الخميس، 2 أغسطس، 2012

اتصالات الشريف حسين بالبريطانيين ووعد بلفور


اتصالات الشريف حسين بالبريطانيين ووعد بلفور

3

(صفحات من تاريخ المشرق العربي في سياسة المصالح الخارجية للدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى)


قبل إعلان الحرب العالمية الأولى بدأت الإتصالات بين الشريف حسين شريف مكة، واللورد كشنر المندوب السامي البريطاني في القاهرة، قام بها عبد الله بن الحسين (الحسين بن علي 1856م-1931م): شريف مكة. الذي ولد ونشأ في الآستانة. وعين شريفاً على مكة والحجاز خلال الفترة من عام 1908 وحتى عام 1916. وعرقل التدخل التركي في المنطقة العربية مدافعاً عن حقوق العرب، رافضاً التجنيد الإجباري قبل الحرب وأثناءها. واتصل سراً بالإنكليز والجمعيات السرية في مصر وسورية. في صيف عام 1916 أعلن الثورة العربية، وطرد الأتراك من مدن الحجاز، وأعلن نفسه ملكاً على الحجاز عام 1916، ثم أعلن نفسه خليفة عام 1924.
لكن سياسة الحلفاء وإتفاقية سايكس بيكو حالت دون تحقيق هدفه: لإنشاء دولة عربية واحدة تحت التاج الهاشمي. وهاجمه بن سعود 1924 مما اضطره لترك الحجاز والإقامة في نيقوسيا. وتوفي في عمان ودفن بالحرم الشريف. وكان له أربعة أبناء منهم: علي، وفيصل، وعبد الله. (المنجد في الأعلام ص 237-238).
وكان هدف الشريف حسين من تلك الاتصالات معرفة موقف الحكومة البريطانية من العرب، فيما لو أعلنوا الثورة على العثمانيين الأتراك. وتنفيذاً للسياسة التقليدية البريطانية التقليدية التي كانت تقضي بإبقاء الكيان العثماني دون تصدع، أعطى اللورد كشنر جواباً غير مشجع للشريف. غير أن تلك الاتصالات والمحادثات أخذت شكلاً هاماً مع تبدل الظروف العالمية بعد وقت قصير.
وما أن بدأت الحرب العالمية الأولى حتى أعلنت بريطانيا حمايتها على مصر، وضمت قبرص لإمبراطوريتها، وقام الجيش البريطاني باحتلال مناطق من الاسكندرونة شمال ولاية سورية، لقطع خطوط المواصلات العثمانية مع العراق ومصر، ولكن هذا التصرف البريطاني لم يعجب فرنسا التي كانت تعتبر سورية جزءاً من مناطق نفوذها وتسعى لإبعاد الجميع عن سورية.
وبدأت بريطانيا بتكثيف اتصالاتها مع الشريف حسين، بعد أن أخرتها المفاوضات البريطانية الروسية الفرنسية حول مصير الدولة العثمانية. وكان الهدف الرئيسي طبعاً من تلك الاتصالات، التوصل إلى صيغة تحافظ من خلالها على مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة العربية (بولارد سير ريدر: بريطانيا والشرق الأوسط من أقدم العصور وحتى 1952. نقله إلى العربية: حسن أحمد السلمان. بغداد: مطبعة الرابطة، 1956. ص 87).
وخلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1915م و1916م، جرى تبادل ثمان رسائل بين الشريف حسين والمندوب السامي البريطاني بالقاهرة، عرفت بمراسلات الحسين - ماكماهون، وكانت مليئة بالغموض والتناقض بين المراسلات الدبلوماسية. إذ في الوقت الذي كان يفهم العرب من تلك المراسلات حصول بلادهم على الإستقلال الكامل، كانت بريطانيا العظمى تعزل أجزاء من سورية غرب خط دمشق وحمص وحماة وحلب عن الدولة العربية، ولا تتطرق للمناطق الواقعة جنوب ولاية الشام. ورغم كل ذلك الغموض أعلن الشرف حسين الثورة ضد الأتراك العثمانيين في 10/6/1916 دون علم باتفاقية سايكس بيكو التي منحت روسيا بموجبها اسطنبول وأراض أخرى على جانبي مضيق البسفور، ومعظم الأراضي العثمانية المتاخمة لروسيا، مقابل إعتراف روسيا بالمطالب الفرنسية والبريطانية الواردة في تلك الاتفاقية.
