضيات من خوارزم؛ وتلميذه النابغة أبو ريحان البيروني، الذي كان أول من صمم كرة أرضية في العالم.
ونعتقد أن الجميع يوافقونا في أن العلماء الذين نشأوا وترعرعوا على أرض ما وراء النهر حملوا شعاع نور المعرفة إلى الشعوب الأخرى في جميع مجالات العلوم في تلك المرحلة التاريخية الهامة في حياة البشرية، ولم تزل أهميتهم الكبيرة باقية حتى اليوم.


بحث أعده أ.د. محمد البخاري في طشقند بتاريخ 25/7/2014 بتصرف نقلاً عن مقالة رائق بهاديروف (دكتور في العلوم الفلسفية، معهد أبو ريحان البيروني للدراسات الشرقية بأكاديمية العلوم الأوزبكستانية): تراث العلماء ينير لنا الطريق. // طشقند: وكالة أنباء Jahon، 11/5/2014

الثلاثاء، 22 يوليو 2014

الشهيد البطل يوسف العظمة


الشهيد البطل يوسف العظمة


يوسف العظمة
يوسف بيك بن إبراهيم بن عبد الرحمن العظمة، سليل أسرة دمشقية عريقة من أصول كردية توارثت التقاليد العسكرية منذ القرن السابع عشر الميلادي.
ولد يوسف العظمة في منتصف شهر رجب عام 1301هـ الموافق 9/4/1884م، بالصمادية في حي الشاغور بمدينة دمشق ، وكان أبوه موظفاً في إدارة المالية بدمشق، وتوفي حين كان يوسف العظمة لم يزل في سن السادسة من عمره، وتعهد تربيته شقيقه الأكبر عبد العزيز، ودخل المدرسة الابتدائية في الياغوشية القريبة من دارهم، وبعدها التحق بالمدرسة الرشيدية العسكرية في جامع يلبغا بحي البحصة في دمشق عام 1893م، وبعد ذلك تابع دراساته العسكرية في دمشق بالمدرسة الإعدادية العسكرية في جامع دنكز، وبعد عام واحد في عام 1900م انتقل إلى مدرسة قلهلي الإعدادية العسكرية الواقعة على شاطئ مضيق البوسفور في الأستانة "اسطنبول" و بعد سنة تخرج منها ضابطاً في سلاح الفرسان.
وفي عام 1901م التحق بالمدرسة الحربية العالية في الريانغالتي بالأستانة وتخرج منها عام 1903 برتبة ملازم ثان، وفي عام 1905م أصبح ملازماً أول.
والتحق بمدرسة أركان الحرب وأتم فيها تحصيله للعلوم والفنون الحربية العالية وحصل على رتبة نقيب ركن عام 1907م، وكان الأول بين رفاقه في صفوف المدرسة وكوفئ بالميدالية الذهبية (وسام المعارف الذهبي) التي أحدثها السلطان عبد الحميد الأول لطلاب المدارس العالية.
واختارته القيادة العسكرية العثمانية معاوناً للقائد الألماني ديتفرت، وكانت العلاقات العثمانية الألمانية آنذاك قوية، وسبب اختيارة كان لإجادته اللغات: الألمانية، والتركية، والفرنسية، قراءة وكتابة وتحدثاً بالإضافة إلى لغته الأم العربية. وبعد ذلك أرسل إلى لواء الفرسان المرابط في ثكنة رامي بالأستانة، ونقل بعدها إلى فوج المشاة القناصة (تشانجي) العاشر في بيروت وعهد إليه بتعليم الجنود اللبنانيبن.
واستدعي في عام 1908م إلى الآستانة وعين مدرباً مساعداً لمادة التعبئة في مدرسة أركان الحرب التي أحدثت آنذاك في قصر يلدز، وفي عام 1909م نقل إلى الجيش العثماني المرابط في الرومللي على البر الأوروبي، وفي نفس العام أرسل ببعثة عسكرية إلى ألمانيا ليلتحق بمدرسة أركان الحرب العليا لمدة سنتين، وعاد بعدها إلى الأستانة على أثر مرض أصابه بسبب شدة البرودة في ألمانيا، وعين ملحقاً عسكرياً في المفوضية العثمانية العليا بالقاهرة.
