الأربعاء، 30 أكتوبر، 2013

الأديب الأوزبكي الكبير غفور غلام

الأديب الأوزبكي الكبير غفور غلام
غفور غلام أديب أوزبكستاني كبير. وجد تاريخ الشعب الأوزبكي مكانة لائقة في أعماله الشعرية والنثرية. وتنوعت إبداعاته ما بين: الشعر، والأغاني، والقصائد، والقصص، والروايات. وتمتعت أعماله الإبداعية بشهرة واسعة خلال الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، ولعبت دوراً كبيراً في تطوير الأدب الأوزبكي.
سيرة حياته



اشتهر غفور غلام بمواهبه الأدبية وترجماته لأعمال بوشكين، وليرمانتوف، وغيرباييدوف، وماياكوفسكي، وناظم حكمت، وروستافيلي، ونظامي، وشكسبير، ودانتي، ولومارشيه، وغيرهم من الأدباء إلى اللغة الأوزبكية.
ولد غفور غلام بتاريخ 10/5/1903 في أسرة ميكانيكي بمدينة طشقند. وكان أبوه إنساناً متعلماً. قرأ مؤلفات الأدب الكلاسيكي الأوزبكي والطاجيكي، وتمكن من اللغة الروسية، وكتب الشعر. وكان يزوره في بيته شعراء كبار أمثال: مقيمي، وفورقت، وعسيري، وخصلت، وغيرهم من الأدباء الأوزبك.
وفي خريف عام 1916 ترك غفور غلام الدراسة بالمعهد المتوسط. بعد وفاة أمه (توفي والده قبلها)، واضطر للعمل، وجرب الكثير ن المهن، وفي النهاية اشتغل في صف الحروف بالمطبعة، وبعدها درس في الدورات التربوية. ومن عام 1919 وحتى عام 1927 مارس التعليم المدرسي، وأصبح مديراً للمدرسة، ورئيساً لاتحاد العاملين في التعليم المدرسي، ومشاركاً نشيطاً في منظمات دور رعاية الأطفال اليتامى.
وبدأ غفور غلام من عام 1923 بنشاطاته الأدبية، وأخذت تظهر أشعاره، وقصائده، ومقالاته، وقصصه الساخرة في الصحف والمجلات المحلية، وفي عام 1923 كتب قصيدته الشعرية "أطفال فيليكس"، التي صور فيها حياته وحياة اليتامى، وتحدث عن معاناة الأطفال اليتامى، ونشر في مجلة "المعارف والمعلمين" قصيدته الشعرية الثانية "بماذا يكمن الجمال؟"، وبالتسلسل صدرت مجموعاته الشعرية: "دينامو"، و"اللوحات الصينية"، و"نحن معكم بشر أحياء"، و"أغنيات حية"، و"لكم"، و"هدية"، و"أغنية الفجر"، وقصيدته "كوكان"، وغيرها من الأشعار.
والأشعار التي كتبها غفور غلام في بداية ثلاثينات القرن الماضي كانت نقطة تحول إلى أشكال شعرية جديدة في الأدب الأوزبكي، شجعت لحد كبير على دراسة الشعر الكلاسيكي الروسي. بالإضافة لوصفه التبدلات الرائعة التي جرت في المنطقة التي يعيش فيها، من: التصاعد العاصف للصناعة، ومد خط السكك الحديدية توركسيب، وغيرها من المشاريع الضخمة، والتي احتاجت لمفردات لغوية جديدة، وألوان شعرية جديدة، ونغمات وإيقاعات جديدة.
وكانت مؤلفاته: "دينامو" (1931)، و"أغنيات حية" (1932)، الأولى من مجموعاته الشعرية، التي عكست بسطوع أسلوب الشاعر الشاب. والخلفيات الإنسانية، التي انعكست في قصائده الشعرية "الشتاء والثلج" (1929)، و"الخبز" (1931)، و"طشقند" (1933)، و"الإنتخابات في القطب الشمالي" (1937)، و"أنا يهودي" (1941)، و"الشتاء" (1941)، و"إمرأة" (1942)، و"لسوء الحظ، مع الأسف لم يدفنوه" (1945)، و"الحديقة" (1934)، و"الحنين" (1942)، و"ذهب الخريف" (1945)، و"شتلات الخريف" (1948)، وغيرها من الأشعار عن أبدية الحياة، وأبدية خضرة الأشجار. وأوجد في كل أشعاره رمز الحكيم الشرقي، أوتا (الأب): "سين يتيم إماسان" (أنت لست يتيماً) (1942)، و"الحنين" (1942)، و"من يتعلم، هو من يعلم" (1950)، و"لكم يا شباب" (1947)، و"أنغام الربيع" (1948)، وغيرها من الأشعار التي ألفها. وفي رواياته: "أنيتاي" (1930)، و"يدغار" (1936)، و"الفهلوي" (1936-1962)، وقصصه: "الحيل في الشريعة" (1930)، و"إبني لص" (1965)، تحدث فيها عن شخصيات شعبية حقيقية عكست النكهة الروائية القومية.
ورواية "أنيتاي" هي مؤلف رائع مليئ بأوسع الصور الإجتماعية. واعتمد جوهر الرواية على أحداث واقعية. تحدثت عن آخر أمراء بخارى الذي توقف في طشقند بطريقه إلى بيتربورغ. وقام الأغنياء بفعل كل مايرضي الأمير ويسعده. وللتسلية أحضروا له الفتاة أنيتاي.
ووصف أنيتاي بأنها فتاة لطيفة من أوساط العمال البسطاء، أخذها سميون وزوجته في رعايتهما وهي فتاة يتيمة تبلغ من العمر عشر سنوات، ورغم صعوبات الحياة، كانت غنية روحياً في كل تفاصيل أحاسيسها. وعكست الرواية تنوع وليونة مواهب غفور غلام وعبرت عن مهارته في فن النثر.
وغفور غلام عضو أكاديمة العلوم في أوزبكستان (1943)، قام بدراسة "الجديد ومرحلتنا" (1948)، و"الفلكلور مصدر لا ينضب" (1939)، وكتب مقالات "مأساة جلال الدين" (1945)، و"مقيمي" (1941).
وتمتعت قصيدته "يولداش" باهمية كبيرة في كل الأوقات، وتحدث فيها عن القوة الكبيرة لتربية الجيل الصاعد. وفقد يولداش أبيه خلال الحرب. وعن هذا الصبي وغيره من اليافعين اليتامى، الذي بقوا دون رعاية الأهل، الذين اهتمت بهم الدولة، وهيأت لهم المدارس الداخلية ودور رعاية اليتامى، حيث وجد الأطفال الملجأ والرعاية. وكبر أولئك الذين تلقوا الرعاية في دور رعاية اليتامى، وأصبحوا مستعدين دائماً لحماية استقلال وطنهم. وصور في القصيدة وبمهارة كبيرة ودفئ لقاء يولداش مع أبيه، وبعمق كامل كشف ملامح الناس المخلصين لواجبهم. وموضوع حماة الوطن حصل على تطور لاحق في إبداعات غفور غلام العميقة أثناء الحرب التي استمرت من عام 1941 وحتى عام 1945. وتوجه للناس يدعوهم للإسهام في عملهم المبدع في رفعة الوطن، منادياً بـ"كل التحمل، وكل المواهب"، و"في البناء، لأنه عمل مجيد"، للإنتصار على الفاشية. وغنى الشاعر لدور النساء الأوزبكيات في تطور البلاد الإقتصادي في المرحلة التي تلت الحرب.
وفي قصيدته "فصلين" مجد إعادة بناء القرى، وعبر عن أحاسيس الفلاحين الأوزبك وأحلامهم بالمستقبل الأفضل. وكانت القصيدة قوية بإيمانها بحقيقة الحياة الصعبة، وذكائه العميق. ورسم فيها وبصدق كامل لوحة تاريخية صادقة لحياة الفلاحين الـ(ديخكان) الأوزبك. وانعكس هذا الموضوع أيضاً في قصيدته "كوكان". و كانت مشهورة بوقتها في الأوساط الشعبية، ولعبت دوراً كبيراً في الدعوة إلى النضال من أجل تطوير الزراعة.
واشتهر غفور غلام كأستاذ في القصة القصيرة ذات المواضيع الحادة، وأدخله كأسلوب روائي، حيث يتوجه المؤلف بكلام حر إلى القراء على شكل أحاديث ومناقشات حية معبرة عن الصداقة، ومليئة بأسئلة وأجوبة المؤلف نفسه. وأكثر المؤلفات النثرية، التي ألفها غفور غلام في ثلاثينات القرن الماضي، كانت مكرسة للإنسان الجديد والعلاقات المتبادلة. والقضايا الرئيسية التي وضعها ووضع الحلول لها في أعماله النثرية، وهي النضال من أجل التربية الأخلاقية للإنسان، ومن أجل التطور الأخلاقي والثقافي. وأنشأ المؤلف في مؤلفاته النثرية أشكالاً ساطعة وإيجابية، للبطل الإيجابي، الذي صوره بشخصية الإنسان ذو الصدر الواسع جوره في رواية "يادغار". وهو الذي ربي طفلاً غريباً عنه. وصور خاصة العلاقة بين الإنسان العادي والطفل الغريب، وصور مستوى جوره الأخلاقي العالي.
وكرس غفور غلام الكثير من مؤلفاته للأطفال. وتعتبر من أكثر قصصه نجاحاً "الفهلوي". التي تحدث بطل القصة فيها عن نفسه وعن حياته المأساوية. وهرب الصبي من البيت لعند خالته، وتلقيه للعقاب من أمه، بسبب أخذه مواد غذائية من البيت دون إذنها. ومع ذلك لم يوفق: لأنه قتل صدفة طير "بيدانه" الذي يملكه قريبه، ولهذا اضطر لمغادرة البيت. ليهيم على وجهه متجولاً. وركز المؤلف على تصوير حياة وأحاسيس الفهلوي، وعلى أوضاعة الروحية الداخلية. ووصف الأحداث الخارجية، والأشياء بدقة، ووصف كل ما يحيط بالصبي بطل القصة، لتعميق تصويره للأحاسيس الإنسانية. وكلها خضعت للأشياء، ووصف الظواهر والطبيعة، في شكل حبكته للعمل الأدبي. كما خص غفور غلام الأطفال واليافعين بأشعار رائعة، مثل: "طفولتين"، و"أنا أعرف"، و"ينتظرك الوطن".
وكتب غفور غلام خلال سنوات الحرب أشعار رائعة، حصلت على شهرة واسعة، مثل: "أنت لست يتيماً"، و"أنا في انتظارك يا ابني!"، و"الوقت"، و"الوداع"، و"المرأة"، و"سيكون في شارعنا عيد". وفي شعره "أنا في انتظارك يا ابني!" تغنى بصمود وقوة الآباء، الذين بعملهم البطولي في الجبهة الداخلية قربوا النصر على العدو.
وأخذ حب الإنسان للأطفال في السنوات الصعبة فكرة عظيمة. وصور هذا الإحساس الحي بشكل رائع، تجده عندما تقرأ الأشعار الرائعة "أنت لست يتيماً"، التي دار الحديث فيها عن الأطفال، الذين فقدوا أولياء أمرهم، والعناية النابعة من قلوب الناس البسطاء. وأشعار الشاعر "العملاق"، و"احتفال المنتصرين"، و"الوقت"، و"المرأة"، التي كتبها خلال سنوات الحرب، وكلها تعتبر من النماذج المشرقة للشعر الوطني الرفيع. ودخلت في مجموعته الشعرية "قادم من الشرق".
وبعد سنوات الحرب نشر غفور غلام عدد من المجموعات الشعرية: "أشعار جديدة"، و"نيران أوزبكستان"، و"الأمهات"، و"مفخرة الشعب الأوزبكي"، و"أغنية الفجر"، و"يحيا السلام!"، و"هذا توقيعك". وهي الأشعار التي دخلت في هذه المجموعات الشعرية، والتي سعى من خلالها الشاعر نحو المسائل الهامة لأوقات السلم، وأظهرت نجاحات الشعب الأوزبكي في مجالات العمل. وأبطال مؤلفاته، من المحاربين السابقين، واشتغالهم بأعمال السلام، والعمل السلمي.
وكان الشاعر غفور غلام مناضلاً متحمساً من أجل السلام، والصداقة، وسعادة الشعوب. وكتب سلسلة من الأشعار، كرسها للنضال من أجل السلام. وأفضلها كانت: "من على منبر السلام"، و"يحيا السلام!"، و"هذا توقيعك"، وغيرها من الأشعار.
واشتهر غفور غلام بترجماته الموهوبة لأعمال: بوشكين، وليرمانتوف، وغريباييدوف، وماياكوفسكي، وناظم حكمت، وروستافيلي، ونظامي، وشكسبير، ودانتي، ولومارشيه، وغيرهم إلى اللغة الأوزبكية، وبمقالاته الصحفية وفي النقد الأدبي.
وكان لمؤلفات فلاديمير ماياكوفسكي تأثير كبير على تشكيل آفاق التذوق الفكري والفني عند غفور غلام. وفي واحدة من مقالاته كتب: "أنا أعرف وأحب الكلاسيكيين الروس وترجمت الكثير من مؤلفاتهم إلى لغتي الأم. ولكني أريد أن أسمي نفسي قبل كل شيء تلميذ لماياكوفسكي" الذي "فتح لي الإمكانيات المتنوعة التي لا تنضب في المجال الإيقاعي، والمفردات، وفي الشكل، وفي البناء الشعري السليم. وإلى جانب الغضب، تعلمت الهجاء في النقد، وهناك قوة عظيمة تهز المشاعر في كلمات ماياكوفسكي، وسعيت لأختار لنفسي... كل قوة خطابه الرجولي وإيقاعاته، في التعبير، ونغماته المعبرة. وحتى تقطيع الشعر الذي رفع من المستوى الإيقاعي والتعبيري والفكري للشعر، واستطعت استخدامها في التركيب الشعري الأوزبكي". وهو ما أكدته مؤلفات غفور غلام مثل: "على طرق توركسيب"، و"الأرض الأم"، و"يحيا السلام!".
ومؤلفات غفور غلام في مرحلة ما بعد الحرب لعبت دوراً هاماً في تطوير الأدب الأوزبكي. وإذا كنا نجد في أشعاره خلال سنوات الحرب مشاعر عميقة لأفكار الناس، الذين والسلاح بأيديهم دافعوا عن ما شيدوه قبل الحرب، نجد في تعابيره الشعرية بعد الحرب وبشكل مباشر ومع خلجات قلبه تعبير عن معاناة أولئك الناس الذين دافعوا عن السلام على الأرض. وكانت إبداعاته الشعرية في مرحلة ما بعد الحرب، وبهذا الشكل، تعتبر استمراراً منطقياً وتطوراً لأغانيه خلال سنوات الحرب. وأشعاره "تذكر، الوطن بانتظارك!"، و"احتفال المنتصرين"، اعتبرت حلقة وصل بين مرحلتين في إبداعات الأديب الكبير.
ومن مؤلفاته: - "ابني لص"؛ - "احتفال المنتصرين"؛ - "أشعار جديدة"؛ - "أطفال فيليكس" - "أغنية الفجر"؛ - "أغنيات حية"؛ - "إمرأة"؛ - "الأمهات"؛ - "أنا في انتظارك يا ابني!"؛ - "أنا يهودي"؛ - "أنا أعرف"؛ - "أنت لست يتيماً"؛ - "الإنتخابات في القطب الشمالي"؛ - "أنغام الربيع"؛ - "أنيتاي"؛ - "بماذا يكمن الجمال؟"؛ - "جاء الخريف"؛ - "الجديد ومرحلتنا"؛ - "الحديقة"؛ - "الحنين"؛ - "الحيل في الشريعة"؛ - "الخبز"؛ - "دينامو"؛ - "ذهب الخريف"؛ - "سيكون في شارعنا عيد"؛ - "الشتاء"؛ - "الشتاء والثلج"؛ - "شتلات الخريف"؛ - "طشقند"؛ - "طفولتين"؛ - "العملاق"؛ - "فصلين"؛ - "الفولكلور، مصدر لا ينضب"؛ - "الفهلوي"؛ - "قادم من الشرق"؛ - "كوكان"؛ - "لسوء الحظ ، مع الأسف لم يدفنوه"؛ - "لكم ياشباب"؛ - "لكم"؛ - "اللوحات الصينية"؛ - "مأساة جلال الدين"؛ - "المرأة"؛ - "مفخرة الشعب الأوزبكي"؛ - "مقيمي"؛ - "من على منبر السلام"؛ - "من يتعلم ، هو من يعلم"؛ - "نحن معكم بشر أحياء"؛ - " نوائي وعصرنا"؛ - "نيران أوزبكستان"؛ - "هدية"؛ - "هذا توقيعك"؛ - "الوداع"؛ - "الوقت"؛ - "يحيا السلام !"؛ - "يدغار"؛ - "ينتظرك الوطن"؛ - "يولداش".
وكما هي العادة المتبعة في أوزبكستان يقام للشخصيات البارزة متاحف في البيوت التي كانوا يسكنونها قبل وفاتهم تخلداً لذكراهم، ولتعريف الأجيال الصاعدة بأعمالهم المتميزة والخدمات التي قدموها لوطنهم، وقد أقيم للأديب الأوزبكي الكبير غفور غلام متحفاً في بيته الذي سكنه في آخر أيام حياته. وللراغبين بزيارته من زوار أوزبكستان أقدم عنوانه: جمهورية أوزبكستان، 100003، مدينة طشقند، شارع آبايا،1. ويعمل المتحف يومياً من الساعة 10:00 وحتى الساعة 17:00 عدا يوم الأحد يوم العطلة الأسبوعية. ورقم هاتفه: 2454394 (71 998).
بحث أعده أ.د. محمد البخاري، في طشقند، 30/10/2013 نقلاً عن المصدر الأصلي: http://www.ziyouz.uz/ru

الاثنين، 28 أكتوبر، 2013

أبو منصور المعترضي

أبو منصور المعترضي
ولد أبو منصور محمد بن محمد المعترضي، عام 870م بالقرب من سمرقند، وتوفي في سمرقند عام 944م. وهو مفكر إسلامي ومؤسس ورائد مدرسة المعترضي في الكلام. ولد أبو منصور المعترضي بمدينة معترضي بالقرب من سمرقند. ودرس الفقه الحنفي وغيره من العلوم الدينية في سمرقند.
ومن مدرسيه كان أبو بكر أحمد بن إسحاق، وأبو نصر أحمد بن العباس المعروف بالفقيه السمرقندي، ونصر بن يحيى البلخي، ومحمد مقاتل الرازي. وبعد ذلك قام المعترضي بتدريس الفقه وعلم الكلام. ودفن بمقبرة تشوكارديزه في سمرقند.


