السبت، 30 مايو 2020

نظرية حارس البوابة

نظرية حارس البوابة
نظرية حارس البوابة


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
ومن تحليل وسائل الإعلام الجماهيرية كمؤسسات لها وظيفة اجتماعية، ودراسة دور ومركز القائم بالاتصال، والظروف والعوامل التي تؤثر على اختيار مضمون المادة الإعلامية. وكيف يصنع الصحفيون الأخبار، والجوانب الأخلاقية والمهنية التي يتمسكون بها، وطبيعة السيطرة البيروقراطية المفروضة عليه. نرى أن دراسة "مراسلي واشنطن" التي نفذها ليو روستن Leo Rosten عام 1937 كانت أول دراسة كلاسيكية عن سيكولوجية المراسل الصحفي، وتناولت بالشرح والتحليل القائمين بالاتصال في الولايات المتحدة الأمريكية.
وتتالت الدراسات إلى أن نشر الباحث الأمريكي ديفيد مانج وايت D.M.White دراسته "حارس البوابة وانتقاء الأخبار" أعطت دفعة قوية لبحوث القائمين بالاتصال. والفضل الأكبر بتطوير ما عرف بعد ذلك بنظرية "حارس البوابة" يعود لعالم النفس الأمريكي النمساوي الأصل كورت لوين Kurt Lewin.
وذكر لوين أن "المادة الإعلامية عبر رحلتها الطويلة حتى تصل للجمهور الإعلامي، تمر في نقاط أو بوابات يتم فيها اتخاذ قرارات تتعلق بما يدخل وما يخرج. وأنه كلما طالت المراحل التي تقطعها الأخبار حتى ظهورها في وسيلة الاتصال والإعلام الجماهيرية، كلما ازدادت المواقع التي يصبح فيها من سلطة فرد أو عدة أفراد تقرير ما إذا كانت المادة الإعلامية ستنقل بنفس الشكل التي هي عليه، أو بعد إدخال بعض التغييرات عليها.
لهذا يصبح نفوذ من يديرون هذه البوابات والقواعد التي تطبق عليها، والشخصيات التي تملك بحكم عملها سلطة اتخاذ القرار ذات أهمية كبيرة بالنسبة لانتقال المعلومات". أي أن دراسات "حارس البوابة" هي دراسات تجريبية ومنتظمة لسلوك أولئك الذين يسيطرون في نقاط مختلفة على مصير المادة الإعلامية.
نظرية حارس البوابة الإعلامية:
تمر المادة الإعلامية بمراحل عديدة وهي تتنقل من المصدر الإعلامي حتى وصولها للمتلقي "الجمهور الإعلامي"، وتشبه هذه المراحل السلسلة المكونة من عدة حلقات. ومن أبسط أنواع السلاسل الإعلامية، سلسلة الاتصال المباشر بين فرد وآخر. بينما تدخل سلسلة الاتصال الجماهيري شبكة اتصال معقدة تمر عبر العديد من حلقات وأنظمة الاتصال.
وعادة ما تخرج المواد الإعلامية من تلك الحلقات والأنظمة أكثر مما دخل منها، مما سمح لشانون بأن يطلق عليها تسمية (أجهزة تقوية) لأنها تضاعف وتزيد من كميات المواد الإعلامية التي تدخل إليها وتوصلها بالتالي للجمهور الإعلامي.
ووسائل الإعلام الجماهيرية بحد ذاتها هي شبكات من الأنظمة داخل أنظمة متصلة ببعضها بطرق معقدة، يقوم من خلالها القائمون بالاتصال باستقبال وإعداد وإرسال المادة الإعلامية، التي يستقبلها المتلقي الذي هو جزء من شبكة علاقات قائمة داخل الجماعة التي ينتمي إليها. ومن دراسة أسلوب عمل هذه الشبكة نستطيع التنبؤ باستجابة المستقبل للمادة الإعلامية.
ولنتعرف على الطريقة التي تعمل فيها سلاسل الاتصال التي تنقل المواد الإعلامية لجميع أنحاء المجتمع، نذكر الحقائق الأساسية التي أشار إليها كرت لوين: بأنه في كل حلقة من السلسلة، فرداً معيناً يتمتع بحق تقرير ما إذا كان سينقل أو لا ينقل المادة الإعلامية التي تلقاها، وما إذا كانت المادة الإعلامية التي تلقاها ستصل إلى الحلقة التالية تماماً بنفس الشكل الذي وصلت به، أم سيدخل عليها بعض التغييرات والتعديلات.