وأثناء الحرب العالمية الأولى (1914-1918) عين يوسف العظمة رئيساً لأركان حرب الفرقة الخامسة والعشرين المرابطة في بلغاريا، وشارك مع القوات الألمانية في ميادين القتال بالنمسا، ومقدونيا، ورومانيا. وكان موضع ثقة وتقدير قائد الجبهات المارشال ماكترون قائد القوات الألمانية المحاربة الذي ضمه إلى هيئة أركان حربه باسم الجيش العثماني. وبعد عودته إلى الآستانة اختاره وزير الحربية العثمانية أنور باشا مرافقاً له وتنقل معه لتفقد الجيوش العثمانية في الأناضول، وسورية، والعراق، وعلى أثر احتقان الموقف في جبهة القفقاس عيِّن رئيساً لأركان حرب القوات المرابطة في القفقاس.
ونال يوسف العظمة خلال دراسته، ولقاء خدماته في الجيش العثماني عدة أوسمة وميداليات تقديراً لنبوغه ومواهبه العسكرية المتميزة. وقام خلال فترة خدمته في الجيش العثماني بإعداد برامج متقدمة للتدريب العسكري، وأنظمة إعداد وأساليب التعامل مع الجنود، وترجم كتاب روكر من اللغة الألمانية إلى اللغة التركية ونشر تحت عنوان (بيادة عجمي نفري نصل تيشدرلر) أي كيفية إعداد الجندي المبتدئ من الناحيتين الجسدية والمعنوية للعسكرية، والكتاب محفوظ حالياً بمكتبة المتحف الحربي باسطنبول تحت رقم 2/617EHT .
ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى في نهاية تشرين الأول/أكتوبر عام 1918م عقدت هدنة بين المتحاربين وعاد يوسف العظمة إلى الأستانة، ومنها نقل إلى دمشق، مسقط رأسه، بعد دخول الأمير فيصل بن الحسين إليها. وفي دمشق اختاره الأمير فيصل بن الحسين مرافقاً له، ومن ثم عينه معتمداً عربياً في بيروت.
وذكر عبد العزيز العظمة الشقيق الأكبر ليوسف في مذكراته أن يوسف رحمه الله كان يلتهب غيرة على الوطن، وكان يعتقد أن بإمكان سورية  أن تكون نواة دولة عربية موحدة كبرى تجمع حولها جميع الأقطار العربية، إذا نظمت دولتها وجيشها، وكان ينادي ببذل النفس والنفيس لإعلاء شأن الوطن، وأصبح مرجعاً محترماً للأهالي والقوميين العرب حينذاك، وتمتع بنفوذ كبير في الساحل مما دفع بالجنرال غورو للشكوى ضده خلال اجتماعه بسمو الأمير به في بيروت (بعد عودة الأمير فيصل من أوروبا) وطالب بإبعاده عن بيروت.
وبالفعل تم سحب يوسف العظمة من بيروت وعين رئيساً لأركان حرب القوات العربية في سورية، وبدأ بتأسيس الجيش العربي السوري، وقام خلال فترة وجيزة بتشكيل جيش عربي يشبه في نواته وتنظيماته وتدريباته الجيوش الألمانية المنظمة وكان قوامه يزيد عن عشرة آلاف جندي.
وبعد إعلان استقلال سورية وتتويج الأمير فيصل ملكاً عليها في 8/3/1920م. توضحت نوايا الغدر الاستعماري الفرنسي الإنكليزي وخاصة بعد صدور مقررات مؤتمر سان ريمو 25/4/1920م، التي نصت في واحدة من بنودها على وضع سورية ولبنان تحت الإنتداب الفرنسي، وتأزمت الأوضاع بين حكومة سورية والحكومة الفرنسية مما دعا إلى تأليف وزارة دفاعية جديدة في البلاد برئاسة هاشم بك الأتاسي وشغل يوسف العظمة فيها منصب وزير الحربية.
واختياره لهذا المنصب الخطير في هذه الفترة العصيبة من تاريخ سورية يدل على تقدير المسؤولين الكبير آنذاك لماضيه العسكري ومواهبه وخبراته الواسعة، إضافة لحماسته الوطنية، وغيرته على استقلال البلاد، وكان خير من تسلم هذا المنصب الأول ومهمة الدفاع عن البلاد في تلك الظروف الخطيرة.