ضريح المعترضي
وأعطى المعترضي وأتباعه جملة من القضايا الإسلامية التي تتفق وجوهر آراء العشريين: الذين يعتقدون أن معاني القرآن أبدية، وأن معاني التعابير اللفظية التي ظهرت في الوقت المناسب تعبر عن معانيه، وأن يمكن للصالحين التفكير بالله (ج) في الآخرة، ولكنهم لم يحددوا طبيعة هذا التفكير لأن جميع التصرفات البشرية منشأها الله (ج)، وأن تصرفات الإنسان هي للـ"كسب" بفضل الحرية والمقدرة، التي هي في جوهر صفات الله (ج) كالمعرفة والطاقة وغيرها، وهي حقيقة أزلية. ولكن المعترضي على عكس العشريين اعترف بالأبدية ليس كجوهر للصفات الإلهية فقط، بل في أبدية السمات المستمرة للتصرفات؛ واعتبر المعتزلة أن للإنسان حرية الاختيار، والخيار بين نقيضين، لأن الإيمان هو في الإعتراف اللفظي بالله (ج) وليس في التقاليد (الإحتفالات) الدينية.
وانتشرت دراسات المعترضي في أوساط أتباع المذهب الحنفي في ما وراء النهر. وبرع المعترضي في المناقشات التي أجراها مع أتباع مختلف المذاهب في سمرقند وحولها. وشارك المعترضي في المناقشات التي جرت مع الكرميين، والشيعة، والمعتزلة، وفند آرائهم في واحدة من مؤلفاته.
ومؤلفات المعترضي يمكن توزيعها على الفئات التالية:
- مؤلفات في الكلام والحوار والمناقشات؛
- مؤلفات في فن الأصول؛
- مؤلفات في التفسير وعلوم القرآن الكريم؛
- مؤلفات في الوصيايا والتوجه إلى الله (المناجاة).
ومن بين المؤلفات المعروفة للمعترضي:
- تعليق على القرآن الكريم "طاولة القرآن"؛
- تفسير كتاب "الفقه الأكبر" لأبو حنيفة تحت اسم "شرح الفقه الأكبر"؛
- "كتاب التوحيد".
واحتفل في أوزبكستان عام 2000 وبشكل واسع بمناسبة مرور 1130 عاماً على ميلاد الإمام أبو منصور المعترضي. وبهذه المناسبة صدرت توجيهات بإصدار أعماله، وتنظيم مؤتمر دولي، وافتتاح ضريح تذكاري على قبره في سمرقند.
وفي عام 2000 وبمبادرة من رئيس جمهورية أوزبكستان إسلام عبد الغنييفيتش كريموف، شيد في مكان ضريحه المتهدم مجموعة معمارية، وارتفع في وسطها ضريح العالم. واستخدمت في تشييد هذا الضريح أفضل التقاليد الهندسية المعمارية القومية الأوزبكية. وشيد المجمع المعماري وفق المخطط الذي وضعه مهندس البناء رحمة الله صلاح الدينوف بالإشتراك مع إيغامبيردي نور الله ييف. وشارك في أعمال البناء الحرفيين الشعبيين السمرقنديين مير عمر آسادوف، ومطلوب محمودوف، ويعقوب طاهيروف، وطاشبولات أتوييف. ونفذ نقوشه الداخلية أمر الدين نجم الدينوف. ونفذ نقوشه الخارجية حكيم آسادوف.
وتبلغ مساحة الضريح 12 X 12 متراً، بارتفاع 17,5 متر. وزود بقبب مضاعفة. القبة الخارجية مضلعة، مزينة بالخزف الأزرق. وزينت طبلاته بـ 24 قوس، وصنعت شبكات النوافذ من الجبصين، بنجره. وزين داخله وخارجه بالفسيفساء، والخزف، ونقوش الغانج. وعلى شاهدة القبر المصنوعة من المرمر الأبيض نقشت أقوال للإمام المعترضي.
وفي غرب الضريح شيدت قبة غير مرتفعة، دهما السادة (سلالة أحفاد النبي محمد (ص))، كان قد أحضرها الأمير تيمور من غيرات ومشهد.
وإلى الشمال من الضريح صوفا (مرتفع) مع شواهد للقبور حجرية تعود للقرنين الـ 9 والـ 18.
وإلى الجنوب الغربي للضريح حديقة وشرفة مدورة مطلة على قبر العالم الشهير ومؤلف كتاب "الهداية" في الشريعة الإسلامية برهان الدين المرغيلاني.
المصدر: ziyouz.uz، 5/9/2012.
بحث أعده أ.د. محمد البخاري، في طشقند، 28/10/2013

السبت، 26 أكتوبر، 2013

استراتيجية العلاقات العامة 4 من كتابي "العلاقات العامة بين النظرية والتطبيق"