وحارس البوابة تعني السيطرة على مكان استراتيجي معين في سلسلة الإتصال، بحيث يتمتع فيها حارس البوابة بسلطة اتخاذ القرار والتحكم فيما يمر عبر بوابته، يمر أو لا يمر، وكيف يمر، حتى نهاية السلسلة إلى الوسيلة الإعلامية ومنها إلى الجمهور الإعلامي.
وذكر لوين أن المواد الإعلامية تمر بمراحل مختلفة حتى ظهورها على صفحات الصحف والمجلات، أو عبر وسائل الإعلام الجماهيرية المسموعة والمرئية والإليكترونية، وأطلق على هذه المراحل تسمية بوابات. وذكر أن هذه البوابات تقوم بتنظيم كمية وقدر المواد الإعلامية التي تمر من خلالها. وأشار إلى أن فهم وظيفة البوابة، يعني فهم المؤثرات والعوامل التي تتحكم في القرارات التي يتخذها حارس البوابة.
بما معناه بأنه هناك مجموعة من حراس البوابات، يقفون في جميع مراحل سلسلة الإتصال التي تتنقل المواد الإعلامية عبرها. ويتمتع كل منهم بحق فتح أو إغلاق بوابته أمام المادة الإعلامية التي تصله، وأن من حق كل منهم إجراء تعديلات على المادة الإعلامية التي ستمر عبر بوابته.
ومن نظرة في سلسلة الإتصال التي تنقل الأخبار، نرى أن المحرر في وكالة الأنباء، أو في الصحيفة، أو في البرامج الإذاعية المسموعة أو المرئية. يتلقى كمية كبيرة من المواد الإخبارية التي تحتاج لاتخاذ قراراته كحارس للبوابة. ويتوقف ذلك على مدى مستوى وموضوعية هذا المحرر، لأن له الدور الهام في توجيه الرأي العام وتحديد آرائه عن الأحداث الجارية في أنحاء العالم المختلفة.
دراسات القائم بالاتصال:
تنقسم دراسات السيطرة الاجتماعية، أو حراس البوابة إلى أربعة أقسام رئيسية، وهي:
1- دراسات تأثير الظروف المحيطة على القائمين بالاتصال:
وتهتم بالظروف التي تؤثر على اختيار الوسيلة الإعلامية لمادتها الإعلامية، وكيفية تأثير اهتمام وسيلة إعلامية معينة بموضوع إعلامي معين على اهتمام وسائل إعلامية أخرى بنفس الموضوع. والطريقة التي يتم فيها نقل أو توصيل السياسة إلى حجرة الأخبار والمحررين، ومدى قبول أو رفض الصحفيين لهذه السياسة، ونتائج هذا الرفض أو القبول عليهم. والموضوعات التي تهملها الوسيلة الإعلامية، وتتعمد عدم نشرها، وأهمية هذا الحذف على القيم الثقافية واستمرارها. وبشكل عام على أفكار الصحفيين والضغوط التي تفرض عليهم.
2- دراسات تأثير النواحي المهنية على القائمين بالاتصال:
وتهتم بالطريقة التي يؤثر بها نظام إخراج المادة الإعلامية على المحرر الذي يتلقى المادة الإعلامية، الأمر الذي يحد من مجالات اختياره، وتأثير التدريب المهني للصحفي على إدراكه للأخبار. وتأثير الجوانب المهنية على المادة الإعلامية. وأداء القائم بالاتصال لعمله تحت تأثير الضغوط النفسية المختلفة.
3- دراسات الجوانب الفنية والمادية لعمل القائمين بالاتصال:
وتتناول أسلوب صياغة الأخبار، وانتقالها والميكانيكية التي تتحكم بنشرها.
4- دراسات اختبار وقياس القائمين بالاتصال:
وتتناول خصائص الصحفيين وتوافقهم مع العمل المسند إليهم.
المقالة التالية القوى المؤثرة على اختيار القائم بالاتصال