خريطة سايكس بيكو
وسرعام ما كشَّر الفرنسيون عن أنيابهم وأظهروا نواياهم الاستعمارية من خلال إنذار غورو الذي كان من أول شروطه: تسريح الجيش؛ وإيقاف التجنيد الإجباري؛ وقبول الانتداب الفرنسي؛ بكل ما فيها من استفزاز للمشاعر الوطنية.
وعلى الرغم من قبول الحكومة العربية السورية للإنذار، والعدول عن فكرة المقاومة، وقبول مطالب الجنرال غورو، وإصدارها الأوامر بتسريح الجيش العربي السوري، وسحب الجنود من روابي قرية مجدل عنجر، مخالفة بذلك قرار المؤتمر السوري العام (البرلمان)، ورأي الشعب المتمثل بالمظاهرات الصاخبة المنددة بالإنذار وبمن يقبل به، فإن القوات الفرنسية بدأت زحفها من البقاع باتجاه دمشق وعلل غورو ذلك بتأخر وصول رد الحكومة السورية بقبول الإنذار (الجواب تأخر نصف ساعة فقط)، وعندها لم يكن أمام أصحاب الغيرة والوطنية إلا المقاومة حتى الموت وكان على رأس هذا الرأي وزير الحربية يوسف العظمة.
وذكر ساطع الحصري (أحد رجال حكومة فيصل آنذاك) في مذكراته: كان يوسف العظمة يعمل بنشاط، ويظهر تفاؤلاً كبيراً، وقد أتم الترتيبات العسكرية اللازمة ووضع الخطة العسكرية المحكمة للدفاع، وعَين القواد الذين عهد إليهم بإدارة الحركات وتنفيذ الخطة في مختلف الجبهات وأهمها جبهة مجدل عنجر في البقاع.
وكانت كلمة يوسف العظمة في الاجتماع العسكري الذي عقد في ساعات الخطر برئاسة الأمير زيد لمواجهة تخوف عدد من كبار الضباط من خوض المعركة وقال: معاذ الله أن نستسلم لليأس والقنوط. وبدأ باتخاذ التدابير العسكرية السريعة ومنها:
وقف أعمال التسريح، والاتصال ببعض العلماء أصحاب التأثير على الشعب لدعوة الناس إلى التطوع والسير نحو الجبهة، أمثال المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني والشيخ كامل القصاب... ونتيجة لذلك توجه المئات من المتطوعين إلى الجهاد وعلى رأسهم بعض علماء الدين.
ويقول قائد جبهة ميسلون حسن تحسين الفقير في مذكراته: أنهم أبلوا بلاءاً حسناً في قتال العدو وأوقعوا فيه خسائر كبيرة واستشهد معظمهم طيب الله ثراهم. وكان يوسف العظمة على رأسهم، وهو المعروف باعتزازه بإسلامه وعروبته والملتزم بفروض دينه وتعاليمه متحلياً بالأخلاق الإسلامية.

النصب التذكاري للشهيد البطل يوسف العظمة
وسار إلى جبهة ميسلون كقائد للمجاهدين لا كوزير حربية وخاض معركة استشهادية لم يكن منصبه يلزمه على خوضها، لكن إيمانه وصدق إخلاصه لوطنه وسمعته وشرفه وكرامة أمته، دفعه إلى خوض معركة الشهادة يوم السبت 24/7/1920م، وكان من أول شهدائها حيث روى بدمه الطاهر أرض ميسلون وانتقلت روحه الطاهرة إلى عالم الخلود، ودفن حيث وقع شهيداً.
بعد أن حارب المجاهدون المتطوعون الفرنسيين بمعركة كبيرة غير متكافئة بين القوات العربية السورية حديثة الولادة بقيادة أول وزير حربية عربي سوري من جهة، وبين الجيش الفرنسي المدجج بالسلاح والذي جاء لاحتلالّ سورية بقيادة الجنرال غوابيه غورو. سقط يوسف العظمة شهيداً ودفن في مقبرة الشهداء بميسلون على بعد 28 كيلو متراً شمال غرب دمشق.
وتشير المصادر إلى أنه شارك في هذه المعركة حوالي ثلاثة آلاف جندي متطوع مزودين بأسلحة قديمة، ليواجهوا تسعة آلاف ضابط وجندي فرنسي، مسلحين بالدبابات والسيارات والمصفحات والطائرات والأسلحة الحديثة الأخرى، واستشهد يومها إلى جانب وزير الدفاع البطل أربعمائة مجاهد.
ويعتبر يوسف العظمة أول وزير دفاع عربي يستشهد في أرض المعركة، وأعظم وزير دفاع عربي حتى الآن.
وفي ذكرى استشهاده يقام سنوياً احتفال عند ضريحه بمقبرة الشهداء بميسلون الذي كتب عليه: يوسف العظمة، وزير الحربية، في 7 ذي القعدة سنة 1338 هجرية. وتحمل إليه أكاليل الورود من مختلف أنحاء سورية.


ليلى يوسف العظمة
لم يخلف يوسف العظمة من الذرية إلا ابنة وحيدة هي ليلى، التي تزوجت المحامي السوري المعروف سيف الدين المأمون وأنجبت منه ابنهما ملهم الذي سعدت بالتعرف عليه ومصادقته في أواخر ستينات القرن الماضي، وكان لي شرف التعرف على والدته أثناء إحدى زياراتي لمنزلهم القريب من الطلياني بدمشق، ولمست أصابعي بعض مقتنياته الشخصية ومن بينها سيفه، ومسدسه. ويذكر أن منزله في حي المهاجرين بدمشق حول إلى متحف خاص يضم بعض مقتنياته الشخصية.

بحث كتبه أ.د. محمد البخاري في طشقند بتاريخ 22/7/2014

للمزيد يمكن الإطلاع على:

1. أ.د. محمد البخاري: المشرق العربي في سياسة المصالح الغربية. نشرت يوم 24/5/2014 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2014/05/blog-post_24.html
2. أ.د. محمد البخاري: أساطير عن مؤسس الجمهورية التركية. نشرت يوم 13/1/2013 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2013/01/blog-post_13.html
3. أ.د. محمد البخاري: آثار انهيار الدولة العثمانية على المجتمع التركي في المراجع الروسية 27/8/2009 http://bukharimailru.blogspot.com/2009/08/blog-post_721.html
4. أ.د. محمد البخاري: إنهيار مشروع الجمهورية التركية السوفييتية. نشرت يوم 26/9/2012 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2012/09/blog-post_26.html
5. أ.د. محمد البخاري: بدايات الاستعمار الاستيطاني والصراع الأوروبي الأمريكي للسيطرة على الثروات الباطنية في المشرق العربي. نشر يوم 5/8/2012 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2012/08/blog-post_5.html
6. أ.د. محمد البخاري: اتصالات الشريف حسين بالبريطانيين ووعد بلفور. نشرت بتاريخ 2/8/2012 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2012/08/blog-post_2.html
7. أ.د. محمد البخاري: من الغزو الإقتصادي والثقافي إلى الإحتلال والإستعمار الأوروبي المباشر للمشرق العربي. نشر بتاريخ 1/8/2012 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2012/08/blog-post_1.html
8. أ.د. محمد البخاري: بدايات الإستعمار الإقتصادي والثقافي الأوروبي للمشرق العربي. نشرت يوم 1/8/2012على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2012/08/blog-post.html
9. أ.د. محمد البخاري: تقسيم أراضي المشرق العربي بين الدول الغربية المنتصرة في الحرب. نشر يوم 7/8/2012 على الرابط؛ http://bukharimailru.blogspot.com/2012/08/blog-post_7.html
10. أ.د. محمد البخاري: المشرق العربي في سياسة المصالح الخارجية للدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى 19/9/2009 http://bukharimailru.blogspot.com/2009/09/blog-post_19.html
11. أ.د. محمد البخاري: الجزيرة العربية وبلاد الشام في سياسة المصالح الخارجية للدول المنتصرة في الحرب 30/8/2009 http://bukharimailru.blogspot.com/2009/08/blog-post_30.html
12. أ.د. محمد البخاري: المجتمع التركي كما رآه المفكرون الروس في القرن العشرين 27/8/2009 http://bukharimailru.blogspot.com/2009/08/blog-post_7939.html
13. أ.د. محمد البخاري: مطالب العرب بالإستقلال التام. نشرت يوم 9/8/2012 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2012/08/3041919.html
14. موسوعة الأعلام للزركلي. ج8، ص213.





الاثنين، 21 يوليو 2014

المؤرخ الشهير كمال الدين عبد الرزاق بن جلال الدين اسحق السمرقندي


المؤرخ الشهير كمال الدين عبد الرزاق بن جلال الدين اسحق السمرقندي


كمال الدين السمرقندي
عاش المؤرخ الشهير كمال الدين عبد الرزاق بن جلال الدين اسحق السمرقندي (1413م- 1482م) في عصر التيموريين (1370م-1507م)، وعرف كمؤرخ في قصر شاهروح بن تيمور (1377م-1383م) بمدينة هيرات.


شاهروح بن تيمور
ولد والديه وعاشا بمدينة سمرقند، ومنها حصل على لقبه السمرقندي.
وعاش كمال الدين عبد الرزاق السمرقندي في هيرات وشغل فيها مناصب مسؤولة في قصر الحاكم، وأدى مهام دبلوماسية كلف بها. وخلال الأعوام الممتدة من عام 1442م وحتى عام 1444م سافر إلى جنوب الهند بصفة سفير. وأثناء رحلته قام بتدوين مذكراته عن تلك الرحلة، وبالنتيجة تحولت تلك المذكرات إلى أثر مكتوب قيم.
وكتاب كمال الدين عبد الرزاق السمرقندي "مطلع السعدين ومجمع البحرين" يعتبر مؤلفه الرئيسي، ومصدراً رئيسياً عن تاريخ دولة التيموريين. ويتألف الكتاب من قسمين:
القسم الأول: ويتحدث عن تاريخ بلاد الشرق الأوسط في القرن الرابع عشر الميلادي؛
والقسم الثاني: ويتحدث عن تاريح حكم التيموريين في القرن الخامس عشر الميلادي.


الدولة التيمورية
ومخطوطات هذا الكتاب منتشرة في الوقت الحاضر بشكل واسع، ومحفوظة في مكتبات العديد من دول العالم. ويحوي هذا الكتاب على معلومات هامة دونها كمال الدين عبد الرزاق سمرقندي عن رحلته إلى جنوب الهند، ويعتبر أهم أثر مكتوب، يشير للعلاقات الدبلوماسية التي أقامتها دولة التيموريين آنذاك.


بحث إعده أ.د. محمد البخاري في طشقند بتاريخ 21/7/2014 بتصرف عن كمال الدين عبد الرزاق بن جلال الدين اسحق سمرقندي. // طشقند: وكالة أنباء Jahon، 21/7/2014

الأربعاء، 16 يوليو 2014

الإسماعيليون تاريخهم وعقائدهم


تحت عنوان "الإسماعيليون: تاريخهم وعقائدهم" نشرت جريدة الغد الأردنية يوم 14/3/2014 مقالة جاء فيها:  الإسماعيليون ثاني أكبر جماعة شيعية في العالم الإسلامي بعد الاثنا عشريين. إذ يقدر عددهم اليوم بحوالي 12 مليونا، ينتشرون في أكثر من 25 بلدا في آسيا وأفريقيا وأوروبا وأميركا. وقد بدأوا في السنوات الأخيرة يتواصلون مع العالم ويعرفون بأنفسهم. ويعد مركز الدراسات الإسماعيلية في لندن أهم مركز للنشر والدراسات حول الإسماعيلية، وقد أصدر كتاب "الإسماعيليون: تاريخهم وعقائدهم"، تأليف فرهارد دفتري؛ والذي يعتبر، كما يقول الناشر، أول تأليف شامل عن الإسماعيليين؛ تاريخهم وتطور عقائدهم. وقد ترجم الكتاب إلى العربية، ونشر بالمشاركة مع دار الساقي (2012(.


أقام الإسماعيليون دولتين مهمتين في التاريخ الإسلامي: الفاطمية والنزارية (آلموت). لكنهم لم يظفروا بأي ظهور سياسي منذ تدمير دولتهم وقلاعهم على يد المغول (1256م)، ودخلوا في مرحلة طويلة من السرية والاضطهاد حتى منتصف القرن الثامن عشر، عندما ظهر أئمتهم إلى العلن، وشاركوا في أحداث سياسية مهمة في إيران والهند، واكتسبوا شهرة عالمية فيما بعد بلقبهم الوراثي الآغا خان.
ابتدأت الإسماعيلية مجموعة شيعية مستقلة بعد وفاة جعفر الصادق العام 756م. وضمت المجموعة التي تؤيد إمامة اسماعيل بن جعفر الصادق. وتعتبر الفترة الممتدة بين نشأة الإسماعيلية في منتصف القرن الثامن الميلادي/ الثاني الهجري وحتى تأسيس الدولة الفاطمية (297هـ/ 909م) فترة غامضة، ما تزال المعلومات عنها قليلة. وكان الإمام جعفر الصادق قد نص على الإمامة بعده لابنه إسماعيل، لكنه توفي قبل والده (حسب أغلب المصادر التاريخية). وطبقا للرواية الإسماعيلية، فإن الإمام بعد محمد بن اسماعيل هو ابنه عبد الله الذي أمضى حياته متخفيا عن العباسيين، ولم يكشف هويته ومكان إقامته إلا لعدد قليل من الموثوقين. وقد أقام فترة من الزمن في السلمية في سورية، متظاهراً بأنه تاجر، وتوفي فيها. وخلفه ابنه أحمد، مؤلف "رسائل إخوان الصفا"، ثم ابنه عبد الله المهدي، مؤسس الدعوة والدولة الفاطمية/ المهدية.
وفي هذه الفترة انتشرت الدعوة الإسماعيلية على يد الدعاة والعلماء والنشطاء الإسماعيليين في أنحاء واسعة من العالم الإسلامي، وبخاصة في خراسان وما وراء النهر، وحققت حضورا مهما في بلاط الدولة السامانية في بخارى )أوزبكستان(. وقامت الدولة الفاطمية في المغرب العام 909م (297هـ)، وهي أهم مشروع سياسي للإسماعيليين؛ فقد أقاموا امبراطورية واسعة ممتدة مزدهرة، عنيت بالفكر والعلم والعمارة والتجارة والزراعة.
بعد وفاة الحاكم بأمر الله (1020م)، استقلت مجموعة كبيرة من الإسماعيليين في بلاد الشام بنفسها، تحت قيادة كبير الدعاة لدى الحاكم؛ وهو حمزة الدرزي، وصاروا يسمون الدروز. وبعد وفاة المستنصر (1094م)، انقسم الإسماعيليون إلى مجموعتين: النزارية أتباع نزار بن المستنصر، والمستعلية أتباع المستعلي بن المستنصر.
وقد لجأ النزاريون إلى قلعة آلموت، وأقاموا من هناك شبه دولة قوية منيعة، تتخذ من القلاع محطات ومراكز للدفاع ونشر الدعوة. وظلت هذه الدولة قائمة حتى اجتاحها المغول. لكن الإسماعيليين النزاريين تمكنوا من البقاء والاستمرار بعد الاجتياح المغولي للعالم الإسلامي (1256)، ودخلوا في مرحلة من السرية والتقية. وتعتبر فترة القرنين التاليين للغزو المغولي الأكثر غموضا في التاريخ الإسماعيلي؛ فقد تطورت الجماعات الإسماعيلية مستقلة عن بعضها، ثم ظهر الأئمة النزاريون في منتصف القرن الخامس عشر في أنجدان بإيران. وفي القرن التاسع عشر، لجأ إمام النزارية إلى الهند، وصار يعرف بالآغا خان. وما تزال إمامة الإسماعيليين قائمة علنا في مومباي في الهند، وإمامهم الحالي هو الآغا خان الرابع كريم علي.


الآغا خان مع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة

في ظل الدولة الفاطمية، بدأت عمليات بناء الأسس الفكرية والعلمية للمذهب الإسماعيلي. ويعتبر القاضي النعمان الفقيه الإسماعيلي الرئيس. وكتابه "دعائم الإسلام" كان يعتبر التشريع الرسمي للدولة الفاطمية، والمصدر الأساسي للفقه الإسماعيلي.
وتعتبر أركان الإسلام في الإسماعيلية سبعة، هي بالإضافة إلى الأركان الخمسة لدى أهل السنة (الشهادتان، والصلاة، والصوم، والحج، والزكاة): الولاية (تسمى لدى الشيعة الإمامة)، والطهارة. ويدور الخلاف بين الإسماعيليين (ومعهم الشيعة) وبين السنة حول الإمامة؛ فهي بالنسبة للشيعة المرحع النهائي لتفسير الإسلام، والإمام عند الإسماعيليين هو المفسر الذي يؤول المعنى الباطني للقرآن والشريعة. وتعتبر آراء وتفسيرات الإمام هي المصدر الثالث للفقه بعد القرآن والسنة، ولم يقبلوا بالإجماع والقياس، وهما المصدران الثالث والرابع لدى أهل السنة.

الاثنين، 14 يوليو 2014

الجغرافي الشهير محمد بن نجيب بكران


الجغرافي الشهير محمد بن نجيب بكران


ولد الجغرافي الشهير محمد بن نجيب بكران بمدينة طوس في دولة الأنوشتيغينيديين بشاهية خوارزم. وخصص أبحاثه العلمية الأساسية لدراسة نيشابور، وعاصمة الدولة الخوارزمية غورغانجا.
وكان "جاهان نامه" العمل العلمي الأساسي الذي كتبه نجيب بكران، ويتألف العمل من ملحق لخريطة العالم المدورة التي رسمها وأهداها بكران لآخر حكام خوارزم محمد خوارزم شاه. وتميزت الخريطة بأنها كانت تحتوي على خطوط درجات الطول والعرض، لالإضافة لحدود الدول.
كما احتوت "جاهان نامه" على أسماء 600 موقع جغرافي. وتضمن الملحق وصفاً شاملاً للربع المأهول من الأرض، وللبحار، والبحيرات، والأنهار، والجبال، والصحارى، وثروات الأرض المعدنية، وغيرها.

وترجمت "جاهان نامه"، التي كتبها نجيب بكران إلى العديد من اللغات العالمية.


أعده أ.د. محمد البخاري، في طشقند بتاريخ 14/4/2014 بتصرف نقلاً عن محمد بن نجيب بكران. // طشقند: وكالة أنباء Jahon، 13/7/2014.