وعد بلفور
ولم ينقضي عاماً ونيف على الثورة العربية، ودخول العرب الحرب إلى جانب الحلفاء، حتى سددت بريطانيا ضربة ثانية لحلفائها العرب بإعلانها وعد بلفور عام 1917 وجاء فيه: "أن حكومة جلالته تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين. وستبذل جهودها لتسهيل تحقيق هذا الهدف. وكان من مفهوم أنه لن يؤت بأي عمل من شأنه منع المجتمعات غير اليهودية في فلسطين من ممارسة حقوقها المدنية والدينية، أو تضر بالحقوق والأوضاع السياسية التي يتمتع بها اليهود في كثير من الأقطار". وأوفدت الضابط البريطاني هوغارث Commander Hogarth لإيصال رسالة خاصة للشريف حسين ملك الحجاز، تتضمن التأكيدات التالية:
1. أن حكومة جلالته قررت ألا يخضع شعب إلى سيطرة شعب آخر في فلسطين.
2.  أن الأماكن المقدسة في فلسطين يجب أن تخضع إلى نظام خاص تؤيده مختلف الأقطار.
3.  أن جامع عمر لن يخضع لأية سلطة غير مسلمة (بولارد سير ريدر: بريطانيا والشرق الأوسط من أقدم العصور وحتى 1952. نقله إلى العربية: حسن أحمد السلمان. بغداد: مطبعة الرابطة، 1956. ص 90).
واختتمت الرسالة بالتالي: "لما كان الرأي العام اليهودي في العالم يؤيد العودة إلى فلسطين، وما دام هذا الرأي يجب أن يظل عاملاً ثابتاً، لأن حكومة جلالته ترغب بتحقيق هذا الحلم، وما دام ذاك الحلم لا يتعارض وحرية السكان الموجودين، اقتصادية كانت تلك الحرية أم سياسية، فإن حكومة جلالته عازمة على إزالة أي عائق يحول دون تحقيق ذلك الهدف" (نفس المصدر السابق. ص 90-91). بينما كانت الحقيقة هي تأمين المصالح البريطانية، والاحتفاظ بحصن للدفاع عن قناة السويس، والفوز بتأييد الرأي العام اليهودي المهيمن في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من دول العالم.
ورداً على إعلان شريف مكة نفسه ملكاً على العرب، اعترفت بريطانيا وفرنسا به ملكاً على الحجاز فقط، رغم احتلال قواته بقيادة الأمير فيصل لميناء العقبة عام 1917، وقطع طرق المؤن عن الجيش العثماني التركي المحاصر في المدينة المنورة بعد تدمير السكة الحديدية بأمر من لورنس وغيره من الضباط البريطانيين. وما أن دخلت القوات البريطانية فلسطين حتى سارع اليهود للتطوع في الجيش البريطاني، وشكلت منهم كتائب النقل الصهيونية التي عملت في صفوف جيش الاحتلال البريطاني، وسارع اليهود القاطنين في مناطق خلف الخطوط العثمانية التركية بتزويد الجيش البريطاني بالمعلومات القيمة (نفس المصدر السابق: ص 93).