الجمعة، 29 مايو 2020

القائم بالاتصال

القائم بالاتصال
القائم بالاتصال


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
القائم بالاتصال:
في ظروف العولمة التي أحاطت بالعالم مع نهاية القرن العشرين أصبحت المؤسسات الإعلامية عبارة عن شبكات عالمية ضخمة، تتصارع داخلها المصالح الحيوية للدول الغنية المهيمنة من خلال إمكانياتها الاقتصادية والتقنية والتكنولوجية. وتحولت كل مؤسسة إعلامية إلى نظام شديد التعقيد.
فشبكات الإنترنيت التي تجمع وتوزع معلومات مكثفة من جميع أنحاء العالم، رغم المسافات الشاسعة التي تفصل بينها، وتضعها في متناول الراغبين أينما كانوا، تعاني من محدودية الطلب على موادها الإعلامية مقارنة بالعرض الذي يتزايد كل دقيقة. وقد لا ينطبق هذا الوضع على الولايات المتحدة الأمريكية والدول الصناعية المتقدمة. لأن التقدم التكنولوجي المتلاحق في هذه الدول قد غير مسار الإنتاج ونشر المواد الإعلامية من خلال استخدام أجهزة الحاسب الإلكتروني "الكمبيوتر"، والأقمار الصناعية، ووسائل الاتصال المتطورة لجمع ونشر المعلومات التي تطالعنا بها الأخبار اليوم بالحرف والصوت والصورة. وأصبح تدفق المعلومات في وضع يصعب مقاومته مهما بلغت قوة الدولة التي تسعى لاحتواء هذه المعلومات أو مصادرتها.
ولكن هذا الكم الهائل من المعلومات لا يجعلنا نصدق أن كل سكان العالم يستقبلون المعلومات من خلال شبكات الاتصال العالمية. مثل شبكة التلفزيون العالمية CNN، التي تستوعب عمل 35 مراسلاً أجنبياً في 23 وكالة أجنبية، مقابل 500 مراسل لـ 100 وكالة أنباء مدعمة بالمحطات السلكية الرئيسية. وتصل أخبارها إلى 3% من سكان العالم فقط، لأن أربعة أخماس سكان العالم لا يملكون أجهزة استقبال للإذاعة المرئية.
ورغم النبوءة بزيادة عدد الذين يستخدمون شبكة المعلومات الإلكترونية الانترنيت من خلال أجهزة الكمبيوتر إلى ستة ملايين نسمة حتى مطلع القرن الحادي والعشرين. إلا أن التقرير السنوي للأخبار السلكية سجل نقصاً في عدد المراسلين والصحفيين في وكالات الأنباء المحلية والعالمية، وحتى في أكبر الشبكات الإخبارية العالمية كرويترز، و CNN، و AFP لتغطية أنباء جميع أنحاء العالم.
ومن الملاحظ أيضاً أن ظهور الإعلام المرئي قد أدى إلى هبوط الطلب على الإعلام المطبوع. فقد ظل عدد نسخ الصحف في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً من عام 1965 وحتى عام 1995 على حاله 59 مليون نسخة، رغم زيادة عدد السكان من 185 مليون نسمة إلى 260 مليون نسمة. أما بالنسبة للمادة الإخبارية ومحتوياتها، فإن التحول من الكلمة المطبوعة إلى الكلمة المرئية قد أصبح ظاهرة أكبر من كونها مجرد تغيير في وسيلة الاتصال الجماهيرية. والكل يعلم بأن جهاز استقبال الإذاعة المرئية قد احدث تغييراً جذرياً في طريقة تفاعل الجمهور الإعلامي مع الأحداث. وأن السياسيين والدبلوماسيين فهموا أن الإذاعة المرئية أكثر ملامسة للمشاعر والأحاسيس من غيرها. وأن لها تأثير فعال على صناعة السياسة الخارجية أكثر من أي وسيلة اتصال وإعلام جماهيرية أخرى.
وعلى سبيل المثال حذر السياسيون عبر القنوات الإذاعة المرئية السياسة الخارجية الأمريكية من التورط بأي تدخل عسكري خارجي بعد التدخل العسكري الأمريكي في حرب فيتنام، والهجوم الشرس الذي شنه الرأي العام داخل الولايات المتحدة الأمريكية، على الإدارة الأمريكية. وهي الأسباب نفسها التي دفعت بالرئيس جورج بوش الأب لوقف العمليات العسكرية الناجحة ضد العراق عام 1991 خشية تصاعد سخط الشعب الأمريكي إذا ما تورط أكثر من اللازم في حرب الخليج، وهو الموقف الذي اعتمد عليه الرئيس كلينتون في الامتناع عن ما أقدم علية الرئيس جورج بوش الابن عام 2003 بعد التعاطف الذي حصل عليه نتيجة للأحداث الإرهابية التي حدثت في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2001 وصدمت الشعب الأمريكي ليؤيد بمعظمه اجتياح القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي بموافقة الشرعية الدولية لأفغانستان في نفس العام والعراق رغم اعتراضات الشرعية الدولية عام 2003 وما رافقها حتى من مخالفات صريحة لمبادئ الحقوق الدولية التي تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية نفسها المدافع الأول عنها.
والصورة الإعلامية اليوم تختلف كثيراً عنها بالأمس، بعد انتهاء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفييتي السابق. والتي تعتبر نقطة التحول في تحول الاستهلاك الإعلامي الأجنبي حتى في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. فقد كانت وسائل اتصالها الإعلامية الجماهيرية تركز في السابق على قطبي الحرب الباردة، وكان الجانب الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية يعتبر الجانب الطيب في مضمونها، بينما مثل الإتحاد السوفييتي السابق الجانب الشرير في مضمونها. وكانت الصورة في مضمون المادة الإعلامية تمثل أن الولايات المتحدة الأمريكية تدعو إلى الحرية والديمقراطية وزيادة الثروة والرخاء، وأن التحالف معها إيجابي. بينما انعكست صور الإتحاد السوفييتي السابق في مضمون تلك المادة الإعلامية كمثال لمساوئ النظم الشمولية والقمع والحرمان. وأن التحالف معه سيء.
وأنهى انهيار الإتحاد السوفييتي السابق قضية التحيز في مضمون المادة الإعلامية لوسائل الإعلام الجماهيرية الأمريكية. وفتر حماس الجمهور الإعلامي داخل الولايات المتحدة الأمريكية نحو أخبار وأحداث الشعوب الأخرى، مع زوال التهديد النووي السوفييتي ضد الولايات المتحدة الأمريكية. وهو ما أثبتته الدراسات العلمية التي نفذتها المنظمات المهنية والعلمية، وتناولت تأثير انتهاء الحرب الباردة على شبكات التلفزيون العالمية، وأظهرت انخفاض كمية المواضيع والأخبار الأجنبية من 35% إلى 23%.
بينما كانت هذه الشبكات تخصص خلال سبعينات القرن العشرين 40% من الوقت المتاح لتغطية الأنباء الأجنبية. وانخفض هذا الوقت عام 1995 إلى 13,5%، كما وتراجعت بعض الشبكات الإخبارية الرئيسية في الولايات المتحدة كـ NBC، و CBS، و ABC عن تسجيل وتغطية الأخبار والأحداث الجارية في الدول الأجنبية، بينما استمرت شبكة CNN في محاولتها تغطية الأنباء العالمية. رغم تزايد عدد الأقمار الصناعية ووسائل الاتصال المتطورة تكنولوجياً.
وعندما ندرس ما يحدث داخل المؤسسات الإعلامية نشعر بمدى تعقد وتشابك أعمالها. ففي داخل تلك المؤسسات الإعلامية تتخذ كل دقيقة قرارات هامة وخطيرة. ونظراً لأهمية تلك القرارات فلابد أن نعرف الأسلوب الذي يتم من خلاله اتخاذ تلك القرارات، ومن يتخذها فعلاً، وطبيعة القائم بالاتصال في تلك المؤسسات، والعوامل التي تؤثر على اختياره للمواد الإعلامية.
المقالة التالية نطرية حارس البوابة


الخميس، 28 مايو 2020

نموذج تحصين المتلقي ضد الإعلام المضاد

نموذج تحصين المتلقي ضد الإعلام المضاد
نموذج تحصين المتلقي ضد الإعلام المضاد


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
نموذج تحصين المتلقي ضد الإعلام المضاد:
عرفنا مما سبق نشره أسباب وطرق تغيير الاتجاهات والسلوك لدى الجمهور، ولكنا لم نتعرف على أساليب وطرق غرس مقاومة التغيير عند المتلقي. وهناك طرقاً عدة تجعل المتلقي يتصدى للتغيير في ظروف معينة.
ومن الأساليب الفعالة لتحصين المتلقي ضد الإعلام المضاد:
1- استخدام أسلوب الالتزام السلوكي الذي يدفع المتلقي من خلال إيمانه برأي معين للتعبير عنه علناً. وهذه العلنية تفرض عليه التزاماً بما صرح به، وعدم محاولة التراجع كي لا يفقد مصداقيته بين مستمعيه. وبهذا يصبح المتلقي ملتزماً اجتماعياً بتأييد رأي معين، وهي طريقة فعالة للتأكد من مقاومته للإقناع المضاد.
2- ربط معتقداته بأشياء أخرى يعرفها. وبالقيم المشتركة المقبولة التي تجعل من المتلقي أكثر مقاومة للآراء التي تستهدف تغيير اتجاهاته. ولضمان مقاومته للإقناع المضاد، لابد من ربط الاعتقاد بجماعات مرجعية تحظى بتقدير واحترام كبير لديه.
3- إثارة الخوف والقلق لدى المتلقي وزيادة التوتر من نتائج غير مرغوبة لديه، مما يجعله يقاوم الرسائل الإعلامية المضادة. ومن المعروف أن تحصين الإنسان ضد مرض معين يتم من خلال إعطائه جرعة بسيطة من ميكروب المرض لتحقيق هدف التحصين ضد هذا المرض. وهو ما يمكن أن ينطبق على عملية الاتصال، عندما نزيد من مقاومته عن طريق إعطائه جرعات بسيطة من الحجج التي قد يستخدمها الإعلام المضاد بهدف تحويله عن رأي الإعلام المضاد.
وهذا أفضل من إعطائه الحجج المساندة للرأي الذي نريده فقط. وقد أثبتت بعض التجارب أن الجمع بين تأثير الدفاع بالحجج المؤيدة، وتأثير الدفاع بالحجج التي تفند الإعلام المضاد، يعطي فاعلية أكثر من استخدام أي من الأسلوبين منعزلاً عن الآخر.
وقد وجد كلاً من ماجواير، وباباجيورجيس، أن وجود الإنذار أو التحذير المسبق سيجعل من كل أساليب الدفاع، سواء أكانت بالتأييد أو التفنيد، أكثر فاعلية. فبمجرد معرفة أن هناك تهديداً بخطر محدق يدفع المتلقي للتيقن من استخدام جميع أساليب الدفاع المتوفرة لديه أفضل استخدام، كما أنه سيدرب نفسه على تقديم الحجج المضادة الجيدة، بل وقد يذهب إلى أبعد من ذلك فيبتكر بعض الحجج الإضافية.
مقارنة نماذج الإدراك المعرفي:
تقوم كل نماذج الإدراك المعرفي على افتراضات تقول أن الفرد:
1- يسعى لتطوير وإبقاء التوازن بين عناصر معرفته وحالاتها. ويتم إدراك عناصر المعرفة من خلال اتفاقها أو عدم اتفاقها مما يعرفه هذا الفرد.
2- حين يدرك منبه مختلف عما يعرفه، يشعر بتوتر مؤلم وغير سار.
3- وأن التوتر السيكولوجي لدى الفرد يؤدي إلى بذل جهود للتقليل من الاختلاف بين عناصر المعرفة.
4- وأن تقليل الاختلافات في إدراك الفرد تقلل بدورها من حالة التوتر لديه.
وبهذا يتم إعادة التوازن بين مكونات أو عناصر المعرفة وتبقى درجة التقليل من الاختلافات مرتبطة بضخامة التوتر. وعلى أساس هذه الافتراضات، تفرز نماذج المعرفة نظريات تنطبق على مختلف الظروف والأحوال بالرغم من أن النتائج المستمدة من نماذج المعرفة هذه، تبدو للوهلة الأولى مختلفة ومتناقضة، إلا أن هذه الاختلافات يمكن تجنبها عن طريق تجديد شروط وظروف الأساليب المختلفة للمعالجة النظرية.
فإذا كان الاتجاه الأصلي نحو المصدر إيجابي وجاءت مادة إعلامية إيجابية عن موضوع الاتجاه نحوه: كان التغير في الاتجاه نحو المصدر إيجابياً.
وإذا جاءت مادة إعلامية سلبية عن موضوع الاتجاه نحوه: كان سلبياً.
وإذا كان الاتجاه الأصلي نحو المصدر سلباً، كان التغيير في الاتجاه نحو الموضوع سلبياً.
وإذا كانت المادة الإعلامية سلبية عن موضوع الاتجاه نحوه: كان التغيير سلبياً أقل وإيجابياً أكثر.
ومنه نستنتج أن:
1- نماذج الاتصال الذاتي أو الاتصال بين فردين تختلف. وأن نموذج هيدر، ومبدأ أسجود، ونظرية فستنجر، تركز على البناء السيكولوجي، وبناء المعرفة داخل الفرد. بينما يركز نموذج نيوكومب على توجيه المشارك في عملية الاتصال. ولهذا يعتبر نموذجه مثالاً للاتصال بين فردين.
2- تختلف عناصر المعرفة في النماذج. فنموذج هيدر، ونموذج نيوكومب، ومبدأ أسجود، أخذت في اعتبارها اتجاه الفرد نحو فرد آخر، واتجاهه نحو شيء آخر. بينما اهتم نموذج فستنجر بتقييم الفرد لشيئين أو لموضوعين.
3- اعتمدت النماذج الأربعة على وجود مادة تربط بين عناصر الإدراك. وهي في نموذج هيدر المصدر الإعلامي وله اتجاه إيجابي أو سلبي، نحو المتلقي أو شيء معين. وتضمن نموذج نيوكومب عبارة تختلف في درجتها وتسير في اتجاهات متعددة. بينما افترض مبدأ التآلف عند أسجود بعض الإلزام إما بالربط بين المصدر والفكرة، أو الفصل بين المصدر والفكرة. ولم يفترض نموذج فستنجر وجود رابطة محددة بين عناصر الإدراك.
4- إستراتيجية تخفيض التوتر تختلف في جميع النماذج. والإستراتيجية عند هيدر، ونيوكومب، واسجود، تقول بوجود اختلاف في الاتجاهات، يحدث تغيير معين في الاتجاه. أما فستنجر فالإستراتيجية عنده هي الاختلاف بين الاتجاه المبدئي والسلوك، الذي يحدث تغيير معين في الاتجاه. ولكن هذا التغيير في الاتجاه يحدث فقط عندما تسد أو تبعد قنوات التهرب. ومبدأ سد المنافذ الأخرى يستخدم في النماذج الأربعة.
5- يختلف أسلوب تخفيض التوتر من نموذج لآخر. فعند هيدر ينتج التغيير عن عملية الاختيار عند الفرد بين اتجاهات عديدة. وبذلك قد يغير الفرد اتجاه واحد أو عدة اتجاهات، وقد يتغير الإدراك عند الفرد أو قد يشوه إدراكه، بهدف إعادة حالة التوازن. أما نيو كومب فقد اتبع الأسلوب الذي اقترحه هيدر. وافترض نيوكومب أن الفرد قد يتهرب من تشكيل الاتجاه، سعياً لتحقيق التناظر. بينما أكد مبدأ التآلف عند أسجود أن كل الاتجاهات ستتعرض للتغيير، وتتجه نحو الوضع الذي يشكل حلاً وسطاً.
بينما قدمت نظرية التنافر تبريراً لعنصر اختلاف المعرفة الذي يعتمد السلوك أساساً له، لأن الفرد سيغير اتجاهه ليحقق اتفاقاً أكثر مع سلوكه. والتغيير ينتج وفق هذا الاتجاه عن الجهود التي تبذل من أجل تبرير السلوك الذي اتبعه، أو القرار الذي أتخذه الفرد.
6- وتعتبر معادلات التآلف التي قدمها أسجود الأكثر دقة في القياس. وتوفر هذه المعادلات قياس دقيق لقدرة النموذج على التنبؤ. كما ويعتبر نموذج نيوكومب والتعديلات التي أدخلها عليه كلاً من كارتريت عام 1956 وهراري عام 1970 دقيقة القياس أيضاً.
7- وكلما زادت مرونة النموذج، كلما قلت الدقة فيه. ولهذا يعتبر مبدأ التآلف مبدأً غير مرن، بسبب جمود قدراته على التنبؤ الذي يتراوح فيه بين التدعيم أو عدمه. وتعدد البدائل في نماذج هيدر ونيوكومب. بينما تعتبر نظرية التنافر أكثر النماذج مرونة لأنها تفسر عملية تغيير الاتجاه.
المقالة التالية نموذج القائم بالاتصال


الأربعاء، 27 مايو 2020

نموذج الحكم الاجتماعي

نموذج الحكم الاجتماعي
نموذج الحكم الاجتماعي


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
نموذج شريف وهوفلاند عن الحكم الاجتماعي:
لا يهتم نموذج الحكم الاجتماعي الذي ابتكره مظفر شريف وكارل هوفلاند، بشكل مباشر بمفهوم التوازن، خلافاً للنماذج الأخرى. بل أن الهدف الأساسي منه دراسة مكونات الاتجاه وكيف نغيره، والمتغيرات التي تؤثر على بنائه. ويهدف هذا النموذج اكتشاف الظروف التي سوف تجعل الفرد أكثر أو أقل استعداداً للتغيير.
ويؤكد نموذج الحكم الاجتماعي، على أن الاتجاه هو جزء من العمليات السيكولوجية المعقدة التي تحدث داخل الفرد، ولا يمكن ملاحظتها بشكل مباشر. فالاتجاهات يمكن استنتاجها فقط من خلال سلوك الفرد الخارجي الظاهر. وتعتبر الأنماط الثابتة للسلوك الإنساني الأساس الذي يساعد على تفسير الاتجاه والمعروف أن الإنسان لا يولد ولديه اتجاهات، بل يكتسب هذه الاتجاهات من خلال تفاعله مع الظروف المحيطة به. ويكونها من خلال تفاعله مع الأفراد والجماعات والأشياء المحيطة به. وتتحول هذه الاتجاهات بالتالي وبمجرد تكونها وتدعمها إلى حالات سيكولوجية ثابتة تصبح عملية تغييرها صعبة ومعقدة كثيراً.
والاتجاهات وفقاً لمفهوم مظفر شريف وكارل هوفلاند هي: مجموعة من المهارات التي يتعلمها الإنسان ويستخدمها في تقييم المنبهات الجديدة بشكل إيجابي أو سلبي. وأن الإنسان يصنف الرسائل التي يتلقاها ضمن ثلاثة مجالات، هي:
1- مجال القبول: ويتضمن الرسائل الإعلامية والمواقف التي تحظى برضاه وقبوله أكثر من غيرها من الرسائل الإعلامية والمواقف الأخرى التي يعترض عليها، كما وتتضمن الرسائل الإعلامية والمواقف الأخرى التي تتفق نسبياً مع اتجاهاته.
2- مجال الرفض: ويتضمن الرسائل الإعلامية والمواقف التي يعترض عليها بشكل واضح. ويتضمن كذلك المواقف الأخرى التي يعترض عليها نسبياً بالمقارنة مع اتجاهاته.
3- مجال عدم الالتزام: ويتضمن الرسائل الإعلامية والمواقف التي لا يقبلها أو يرفضها، والرسائل الإعلامية التي لا يوجد لديه معلومات عنها أو التي لاتهمه لا من قريب ولا من بعيد.
وتغيير الاتجاه وفقاً لنموذج الحكم الاجتماعي ينطوي على تغيير المجالات التي كونها الإنسان عن موضوع أو اتجاه معين، ولما كانت الاتجاهات حالات سيكولوجية تتسم نسبياً بالثبات، فإننا إذا قسنا اتجاه فرد من الأفراد في أوقات مختلفة، فإننا سوف نجد أن بناء مجال اتجاهه سيكون تقريباً واحداً في تلك الأوقات المختلفة.
ولكن إذا قدمنا للفرد سلسلة من الرسائل الإعلامية عن موضوع ما لديه اتجاه نحوه، فإنه سوف يصنف تلك الرسائل الإعلامية في مجالات القبول، أو الرفض، أو عدم الالتزام المتوفرة لديه. وحينما يحاول شخص ما إقناعه فإنه سيتلقى العديد من الرسائل الإعلامية والمواقف المصنفة في مجالات محددة تضاف إلى المجالات المتوفرة لديه أو تعدل في تركيب تلك المجالات.
وإضافة معلومة جديدة أو موقف جديد إلى مجالات الفرد ليس بالضرورة أن يحدث تغييراً في اتجاهاته. لأن البشر غير مستعدين جميعاً بنفس القدر لتغيير اتجاهاتهم واتصال الموضوع بذات الفرد أو أهميته بالنسبة له هو عنصر هام من عناصر استعداد المتلقي للتغيير. فالاتجاهات قد تكون هامة أو غير هامة، لأن البشر مختلفين في الاتجاهات نحو الأشياء الموجودة في الظروف المحيطة بهم. وكلما كان الموضوع مهماً بالنسبة لهم، كلما زاد اتصالهم بذاتهم، وكلما قلت أهميته بالنسبة لهم كلما قل اتصالهم بذاتهم. وكلما زاد اتصال الموضوع بذات الفرد كلما كان تغيير الاتجاه نحوه صعباً لأنه في هذه الحالة تكون مجالات القبول وعدم الالتزام محدودة، ومجالات الرفض كبيرة مثال المواقف التالية:
1- إذا كنا نؤيد مرشح معين بشدة (الأفراد الذين يتصل الموضوع بذاتهم)، فالرسائل الإعلامية الوحيدة التي سنضعها في مجال القبول، هي تلك التي تؤيده. وسوف نرفض العبارات التي تهاجمه. وهنا استعداد الفرد للتغيير ضئيلة جداً.
2- الأفراد الذين لا يتصل الموضوع بذاتهم إلا اتصالاً بسيطاً أو معتدلاً، هم أكثر استعداداً للاقتناع لأن مجالات القبول وعدم الالتزام عندهم كبيرة بعض الشيء، ومجال الرفض عندهم أقل. وإذا كان اتجاه الأفراد نحو المرشح المعين معتدلاً، فسيقبلون الرسائل الإعلامية التي تعنيه أكثر. وفي هذه الحالة ستزيد نسبة العبارات التي لا تلزمهم بشيء نحوه، وستقل نسبة ما يرفضونه. أما الأفراد الذين لا يهمهم الموضوع، فإن مجالات القبول وعدم الالتزام عندهم كبيرة، ومجال الرفض ضئيل، وهم أكثر استعداداً لتغيير اتجاهاتهم.
3- الأفراد الذين يهمهم الموضوع ويتصل بذاتهم لا يرون إلا الجانب الذي يعتقدون بصحته، ويرفضون كل التفسيرات والبدائل الأخرى. وكلما قلت لديهم أهمية الموضوع كلما زاد استعدادهم لتلقي أفكار مختلفة عنه. وبمجرد أن يصبح الفرد مستعداً لتلقي البدائل فإن تغيير اتجاهاته تصبح أكثر احتمالاً، ومما يزيد الاستعداد للاقتناع، أن يؤمن المتلقي بصدق مصدر المعلومات، وصدق القائم بالاتصال ناقل الرسالة الإعلامية.
المقالة التالية نموذج تحصين المتلقي ضد الإعلام المضاد


الثلاثاء، 26 مايو 2020

ظرف التعرض الانتقائي للمعلومات

ظرف التعرض الانتقائي للمعلومات
ظرف التعرض الانتقائي للمعلومات


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
ظرف فرض الخضوع:
وهو الظرف الذي يضطر فيه الفرد للقيام بسلوك معين لا يقدم عليه بإرادته، ويضمن قيام الفرد بهذا السلوك التعرض عادة لضغط يكون على شكل عقاب عن عدم الخضوع وكذلك بغية الحصول على جزاء الخضوع. وكلما قل الضغط الذي يفرض علينا السلوك الذي لا نريده كلما زادت حالة التنافر التناقض. وحينما يضطر الفرد إلى التعبير علانية عن رأي مخالف ومتناقض مع رأيه الخاص تحدث حالة من التنافر والتناقض يتوقع معها حدوث ضغوط معينة للتقليل منها.
وقد يضطر شخصاً ما لسبب أو لآخر بغرض كسب تأييد من نوع معين أو لتجنب خطر ما إلى التصريح برأي علني مخالف لآرائه المعتادة. آخذاً بعين الاعتبار:
1- قدر الجزاء الذي سيحصل عليه من سلوكه العلني المخالف.
- قدر المضايقة التي يجنيها من سلوكه العلني المخالف.
وباختصار، فإن إغراء الإنسان بأن يسلك سلوكاً مخالفاً لاعتقاده الخاص، لقاء جزاء موعود، ومضايقة بسيطة، فإن ذلك سيؤدي إلى حدوث اتفاق بين رأيه الخاص وما صرح به علانية.
ظرف التعرض الانتقائي للمعلومات:
من خلال بحث الإنسان عن المعلومات ومن أجل التقليل من حالة التنافر والتعارض عنده، فإنه يلجأ لتغيير عنصر المعرفة المتصل بالظروف المحيطة به. وهو ما يسمى التعرض الانتقائي للمعلومات، الذي ينظر إليه من خلال وجهتي نظر أساسيتين، هما:
1- التعرض غير الاختياري الذي يظهر من خلال تناقض المعلومات الجديدة مع المعرفة المختزنة لديه ليعبر خلالها عن عدم الارتياح والتنافر من خلال:
آ- إدراك المعلومات بشكل سيء أو محرف؛
ب- تجنب المعلومات الجديدة أو نسيان ما كان يعرفه عنها؛
ج- تغيير آراءه من خلال الاقتناع بالمعلومات الجديدة.
2- التعرض الاختياري عن طريق البحث المتعمد عن المعلومات الجديدة، مما يدفع بالمرء لاتخاذ قرار بطرق عقلانية.
ظرف التأييد الاجتماعي:
حينما يتفق الآخرون معنا بالرأي نشعر بالراحة الداخلية، وعندما يختلفون معنا، فإننا نشعر بحالة من القلق وعدم الراحة. ويتوقف مدى التنافر والتناقض أو نقص التأييد الاجتماعي على عدة عوامل، نلخصها بالتالي:
1- توافر طريقة معينة لاختيار الموضوع الذي تختلف حوله وجهات النظر.
2- عدد الناس الذين يتفقون أو يختلفون معنا في الرأي.
3- أهمية الموضوع.
4- مدى رغبة الفرد في الاختلاف مع فرد أو جماعة.
5- درجة الثقة بالشخص الذي نختلف معه بالرأي، فمن لايهمنا أمرهم التنافر معهم يكون أقل من الذين نهتم بهم.
وإذا كان مسبب حالة التنافر والتناقض مشكلة عدم الاتفاق الاجتماعي فإن التقليل منه يمكن بواحدة من ثلاث طرق، هي:
1- إما تغيير الرأي حتى يتفق مع رأي أولئك الذين يستمد منهم التأييد الاجتماعي؛
2- أو مواصلة تقديم الحجج والحقائق للذين نختلف معهم بالرأي على أمل أن يغيروا رأيهم؛
3- أو محاولة إظهار الآخرين وكأنهم مختلفون عنا تماماً.
مثال العبارات التالية: "إنهم لا يفهمون شيئاً"، "إنهم مختلفون عني"، إنك لا تتفق معي لأنك تنتمي لمجتمع آخر".
ومن ذلك كله نستنتج أن نموذج التنافر والتعارض الذي قدمه ليون فستنجر هو نموذج عام للسلوك البشري، ويغطي مجال الاتصال الإنساني بشكل عام. ويهتم بالتغييرات السيكولوجية التي تحدث داخل الإنسان، وعلاقته الاتصالية بالآخرين. واتجاه التغيير والسلوك الذي يحدث عندما تتواجد علاقات لا تتسم بالاتفاق.
الإقناع في نموذج كرونكيت:
ركز كرونكيت في نموذجه على الجوانب السيكولوجية التي تلعب دوراً عندما يحاول القائم بالاتصال التأثير من خلاله على اتجاهات فرد آخر. كما وركز كرونكيت في نموذجه أساساً على تغيير الاتجاه، بحيث يحاول من يقوم بالإقناع تغيير سلوك المتلقي عن طريق جعل سلوك المتلقي يتوازن مع المنبهات التي يقدمها المصدر. أي أن يصبح بذلك الإقناع موجهاً نحو تغيير السلوك بدلاً من تغيير الاتجاهات.
والمفروض أن الاتجاهات التي لا يمكن رؤيتها تفسر السلوك لهذا اهتم كرونكيت بالعلاقة بين المنبهات المستخدمة، وسلوك الإنسان الذي يتلقى المنبهات. وافترض أن الإنسان سوف يحاول تحقيق التوازن في العلاقات بين المنبه الذي يحصل عليه المتلقي واستجابته لهذا المنبه. وهو ما أسماه كرونكيت موضوع المفهوم أو المنبه الذي يحاول القائم بالاتصال تغييره. ولتحقيق هذا الهدف يلجأ القائم بالاتصال إلى منبه يؤثر على الدوافع أو مفهوم يؤثر على الدوافع. ويشترط هنا أن يقيِّم الإنسان هذا المنبه تقييماً إيجابياً وأن يقبل به.
وعلى القائم بالاتصال أن يجعل المتلقي يرى علاقة إيجابية بين موضوع المنبه والمنبه الذي يؤثر على الدوافع. وذكر كرونكيت عمليتين هامتين تدخلان ضمن عملية الإقناع:
1- أن يقوم القائم بالاتصال، وهو القائم بالإقناع، باختيار المؤثرات التي تؤثر على الدوافع، والمفاهيم التي يعرف أنها سوف تؤدي إلى استجابة قوية وايجابية عند المتلقي، وتقنعه لتغيير سلوكه.
2- أن يبين القائم بالاتصال المفاهيم التي تهدف التأثير على الدوافع المتصلة بشكل واضح بموضوع المفهوم، بحيث يستجيب المتلقي لموضوع المفهوم باستمرار وقوة كما يفعل حيال المفهوم الذي يؤثر على دوافعه. لأن المتلقي يقبل أو يرفض الاقتراح الذي يشير بأن أي مفهوم من المفاهيم متصل أو غير متصل بمفهوم آخر. وقد لا يربط بين مفهومين يعرفهما. لذلك على القائم بالاتصال أن يعرف الحجج التي سيقدمها ويقبلها المتلقي كحقائق.
المقالة التالية نموذج الحكم الاجتماعي


الأحد، 24 مايو 2020

مدى الضغط اللازم لتحقيق التآلف الاتصالي

مدى الضغط اللازم لتحقيق التآلف الاتصالي
مدى الضغط اللازم لتحقيق التآلف الاتصالي


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
ونتيجة لبحث أجراه تاننباوم على 405 من طلبة الجامعة، وشمل:
- معلوماتهم واتجاهاتهم نحو المصادر التالية:
- القادة العماليون؛
- صحيفة شيكاغو تربيون؛
- السيناتور روبرت تافت.
- ونحو المواضيع التالية:
- القمار المشروع؛
- الفن التجريدي؛
- برامج الدراسة الجامعية السريعة.
قام بعد فترة وجيزة من حصوله على المعلومات عن اتجاهاتهم، بتوزيع قصاصات صحف على العينة، تتضمن مواد إعلامية، ومفاهيم متعددة المصادر. فكانت النتيجة أنه:
- حين كانت الاتجاهات الأصلية من المصدر والمفهوم إيجابية، وكانت المادة الإعلامية إيجابية، لم يحدث تغيير كبير في الاتجاهات.
- وحين كانت الاتجاهات الأصلية من المصدر والمفهوم سلبية، وكانت المادة الإعلامية سلبية لم يحدث أي تغيير.
ولكن الذي حصل وكما كان يتوقعه تاننباوم، حين يأتي تصريح إيجابي من مصدر إيجابي عن مفهوم سلبي، فإن النتيجة تضعف من تأييد الفرد للمصدر، ويعوض عنه بتأييده المفهوم، وعلى العكس من ذلك، فعندما يأتي تصريح إيجابي من مصدر سلبي عن مفهوم إيجابي، فإن النتيجة تحسن الاتجاه نحو المصدر ويضعف من تأييد المفهوم.
مدى الضغط اللازم لتحقيق التآلف:
يتناسب الاستعداد لتغيير الاتجاه عكسياً مع مدى وقوة الضغط الموجود. ولا يأخذ هذا المبدأ في الاعتبار نوعية العلاقات بين المواضيع التي نحكم عليها، لأنه عاجز عن التفرقة بين التحركات في اتجاه يزيد التضاد، والتحركات التي تقلل التضاد، حتى ولو افترضنا أن المتلقي يصدق تماماً الرسالة الإعلامية.
لأن نواحي القصور في مبدأ التآلف تشمل:
1- مبدأ مقيد بموضوع لأنه يدور دائماً حول مادة إعلامية تربط بين متغيرين مما يجعل التنبؤ صعباً.
2- لا يشير المبدأ إلى أهمية متغيرات معينة متصلة بالمتلقي.
3- يتجاهل المبدأ التأثير الذي تحدثه عملية اتصال الفرد بذاته وبالمصدر والموضوع، خاصة وأن اهتمام الفرد بالموضوع له دور هام في تحديد مدى استجابة كل العناصر في الظرف الاتصالي.
نموذج التعارض في المعرفة:
قدم ليون فستنجر نموذج يعتمد على مفهوم الاتفاق السيكولوجي، ويفترض أن الإنسان يعمل على جعل اتجاهاته تتفق مع بعضها البعض ومع سلوكه الشخصي، وأن العلاقة بين ما يعرفه الفرد والطريقة التي يتصرف بمقتضاها، ليست بسيطة لأن الناس بشكل عام يتصرفون بطرق تتفق مع ما يعرفونه، فإذا أحس الفرد بأن هناك خطراً يتهدده، فإنه سيلتزم الحذر دون شك، وكذلك إذا علم بوجود مدرسة أفضل من غيرها فسيرسل ابنه إلى المدرسة الأفضل.
ولكن كثيراً ما يحدث تعارض وتنافر بين تصرفات الفرد وما يعرفه وفي هذه الحالة فسوف تبدأ عمليات سيكولوجية هدفها تقليل هذا التعارض والتنافر.
ومن الملاحظ دائماً أن بعض الأفراد يحاولون بين الحين والآخر تبرير السلوك الذي أقدموا عليه، كأن يقول الطالب الذي حضر لأجل الامتحان كثيراً أن هذا الامتحان هام جداً، مبرراً الجهد الإضافي الذي حمله لنفسه دون مبرر.
وأن يسهب الوالد الذي ألحق ابنه بمدرسة معينة، بمدح مزايا المدرسة التي اختارها لابنه، مبرراً النفقات التي حملها نفسه دون مبرر، بما معناه أن الفرد يعمل على التقليل من التعارض بين الحقيقة والسلوك الذي أقدم عليه بتضخيم الجوانب التي تتفق مع سلوكه هذا.
وهنا نستطيع القول بأن الإنسان لو أخذ بعين الاعتبار المعلومات المتوفرة لديه والتي تمنعه من القيام بسلوك معين، لامتنع عنه. ولكنه عندما يقدم على تصرف يتناقض وتلك المعلومات، فسيحدث نوع من التنافر والتناقض بين ما يعرفه وبين سلوكه، وفي هذه الحالة فسوف يعمل على التقليل من هذا التناقض عن طريق تغيير سلوكه أو معتقداته وآرائه أي أن يبرر أفعاله.
وتوصل فستنجر إلى جملة من النتائج الهامة نلخصها في:
1- أن التنبؤ بأية عملية تنطوي على اتخاذ قرار أو أي اختيار بين بدائل، ستؤدي إلى حدوث حالة من التناقض، خاصة إذا تضمن البديل الذي لم يتم اختياره خصائص إيجابية تجعله مرغوباً به. أو تضمن البديل الذي تم اختياره خصائص سلبية كانت يمكن أن تؤدي لرفضه. لهذا يلجأ الإنسان عادة بعد اختيار البديل للبحث عن أدلة تدعم القرار الذي اتخذه، بهدف التقليل من حالة التناقض والتنافر التي وقع فيها.
2- وأن حالة التنافر والتناقض التي تنشأ بعد اتخاذ القرار تجعل مزايا البديل الذي تم اختياره تزيد، ومزايا البديل الذي لم يتم اختياره تقل. مما يدفع الفرد إلى تضخيم مبررات قراره، ويجد من يساند مبرراته.
وحدد فستنجر ثلاثة أنواع من العلاقات بين عناصر المعرفة لدى الإنسان، وهي:
1- قد لا تكون هناك علاقة بين عناصر معرفة الإنسان؛
2- قد تكون هناك علاقة اتفاق بين عناصر معرفة الإنسان؛
3- قد تكون هناك علاقة تعارض وتنافر بين المواضيع التي يعرفها الإنسان.
ورأى فستنجر أن التعارض ينشأ عن أحد الأسباب التالية:
1- وجود تعارض أو عدم اتفاق منطقي: ويحدث عندما تبرز معلومة أخرى بشكل منطقي، كالفناء والحياة.
2- الأنماط الثقافية الشعبية التي يقبلها الناس دون نقاش: لأنها تعكس وجهات النظر الأخلاقية الأساسية للجماعة.
3- شمولية الرأي: عندما يتواجد اختلاف بين معرفة محددة لدى الإنسان، ومعرفة أكثر شمولية.
4- التجربة السابقة. ويتم التقليل من التنافر والتناقض، عن طريق:
1- تغيير السلوك؛
2- التأثير على الجانب المتصل بالظروف المحيطة؛
3- إضافة عناصر معرفة جديدة. ويحدث التعارض والتنافر في المعرفة من خلال أربعة ظروف اتصالية، هي:
1- ظرف اتخاذ القرار: وينشأ التنافر والتناقض نتيجة لاتخاذ قرار معين، استجابة لثلاثة عوامل، وهي:
1- زيادة التنافر والتناقض مع ازدياد أهمية القرار المتخذ.
2- زيادة التنافر والتناقض كلما قلت جاذبية البديل الذي تم اختياره، وكلما زادت جاذبية البديل الذي لم يتم اختياره.
3- ويقل التنافر والتناقض كلما تماثلت عناصر المعرفة عن الموضوع.
المقالة التالية ظرف التعرض الانتقائي للمعلومات