4
استراتيجية العلاقات العامة
المجالات الوظيفية للعلاقات العامة:
- تعتبر العلاقات العامة وسيلة من وسائل تشكيل الرأي العام في المجال التجاري.
- وتعتبر من تطبيقات أساليب العلاقات العامة في المجالات الصناعية، وفي مجالات العلوم والتكنولوجيا، وفي مجالات الإستثمار والمال والشؤون المصرفية.
- وتعتبر إدارة للعلاقات العامة في المؤسسات غير التجارية.
- وتعتبر من الخصائص التي تستخدمها أجهزة العلاقات العامة الحكومية.
وتضم استراتيجية إدارة العلاقات العامة في المجالات السياسية والتجارية تنظيم مهرجانات وعروض عامة. وهذا يعني أن العلاقات العامة في المجالات التجارية ضرورية، دون أي تردد. وفاعلية نشاطات الجهات المعنية تتعلق في الكثير مع مختلف جماعات الأوساط الإجتماعية، ويعتبر العمل المشترك بينها حاجة رئيسية لتنظيم النشاطات.
وتوفر العلاقات العامة الفرصة للمؤسسات التجارية للوصول إلى الأهداف التالية:
1. تغيير سمعة الجهات المعنية عند قيامها بنشاطات جديدة.
2. تحسين صفات العاملين الدائمين في الجهات المعنية.
3. الحصول على ثقة الأوساط الإجتماعية من خلال التحدث عن حقائق غير معروفة عن حياة الجهات المعنية.
4. خلق شهرة للجهة المعنية في أسواق تصريف البضائع والخدمات الجديدة.
5. تحسين علاقة الجهة المعنية بالأوساط الإجتماعية بعد تعرضها لإنتقادات علنية.
6. إعلام الأوساط الإجتماعية وخاصة الزبائن عن المنتجات والخدمات الجديدة للجهة المعنية.
7. إقامة علاقات إيجابية للجهة المعنية بعد إنتهاء الأزمة تتضمن التصدي للتصرفات غير الملائمة الصادرة عنها.
8. تعزيز مواقف الجهات المعنية حيال الأخطار الخارجية.
9. زيادة التعريف بالشخصيات الأولى في الجهات المعنية تؤدي إلى مشاركتها في الحياة الإجتماعية.
10. دعم بدايات المساعدات التي تقدمها الجهات المعنية للمجتمع.
11. العمل المشترك مع الأجهزة السياسية.
12. تغيير أو تحسين السمعة التجارية.
وتعتبر الفقرة الأخيرة هامة جداً في بعض الدول وخاصة عند تشكل صورة رجل الأعمال البعيدة عن الإيجابية لدى الأوساط الإجتماعية. وتلعب وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية في هذه الحالة دوراً محدداً. لأن نصف المواد الإخبارية عن المجالات التجارية تقريباً مرتبطة بالنشاطات غير القانونية، أو بالفضائح، أو التصرفات غير اللائقة، وعدم فاعلية تصرفات الإدارة. وتعجز الإعلانات عن تغييرها. لأن من طبيعة عمل العلاقات العامة ليس التأثير المباشر على الرأي العام بل التأثير غير المباشر.
ولأنه المعروف أن أسس عمل الأجهزة التجارية هو تحقيق الربح للجهة المعنية. وهذا ممكن من خلال تلبية مصالح العاملين والمستهلكين والأوساط الإجتماعية في آن معاً. لأن الأعمال الخيرية في هذا المجال هي تقليدية للعلاقات العامة في المجالات التجارية. وهذا ممكن بالمشاركة المباشرة في برامج الأعمال الخيرية وتقديمها لمختلف الصناديق الخيرية، والقيام بأعمال خيرية خاصة بالجهة المعنية. ومن المهم هنا ليس النشاطات نفسها ولكن نقل المعلومات عنها للجماعات الإجتماعية المستهدفة. ولهذا يجب على المتخصص في العلاقات العامة أن يعي تلك الأحداث التي يمكن للجهة المعنية تقديمها بإسهام ملموس؛ ودعم الحملات الخيرية؛ وإجادة التحدث عنها في المواد المطبوعة والمسموعة (وهذا يحتاج لمواد ملموسة عن النفقات المادية: فالممولين الرئيسيين لبعض المعارض في رستوف (روسيا) قدموا أكثر من 1000 روبل للمعارض وكان لهذا التصرف فاعلية كبيرة. وأحياناً تترأس الجهات المعنية المشاريع وتجيد تبديل الوجوه الرسمية العليا خلال اللإحتفالات. ومن الضروري أن يجري العمل بالتوافق معها، ومتابعة مختلف الأهداف الإجتماعية التي يمكن للجهة المعنية الإسهام فيها؛ وتحديد الشكل الصحيح لمشاركة الجهة المعنية في العمل الخيري ومراعاة احتياجات الساحة المعنية. وهذا ممكن من خلال: الزبائن الدائمين كـ(ساحة مستهدفة كبيرة)؛ والزبائن الدائمين كـ(ساحة مستهدفة صغيرة)؛ وغير الزبائن كـ(ساحة مستهدفة كبيرة)؛ وغير الزبائن كـ(ساحة مستهدفة صغيرة).
وفي نفس الوقت يجب الآخذ بعين الإعتبار النواحي غير الإيجابية التالية:
1. هناك شكل قد يعبر عن مصاص دماء على مسرح العمليات، ويشغل كامل انتباه الزوار.
2. توفر كميات كبيرة من المعلومات المنافسة على مسرح العمليات.
3. إرتفاع تكاليف المشاركة في مسرح العمليات إلى حد كبير.
4. محدودية إمكانيات استخدام وسائل الإتصال التقليدية والإعلانات ونواقل المعلومات.
ويجب أن لا ننسى أن نصف مهام إتصالات المؤسسات التجارية هي داخلية. ويمكن أن يحدث تنظيم تبادل حر للمعلومات داخل الجهة المعنية جو من الثقة، من خلال تلبيتها لحاجات المشاركة في الأعمال المشتركة، وفي مجال استخدام وسائل العلاقات العامة في المجالات التجارية.
- العلاقات العامة في المجالات الصناعية والعلمية والتكنولوجية والمجالات الإستثمارية والمالية والمصرفية:
تشمل العلاقات العامة كل مجالات العمل في الجهة المعنية. ولنبدأ من المجالات الصناعية: حيث يجب على العلاقات العامة توفير فرص رفع مستوى الصناعة الوطنية؛ والقيام بجملة من الأعمال لـ"دعم المنتجين الوطنيين"، من خلال دعم "تسويق المنتجات الوطنية"؛ ومراعاة مصالح المدفعين عن حقوق المستهلك، ومن ضمنها البرامج التي تعطي دفعة محددة في مجال الإستهلاك. رغم أن مشاكل توفير الجاذبية للصناعة الوطنية وللمستثمرين الأجانب لم يحل الكثير منها بعد. ولهذا لا بد من استخدام أنشطة العلاقات العامة في الصناعة لتلامس مصالح دائرة كبيرة من الناس. وهذا يرتبط بالإستخدام الفعال للثروات الطبيعية (المياه، والأراضي، والغابات، والمعادن)؛ وتسوية الأوضاع البيئية في الكثير من مناطق البلاد؛ وتجنب المنازعات بين الجهات المعنية؛ وأخذ مصالح المساهمين بعين الإعتبار؛ أخذ مصالح سكان المناطق المحيطة بالجهة المعنية، والموردين، والمستهلكين، وأجهزة السلطات المحلية، والعاملين في الجهة المعنية وأسرهم وغيرهم. وهذه يحتاج لإتصالات دائمة تخفف من وطأتها كثيراً التكنولوجيا الرفيعة التي توصلت إليها وسائل الإتصال الحديثة.
وتتضمن سياسة العلاقات العامة في الشركات الصناعية نشاطات داخلية تعتمد على تقييم تصرفات الجهة المعنية، واكتشاف الأعمال الضرورية اللازمة لتحسين سمعتها. ونشاطات خارجية، الغاية منها إعلام الأوساط الإجتماعية عن المنجزات التي توصلت إليها الجهات المعنية. وبالإضافة لذلك يجب على المؤسسات الصناعية (والإحتكارات) أن تراعي تأثير الرأي العام  على قوانين الإنتاج.
أما في المجالات العلمية والتقنية فالوضع مختلف. وكما هو معروف في السابق، أن أكثر الدراسات أجريت على موازنات التمويل بينما هذه الإمكانية الآن غير متوفرة. وينعكس هذا الوضع في العلوم التي تعيش معتمدة على نفسها (عكس التكنولوجيا العسكرية)، بالإضافة لصعوبة الربط بين الإنتاج والمجتمع. خاصة وأن عدد كبير من الإختراعات المفيدة لم تأخذ طريقها للتنفيذ، بل على العكس فإن بعض مجالات البحث، تبحث عن حلول جديدة بسيطة وضرورية. وتوجه المجالات العلمية عادة نحو التسويق والعلاقات العامة لإزالة الصعوبات المادية فقط، دون المساعدة على حل المشاكل الإجتماعية والإقتصادية.
وفي ظروف السوق الحالية نرى أن الشركات القادرة على التجديد هي القادرة على العيش والاستمرار فقط. ومن هنا تنبع الحاجة لإقامة إتصالات متبادلة بين المجالات العلمية والتقنية وغيرها من المجالات أكثر من نشاطات العلاقات العامة. ومن الضروري أن تستخدم المقدرات الفكرية المبشرة المتوفرة بشكل فعال للوصول إلى أهداف الجهة المعنية. ومن أجل التقدم في الأسواق تستخدم عادة المنجزات المحققة على الأكثر، وعلى سبيل المثال: تستخدم في الولايات المتحدة الأمريكية عملياً مشاريع تعاون بين العلماء، ورجال الأعمال. والفكرة الأساسية هنا ليس كمية الأموال الموظفة، بل في طريقة استخدامها الفعلية. كما ويمكن أن تعمل الجهات المعنية بأهداف مشتركة. ولكن دون تحقيق نتائج ملموسة في العمل المشترك مع الأوساط الخارجية، بالمجالات العلمية والتقنية لا تستطيع الجهة المعنية الإستمرار في الحياة مثلها مثل أي منشأة تجارية.
واصدمت المجالات الإستثمارية في روسيا بعد أزمة عام 1998 بمشاكل جدية. وكان من مهام العلاقات العامة تجاوز حالة عدم الثقة بالنفس، وعدم ثقة أكثرية مجموعات الأوساط الإجتماعية بالنشاطات الإستثمارية. وللعمل في هذا الإتجاه يجب على المتخصصين في العلاقات العامة في الشركات والصناديق الإستثمارية العمل من خلال إيجاد مساحات ومواقع لجذب النشاطات الإستثمارية (الداخلية والأجنبية)، وفي هذه الحالة يمكن للأجهزة الحكومية الاسهام في التأثير على الرأي العام. وعدم التصدي لهذه المشاكل في الوقت الراهن، قد تكون بسبب غياب القاعدة القانونية الملائمة فقط، وبسبب مهام الشركات الإستثمارية نفسها التي يجب عليها إيجاد سمعة محترفة في الأسواق الإستثمارية، خاصة عندما يدور الحديث عن أسواق الأوراق المالية. وعلى الشركات الإستثمارية تحديد أهدافها، وجذب اهتمام الأوساط الإجتماعية لنشاطاتها. والتحكم بمقاييس الخدمة، وإعلام الزبائن بمستوى عال. وعلى الجهة المعنية إقامة قنوات إتصال مع المجتمع بالكامل، تشمل: المساهمين، والمستثمرين، ووكلاء الأوراق المالية، والمحللين الماليين، والعاملين المتخصصين في الجهة المعنية، والإدارة الحكومية أيضاً. والإتصالات هامة جداً في ظروف الرقابة الصارمة المفروضة على عمليات الأوراق المالية. وهنا يجب على المتخصصين في العلاقات العامة في أسواق الأوراق المالية أن يأخذوا بإعتبارهم العوامل التي تؤثر على حركة أسعار الأسهم وتبدل الأوضاع في السوق. وسبق ودرس المحللون البريطانيين باهتمام كبير حالة المشاعر الإجتماعية من سوق الأوراق المالية. ومدى تأثير عامل المزاحمة الذي يمكن أن يؤدي إلى بيع بعض المساهمين كل أسهمهم في ظروف الطلب العام على الأسهم، مما أدى إلى انهيار الجهة المعنية بالأسهم المطروحة للتداول خلال يوم واحد. وهذا يعني أن نشاطات العلاقات العامة في المجالات الإستثمارية مرتبطة عملياً بتجاوب وتصرفات الأوساط الإجتماعية في السوق، وخلق الظروف الملائمة لها.
وتعتمد فاعلية تمويل المجالات المصرفية على مستوى استقرار المؤسسات المصرفية، وخاصة سمعتها، لأن السمعة والتقدم في العمل يلعبان دوراً خاصاً في هذا المجال. وإذا أخذنا بعين الإعتبار التشابه الحاصل بين خدمات البنوك، فمن المهم جداً أن تبتعد البنوك عن المنافسة، وأن يتم شرح الفرق الحقيقي بين بنك معين وبنك مشابه للأوساط الإجتماعية. ومن الأمثلة الواقعية، سيل معلومات المتدفق من البنوك الروسية إلى الأوساط الخارجية منخفض جداً ولا يتضمن شروحات وافية. وعلى سبيل المثال: تصدر بمدينة رستوف صحيفة واحدة متخصصة بالشؤون المصرفية وتخضع بالكامل للبنوك التي أسستها ولا تثير أية جدل. وتوفر معلومات حقيقية وكاملة تساعد على توفير ثقة الأوساط الإجتماعية بالمجال المصرفي، مما أدى إلى زيادة حجم العمليات المصرفية وزاد من فاعلية وظائفها. وفي نفس الوقت يجب مراعاة الشفافية في المعلوماتية المصرفية، وأن يكون تدفقها على دفعات محددة. لأن الإعلانات المباشرة لا تعطي الفاعلية المطلوبة لتلبية حاجات نشاطات البنوك. ولهذا يجب أن تبنى المعلومات التي تعطيها وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية بشكل مباشر للأوساط الإجتماعية على تحليل العلاقات القائمة بين الأجهزة التمويلية، والمودعين، والمحللين الماليين، والموظفين الحكوميين، والمشرعين. ومن الواضح أن هذا المجال هو مجال ضروري وتستخدمه العلاقات العامة بشكل دائم.
- العلاقات العامة في المؤسسات غير التجارية:
من تحليل نشاطات المؤسسات غير التجارية في بعض دول العالم نلاحظ أن إتصالاتها مرتبطة بالكامل بالأوساط الإجتماعية المستهدفة وهي محدودة العدد وتتألف من: المتقاعدين، والمعاقين، والمؤسسات المعنية. وأحياناً تطال مصادر معينة للحصول على موارد مالية أو فوائد أخرى. وأن العمل المشترك للمؤسسات غير التجارية مع بعضها البعض محدود ويعتمد على تحقيق فوائد ملموسة، ويمكن أن يؤدي في بعض الأحيان لضياع مقدرات النشاطات المشتركة. وهذا يشمل العمل المشترك مع الأجهزة التجارية، ويمكن القول أنها غير كاملة من حيث الكمية والنوعية، وتنوع الإتصالات الجارية.
وترتبط محدودية الموارد المالية لدى المؤسسات غير التجارية منذ البداية بأنها غير موجهة نحو تحقيق الربح. ويمكن العلاقات العامة المساعدة في الإتجاه المالي لتحقيق الأهداف بطريقتين، هما:
- في الأولى: الإقلال من التأخير وزيادة الحركة للوصول إلى الصناديق المالية. ويدور الحديث هنا عن خفض النفقات بالمقارنة مع استخدام وسائل الإعلان للحصول على التقدم والتشجيع اللازم. وتقوم نشاطات العلاقات العامة من خلال وضعها للأخبار الهامة لوسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية، أي المجال المعلوماتي، الموجه نحو جماعات محددة من الأوساط الإجتماعية، ويمكن للمؤسسات غير التجارية تجنب شراء مساحات إعلانية أو أوقات للبث الإذاعي بأسعار عالية جداً.
- وفي الثانية: يدور الحديث عن إعداد وتنظيم جملة من النشاطات يمكنها جلب موارد مالية ضرورية للمؤسسات غير التجارية من أجل تحقيق أهدافها المباشرة أو غير المباشرة. ومثل هذه النشاطات يمكن ربطها بإحتفالات تنظم في مختلف المناسبات السنوية، والمعارض الفنية، والمزادات، واللقاءات الخيرية، ومختلف الألعاب والنشاطات الرياضية، وبيع الكتب والبضائع، وتنظيم المسابقات والأمسيات في أماكن غير معتادة، وعروض أزياء، وأسواق، وفي بعض الحالات بيع الحلويات، وحتى تنظيم مبيعات خيرية لأشياء بالصدفة. وتتفوق هذه الأحداث في أنها تنظم وتجري بشكل مشترك مع الأجهزة الحكومية والمنشآت التجارية. وفي هذه الحالة تكون المؤسسات غير التجارية المبادر والوجه الرئيسي للعمل، ولكن الفائدة يمكن أن تكون متعددة الجوانب وتشمل جميع المشاركين فيها. ومن الأمثلة على العمل المشترك للمؤسسات غير التجارية والتجارية والصناديق الإجتماعية، تنظيم شركة تأمين في جنوب إفريقيا في بداية تسعينات القرن الماضي مسابقة لإبداعات الأطفال. وكانت الفوائد متعددة الجوانب: فشركة التأمين حصلت على إعتراف وثقة مختلف الجماعات والأوساط الإجتماعية، مما أدى بدوره إلى زيادة أرباحها؛ وحصل الأطفال (وبالنتيجة المؤسسات التعليمية الفنية التي يدارسون فيها) على منح دراسية أو جوائز لقاء مشاركتهم في المسابقة؛ وحقق الصندوق الإجتماعي المحدث لدعم إبداعات الأطفال خطوة أخرى نحو تحقيق أهدافه. وللوصول إلى  أهداف المؤسسات غير التجارية يمكن أستخدام مختلف أنواع وسائل الإتصال مع الأوساط الإجتماعية. وحتى الفضائح، والشائعات، والخطب، والكلمات وغيرها.
- العلاقات العامة في الأجهزة الحكومية:
يتحدد مستوى نجاح أداء الإدارة الحكومية من خلال العمل المشترك بين الأجهزة الحكومية والأوساط الإجتماعية. والعمل المشترك على المستوى الحكومي يجري من خلال وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية. وعلى المستوى الإقليمي والمحلي من خلال استخدام وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية، وإقامة صلات مباشرة مع المجموعات السكانية. وأهداف العلاقات العامة في السياسات الحكومية الداخلية والخارجية، هي إحداث شكل من الأشكال التي تبرز أهلية وفاعلية الإدارة الحكومية التي تملك السلطة، بالإضافة لاستخدام طرق التصدي للمشاكل القائمة أمامها.
ومن أسباب العلاقة السلبية للأوساط الإجتماعية بالدولة:
- اقتصار الخدمات الحكومية على المصالح الخاصة وتجاهل متطلبات وحاجات السكان؛
- حجب نشاطات الأجهزة الحكومية عن الأوساط الإجتماعية؛
- تأثير الأوضاع السياسية والإقتصادية القائمة في البلاد، مثال: إفلاس المصانع، أو تأخر دفع الرواتب والأجور.
ومن غير الممكن التصدي للمشاكل القائمة بين الدولة والأوساط الإجتماعية والأفراد دون نشاطات العلاقات العامة. وفي هذه الحال وظيفة العلاقات العامة، هي إيجاد سيل من الصلات الفعالة مع النظام من خلال قياس رجع الصدى.
وتشمل نشاطات العلاقات العامة في أجهزة السلطات الحكومية:
- إقامة وتوسيع ودعم الصلات مع المواطنين والمنظمات والهيئات والمؤسسات الاجتماعية؛
- إعلام الأوساط الإجتماعية عن القرارات التي تتخذتها السلطات الحكومية؛
- متابعة ودراسة الرأي العام والأوساط الإجتماعية والسياسية؛
- تحليل ردود الفعل الإجتماعية على الشخصيات الحكومية، وعلى أجهزة السلطات الحكومية بالكامل؛
- تنظيم التفاعلات الإجتماعية والسياسية؛
- خلق سمعة إيجابية لأجهزة السلطات الحكومية وقيادة البلاد.
وكثيراً ما يقوم مقدموا بعض برامج الإذاعة المرئية بتوجيه إنتقادات لاذعة لرئيس الوزراء وتتهمه بعدم الأهلية، وتشكك بعلاقاته مع القيادة العليا للبلاد، وفي هذا إساءة لمنصب رئيس الوزراء ومنصب رئيس البلاد تطالها القوانين النافذة. والإعلام السليم يتبع أسلوب انتقاد الأخطاء، وليس الإشخاص.
وعلى العلاقات العامة في أجهزة السلطة الحكومية أن تراعي مختلف المصالح، والتعريف بالأعمال المشتركة لكل الأطراف المشاركة بها. وعليها تحديد الوسائل والقنوات التي يمكن من خلالها تقديمهم، وتقديم الجهة المعنية خاصة، وأن تتجاوب مع مطالب والأوساط الإجتماعية. وعلى الأجهزة الحكومية أن تستخدم إلى جانب قنوات الإتصال الأساسية بالسكان، عن طريق المقابلات الشخصية مع المراجعين، وعن طريق المراسلات.
- استراتيجية إدارة العلاقات العامة في المجالات السياسية، وتسويق وتنظيم المهرجانات والعروض العامة.
تجري العمل الأساسية للعلاقات العامة في المجالات السياسية أثناء تنظيم الحملات الإنتخابية. ولكن العمل الهام لأقسام العلاقات العامة بين الحملات الإنتخابية يبقى دون تطور. لماذا ؟ لأنه مبني على التمويل المالي الضخم، وعلى تنافس السياسيين أثناء التفاعلات السياسية التي تسبق الحملات الإنتخابية. وتبدأ الأعمال عادة من تقييم المعلومات الشخصية للمرشحين وتصرفاتهم العلنية الهامة التي أخذت في الآونة الأخيرة طابع التمثيل المسرحي. والأوساط الإجتماعية تتقبل الأسلوب أكثر من المرشح نفسه. مما يزيد من أهمية السمعة الشخصية للمرشح والإعدادات الجيدة لتحقيق إنجاز سياسي معين. تليها مرحلة دراسات الناخبين الذين ينتظرون من المرشحين لعضوية البرلمان أو شغل منصب رئيس الجمهورية إنجازات ملموسة. وبعد ذلك ترصد وتلخص المواد التي تنشرها وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية والتي تتطابق أو تتناقض مع وجه نظر المرشح، وتقييم تصرفات المنافسين والمتضامنين مع المرشح، والتعامل مع المعلومات التي تشمل: الشائعات؛ والأكاذيب؛ والمعلومات المضللة. والقيام بنشر مواد الدعاية الإنتحابية في وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية.
ولتحقيق نجاحات في العمل المشترك مع وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية لابد من اتباع سياسة معلوماتية واضحة، ومراعاة أن للمواد الإذاعية المسموعة والمرئية فاعلية كبيرة لإبراز برامج المرشحين من لحظة انطلاقها، ومع ذلك يبقى التأثير الأكبر على الساحة الإعلامية لمشاركة السياسيين في مختلف الأحداث الجارية. ويبقى الأسلوب الذي تتبعه العلاقات العامة مؤثراً أثناء الحملات الإنتخابية وبعدها. ويركز السياسيون الغربيون على مخططات تنظيم المهرجانات الخطابية في المدن، وتشمل نشر ريبورتاجات صحفية تتضمن مقابلات قصيرة مع منظمي المهرجان لقاء أجر يتلقاه الصحفي وإدارة التحرير في الجهة الناشرة للريبورتاج. وهنا تبرز أهمية خلق المسببات الإعلامية اللازمة للنشر، وتتطلب من المرشحين معرفة كيفية إجراء اللقاءات الصحفية والمخاطبة العلنية المباشرة للناخبين. وتشمل التصرفات والمناورات السياسية وأشكال الخطاب الإعلامي الموجه، ومظهر المرشح ولياقته العامة، وحزمه، وصوته الجهوري.
وتعمل العلاقت العامة عادة بطلب من الأجهزة السياسية، ويشمل عملها اختيار الوصف اللازم للمرشح والتي تعتبره الساحة المقصودة هام، وكذلك تسويقه في أوساط الناخبين بالشكل المناسب للمرشح والذي يحقق فوزه في الإنتخابات.
وللوصول إلى سمعة طيبة للمرشح في المجالات السياسية لا بد من: دراسة وجود أو غياب السمعة الطيبة للمرشح وتحليل مسبباتها. ومن الأساليب التقليدية المتبعة في هذا المجال مقارنة شخصية المرشح مع الشخصية المثالية المبنية على نتائج الدراسات الستسيولوجية التامة. وتليها مرحلة:
إعداد الأفكار: ويجب أن تتضمن هذه المرحلة أفكار تتضمن شكلاً محدداً للمرشح، وتقديم مقترحات لتحديد المواقف ودفعها بالشكل الصحيح؛ وإعداد الأفكار الرئيسية من شعارات وعبارات؛ مع التأكيد على نظم إيصالها للمستهدفين. ومن الأمثلة على استخدام نظم إيصال المعلومات، إثارة خوف الناخبين من العودة لتجارب مؤلمة من خلال تسويق صور لشخصيات مسؤولة عن تلك التجارب المؤلمة، وإبراز المرشح كمخلص من تلك التجارب.
التخطيط: ويجب أن نأخذ بعين الإعتبار عند التخطيط للحملات السياسية القوانين النافذة، وحجم الموازنة المخصصة لتمويل الخطة؛ وإعداد خطة لاستخدام أدوات العلاقات العامة لتنفيذها؛ ومراعاة قوة وتأثير كل منها إلى جانب الإستخدام المشترك للمواد المعدة، وتشمل: سيناريوهات الكلمات والخطب؛ والأشرطة الدعائية المسجلة؛ وإعداد مواد الدعاية، مع مراعاة أن الإنسان بطبيعته يميل للتصويت ضد، وأنه لا يختار أفضل المرشحين بل ينتخب الأقل عدوانية من بين كل المرشحين.
تسويق الخطة: ويبدأ تسويق (تنفيذ) الخطط عادة بخطة تحضيرية تتبع أسلوب معين لمتابعة تسويقها وتصحيحها آخذين بعين الاعتبار التغيرات السياسية الحاصلة في الواقع العملي سلباً أم إيجاباً.
وتلعب السمعة السياسية للمرشح دوراً رئيسياً في اتخاذ الناخب لقراره الأخير بالتصويت لمرشح معين. ولكن الواقع يظهر أن نشاطات العاملين في العلاقات العامة يمكن أن تؤدي إلى تغييرات معينة، وخلق سمعة طيبة تعتبر مكملة لشخصية المرشح، دون تغيير في سياسته. لأن فوز المرشحين بالإنتخابات ليس هدفهم الوحيد دائماً.
وتتبع العلاقات العامة في المجالات السياسية عادة استراتيجيتين أساسيتين هما:
الاستراتيجية الأولى: العمل الدائم والمستمر في أوساط الناخبين؛
الاستراتيجية الثانية: التحرك ضمن جماعات الناخبين الذين لم يحددوا مواقفهم الإنتخابية بعد، قبل 7 أو 10 ايام من بدء التصويت في الإنتخابات.
وفي بعض دول العالم تكون نسبة الذين لم يحددوا مواقفهم الإنتخابية قبل التصويت بإسبوعين عالية جداً، وهنا يبرز دور استراتيجية العلاقات العامة للتحرك في أوساط الناخبين لتحقيق نتائج متفائلة للمرشحين قبل البدء بالتصويت، من خلال تناولها خصائص الأوضاع السائدة في البلاد من خلال برامج انتخابية معينة.
وتسويق خطط العلاقات العامة يتم عادة من خلال تنظيم مهرجانات خطابية، تحتاج: لممثل بارع؛ ومخرج موهوب؛ ومنتج قدير؛ وغيرهم من عناصر إنجاح المهرجانات الخطابية، لإثارة اهتمام الأوساط الإجتماعية بالمهرجان. والمطلوب من العلاقات العامة في هذه الحالة إلغاء الحواجز التي تحول دون لفت انتباه الأوساط الإجتماعية، كبث الشائعات، وإثارة الفضائح. والتسويق للمهرجانات الخطابية، ودعوة ألمع النجوم في عالم الفن والموسيقى للمشاركة في الحملات الإنتخابية والنشاطات السياسية التي ترافقها عادة.
يتبع تنظيم العمل في إدارة العلاقات العامة 5

الخميس، 24 أكتوبر، 2013

تاريخ مصحف عثمان

تاريخ مصحف عثمان

011 المكان الذي تحفظ به النسخة الأصلية من المصحف الشريف
تشير المصادر الأوزبكستانية إلى أن مصحف عثمان بن عفان (ع) هو من أبرز الآثار الثقافية والتاريخية الإسلامية، ومحفوظ اليوم في مكان خاص بمدرسة باراك خان في طشقند، ويستقطب الكثيرين من الباحثين والزوار والسياسيين والسياح الذين يزورون أوزبكستان من العديد من دول العالم.


مدرسة بارك خان
وبدأ القرآن الكريم حياته على الكرة الأرضية في الـ24 من رمضان عام 610 وفق التاريخ الحديث. وفي هذا اليوم وبالتحديد في الليل بدأ الله عز وجل بتنزيل "كتاب الكتب" القرآن الكريم إلى عالم الأرض. وحتى ذلك التاريخ "أم جميع الكتب" كانت في السماء السابعة تحت عرش الله عز وجل ولم يبدعها أحد بل أبدعها الحي الباقي.
وعندما قرر الحي الباقي فتحها للناس. وللنبوة اختار أحد سكان مكة المكرمة، وهو محمد (ص) التاجر والمرافق للقوافل والبالغ 40 عاماً من العمر ومن قبيلة قريش العربية. وعن سبب اختياره للنبوة لم يسأل محمد (ص) أبداً، لأنها إرادة الله (ج). ومن يسأل في هذه الحالة ؟
ويجب القول أن النبي (ص) كان متواضعاً جداً وتفهم دوره في تنزيل القرآن الكريم. وكان مقتنعاً تماماً بأن مبدع القرآن الكريم هو الله (ج) وأنه ليس سوى وسيطاً يوصل بأمانة وإخلاص ما ينزل عليه من كلمات الله (ج). واعترف محمد (ص) بأن ما أنزل عليه كان مفاجئاً له، وأن ماسمعه، سمعه للمرة الأولى ولم يحاول إضافة أو تغيير كلمة واحدة من كلمات الله (ج) التي أنزلت عليه.
والحي الباقي أنزل القرآن على نبيه المختار عبر الوحي جبريل تباعاً خلال أكثر من عشرين عاماً، وفعلياً حتى وفاة النبي (ص). وكان الوحي ينزل على محمد (ص) عملياً نهاراً أو ليلاً، وأثناء النوم والإستلقاء، وأثناء خلوته عن الناس، وكان ما يوحى إليه من القرآن طويلاً أو قصيراً. وأن مضامينه كانت تامة وتضمنت كل منها واحدة من قواعد الإيمان.
وبعد ثلاثة سنوات من بدء الدعوة للدين الجديد بدأ محمد (ص) بالدعوة للإسلام علناً. وفي البداية حازت الدعوة على نجاح كبير. وطالب عبدة الأصنام بمعجزات، واعتبر النبي (ص) القرآن الكريم من أكبر معجزات الدين الفتي.
وكان عمر محمد (ص) آنذاك 43 عاماً وهو سن اكتمال العقل. وبقيت الأوصاف الخارجية للنبي (ص) عن معاصريه: "كان إنساناً متوسط الطول، معتدل الجسم، أكتافه عريضة؛ شعره مجعد كثيف، ولحيته سوداء طويلة، ورأسه كبير، بجبهة مفتوحة، وقوس أسود من الحاجبين المتراكمين فوق الأنف، ورموشه طويلة، وعيناه كبيرتان لامعتان، وأنفه معقوف، وخطواته ثقيلة وجريئة". ويمكن القول أن هذه من الصفات النموذجية للعربي.
كما وتثير الصفات الشخصية للنبي (ص) الإعجاب على قدم المساواة، لأنه لم يكن إلهاً بل إنساناً عادياً. ويقول المؤرخون العرب أن محمد (ص) كان إنساناً يتمتع بسمعة لا غبار عليها، وتميز بأخلاق ممتازة، من الصدق والأمانة والنزاهة والذكاء وخفة الدم. وكان النبي (ص) بعيداً عن الغرور والسعي للنجاح الشخصي. وعندما أصبح رئيساً للقبائل العربية رفض اللقب الملكي "مالك" الذي عرض عليه. وكانت حياته بسيطة كرسها لصالح الأمة، والمجتمع الإسلامي. واعتبر نفسه رسولاً من الله (ج) والأخير في سلسلة الرسل و"خاتم الأنبياء".
وكانت مهمته الدينية ختم القرآن الكريم، كتاب الله (ج) الضخم الذي يتكون من 114 سورة، وتنقسم بدورها إلى آيات. ومجموع آياته 6247 آية أو 6360 آية إذا أضفنا لكل سورة تقريباً لفظ الجلالة: "بسم الله، الرحمن الرحيم". وبلغ عدد كلمات القرآن الكريم نحو 78 ألف كلمة.


نسخة مخطوطة من القرآن الكريم
والقرآن الكريم لم يأخذ شكل "كتاب" لأنه ليس كتاباً بالمعنى الحرفي للكلمة. ولا يمثل حياة قديسين، وهو ليس عملاً تاريخياً. ووفقاً لما جاء في القرآن الكريم هو "رسالة من رب العالمين"، و"كلمات الله (ج)"، "أنزله الحي الباقي خالق الأرض والسماوات". والقرآن الكريم هو وحي من الله (ج) و"كلمات، أنزلها على رسوله الكريم".
ويتنوع مضمون القرآن الكريم بشكل كبير. وفيه أحس القصص، والأمثال، والمواعظ والشرع الإلهي، ولعنة الله، والصلوات، وقصص التوعية، وغيرها. وكلها تشكل معاً تعاليم الدين الإسلامي التي من أعلى مراتبها التواضع وطاعة الله (ج)، و" لا إله إلا الله ومحمد رسول الله".
ولغة القرآن الكريم هي اللغة العربية. وإلى هذه النقطة هناك إشارة واضحة من العلي القدير: "إنا أنزلناه قرآناً عربياً، وإنا له لحافظون". و القرآن الكريم يقرأ باللغة العربية وفقاً للتقاليد الإسلامية، لأنها اللغة التي أنزله بها الوحي، وهي جزء لا يتجزأ من الرسالة نفسها. ونصوصه المترجمة إلى اللغات الأخرى ما هي إلا تفسير لمعانيه وهي ليست ترجمة كاملة. ومن هنا حاءت النصيحة لجميع المؤمنين بتعلم اللغة العربية.
وليس عبثاً تسمية الإسلام بالدين العالمي. والقرآن الكريم يشير إلى أنه يتوجه ليس للعرب وحدهم بل للبشرية جمعاء: "قل يا أيها الناس، إني رسول الله لكم جميعاً". وخلال السنوات الأولى من إنتشار الإسلام عقد المسلمون معاهدات مع أتباع الديانات الأخرى، واحتفظوا بحق ممارسة أديانهم بحرية: المسيحية، واليهودية، أو الزرادشتية مقابل قبولهم بالرعاية والحماية. وفي ذلك الوقت أعلن ما ذكر في القرآن الكريم عن المساواة في الإيمان والتسامح الديني: "لا إكراه في الدين". وكان من الأفضل لو تذكرت الشعوب هذه الكلمات دائماً.
ومن السمات الهامة للقرآن الكريم أنه خلال أربعة عشر قرناً مضت بقي على شكله دون تغيير. وترجع هذه الحقيقة إلى أن بعد جمع النصوص الحقيقية للقرآن الكريم، العمل الذي اكتمل في عام 651م، لم يستطع أي إنسان تغيير ولا حتى حرف واحد مما أبدع الله (ج). ومن ضمنها ليس للحكام الحق بسن القوانين، وما يحق لهم إصدار المراسيم فقط. "والمبادرات التشريعية" هي للحي الباقي، "يسن الله ما يريد، وعنده أم الكتب".
وفي البداية تناقل القرآن الكريم كان يجري شفهياً، من مستمع إلى مستمع، وما كتب منه كان مجزءاً وغير ممنهج، على الرغم من أن النبي (ص) دعا إلى المحافظة على كل كلمة من كلمات الله (ج).
ومما زاد الأمر صعوبة أن النبي (ص) بأمر من الله (ج)، عدل بعض أحكام القرآن الكريم أثناء حياته على الأرض، وبأسلوبه الخاص: "عندما بدلنا أية علامة أو أمر لم ننساه بل أعطينا أفضل منه أو مساو له". وعلى هذا الشكل وزعت آيات القرآن الكريم إلى "ملغاة" أو "معدلة"، ووفقاً لهذه النظرية الدينية جرى تعديل أكثر من ثلث سور القرآن الكريم.
ووفاة النبي (ص) عام 632م لم تسبب الحزن فقط، بل كانت مصدر قلق كبير في أوساط المجتمع الإسلامي. إذ توقف نزول الوحي الإلهي وكان الكتاب المقدس لم يزل مجزءاً، ولم يجري جمعه. وضعفت صفوف أصحاب النبي، ومنهم من غادر الحياة بسبب الشيخوخة أو المرض أو الجراح التي أصيب بها أثناء المعارك. وكان هناك خطر فقدان نصوص من القرآن الكريم، المحفوظة لدى المؤمنين مجزأة ومفككة.
وهنا ظهر على مسرح التاريخ الخلفاء الأربعة الراشدون: أبو بكر (ر)، وعمر (ر)، وعثمان (ر)، وعلي (ر). ووفقاً للمصادر كان المبادر الأول لجمع القرآن الكريم عمر (ر)، الذي نصحه سلفه أبو بكر (ر) بإتمام هذا العمل طاعة لله (ج). وكان أبو بكر (ر) قد أسند هذه المهمة لزيد بن ثابت، الذي كان كاتباً عند النبي (ص) خلال سنوات حياته الأخيرة.
وزيد كان متحمساً لهذا العمل. ووفقاً للمنقول قام بجمع ومقارنة الكتابات المتفرقة المكتوبة على العظام، والحجارة، والجلود، وسعف النخيل، أي كل ما استخدم في الكتابة آنذاك. وبالإضافة لذلك أخذ بكتابة قصص معاصري محمد (ص)، وكل مابقي في ذاكرتهم من "آيات الله".
وأعيد النظر فيها من قبل "هيئة التحرير" وكتبت على أوراق منفصلة في النسخة الأولى من القرآن الكريم التي وضعت بين "غلافين"، ولكن لم يجري نسخها لعدة نسخ. وفي ظروف الصراعات السياسية التي جرت أيام الخلفاء الراشدين أخذت تظهر كتابات وقوائم مماثلة، خلقت أرضية لحدوث اختلافات في القراءة. ووضع الخليفة عثمان (ر) وهو من السلالة الأموية حداً لهذه الخلافات الخطيرة خلال الفترة الممتدة من عام 644م وحتى عام 656م.
وكان عثمان (ر) إنساناً غير عادي معززاً بنشاطه وقوة سلطته الروحية، الخلافة، وقام بضبط الحياة الاقتصادية، ووسع حدود الدولة الإسلامية لتشمل إيران ووسط آسيا. وكانت سلطة عثمان (ر) قوية لأنه ارتبط بصلة القرابة مع النبي (ص) وتزوج على التوالي من إبنتيه رقية، وأم كلثوم، وبفضل ذلك حصل على اللقب الشريف "الفائز بالنجمتين".
وكان عثمان (ر) ملتزماً في نشاطات بأحكام القرآن الكريم بشدة. ولكن كان يجب إنجاز الكتاب المقدس ليكون خالياً من الجدل والتناقضات. ولهذا كلف عثمان (ر) بهذا العمل زيد بن ثابت. وشكل لإنجاز هذا العمل ما يشبة لجنة التحرير من صحابة النبي (ص). وفي البداية جرى اختيار "آيات الله" المكتوبة والموجودة عند بعض الأشخاص. وجرى مقارنتها مع النسخة الأولى من القرآن الكريم وتم قبولها أو رفضها أو أعيدت كتابتها، وفي النهاية تم تحقيق صياغة موحدة للقرآن الكريم.
 ومن أجل هذا أقدم عثمان (ر) على خطوة عرضته للكثير من الإنتقادات سواء من رجال الدين أو من العلماء. وأمر بإتلاف كل المصادر المكتوبة اٍلأصلية التي جمعها قسراً أو طوعاً. وتم الانتهاء من إعداد النص الموحد النهائي من القرآن الكريم في عام 656م. وحصل زيد بن ثابت من الخزنة على مبلغ 100 ألف درهم، ونسخ الكتاب المقدس بخمسة نسخ، أرسلت إلى أهم مراكز الخلافة وهي: مكة المكرمة، والمدينة المنورة، ودمشق، والكوفة، والبصرة. وأبقى عثمان (ر) النسخة الأصلية لنفسه. ويذكر أن عثمان (ر) كان يقرأ هذه النسخة من القرآن الكريم عندما جاء المتمردون لقتله، وبقيت على صفحاته بقعة من دم الخليفة الصالح. واعترفت المذاهب السنية الإسلامية المتعددة بالنص الموحد للقرآن الكريم.
والآن يمكن الإشادة فقط بأولئك الذين أسهموا في إعداد المخطوطة القديمة العظيمة، ونسخوها وزينوها. وكتبوها بالخط الكوفي القديم على 353 صفحة من الرق القوي السميك، على جهة واحدة ملساء صفراء اللون وبيضاء من الجهة الأخرى، مع تجاعيد صغيرة. واتسعت كل صفحة لإثنى عشرة سطراً. ومع ذلك شغل النص مساحة كبيرة. واستبدلت 69 صفحة من الصفحات المفقودة أو الممزقة بأوراق مقلدة من الرق. وفصلت كل سورة عن المجاورة لها بخط من المربعات أو المستطيلات المزخرفة. ولم تكتب أسماء السور، وكلها بدأت بكلمات "بسم الله الرحمن الرحيم" باستثناء السورة التاسعة.
وبعد ذلك جرت وقفة عند مصير قرآن عثمان. واختفت هذه النسخة من الكتاب المقدس. وبعد مضي بعض من الوقت ظهرت في العالم الإسلامي عدة نسخ من القرآن الكريم مع بقع دم على صفحاتها، وادعي أن كلاً منها هي النسخة الأصلية من قرآن عثمان. ومن الممكن أن تكون النسخة الأصلية بينها، ولكن إثبات أصالتها غير ممكن الآن. ومع ذلك مثل هذا الإثباتات لم تهم أحد في المجتمع الإسلامي. واعتبر التشكيك بأصالتها تدنيس للمقدسات الإسلامية.
ووفقاً لما ذكره المستشرق المجري المعروف أرمين وامبيري، الذي قام برحلة إلى وسط آسيا في عام 1863م متستراً بصورة درويش، ذكر أنه شاهد في سمرقند عند ضريح الأمير تيمور، وعلى منصة مرتفعة في وسط المقبرة نسخة كبيرة من القرآن الكريم كتبت على جلد الغزال. وكتب "سمعت من الناس الموثوقين الكثيرين، أنها تلك النسخة التي كتبت أيام الخليفة الثاني. جلبها القائد العسكري الشهير الأمير تيمور معه من خزائن السلطان التركي بايزيد في بورصة".
وعندما دخلت قوات القيصرية الروسية إلى سمرقند عام 1868م، وضمت إلى منطقة زرفشان بإقليم تركستان، حفظ القرآن الكريم في مسجد حجي أحرار، شيخ الطريقة الصوفية، الذي عاش في القرن الـ15 الميلادي. وكان الحجاج يزورون المسجد طلباً للبركة. وخلال أيام الأعياد الكبيرة يخرج الكتاب من المسجد ليراه الناس.
واهتم قائد المنطقة العسكرية الجنرال أبراموف من بين أعماله الأخرى بالنسخة النادرة لمخطوطة القرآن الكريم. وكانت هناك توقعات عديدة عن كيفية وصول قرآن عثمان إلى سمرقند. واعتقد بعض العلماء أن العالم الديني أبو بكر كفال الشاشي أحضرها من بغداد في القرن العاشر الميلادي. وهناك مقولات أخرى تقول، بأن أحد مريدي وتلاميذ حجي أحرار، أثناء عودته من مكة المكرمة وأدائه لفريضة الحج، عالج حاكم القسطنطينية من المرض وشفاه، وكمكافأة له على ما فعل طلب أن يهديه قرآن عثمان. بينما يعتبر الكثير من الباحثين أن المقولة الأكثر احتمالاً هي أن الأمير تيمور استولى على القرآن الكريم أثناء واحدة من حملاته على سورية أو العراق وحفظه في مكتبته. وبعد مضي بعض الوقت وفي ظروف غير معروفة وصل إلى مسجد حجي أحرار.
والآن من المستحيل تحديد أسباب وظروف وجود مصحف عثمان خارج جدران المسجد. وعلى كل حال وقع الكتاب في أيدي أبراموف لقاء مكافأة رمزية بلغت 100 روبل.


قرآن عثمان
وقام بإرسال قرآن عثمان إلى كوفمان الحاكم العام للإقليم في طشقند. الذي بدوره تبرع به وأرسله إلى سانت بيتربورغ، حيث حفظ بقسم المخطوطات بالمكتبة العامة. ولأول مرة وبعد عدة قرون أخرج الكتاب المقدس لدى المسلمين إلى خارج العالم الإسلامي.
ولكن وكما هو معروف العمل السيء يقابله وجه طيب، وحصل العلماء على فرصة لدراسة الكتاب النادر عن كثب. وأثبت المستشرق الروسي أ.ف.شيبونين، أن المخطوطة تعود لبداية القرن الثامن الميلادي، وأنها صنعت على الأراضي العراقية، ويعتقد أنها نسخت من النسخة المخطوطة لقرآن عثمان، التي أرسلت إلى البصرة بعد كتابة النص الموحد.
وأثارت أعمال العلماء اهتماماً كبيراً في الأوساط الإجتماعية بقرآن عثمان. وتم تصوير بعض صفحاته، وطبعت باسلوب الطباعة الحجرية وطرحت للبيع. وفي عام 1905 أعدت نسخة فاخرة من قرآن عثمان مصورة بأسلوب الفاكسميل بالحجم الطبيعي وطبعت بعدد نسخ محدودة بلغت 50 نسخة.


نسخة مصورة
ويقال أن لكل كتاب مصيره. ومصير قرآن عثمان لم ينتهي بعد. ففي عام 1917 حدث إنقلاب أكتوبر في روسيا وجاء البلاشفة إلى السلطة، برئاسة لينين. وقائد العمال في العالم كما نعرف كان ملحداً، وبطبيعة الحال لم يصدق بقداسة الكتب الدينية. ولكنه كان سياسياً وفهم جيداً فاعلية الدعاية التي يمكن الحصول عليها من إعادة قرآن عثمان للمسلمين، وحصل ما سعوا إليه بالفعل.
حيث وجه المؤتمر الإقليمي للمسلمين الذي انعقد في بتروغراد بتاريخ 14/12/1917 رسالة إلى لجنة مفوضي الشعب لشؤون القوميات أشار فيها إلى أن قرآن عثمان يعتبر "كنزاً مقدساً وملكاً لكل العالم الإسلامي ويجب أن يكون بأيدي المسلمين. وأن كل مسلمي روسيا يريدون هذا".
وفي الـ 19 من ديسمبر/ كانون أول أي بعد خمسة أيام، اتخذ مجلس مفوضي الشعب قراراً "بتسليمه لهم على الفور". وأعطى لمفوض الشعب للتعليم أ.لوناتشارسكي تفويضاً بذلك.
وأرسل أ.لوناتشارسكي المخطوطة الثمينة إلى أوفا، حيث مقر الإدارة الدينية للمسلمين في كل أنحاء روسيا، وسلمت المخطوطة لجماعة دينية محلية. وبقيت الخطوة الأخيرة بإعادتها إلى مكانها التاريخي في تركستان. وهو ما سعت إليه الشخصيات الدينية والإجتماعية في إقليم تركستان. وفي عام 1924 نقل قرآن عثمان بعربة قطار خاصة إلى طشقند. والمكان الدائم لحفظ المخطوطة لم يحدد مباشرة، ويمكن القول أن الأمر تمتع بأهمية محلية. وفي عام 1941 أصبح المكان الدائم لحفظ المخطوطة متحف تاريخ شعوب أوزبكستان في طشقند.
وخلال تنقلات المخطوطة كلها بقيت مصطبتها الضخمة المصنوعة من المرمر بمكانها في سمرقند، بمسجد بيبي خانم. وجرت محاولات لتحريكها من مكانها وفشلت كلها بسبب الوزن الهائل. وفي عام 1989 سلمت مخطوطة قرآن عثمان للإدارة الدينية لمسلمي أوزبكستان، وفي الوقت الراهن هي محفوظة في مكان خاص بمكتبة الإدارة، الواقعة في مدرسة باراك خان.


مكان حفظ النسخة الأصلية
وهذا كان مصير أحد نسخ القرآن الكريم خلال عدة قرون، والكتاب المقدس للمسلمين ويؤمن بتعاليمه أكثر من مليار إسان على وجه الكرة الأرضية. وقرآن عثمان آثر تاريخي بارز في التاريخ والثقافة الإسلامية ولا يزال حتى اليوم يجذب الباحثين والحجاج والسياح من العديد إلى أوزبكستان من دول العالم.
بحث أعده أ.د.محمد البخاري، في طشقند، 22/10/2013 نقلاً عن الصفحة الإلكترونية:   http://www.uzbekembassy.org/r/historical_places/