وفي الطرف الشرقي من بلاد العرب، أخذت تظهر قوة جديدة، قدر لها أن تخرج الحسين من الحجاز، وتنقذ مناطق واسعة من شبه الجزيرة العربية من الاحتلال الأوروبي، ومع بزوغ نجم عبد العزيز آل سعود الذي عرف في العالم باسم ابن سعود. قام في عام 1902 بطريقة شجاعة غريبة لم يعرفها التاريخ من قبل، باسترد  الرياض عاصمة أجداده. وكان والده قد طرد منها بعد أن احتلها قطب أعداء السعوديين ابن الرشيد الذي جاءها من حائل. وبعد أن استتبت أمور الملك لابن سعود في شبه الجزيرة العربية، طرد عام 1913 الحامية العثمانية من الإحساء، ومن المدن الواقعة على ساحل نجد. ولم يستطع العثمانيون الأتراك التصدي لابن سعود بعد ما أصابهم من ضعف وخور بسبب حربهم مع الإيطاليين، ودول البلقان.
ورغم أن الحكومة البريطانية كانت راغبة بتدخل السعوديين في شؤون مدن الخليج، إلا أنها عرضت وساطتها على الطرفين المتنازعين المتحالفين معها أصلاً. ورغم أن تلك الوساطة ارتضاها الطرفان، إلا أنها أدت لاتفاق بينهما ترك لابن سعود ما استولى عليه من أراضي، وأطلق عليه لقب الحاكم العام لنجد والإحساء. وحاولت الحكومة العثمانية منحه رتبة والي، مقابل موافقته على إبقاء حامية عثمانية تركية صغيرة في ساحل الخليج للإبقاء على سلطتها في المنطقة (نفس المصدر السابق: ص 81-82).
وفور إعلان الشريف حسين الثورة على العثمانيين الأتراك، أعلن عبد العزيز آل سعود الذي تحالف مع بريطانيا عام 1915، عن استعداده للتعاون معه، إلا أن الشريف حسين لم يقبل بذلك، رغم الدور الكبير الذي قام به عبد العزيز آل سعود في حربه ضد العثمانيين الأتراك وأسرة ابن الرشيد المناصرة لهم. وتذكر بعض المصادر أنه لو تسلم آل سعود الأسلحة والذخائر التي وعدته بريطانيا العظمى بها لقام بدور أكبر في الثورة العربية ضد العثمانيين الأتراك.
وفي عام 1918 حسمت المعارك ضد العثمانيين الأتراك بموقعة فلسطين التي قام بها جيش عربي نظامي، ومتطوعين عرب، وكتيبة جزائرية بقيادة ضابط فرنسي (الجزائر آنذاك كانت خاضعة للإستعمار الفرنسي ويفهم من ذلك أنها كتيبة تابعة للجيش الفرنسي)، وكتائب نقل مصرية (مصر كانت خاضعة للإنتداب البريطاني ويفهم من ذلك أنها كتائب تابعة للجيش البريطاني)، بقيادة لورنس وضباط بريطانيين آخرين.
واستقبلت دمشق القوات العربية استقبالاً منقطع النظير يوم 1/10/1918، وفي نهاية الشهر نفسه عقدت هدنة مع الأتراك العثمانيين في جزيرة مودروس.
وفي الوقت الذي كان فيه الأمير فيصل منشغلاً بتشكل حكومة وطنية في دمشق كانت القوات البريطانية تعزز احتلالها لفلسطين، والقوات الفرنسية تعزز احتلالها للبنان (نفس المصدر السابق: ص 94-95)، وبعد معركة حاسمة خاضتها نيابة عنهم القوات العربية التي تمكنت من إخراج القوات العثمانية من بلاد الشام، وقعت فريسة الإحتلال الفرنسي البريطاني تنفيذاً لبنود معاهدة سايكس بيكو السرية القاضية بإقتسام أملاك الدولة العثمانية.
ونعتقد أن ما يجري على الساحة العربية اليوم ما هو إلا صدى لتلك الأحداث الدامية التي جرت في مطلع القرن العشرين، وخرجت منها بريطانيا وفرنسا منتصرتين وكان ضحية ذلك الإنتصار القوات العربية وأبناء بلاد الشام.

طشقند 2/8/2012                بروفيسور محمد البخاري


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق