الاثنين، 7 سبتمبر 2009

الدراسات الإعلامية وتحليل المضمون الإعلامي

وزارة التعليم العالي والمتوسط التخصصي بجمهورية أوزبكستان
جامعة ميرزة ألوغ بيك الحكومية طشقند
كلية الصحافة - قسم الإعلام الدولي
الدكتور محمد البخاري
محاضرات في الدراسات الإعلامية وتحليل المضمون الإعلامي
TAHLIL VA SHARHLASH JURNALISTIKASI
طشقند - 1998
تطور الأبحاث العلمية واتجاهاتها الحديثة: ازدادت أهمية الاتصال في العصر الحديث بشكل كبير، بفضل تطور وسائل الاتصال وتقنياتها الحديثة. فالمعلومات تحيط بنا في كل مكان ومن كل اتجاه حتى أصبحت طبقة تحيط بالكرة الأرضية كالغشاء الهوائي الذي يوفر لنا الحياة، طبقة تعود الإنسان عليها حتى كاد ينساها أو يجهل وجودها، عدا قلة من الناس الذين يتعاملون مع هذه الطبقة المعلوماتية ويدركون مدى فاعليتها وتأثيرها. وقد أطلق الباحث في علم الاتصال بيير تايلهارد على هذه الطبقة المعلوماتية التي تحيط بالكرة الأرضية اسم "نوسفير"، ويستفيد الإنسان المعاصر من هذه الطبقة متلقياً سيلاَ من المعلومات تتضمن حقائق وآراء مختلفة يستخدمها في مواقف اتصالية يدخل فيها مع آخرين كمتحدث ومستمع، ولكنه لا يؤثر في عملية الاتصال كغيره من الفئات الاجتماعية الأكثر تأثيراً في عملية الاتصال كالمفكرين والصحفيين والكتاب والسياسيين ورجال الدين والأساتذة والمعلنين الذين يعطون من خلال وسائل الاتصال أفكاراً ومعلومات في المواقف الاتصالية أكثر مما يأخذون من معلومات، بحكم أدوارهم الاجتماعية التي تسمح لهم بالتأثير والتحكم بتفكير غيرهم من الناس. وأصبح الاتصال اليوم حقيقة طاغية في حياتنا اليومية المعاصرة، وأصبح الناس أداة فاعلة في عملية الاتصال المستمرة على مدار الساعة مرسلين ومستقبلين على حد سواء بفضل تقنيات الاتصال الحديثة التي حولت العالم بأسره إلى قرية الأمس في عمليات الاتصال المباشرة والمعقدة، والتي لم تعد تعترف لا بالحدود الجغرافية ولا بالحدود السياسية للدول المختلفة في العالم. وفرض تطور التقنيات الحديثة للاتصال على الإنسان المعاصر تعلم مهارات جديدة لم يكن بحاجة لتعلمها قبل عدة عقود فقط، وأصبحت ضرورية له لمواكبة العصر واستخدام وسائل الاتصال الحديثة المعقدة حتى في اتصالاته الشخصية عبر شبكات الحاسبات الإلكترونية (الكمبيوتر) التي جعلت من الاتصال عملية سريعة وفورية وسهلة بالاتجاهين. ومع تزايد أهمية الاتصال في حياتنا اليومية المعاصرة، ازدادت أهمية أبحاث الاتصال. فما هي أبحاث الاتصال؟
معنى أبحاث الاتصال: يميل بعض علماء الاجتماع إلى التفريق بين الأبحاث الصحفية، والأبحاث الإعلامية. رغم امتداد الدراسات التي استهدفت الصحافة خلال القرن العشرين إلى سائر مجالات الإعلام وقنواته انطلاقاً من مفهوم وحدة الفنون الصحفية والإعلامية رغم تشعبها. ورغم اهتمام بعض المعاهد الصحفية في العالم بدراسة مجال واحد من المجالات الإعلامية، كدراسة الإذاعة والتلفزيون، أو الصحافة المطبوعة، أو الاتصال الشخصي كل على حدى. إلا أننا نعتبر أن مثل هذه الدراسات الناقصة لا تلبي حاجة البحث العلمي في مجال الإعلام والاتصال بشكله الملائم والمطلوب على أعتاب القرن الواحد العشرين، في زمن تشعبت فيه قنوات الاتصال وتداخلت من خلال شبكات الاتصال الحديثة سمة الحقبة الأخيرة من القرن العشرين.
فالأسلوب العلمي الصحيح اليوم يربط بين أساليب الاتصال وتقنياته الحديثة كوحدة واحدة تتلاقى فيها قنوات الإعلام أصولاً وفروعاً. رغم التقسيم الذي سار عليه بعض الباحثين حينما فرقوا بين الأبحاث الصحفية، التي حاولوا حصرها بدراسة وسائل الإعلام أو الرسائل الإعلامية فقط، بينما حاول البعض الآخر حصر أبحاث الاتصال بعملية الاتصال فقط. لأنه من الصعب جداً دراسة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية دون الاهتمام بعمليات الاتصال والمواقف الاتصالية التي يتم من خلالها توجيه وتبادل المعلومات. فأي بحث يتناول الاتصال يجب أن يهتم بالجانبين معاً. فنحن لا نستطيع فهم ما تنشره وما تنقله أو تذيعه أو تبثه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، دون أن ندرك عملية الاتصال، وكيف يؤثر مضمون وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية على الأفراد والجماعات المختلفة. وحينما نحاول أن نعرِّف المادة الإعلامية، نجد صعوبة بالغة في وضع حدود واضحة تحدد الأبحاث الإعلامية وتميزها عن غيرها من أبحاث العلوم الإنسانية. فأهداف واهتمامات أبحاث الاتصال واسعة جداً، لأنها لا تدرس وسائل الاتصال فقط، بل تتعداها لدراسة عمليات الاتصال. وهذا يحتم علينا الاهتمام بعلوم إنسانية أخرى منها التربية، وعلم النفس الفردي، وعلم النفس الاجتماعي، والاقتصاد، والأنثروبولوجيا، والقانون، والستسيولوجيا، والسياسة... الخ، فالصحافة أو الإعلام تشارك العلوم الإنسانية مسؤولية الكشف عن مختلف أوجه المشاكل التي تتضمنها عملية الاتصال في مختلف مراحلها.
ولقد أدرك علماء الاتصال منذ أواسط القرن العشرين، حقيقة أنه لا يمكن فهم الاتصال عن طريق وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بدون فهم عملية الاتصال المباشر بين شخص وآخر، وعملية الاتصال داخل الجماعة الصغيرة. فبدون إدراك وفهم عملية الاتصال الفردي، والاتصال داخل الجماعة الصغيرة، لا يمكن فهم عملية الاتصال عن طريق مؤسسات ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، ولا نستطيع كذلك تقدير تأثير تلك المؤسسات والوسائل. ومن المسلم به أن فهم ودراسة وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية هي من مسؤولية علماء الإعلام أساساً، ولكننا لا نستطيع أن ننكر اشتراك علماء السياسة والاقتصاد والمجتمع في هذه المسؤولية بشكل أو بآخر. ولكن المسؤولية تبقى أساساً على عاتق علماء الإعلام والاتصال المسؤولين عن دراسة عمليات الاتصال الجماهيري، والتعرف على تنظيم مؤسسات الاتصال والإعلام، وأساليب السيطرة الاجتماعية عليها، ومركز تلك المؤسسات في التنظيم الاجتماعي بشكل عام، ووظيفة تلك المؤسسات وجمهورها ومسؤوليتها، وطريقة اضطلاعها بتلك المسؤوليات، ودراسة طبيعة تأثير تلك المؤسسات. واكتشاف السبل لتحقيق فاعلية الإعلام والاتصال، واختيار أنجع الوسائل، والتعرف على طبيعة كل وسيلة منها. وطبيعة الجمهور المتلقي، ومشاكل نقل المعاني والرموز عبر وسيلة الاتصال.
تطور الأبحاث العلمية في مجال الإعلام والاتصال: يمر التطور التاريخي لأي علم من العلوم الحديثة، بمراحل تطور متشابهة تبدأ بالمرحلة الفلسفية، حيث ينصب الاهتمام فيها على تحديد المسارات الأساسية، وتكوين مفاهيم كلية وافتراضات أساسية، وتحديد طرق وأساليب للبحث العلمي، ويعاد النظر فيها بشكل يمكن بواسطتها جمع المعلومات والحقائق عن العلم المقصود. وتنتهي هذه المرحلة عند التوصل إلى اتفاق عام على بعض المبادئ والافتراضات الأساسية وبعض طرق وأساليب البحث العلمي. وينتقل الاهتمام في المرحلة الثانية إلى تطبيق أساليب جديدة للبحث، مهمتها قياس صحة الافتراضات التي تم الاتفاق عليها في المرحلة الأولى الفلسفية، يرافقها تجميع حقائق مفصلة عن تلك الافتراضات. وتنتهي المراحل التجريبية بجمع جملة من الحقائق تستخدم في بناء نظرية علمية محددة، وهي المرحلة الثالثة التي تتابع فيها الأبحاث والتجارب التي تؤدي إلى تطور البحث العلمي والوصول إلى نتائج جديدة ومقترحات تؤدي للوصول إلى نظريات علمية جديدة. وقد بدأت الأبحاث العلمية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال العشرينات من القرن العشرين، وركزت الأبحاث الأولى على دراسة وصفية لتاريخ الصحافة، والشخصيات الصحفية التي قامت بإصدار وتحرير صحف كل مرحلة من المراحل المدروسة. وركزت على مفاهيم فلسفية معينة كحرية الصحافة وحق الأفراد في نشر آرائهم بدون تدخل السلطات، ودور الصحافة في المجتمع إلى آخره من الاهتمامات العلمية.
وظهرت في المرحلة التالية دراسات اعتمدت على الأبحاث التجريبية والميدانية الكمية. خرجت بدراسات موضوعية بعيدة عن تحيز الباحث، معتمدة على حقائق علمي ثابتة، مستخدمة أساليب القياس والتجربة للوصول إلى نتائج علمية مقنعة. توصل العلماء بفضله إلى تكوين نظرية علمية طورت خلال الخمسينات والستينات من القرن العشرين. وتوسع البحث العلمي في مجال الاتصال ليشمل دراسات في الإعلام الدولي وطبيعة الإعلام في الدول الأخرى وخاصة تلك التي تختلف مع الولايات المتحدة الأمريكية إيديولوجياً، أو التي تدخل ضمن مجال اهتمامات سياستها الخارجية والمصالح الأمريكية في العالم عامة. ورافق هذا التطور في الأبحاث العلمية بمجال الإعلام اهتمام علماء السياسة والاقتصاد والمجتمع وعلم النفس والأنثروبولوجيا بعلوم الاتصال، الذين ساهموا في تطوير وبناء نظريات ومفاهيم أساسية لعلم الاتصال. مما أعطى الدراسات الإعلامية طابعاً متميزاً ساهم في اتساعها وإثرائها خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
تطور للدراسات العلمية الإعلامية واتجاهاتها: الاتجاه النظري الفلسفي للدراسات الإعلامية: استخدم اصطلاح " أبحاث الاتصال الجماهيري في مطلع الثلاثينات من القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية. ولكننا لا نستطيع اعتبار هذا التاريخ بداية للأبحاث العلمية في مجال الاتصال والإعلام. لأن الاهتمام بفهم وتفسير عملية الاتصال بدأـ قبل ذلك بكثير. فأرسطو (284-322 ق . م) مثلاً عرَّف في كتابه "فن البلاغة"، دراسة البلاغة (أي الاتصال) بأنه: " البحث عن جميع وسائل الإقناع المتوافرة"، وحدد عملية الاتصال بالمواقف التالية: المتحدث، الحديث، المستمع. في ذلك الوقت الذي كان الاتصال الجماهيري فيه يعتمد على الخطابة للاتصال السياسي في المدينة الإغريقية الصغيرة. ولم تخرج النماذج الاتصالية فيما بعد عن الإطار العام الذي وضعه وسار عليه أرسطو.
أما بدايات الاهتمام بالأبحاث العلمية الإعلامية فتعود لأوائل القرن العشرين، وبدأت كما وسبق وأشرنا بالدراسات التاريخية والفلسفية والقانونية والأدبية. ورافق ذلك ظهور أولى الكتب عن الرأي العام، وكان أهمها كتاب جابريل تارد "الرأي العام" الذي ظهر عام 1910، وكتاب جراهام ولاس "الطبيعة البشرية في مجال السياسة" الذي ظهر عام 1909، ومن الكتب الهامة التي تناولت دور الجماعات المنظمة في عملية اتخاذ القرار كتاب بنتلي "عملية الحكم" الذي صدر عام 1908، وتناول موضوع ما عرف فيما بعد بجماعات الضغط وعلاقتهم بالرأي العام والسياسة. وكانت الحرب العالمية الأولى التي نشبت عام 1914 نقطة البداية التي سمحت للدول الكبرى وخاصة بريطانيا باستخدام الإعلام كسلاح للتأثير على العقول عن طريق الدعاية المنظمة، وازداد الاهتمام بعد ذلك تباعاً بدراسة الإعلام بشكل لم يسبق له نظير. فقد لفتت الحرب أنظار الباحثين إلى أبعاد جديدة للدعاية، وازداد الاهتمام بوسائل الاتصال وأساليب التأثير على الرأي العام حتى أنه اعتبرت الفترة الممتدة من عام 1920 وحتى عام 1930 نقطة تحول هامة على طريق الدراسات العلمية الإعلامية، وبداية حقيقية لتطبيق مناهج البحث التجريبية الحديثة في مجال دراسة الإعلام ووسائله وأساليبه وتقنياته.
وقد ظهرت بعد الحرب عدة مؤلفات لباحثين أمثال: جورج كريل، وهارولد لازويلد، وج. برنشتورف، وجورج ديمرشيل Demartial، وهانز ثيم Thimme، وف. شونمان F. Schoenemann، وكميل ستيوارت، وادجار شترن Stern، وولتر ليبمان. وقد فرضت الحاجة ضرورة تطبيق طرقاً جديدة في البحث العلمي لمعرفة أفضل الطرق لجذب المعلنين، ولكن الدفعة القوية للبحث العلمي في مجال وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري كانت بفضل اهتمام الحكومات خلال الحرب بالدعاية ودراسة الروح المعنوية للقوات المسلحة والمدنيين، وسيكولوجية القيادة ومشاكلها، والعلاقة بين الضباط والجنود وما رافقها من حاجة للأبحاث التجريبية. وكان هذا الاهتمام بمثابة الحافز الذي دفع الباحثين والخبراء والعلماء إلى تطوير بحوثهم العلمية لتشمل مجالات السياسة وعلم النفس، وقياس تأثير الرسائل الإعلامية، فظهرت أسماء جديدة من الباحثين العلميين الذين كان لهم أبلغ الأثر في تطوير البحوث العلمية في مجال الاتصال والإعلام واستخدام أساليب حديثة في البحث كجون لونج، وبارنيز، وريس، وأبراهام ليسكي، وايفي لي، ورالف كيس، وغيرهم. وفضلا عن ذلك فقد شهدت العشرينات من القرن العشرين بداية تطبيق أساليب حديثة في البحث الميداني لدراسة المستهلكين، واهتمامات قراء الصحف والمجلات ومستمعي الراديو ورواد صالات السينما واستفتاء الرأي العام. وبدأت مجلة Literary Digest استطلاعات الرأي العام في تلك الفترة بطريقة غير رسمية لمعرفة المرشح الذي سيصوت لصالحه الجمهور، وهو ما عرف آنذاك باسم Straw Votes.
كما وشهدت نفس الفترة مع نطور أساليب القياس وطرق الإعداد للاستطلاعات والدراسات التجريبية، اختراع بعض الآلات البسيطة لاستخراج النتائج وتلخيص كميات كبيرة من المعلومات بصورة أسرع من الطرق التقليدية المتبعة آنذاك. وهو ما ساعد على القيام بدراسات إحصائية كمية، رافقتها محاولات لقياس الآراء والاتجاهات، لعب فيها الباحثان لويس ثرستون Louis L. Thurstone في مجال علم النفس، وستيوارت رايس Stewart Rise في مجال السياسة والإحصاء دوراً بارزاً. ولفتت في نفس الوقت أنظار الباحثين نجاحات الدعاية السوفييتية، والفاشية الإيطالية في استخدام الدعاية كسلاح من أسلحة السياسة الخارجية للدولة، وكوسيلة ناجحة للسيطرة على الجماهير في الداخل، والتقدم الهائل للإعلان التجاري في الولايات المتحدة الأمريكية. وهي الدروس التي استفاد منها أدولف هتلر في كتابه "كفاحي" الذي صدر الجزء الأول منه عام 1925، وصدر الجزء الثاني عام 1927، لتستخدم ببراعة في الدعاية الألمانية النازية. وشهد العام 1925 صدور أول مجلة ربع سنوية متخصصة تعنى بتشجيع ونشر الأبحاث والدراسات الإعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية حملت اسم Journalism Quarterly.
ومع حالة الكساد الاقتصادي التي سادت العالم في ثلاثينات القرن العشرين، التي انتهت بالحرب العالمية الثانية المدمرة واستخدمت الولايات المتحدة الأمريكية فيها لأول مرة القنابل الذرية لتدمير مدن يابانية بأكملها وقتل سكانها الأبرياء، دخلت الإذاعات الدولية كسلاح من الأسلحة الهامة في الحرب من قبل الدول الكبرى آنذاك كإيطاليا الفاشية، وألمانيا النازية، واليابان، والإتحاد السوفييتي، وبريطانيا العظمى، والولايات المتحدة الأمريكية. وبدأت الإذاعات الدولية بالبث باللغات الأجنبية كاللغة الإنكليزية والفرنسية والعربية والإسبانية والبرتغالية. بهدف التأثير على شعوب الدول الأخرى وكسب الرأي العام العالمي لصالح قضاياها ومصالحها في العالم. وهو ما ساعد على تطوير أساليب تحليل المضمون بمختلف الطرق والوسائل كمياً وموضوعياً.
وكان من العوامل الهامة التي ساعدت على تطوير البحوث العلمية في الإعلام والاتصال في تلك المرحلة: 1- ازدياد اهتمام الهيئات الحكومية بالدعاية، وتشجيعها على تطوير مناهج البحث وتطبيقها على نطاق واسع لقياس تأثير المادة الإعلامية. وتشجيع دراسات التسويق والإعلان على نطاق واسع. 2- قلق المجتمعات الديمقراطية من السيطرة السياسية على وسائل الإعلام الجماهيرية في الإتحاد السوفييتي وألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، واستخدام هذه الدول لها لدعم نفوذها السياسي في الداخل والخارج. الوضع الذي استغله بعض علماء الاجتماع لتضخيم قدرات وسائل الإعلام الجماهيرية في التأثير على العقول والسيطرة عليها. 3- تركز ملكية وسائل الإعلام الجماهيرية المقروءة والمسموعة والمرئية، في أيدي قلة من المالكين في الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا، واختفاء المنافسة في السوق الإعلامية في المجتمعات الغربية. وما رافقها من قلق حيال احتكار وسيطرة أقلية من المالكين لوسائل التوجيه والإعلام الجماهيري. مما خلق الحاجة لدراسة ظاهرة الاحتكار الإعلامي. 4- اشتداد المنافسة بين وسائل الإعلام الجماهيرية المقروءة والمسموعة والمرئية للحصول على أكبر قدر من الدخل والتمويل عن طريق جذب الإعلانات والدعاية إليها. مما حفز دراسات قياس تأثير كل من تلك الوسائل الإعلامية على حدى ومقارنتها ببعضها البعض، من حيث الانتشار والتأثير. ورافقها في الخمسينات من القرن العشرين التركيز على دراسة تأثير التلفزيون على الأطفال، وتأثير برامج العنف والجريمة على انحراف الإحداث، ودور التلفزيون في التعليم. 5- الاهتمام بدراسة التأثير السياسي لوسائل الإعلام الجماهيرية، وخاصة أثناء الحملات الانتخابية في الولايات المتحدة الأمريكية. مما دفع مركز الدراسات الاجتماعية والتطبيقية بجامعة كولومبيا، ومؤسسات البحث العلمي في جامعات ييل، وستانفورد، وآلينوي، للقيام بدراسات لاكتشاف الحقائق عن الدور الذي يلعبه الاتصال الشخصي في المجتمعات المتقدمة، ودور الجماعة في التأثير على أعضائها، وتأثير الإشاعة، وخصائص وسائل الإعلام الجماهيرية المختلفة. والعمل على تطوير تلك الأبحاث. ومن الأساليب الشهيرة في الثلاثينات من القرن العشرين، كان أسلوب جورج جالوب في قياس اهتمامات قراء الصحف، والذي عرف باسم "أسلوب التعرف". واستخدمته مؤسسة أبحاث الإعلان في دراستها المستمرة لقراء الصحف في الفترة من عام 1939 وحتى عام 1953 وشملت عينات من قراء 130 صحيفة يومية من جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية، لخصت نتائجها في 138 تقريراً. وقد شملت "الدراسة المستمرة" تطور الإعلانات في الصحف، وأسلوب تحرير الصحف بشكل عام، وجمعت معلومات كبيرة عن قراء الصحف، والمواد الأكثر قراءة في الصحف. كما وأدى تكرار هذه الدراسات إلى تراكم المادة العلمية وتطوير أساليب البحث المتبعة. حيث طور كلاً من: سوانسون، وجونز، وبلدو أساليب علمية لقياس اهتمامات قراء الصحف، وابتكروا طرقاً سهلة لتسجيل وتفريغ البيانات. 6- تعاون مؤسسات التعليم العالي وهيئات البحث العلمي في النصف الثاني من القرن العشرين في مجال الدراسات الإعلامية، ومن أبرزها كان البحث الذي موله معهد الصحافة الدولي في زيورخ IPIودرس طبيعة الأخبار الدولية في عينة من صحف الولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا الاتحادية، وبريطانيا، وفرنسا، وهولندا، وبلجيكا، وسويسرا، والسويد، والهند. ونشرت نتائجه عام 1953 تحت عنوان "تدفق الأخبار".
وقد أدى تراكم البحوث الإعلامية إلى ظهور أكثر من خمسين وصفاً لعملية الاتصال، وإلى وضع نماذج كثيرة تشرح عملية الاتصال، منها النموذج الرياضي لكلود شانون عام 1948، ونظرية الاتصال الرياضية لشانون وويفر. وتجنبت الأبحاث دراسة الدور الاجتماعي لوسائل الإعلام الجماهيرية، رغم أن الدور الاجتماعي لوسائل الإعلام الجماهيرية هو الأساس لمعرفة دور وسائل الإعلام الجماهيرية في إقناع الجماهير في أي مجتمع من المجتمعات. ورغم استخدام أساليب التحليل الوظيفي في دراسة طبيعة ودور الاتصال الجماهيري على الفرد والمجتمع في الإتحاد السوفييتي السابق.
الاتجاه السياسي للدراسات الإعلامية: يعتبر عالم السياسة الأمريكي هارولد لازويل، الذي تدرب ومارس التدريس في جامعة شيكاغو، وعمل لسنوات طويلة في جامعة ييل، ممثلا للاتجاه السياسي الذي اهتم باستخدام تحليل المضمون كأسلوب من أساليب القياس في الدراسات الإعلامية. وقد درس لازويل الدعاية ودور وسائل الإعلام الجماهيرية في المجتمعات والدول، والنفوذ السياسي للقائمين بالاتصال، وتحليل المضمون على أسس علمية. ومن الموضوعات التي اهتم لازويل بدراستها: وظيفة الاتصال في المجتمع؛ وعلاقة الاتصال بالحكومات؛ وممارسة السلطة وتوزيعها؛ وعوامل الإشراف والسيطرة على وسائل الإعلام الجماهيرية؛ واستخدام الاتصال كوسيلة أو أداة سياسية من قبل الحكومات؛ ومقارنة نظم الاتصال في الدول والثقافات المختلفة؛ واقتصاديات الاتصال؛ وطبيعة وعمل القائمين بالاتصال؛ ومضمون وسائل الإعلام الجماهيرية. ومن الذين درسوا عملية التحضير للاتصال السياسي دانيل لونر، ولوشيان باي. كما ودرس أثيل دوسولا بول، وكارل دويتش، أنظمة الاتصال في الدول النامية والإعلام الدولي.
الاتجاه السيكولوجي الاجتماعي للدراسات الإعلامية: يعتبر علم النفس الاجتماعي من المجالات الأساسية والهامة في الدراسات الإعلامية. ويعتبر كارل هوفلاند، وبول لزرفيلد، وكورت لوين، من أوائل الباحثين في هذا الاتجاه الهام. وقد ركز كلاً من هوفلاند عالم الاجتماع في جامعة ييل، على عملية الإقناع في دراساته. بينما ركز لوين عالم الاجتماع في جامعة أيوا، وجامعة ماساتشوسيت للتكنولوجيا دراساته على الجماعات والأدوار الاجتماعية. بينما ركز لزرفيلد دراساته في مركز الأبحاث الاجتماعية التطبيقية بجامعة كولومبيا، على استقصاء الرأي العام، وتأثير وسائل الإعلام الجماهيرية، والعلاقة بين التأثير الشخصي، وتأثير وسائل الإعلام الجماهيرية. ولد لزرفيلد في فيينا وتعلم فيها إلى أن حصل على درجة الدكتوراه، وفي عام 1923 ترك مسقط رأسه مهاجراً إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث صب اهتمامه على دراسة الساحة الإعلامية وتأثير الوسيلة الإعلامية الجماهيرية الجديدة آنذاك. حيث كان الباحثون مهتمون فعلاً بقياس مدى نجاح الإذاعة المسموعة كوسيلة إعلامية جديدة لفتت انتباه المعلنين. وانصبت دراسات القياس على معرفة عدد المستمعين والبرامج التي يفضلون الاستماع إليها. فاهتم لزرفيلد بمعرفة الأسباب التي دفعت المستمعين لسماع برامج إذاعية بعينها، واهتم باستنباط الطريقة التي تمكنه من كيفية استخدامهم للمعلومات التي يحصلون عليها وسائل الإعلام الجماهيرية، وتأثيرها على أذواقهم واتجاهاتهم الاجتماعية وتأثير الحملات الانتخابية على خياراتهم الانتخابية، وعلاقة الاتصال الشخصي بوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. وبدأ اهتمام لزرفيلد بالإذاعة المسموعة عام 1937 عندما عين مديراً لمركز أبحاث الإذاعة المسموعة الذي أفتتح للتو بجامعة برنستون بتمويل من مؤسسة روكفلر. مستفيداً من خبرة فرانك ستانتون المدير السابق لشبكة س. ب. إس، في الإذاعة الأمريكية. وفي عام 1940 انتقل المركز تحت إشراف لزرفيلد إلى جامعة كولومبيا وأصبح مركزاً للأبحاث الاجتماعية التطبيقية. وأثمرت أبحاث لزرفيلد عن مجموعة من الكتب ذات المستوى الرفيع في موضوعات كالتصويت ، والبطالة، والاتصال، ومناهج البحث في العلوم الاجتماعية التطبيقية، إضافة لتدريب مجموعة من الباحثين الشباب الذين ذاع صيتهم فيما بعد.
أما عالم النفس الخبير بوسائل وأساليب إجراء التجارب العلمية، وعلم النفس الاجتماعي كورت لوين Kurt Lewin فقد هاجر في مطلع الثلاثينات من مسقط رأسه في أوروبا إلى الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن أتم تحصيله العلمي في فيينا. وتمتع بتأثير كبير على طلبته في جامعة أيوا ومعهد ماساتشوسيت للتكنولوجيا، حيث اهتم خلال الحرب العالمية الثانية بدراسة حركة الجماعة، والاتصال في الجماعة، وتأثير جماعات الضغط الاجتماعي، وتأثير الجماعة على اتجاهات وتصرفات أعضائها. وقد ركزت دراسات لوين في علم النفس الاجتماعي على الفرد في ظروف المحيط الاجتماعي، وتحليل المؤثرات الاجتماعية على الطفل، وطبيعة الاختلافات القومية بين الأمريكيين والألمان، والمشاكل الاجتماعية الناتجة عن انتماء الفرد للأقلية الاجتماعية.
أما كارل هوفلاند فقد تخرج من جامعة ييل وبرز بين علماء النفس التجريبي قبل الحرب العالمية الثانية. وفي عام 1942 استدعي للخدمة العسكرية والحق بقسم الأبحاث الإعلامية في الجيش حيث صب اهتمامه على دراسات الاتصال وتغيير الاتجاهات. وبعد الحرب عاد هوفلاند إلى جامعة ييل ووضع برنامجاً للبحث في الاتصال وتغيير الاتجاهات، وتمتع برنامجه بأسلوب دقيق للقياس يعتمد على التجربة المنظمة. ودرس هوفلاند تأثير القائم بالاتصال الذي يؤمن الجمهور الإعلامي بصدقه، والقائم بالاتصال الذي يتمتع بالنفوذ، وتأثير عرض الجانب الذي يسعى القائم بالاتصال لترويجه، وعرض الجانبين المؤيد والمعارض في وقت واحد، وتأثير الرسائل الإعلامية التي تثير الخوف الشديد لدى المستقبل، مقارنة بتأثير الرسائل الإعلامية التي تثير خوفاً معتدلاً أو خفيفاً، وأساليب تحصين الجماهير ضد الدعاية المضادة. وتعتبر كتبه من أهم ما وضع من كتب في علم الاتصال حتى وقت قريب. وقد توفي هوفلاند عام 1961 متأثراً بمرض السرطان عن 48 عاماً، ولم تتوقف أبحاثه التي استمرت على أيدي تلاميذه الذين استمروا على تطويرها والتوسع بها من بعده.
ومن دراستنا لأبحاث الرواد الأربعة في تطوير أبحاث الاتصال الجماهيري: لازويلد، ولزرفيلد، ولوين، وهوفلاند، فإننا نستنتج أن لازويل قد اتسمت أبحاثه بالشمول الذي يهتم بالمجال العام. أما لزرفيلد وهوفلاند فقد اتسمت بالمجال الأضيق الذي يهتم بالتفاصيل. أما أبحاث لوين عن الجماعات الصغيرة، فقد جاءت في الوسط بين المجالين.
وقد أضاف الباحث الأمريكي برنارد ولسون إلى المجالين أنفي الذكر خمسة مجالات فرعية للبحوث الإعلامية وهي: المجال الإصلاحي: الذي مثلته لجنة حرية الصحافة في الولايات المتحدة الأمريكية التي شكلت عام 1943، وأصدرت تقريرها عام 1947 الذي اهتم بتنظيم وسائل الاتصال وتكوينها، وأساليب السيطرة عليها، ومسؤولية وسائل الإعلام الجماهيرية اتجاه المجتمع. وهو المجال الذي تجاهلته الجامعات، ووقفت وسائل الاتصال التجارية ضده، وضد لجنة حرية الصحافة. والمجال التاريخي: والذي تمثل بدراسات ديفيد رايسمان D. Reisman، وهارولد إنيس H. Innis، واهتم بالتأريخ لحياة القائمين بالاتصال ولوسائل الإعلام الجماهيرية. وتدخل ضمنها مؤلفات فرانك موت F. B. Mott، وأرنولد هاوسر A. Hauser، التي اعتمدت على السرد والسير الشخصية. والمجال الصحفي: ويمثله نشاط معاهد الصحافة ومراكز البحث العلمي الإعلامية، وبعض الأساتذة أمثال: كيسي Casey، وريمو ب. نيكسون R. B. Nixon، وولبر شرام W. Schramm. واهتم بالسيطرة على وسائل الاتصال الجماهيرية، وخصائص القائم بالاتصال، واهتمامات قراء الصحف، ومسؤولية الإعلام في المجتمع. ومجال دراسة فلسفة اللغة والمعاني: الذي حاول من خلاله الباحثون تطبيق نظرية المعرفة على الاتصال الجماهيري، واشتغل فيه إضافة للفلاسفة، علماء الأنثروبولوجيا، واللغويين، وعلماء النفس، وعلماء الرياضيات. ومجال دور وسائل الإعلام الجماهيرية في نشر الأفكار المستحدثة: الذي اهتم أصلاً بالمجتمعات الزراعية ونشر الأفكار المستحدثة، وله علاقة كبيرة باهتمامات الدول النامية وأساليب التغيير السريع للمعتقدات والقيم. ومن رواده روجر، وكير، وشوميكر. ويبقى من مميزات الربع الأخير من القرن العشرين التركيز على دراسات الاتصال والإعلام الدولي على ضوء التطورات الهائلة لوسائل الاتصال الجماهيرية وخروجها من إطار المحلية إلى إطار الدولية، وما نتج عن ذلك من مشاكل معقدة تحتاج للدراسة والبحث لمعرفة وفهم المتغيرات التي طرأت على نظم الاتصال والإعلام الجماهيري في مختلف دول العالم.
ويبقى التصنيف الذي وضعه كتاب "نظريات الإعلام الأربع" الذي صدر عام 1956، قائماً في تصنيفه رغم انهيار الإتحاد السوفييتي السابق ومعه المنظومة الاشتراكية التي كان يقودها في مطلع التسعينات من القرن العشرين، واتجاه معظم الدول المستقلة إلى تبني نظم ديمقراطية في سياساتها الإعلامية. ونبقى في حاجة لدراسات تركز تأثير الانفتاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي على وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وتأثير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في شكلها الراهن على هذا الانفتاح. تتناول في البحث أيضاً المتغيرات في التعليم والدخل القومي وتوزيع الثروات والاستقرار السياسي والاجتماعي ومشاكل البيئة والتلوث ...وغيرها من البحوث التي لها علاقة مباشرة بنظم الإعلام الجماهيري في مختلف دول العالم. وهو ما تنبهت له الدول الأوروبية وانعكست صورته في ما نشرته مجلة اتحاد الإذاعات الأوروبية E. B. U. Review، ومجلة معهد الإذاعة الدولي Inter Media في لندن، ومجلة Gazette في هولندا، وغيرها من المجلات المتخصصة.
عملية الاتصال الجماهيري ونماذجها: ظاهرة الاتصال بين الأفراد والأمم والشعوب ظاهرة قديمة قدم الإنسان والأمم، لكن الاهتمام بدراسة الاتصال والإعلام والدعاية والرأي العام دراسة منهجية منتظمة قد اتضح في الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية كما سبق وأشرنا، كما وظهرت خلال الخمسينات والستينات من القرن العشرين بعض الكتب والدراسات القيمة في الاتصال والإعلام الجماهيري الدولي، وكان الاهتمام فيها منصب نحو دراسة الإنتاج الفكري للفترة الممتدة بين الحرب الكونيتين الأولى والثانية. ولكن قبل أن نتحدث عن نماذج الاتصال لابد أن نوضح المقصود من اصطلاحات الاتصال، والجماهيري، وعملية الاتصال بحد ذاتها.
تعريف الاتصال: الاتصال هو من أقدم النشاطات الإنسانية على الإطلاق، وهو من الظاهر المألوفة لدى الإنسان. ومعنى مصطلح الاتصال واضح وغامض في نفس الوقت، والمعنى يصبح واضحاً حينما نستخدمه بشكل تقليدي ضيق، ولكنه يتسم بالغموض عندما نستخدمه بشكل شمولي واسع. فإذا تحدث فرد مع آخر وأدى هذا الحديث إلى تفاهم متبادل بين الطرفين، فيمكننا القول أنه حدث اتصال، أي تحقق الهدف من الحديث. أما إذا أدى الحديث إلى حدوث سوء تفاهم، فيمكننا القول أنه لم يحدث اتصال أي لم يتحقق الهدف من الحديث. أو نصبح غير واثقين مما إذا حدث الاتصال فعلاً أم لا. ويقول كارل هوفلاند، أن الاتصال هو العملية التي ينقل من خلالها الفرد (القائم بالاتصال) مثيرات (رموزاً لغوية، رسالة)، لكي يعدل من سلوك الأفراد الآخرين (مستقبلي الرسالة). وفي هذه الحالة ينقل القائم بالاتصال الرسالة عمداً، أي بشكل هادف لإحداث تأثير معين. أما تشارلس موريس، فيقول أن اصطلاح الاتصال حينما نستخدمه بشكل واسع النطاق، فإنه يتناول أي موقف يشارك فيه عدة أفراد بموضوع معين. ولكنه يحصر الاتصال في استخدام الرموز لكي تحقق انتشاراً ومشاركة ذات مغزى. أي أن يتحقق تفاهم حول موضوع معينٍ، سواء عن طريق الرموز أو أية وسيلة أخرى سماها تشارلس موريس Communization. كأن ينتقل الغضب من شخص إلى شخص آخر، أو أن لا يغضب الشخص فعلاً ولكنه يبدي دلائل توحي بالغضب، وهذا الموقف ينطوي على إحساس ومشاركة نسميها اتصال. ويعتبر جورج لندبرج أن الاتصال هو نوع من التفاعل يحدث بواسطة الرموز، ويستخدم للإشارة إلى التفاعل بواسطة العلامات والرموز، التي يمكن أن تكون حركات أو صور أو لغة أو أي شيء آخر يمكن أن يثير السلوك الإنساني. والسلوك الناتج عن هذا التفاعل قد لا يكون بسبب التعرض للرموز نفسها، إن لم يكن المتلقي مهيأً للاستجابة للرمز بصورة معينة. وأن الاتصال يختلف عن التوصيل، وأن الاتصال الحقيقي هو نوع من التفاعل يتم بواسطة الرموز والعلامات، ويؤدي إلى تخفيف أو زيادة التوتر والشك وزيادة أو تشويش الفهم لدى الأفراد. أما إدوار سابير فقد كتب عن الاتصال المحدد، والاتصال الضمني، ما يلي: الاتصال المحدد، هو: اتصال بالمعنى التقليدي، أما الاتصال الضمني، فهو: التفسير البديهي للرموز اللاشعورية نسبياً، والاستيعاب اللاشعوري للأفكار والسلوك في ثقافة الفرد. بينما يعتبر بعض علماء الاتصال أن مفهوم الاتصال يتضمن كل العمليات التي يؤثر من خلالها الناس على بعضهم البعض. بينما عرف ستيفنز الاتصال باستجابة الكائن الحي على منبه معين بشكل متميز، ويقدم بنتيجتها على استجابة أو ردة فعل متميزة. والرسالة التي لا تحظى باستجابة لدى المستقبل لا تعتبر اتصالاً. عكس نوبرت وينر الذي عرف الاتصال بشكل أوسع يشمل التفاعل بين الآلات، عندما يقول: الاتصال بمعناه الواسع يتضمن كل الإجراءات التي يمكن بمقتضاها أن يؤثر عقل بشري على عقل آخر، أو يؤثر جهاز على جهاز آخر كأجهزة الرصد والتوجيه الأوتوماتيكي، وأجهزة الاستشعار عن بعد مثلاً. ولكننا نرى ورغم الاختلاف في التعريف نرى أنه هناك اتفاق على استخدام مصطلح اتصال لنقل المعاني، وانه في صيغة المفرد يستخدم الاتصال للإشارة إلى عملية الاتصال، وفي صيغة الجمع ,يستخدم للإشارة إلى الرسائل الإعلامية ومؤسسات الاتصال والإعلام الجماهيري بشكل عام.
تعريف جماهيري: يشير مصطلح جماهيري إلى جمهرة أو حشد أو مجموعة كبيرة من الناس مؤلفة من جميع الطبقات والشرائح الاجتماعية، يختلف أفرادها في مراكزهم الاجتماعية ومهنهم وثقافاتهم وثرواتهم، مجهولي الهوية ولا يتفاعل الواحد منهم مع الآخرين ولا يتبادل معهم المشورة والخبرة، غير منظمين لا يمكن أن يعملوا كوحدة واحدة، ولا تتاح لهم فرصة الاختلاط والتقارب. وكل ما يشدهم إلى بعضهم البعض هو حدث يعنيهم جميعاً وطني أو قومي هام يشدهم إلى متابعة تطوراته. وقد ازداد حجم الجماهيري وأهميته في ظروف التطور العلمي والتقني والصناعي الحديث. ولعدة قرون خلت كانت المجتمع البشري منغلقاً في مجتمعات صغيرة، في المزارع والقرى والمدن، وكان عدد المدن الكبيرة محدود جداً حتى أن روما في قمة مجدها لم يتجاوز عدد سكانها المليون نسمة، يعيش غالبيتهم في جماعات صغيرة مكونة من الأقارب والأصدقاء وجماعات العمل والجيش. ولكن الحروب والغزوات والاحتلال والهجرات الجماعية أدت إلى اتصال الجماعات المعزولة نسبياً ببعضها البعض. بينما نجد في حياتنا المعاصرة اليوم أنه وخلال جيل واحد بسبب من الحروب الحديثة وانتقال قوات هائلة من قارات إلى قارات أخرى، وما رافقها من تطور لوسائل المواصلات والاتصال الحديثة، وانتشار وسائل الإعلام الجماهيرية الحديثة في جميع أنحاء العالم، أدى إلى خروج الناس عن إطار ثقافاتهم الأصلية المغلقة، ليعيشوا في عالم منفتح جديد وواسع.
تعريف عملية الاتصال: هي عملية ظاهرة تتغير بشكل مستمر خلال فترة محددة من الزمن، لا بداية ولا نهاية ولا تسلسل لأحداثها. وإذا رجعنا إلى ثورة الفلسفة العلمية التي أحدثها اينشتين وراسل ووايت هيد، نجد أن الثورة العلمية قد نفت نظرية ثبات الأشياء، كما نفت وجود أشياء مستقلة تقوم بعملها منفردة. وأدى هذا إلى ظهور نظرية النسبية التي تقول: أولاً: أن أي ظاهرة يمكن تحليلها ووصفها على ضوء ظاهر أخرى متصلة بها أو عمليات تدخل في ملاحظتها فقط. ثانياً: أظهرت الملاحظة القوية أن الأشياء الثابتة مثل الكرسي أو المائدة يمكن النظر إليها كظواهر خاضعة لغير مستمر، فهي تتغير تماماً مثل الإنسان الذي يقوم بملاحظتها. وتعود أسباب عدم القدرة على ملاحظة التغييرات إلى قصور أعضاء الحس لدى الإنسان.
فالكون يتغير دائماً ويتأثر بعوامل عديدة، نعرف بعضها ونجهل بعضها الآخر. والعلم كنشاط إنساني، يهدف إلى كشف العلاقات المشتركة بين الظواهر المختلفة، وتجعلها تؤثر على بعضها البعض. وكشف العلاقة والفهم هما شيء واحد، ففهم الظواهر معناه كشف العلاقة التي تربط بينها وبين ظواهر أخرى. أما إذا لم نعثر على تلك العلاقة، فإنها ستظل غير مفهومة لدينا أو بدون تفسير محدد لتلك الظواهر. فالمعرفة والفهم لا يتمان من دون اكتشاف العلاقات المختلفة بين المتغيرات موضوع الفهم والمعرفة. ولا يمكن فهم جانب واحد من السلوك البشري دون ربطه بالجوانب الأخرى.
ونحن نفهم معنى الأحداث من خلال ربطها بالأحداث الأخرى التي سبقتها والظروف المحيطة بها. فالفهم إذن يتم بعملية ربط أو إدراك العلاقات بين الظواهر المطلوب تفسيرها، وربطها بالأحداث الأخرى التي تلازمها والتي سبقتها والتي تؤثر فيها. فالفهم لن يتحقق إلا بربط الظاهرة بالمتغيرات والظروف الأخرى الخارجة عنها، والتي يعتبر وجودها مسؤولاً عن أحداث الظاهرة نفسها.
والأسلوب الوظيفي لدراسة التفاعل البشري يفترض أن الناس عندما يتصلون يستخدمون كل إمكانياتهم وطاقاتهم، لأن عملية الاتصال تتطلب استغلال كل إمكانيات وطاقات الفرد، من مدارك وتعلم ودوافع وعواطف واتجاهات ومعتقدات وقيم ومعاني وظروف اجتماعية. فالاتصال البشري هو عبارة عن عملية واحدة مركبة تجمع العديد من العمليات والقوى المعقدة والمستمرة والتي تتفاعل ظرف متبدل لا بداية ثابتة له ولا نهاية ثابتة. وكل أوجه النشاط تلك تؤثر على الاتصال البشري الذي يعتبر تجميعاً لعناصر وقوى متفاعلة مادية وسيكولوجية واجتماعية. علينا التنبؤ بكيفية تفاعل تلك المتغيرات أو ردود الفعل المحتملة لإحداث نتائج معينة. وتأثير الرسالة الإعلامية لا يمكن تفسيره على ضوء نموذج المثير والاستجابة البسيط، لوجود عدة متغيرات خارجة عن عملية الاتصال ذاتها، تؤثر على نتيجة عملية الاتصال تأثيراً مباشراً. لأننا نبحث عن تفسير ظاهرة وعن مؤثرات ومتغيرات خارجة عن عملية الاتصال وتربطها بها علاقة وظيفية محددة. منطلقين من مبدأ أن وسائل ا‘لام الجماهيرية تؤثر في الجمهور الإعلامي، وأن الجمهور الإعلامي يؤثر بدوره على مضمون وسائل الإعلام الجماهيرية. وأن السياسة تغير الرأي العام، وأن الرأي العام يغير السياسة، وأن التغيير الاقتصادي يحدث تغييراً في الاتصال والإمكانيات الإعلامية التي بدورها تعاون على التغيير الاقتصادي. وبمعنى آخر أن الأسلوب الوظيفي لتفسير عملية الاتصال يأخذ في اعتباراته ظواهر متعددة لتأثير وسائل الإعلام الجماهيرية.
وظائف الاتصال الأساسية: نستطيع أن ندرس أهداف عملية الاتصال من وجهة نظر المرسل أو من وجهة نظر المستقبل على حد سواء. كما ونستطيع تحديد وظائف عملية الاتصال على أساس الفرد أو على أساس المجتمع. فمن وجهة نظر الفرد القائم بالاتصال، أي المرسل بشكل عام، هي: الإعلام؛ والتعليم؛ والترفيه؛ والإقناع. أما من وجهة نظر المستقبل، أي الطرف الآخر في عملية الاتصال، فهي: المشاركة في عملية الاتصال؛ وفهم ما يحيط به من ظواهر وأحداث؛ وتعلم مهارات جديدة؛ والاستمتاع والاسترخاء والهرب من مشاكل الحياة؛ والحصول على معلومات جديدة تساعده على اتخاذ القرارات والتصرف بشكل مقبول اجتماعياً. وكانت هذه الأهداف قبل اختراع الطباعة تحقق عن طريق الأفراد، ومن ثم أصبحت تتحقق تدريجياً عن طريق وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تباعاً مع دخول تلك الوسائل ميدان الخدمة الاجتماعية، حتى أصبحت من الأجهزة المهمة والمؤثرة على حياتنا اليومية إلى جانب مؤسسات التربية والتعليم والتنشئة الاجتماعية الأخرى. وتقوم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية اليوم وكما كانت عليه بالسابق بمهام محددة لا تخرج عن إطار: توفير معلومات عن الأوضاع المحيطة بنا (أخبار)؛ ونقل التراث الثقافي عبر الأجيال، والمساهمة في تنشئة الأجيال الجديدة، وصهر الوافدين الجدد في المجتمع الوافدين إليه؛ والترفيه عن الجماهير وتخفيف أعباء حياتهم؛ ومساعدة نظام الحكم لتحقيق التفاهم، والاتفاق بين الفئات الشعبية، والوحدة الوطنية، وتعبة الرأي العام. عن طريق الإقناع، والحوار، بدلاً من استخدام القوة والعنف للسيطرة على المجتمع.
أهداف الفرد من المساهمة في عملية الاتصال: يتعرض الفرد لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي تنقل إليه خبرات وتجارب الآخرين، ويتصل الفرد بأفراد آخرين بشكل مباشر، ويمر بتجارب معينة تكسبه خبرات محدد. ويتحول إلى مصدر من مصادر المعلومات، يستفاد من خبراته. والاتصال هو أساس التفاعل والصلات بين الفرد والمحيط من حوله. وحينما يتفاعل الإنسان مع الآخرين من حوله، يقاسمهم المعلومات والتجارب، بصبح هدفه الأساسي تغيير العلاقات القائمة بينه والمحيط من حوله. محاولاً التقليل قدر الإمكان من التأثير الخارجي عليه، مدعماً من قدراته الذاتية ليتحول إلى قوة مؤثر في ذلك المحيط. وباختصار: نحن نتصل لنؤثر بهدف. فالاتصال بهدف هو الذي يحقق رد فعل أو استجابة معينة لدى المستقبل. وفشل عملية الاتصال في تحقيق أهدافها تعود عادة إلى: ضعف قدراتنا وعجزنا عن تحديد هدفنا بدقة؛ وسوء فهمنا للهدف الحقيقي من مساهمتنا في عملية الاتصال. وقد أثبتت بعض الدراسات الإعلامية، عن القائمين بالاتصال في الولايات المتحدة الأمريكية، أن أغلبية القائمين بالاتصال المسؤولين عن الأخبار الدولية، يهدفون من أدائهم لعملهم كسب احترام زملائهم، وتقدير رؤساهم في العمل. أو السعي للعمل في وسيلة اتصال أكبر، أو شغل منصب في العلاقات العامة أو الإعلان يوفر لهم دخلاً مادياً أكبر. متناسين الهدف الأساسي من عملهم وهو: خدمة الجمهور الإعلامي. وبذلك نراهم قد انصرفوا عن الهدف الأساسي نحو تحقيق مكاسب شخصية لا أكثر. وتحليل أية رسالة إعلامية لا يمكن دون معرفة الهدف منها، وهذا الهدف لابد أن تكون له استجابات محددة لدى المتلقي، ودوافع تدفع المتلقي للتعرض للرسالة الإعلامية. لابد أن تؤخذ كلها بعين الاعتبار لدى دراسة عملية الاتصال. وتنطوي عملية الاتصال عادة على نوعين من الاستجابات هما: استجابة يهدف إليها صانع الرسالة الإعلامية؛ واستجابة يقدم عليها متلقي الرسالة الإعلامية. وهنا يجب أن نراعي حقيقة مفادها، أن أهداف القائم بالاتصال، لا تتلقى دائماً نفس الاستجابة التي هدف إليها في رسالته الإعلامية، ولا تحقق التأثير المطلوب على الآراء والاتجاهات كما رسمها القائم بالاتصال في رسالته الإعلامية تلك.
طبيعة تأثير الرسالة الإعلامية: ذكر الباحثان الأمريكيان ولبر شرام، وديفيد برلو، أن بعض أهداف عملية الاتصال تتحقق بمجرد استهلاك الرسالة الإعلامية، وانتهاء التعرض لها. وهو الهدف العاجل الاستهلاكي، كقتل الوقت، أو التسلية، أو التخلص مكن التوتر. وفي أحول أخرى يسعى مضمون الرسالة الإعلامية تحقيق أهداف مؤجلة، كما في المقتلات السياسية، أو الاقتصادية، أو الاجتماعية، لفهم الظروف التي تحيط بنا فهماً أفضل. وهو الهدف البعيد المدى. ويشير ديفيد برلو إلى أنه هناك الكثير من الأدلة التي تثبت أن أهداف القائم بالاتصال والمتلقي قد تختلف، ورغم ذلك نراهما ينجحان في تحقيق ما يهدفان إليه. فقد يشتري القارئ مجلة ليطالع قصة فيها (هدف المتلقي)، ولكنه لا يلبث أن يشتري سلعة أعلن عنها في تلك المجلة (هدف القائم بالاتصال). وقد يشاهد الجمهور دراما تلفزيونية لمجرد الاستمتاع، ولكنه قد يغير من تصرفاته مع الآخرين متأثراً بما شاهده في تلك الدراما التلفزيونية.
مبررات استخدام النماذج التي تشرح عملية الاتصال: النظرية أو النموذج محاولة لتقديم العلاقة الكامنة التي يفترض وجودها بين المتغيرات التي تصنع حدثاً معيناً، أو تؤدي إلى نظام معين. والنماذج في واقع الأمر هي أدوات ثقافية تساعدنا على فهم أي ظاهرة أو نظام، وأدوات تصورية توفر لنا إطارات للافتراضات التي تتحدد نطاقها المتغيرات الهامة. والنماذج المثالية أو الأساسية تتضمن خطوات متتابعة للتجريد، تقوم على تصور الظروف المادية التي استمدت منها.
طبيعة النماذج: يوفر نموذج الاتصال للعلماء والباحثين أبسط الطرق لتفسير التفاعل البشري من خلال عملية الاتصال. وللنماذج أشكال عديدة، منها النماذج الإحصائية. وتختلف التمازج في المتغيرات التي تظهرها أو تؤكدها، ولكن هذه الاختلافات سطحية. وتصنف النماذج ضمن فئتين أساسيتين هما: 1- النماذج البنائية: التي تظهر الخصائص العامة للحدث، من خلال مكوناته وحجمه وترتيب أجزائه المنفصلة عن بعضها. 2- والنماذج الوظيفية: التي تحاول تقديم صورة طبق الأصل الذي يعمل من خلاله النظام الإعلامي. وهي نماذج تشرح طبيعة القوى أو المتغيرات التي تؤثر على النظام الإعلامي. وتعد النماذج أساساً لتوضيح ظاهرة أو حدث معين، لتساعد الباحث على التنبؤ والتفسير، وفهم المعلومات المتراكمة. ويعتمد نجاح النماذج على مدى تشجيعها ودفعها الباحثين لإجراء بحوث إضافية، ومدى قدرتها على تنظيم الحقائق والنتائج المتنوعة بشكل يسهل فهمه. وعند تصميم أو اختيار نموذج، يجب مراعاة الواقعية والتركيز، وأن يحتوي على صورة قريبة قدر الإمكان من الواقع. مع مراعاة استخدام مصطلحات تشير إلى الخصائص الأساسية المطلوبة. والتركيز عادة يتطلب التبسيط، وعدم التعرض لبعض التفاصيل الثانوية غير الهامة. ومع اعتبارات التركيز والواقعية، يجب مراعاة اختيار النماذج التي تساعد على الخروج بتنبؤات جديدة وخطوط جديدة لدراسة عملية الاتصال.
وظائف النماذج: تخدم نماذج دراسة عملية الاتصال أربعة أهداف أساسية، هي: الحصول على المعلومات وتنظيمها؛ وتشجيع القائم بأبحاث علمية؛ والمساعدة على التنبؤ؛ والسيطرة على الظواهر الإعلامية والتحكم بها.
1- الوظيفة التنظيمية لنماذج دراسة عملية الاتصال: النموذج هو محاولة لإعادة خلق العلاقات التي يفترض وجودها بين المكونات أو القوى التي ندرسها، رمزياً أم مادياً. ولا يمكن وصف عملية الاتصال المتغيرة دائماً بسهولة، ولكن الإطار الذي يوفره النموذج يجدد هذه العملية ويساعد الباحث على عزل المتغيرات الهامة، ووصف دورها في عملية الاتصال بكاملها. ويساعد أيضاً على إعادة بناء الحدث أو الظاهرة الإعلامية، وتحديد عناصرها. وإعادة تقديم الخصائص الرئيسية للنظام الذي نخضعه للدراسة والتمحيص. ووضع عدد كبير من المتغيرات في تكوين واضح، وربط تأثيرات تلك المتغيرات ببعضها البعض، ومحاولة استنتاج طبيعة التفاعل بينها. وهذا يضمن عدم تجزئة الأحداث المدروسة.
2- النماذج تعمل على تطوير الأبحاث العلمية: النماذج وكما سبق وأشرنا تجعل من نظريات الاتصال أكثر بساطة وفهماً. فالنموذج يقدم أفكار من قام ببنائه عما يعتقد بأنه المتغيرات الهامة في عملية الاتصال، بشكل يمكن الدارس من تحليل الأسلوب الذي تعمل بموجبه تلك المتغيرات. كما ويظهر المتغيرات التي يمكن تجاهلها في البحث، ويشجع على التوسع في البحث والدراسة. ومن أمثلة التشجيع على التوسع في البحث والدراسة نورد النموذج اللفظي التالي الذي يتضمن العناصر الرئيسية للاتصال التالية: المرسل، المتلقي، الرسالة، التشويش. مرسل < رسالة { تشويش } رسالة < مستقبل. فان هذا النموذج سيدفع الباحث لدراسة قدر التشويش بين المرسل والمتلقي، ومدى دقة الرسالة التي تلقاها المستقبل، بأسلوب علمي دقيق. 3- وظيفة التنبؤ: هناك علاقة قوية بين الفهم والتنبؤ، فالتنبؤ مبني على الفهم، الذي هو نقطة البداية للوصول إلى المجهول. ومن خلال هذه العلاقة يمكن أن نفترض وجود علاقة وظيفية بين أحداث ومكونات الحدث الإعلامي، والاستفادة منها. والتنبؤ الذي هو جزء من خطة التحقق التي تختبر بها صحة معلوماتنا، سيساعد من ناحية أخرى على زيادة الفهم بناء على المعلومات المتوفرة لدينا. والتأكد من قدرة النموذج على ربط العناصر غير المرتبطة بالحدث، وغير المعروفة سابقاً، وإظهار التماثل والارتباط بينها. وتنظيم المعلومات المنفصلة بشكل يسهل تخزينها في الذاكرة. 4- وظيفة التحكم: وبعد الفهم والتنظيم والتنبؤ، نصل للهدف الأخير من أهداف نماذج الاتصال وهو التحكم، الذي يعتبر من مستلزمات تطوير المعرفة. من خلال السيطرة على الظواهر واستخدامها لصالح الإنسان. والأهداف الثلاثة: الفهم والتنظيم والتنبؤ، تخدم التحكم من خلال معالجة الظروف التي تحدد حدوث الظاهرة، والتمكن من الوصول إلى هدف معين. والقدرة على التحكم مرتبطة بالقدرة على التنبؤ. وبدوره يساعد التحكم على اختبار صحة التنبؤات، ومدى فهم الظاهرة بشكل عام. ولكي يتحقق التنبؤ لابد من التحكم بالظروف التي تحدد الظاهرة ذاتها. صعوبات تصميم نماذج عملية الاتصال: من أهم الصعوبات في تصميم نماذج عملية الاتصال: 1- الاضطرار إلى تجميد عملية الاتصال، لوصف عناصرها ومكوناتها. وهي أشبه بالصورة التي تجمد الحدث، ولكنها لا تمثل الحدث. وتغفل العلاقات بين العناصر وتجمد حركة تفاعل الأحداث. 2- إغفال بعض العناصر بسبب تجميد عملية الاتصال. أو فصل بعض العناصر التي لا تقبل الفصل. لأنه في عملية الاتصال لا يوجد خط يحدد الحدود بين أجزاء عملية الاتصال، ووضع الفواصل سيؤدي إلى إغفال طبيعة الاتصال الدائرية، مرسل؛ رسالة؛ متلقي؛ راجع صدى. 3- الاضطرار إلى استخدام اللغة في الوصف، واللغة بحد ذاتها تخضع للتغيير من وقت لآخر. لأن استخدام اللغة لوصف شيء يتطلب استخدام كلمات بعينها، بحيث نضطر إلى تجميد العالم المادي بشكل ما، ووضع كلمات قبل أخرى، أو حذف بعض الكلمات. لذلك لا يكون اختيار الكلمات في الوصف موضوعياً تماماً. الأنواع المختلفة لنماذج عملية الاتصال: تتعدد نماذج عملية الاتصال بتعدد الأسئلة التي يطرحها البشر في بحثهم عن المعرفة. ويميل بعض علماء الاتصال إلى تقسيمها وفق مستويات الاتصال التالية: الاتصال الذاتي؛ والاتصال بين فردين؛ والاتصال الجماعي؛ والاتصال عبر الثقافات؛ والاتصال العام؛ والاتصال عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. ويرى البعض الآخر تقسيم النماذج الاتصالية على أساس الهدف والمادة، إلى نماذج بنائية تهدف إلى إظهار الخصائص الأساسية لأي حدث. وتعتمد هذه النماذج على عدد وحجم وترتيب الأجزاء المتصلة داخل النظام. وإلى نماذج وظيفية تعرض القوى التي تكون ذلك النظام، وتحدد اتجاهها وعلاقتها بالتأثير. ويرى البعض الآخر من العلماء تقسيم النماذج الاتصالية إلى أربعة أنواع رئيسية، وهي: 1- النماذج اللفظية. التي تتكون من سلسلة من العبارات التي تحاول تحديد أهداف المشتركين في عملية الاتصال. ووصف طبيعة عملية الاتصال. وهي من أقدم النماذج على الإطلاق (الخطابة). ومن النماذج اللفظية الهامة، نموذج كينيث برك Burke Kenneth، ونموذج لازويل Harold Lasswell، ونموذج فرانكلين فيرنج. ويقسم كينيث برك المجالات الأساسية لدراسة دوافع الاتصال إلى خمسة مجالات هي: الحدث؛ وخلفية الحدث؛ والقائم بالاتصال؛والوسائل؛ والدوافع. وجاء نموذج كينيث كنموذج معاصر للنموذج الكلاسيكي السابق الذي وضعه أرسطو. أما هارولد لازويل رائد تحليل المضمون الإعلامي، فقد قدم خمسة أسئلة يمكن من خلالها وصف السلوك الاتصالي، وهي: من؟؛ وماذا يقول ؟؛ وبأي وسيلة؟؛ ولمن؟؛ وبأي تأثير؟. وهذا النموذج أقرب لنموذج أرسطو الذي يتضمن: المصدر. من؟؛ والرسالة. يقول ماذا؟؛ والمتلقي. لمن؟ ولكن لازويل أعطى نفس الأهمية للوسيلة التي تنقل الرسالة، ولتأثير الرسالة الإعلامية. أما جربنر Grebner فقد حدد لعملية الاتصال عشرة عناصر متغيرة هي: شخص ما؛ يدرك حدث ما؛ ويقوم برد فعل؛ في ظرف ما؛ وبوسائل معينة؛ لتوفير مادة؛ بشكل ما؛ وإطار؛ ينقل المضمون؛ وله نتيجة معينة. 2- النماذج الرياضية: وهي النماذج الإحصائية. 3- النماذج اللفظية المصورة: ( النماذج الرمزية) وهو امتداد للنموذج اللفظي. هدفه توضيح عناصر النموذج اللفظي، وتقديم صورة الهدف وتفسير العلاقات المعقدة لعملية الاتصال التي لا تستطيع الكلمات عرضها. ويمثل المخطط التالي عناصر النموذج اللفظي المصور لعملية الاتصال، ويتضمن: مصدر، ينقل رسالة إعلامية إلى متلقي. آ- مصدر < رسالة < ب- متلقي. ومن النماذج اللفظية المصورة الهامة، نموذج شانون وويفر، ونموذج وستلي وماكلين، ونموذج بارتلند، ونموذج ولبر شرام. 4- النماذج التفسيرية: وسنتحدث عنها في فصل خاص. مثل نموذج التوازن عند هيدر، ونموذج نيوكومب، ونموذج اسجود وتاننباوم، ونموذج فستنجر عن التعارض في المعرفة. كما وسنستعرض في الفصول القادمة عملية الاتصال، من خلال ثلاث مسارات رئيسية، وهي: 1- نماذج الاتصال الذاتي: من خلال خمسة نماذج، وهي: نموذج باركر ووايزمان، ونموذج صامويل بويس، ونموذج بولدنغ، ونموذج بارتلند، ونموذج ابلباوم (الإنسان كمركز لتنسيق المعلومات). 2- نماذج الاتصال بين فردين: من خلال ستة نماذج، وهي: نموذج روس، ونموذج شانون وويفر، ونموذج ديفيد برلو، ونموذج التعليم، ونموذج بارتلند، ونموذج وستلي وماكلين. 3- نماذج الاتصال الجماهيري: من خلال ثلاثة نماذج، وهي: نموذج ولبر شرام، ونموذج التحليل الوظيفي لتشارلس رايت، ونموذج ملفن ذوفلور. نماذج الاتصال الذاتي: الاتصال الذاتي هو ما يحدث داخل الفرد، حينما يتحدث مع نفسه. وهو اتصال يحدث داخل عقل الإنسان ويتضمن أفكاره وتجاربه ومدركاته الشخصية. وفي هذه الحالة يكون المرسل والمستقبل شخصاً واحداً. فالفرد قد يناقش مع نفسه ما إذا كان سيقرأ كتاباً، أم لا يقرأ كتاباً من الكتب. أو يشاهد، أو لا يشاهد برنامجاً تلفزيونياً. أو يسمع، أو لا يسمع حديثاً إذاعياً. فإذاً الاتصال الذاتي عبارة عن أنماط يطورها الإنسان من خلال إدراكه، وهو الأسلوب الذي من خلاله يلاحظ الإنسان ويقيم ويعطي معنى للأفكار التي تدور داخله عن الأحداث والتجارب المحيطة به. خلفية عملية الإدراك واكتساب المعاني: يولد الإنسان في هذا العالم مجرداً من المعاني، وسرعان ما يكتسب من محيطه معاني تجعل من الحياة مفهومة من حوله. ومصطلح اتصال يعني التفاعل الذي يتطور من خلاله المعنى داخل الإنسان. فالاتصال ينشأ من الحاجة إلى اليقين وتحقيق الذات. وهدف الاتصال زيادة المعاني وتثبيتها في حدود الاتجاهات والدوافع وأنماط السلوك التي أثبتت نجاحها في الماضي، وما يبرز منها مستقبلاً، في ظروف سيكولوجية معينة. والاتصال ليس رد فعل، بقدر ما هو عملية يستنبط فيها الإنسان معاني للأشياء لتحقيق أهدافه الحياتية. وهنا يجب التأكيد على حقيقة أن المعنى هو شيء مستنبط من قبل الأفراد، ويتم إعطاؤه ولا يتلقاه الأفراد. فالرموز لا تتضمن معاني، ولكن المعاني تفرض عليها فرضاً. وتحليل أجزاء المعلومات الأساسية في المادة الإعلامية، لا تهتم بالوحدات الدلالية للمادة الإعلامية، لأن هذه الوحدات هي من أهداف العالم الذي يدرس علاقة الاتصال بالظروف الاجتماعية المحيطة بالكائن الحي، بما فيها المواد الإعلامية التي يتعرض الإنسان لها، ويمكن أن تزيد من تنوع المعاني التي يستنبطها. وعملية تراكم المعرفة، كما أشار كنيث بولدنج في نظريته الإنسان كقائم بالاتصال، تنمو من خلال مبدأ داخلي منظم تماماً، مثل الجهاز الذي ينظم نمو الجسم. هذا المبدأ الداخلي المنظم في حالة الإنسان يشار إليه عادة بالتجريد، وكل معنى جديد يأتي به الاتصال يريح الإنسان ويزيد من توتره في نفس الوقت، ويؤدي إلى عملية بحث لا تتوقف عن طرق جديدة يواجه بها ما يحيط به من حقائق. وهدف الإدراك المساعدة على القيام بهذه العملية، ولمواجهة العالم من حولنا عن طريق إضفاء معاني على الأحداث يمكن أن تصمد أمام اختبار التجارب التالية. والإنسان يحدد ما يدركه، من خلال تصوره عن العالم، واتجاهاته وتجاربه السابقة، وتوقعاته للمستقبل. ويعمل الإدراك كمرشح تمر من خلاله مختلف المنبهات. وقد يعدل هذا المرشح الإدراك حيال أية تجارب سابقة، ويؤثر بها، ويؤثر الإدراك الذي كونه الحاضر على أهداف المستقبل. وهناك ميول إدراكية يشترك بها أغلب الناس، وميول أخرى يختلفون بها. من خلال استخدام الحواس التي يتمتع بها البشر. وتتضاءل أوجه التماثل في الإدراك بين البشر، أمام الاختلافات الموجودة في الأسلوب الذي يدرك بموجبه الناس. رغم تماثلهم ككائنات حية. لأن كل فرد فريد مكن النواحي الثقافية والعاطفية والخبرة الذاتية. ويرى كلاً من وار، وكنابر هذه الاختلافات من خلال ثلاثة عناصر، هي: 1- عنصر تخصيص المعاني وإعطاء الصفات: الذي يعطي الفرد خصائص معينة لإدراكه. مثل: الحجم والوزن واللون والذكاء والسلوك..الخ. وهي التي تساعد الإنسان على تصنيف الأشياء والأحداث، وتخيلها. 2- عنصر الخروج بتوقعات: وينطوي على توقعات تنبع من الخصائص والصفات التي نعزوها للأشياء أو الفئات. وتؤثر على إدراكنا للحدث المستقبلي، ويدعم الدلالات والصفات المدركة لدينا عن أشياء معينة أو أحداث معينة أو أفرد معينين. 3- العنصر العاطفي: ويلعب دوراً هاماً في إدراكنا عن أفراد معينين، أو أشياء بحد ذاتها. نصفها ونخرج بتنبؤات عنها، ونخرج بردود فعل عاطفية حيالها. كالتقدير والاشمئزاز، والاحترام والاحتقار، والتعاطف والرفض... الخ. وللغة تأثير كبير على الإدراك، لارتباطها بتفكير الإنسان وإدراكه ووجوده. فاللغة تملي على الإنسان الطريقة التي يرى من خلالها العالم ويفسر وجوده وتجاربه فيها. واللغة لا تعيد تقديم التجارب فقط، بل تشكل تلك التجارب. والفرد يختار منبهات معينة من العالم الذي يحيط به، ثم يفرض تصنيف لتلك المنبهات في فئات، تتكون من التجارب السابقة التي مر بها وتعتمد على اللغة والخلفية الثقافية. واللغة لا تستخدم بشكل علمي، بل إنها تستخدم بشكل فيه قدر كبير من الذاتية، وقدر كبير من الفرض والإجبار، مما يجعل عملية الفهم والاتصال بين الأفراد والجماعات والشعوب أكثر صعوبة. واللغة لا توازي الواقع بل تحاول وضعه في إطار قابل للاستخدام. وقد تضللنا اللغة عندما نقوم بتجريد ما ندركه جزئياً دون أن نفهم أن الجزء لا يمثل الكل. وتصورنا للعالم متصل بشكل عضوي بلغتنا وبالفئات التي نستخدمها في تصنيف مدركاتنا. وما نقوله لأنفسنا عما ندركه، يخضع بشكل مباشر لسيطرة عادات استخدامنا للغة. ولهذا فالاتصال يتأثر بشكل مباشر بعادات استخدام اللغة، وبهذا تصبح اللغة جزء لا يتجزأ من هذه العملية. نموذج وايزمان وباركر: ويعتمد نموذج وايزمان وباركر على أن الكائن الحي يتأثر بمنبهات داخلية سيكولوجية وفسيولوجية، مثل: القلق والجوع. ومنبهات خارجية، موجودة في الظروف الخارجية المحيطة بالإنسان علنية، مثل: إشارة المرور. أو لاشعورية، مثل: الموسيقى التصويرية التي تصاحب مسهداً سينمائياً. وتنتقل هذه المنبهات على شكل نبضات عصبية إلى العقل، الذي يختار بعضها ويفكر بها تمهيداً لاتخاذ قرار بعد عملية تمييز تجري خلال التفكير. وبعد إعادة ترتيب المنبهات التي اختارها العقل خلال مرحلة التمييز، يتم ترتيب هذه المنبهات في إطار له معنى عند الفرد القائم بالاتصال. وبعد تجميعها في إطار ، يتم فك شيفرة الرموز التي تم تمييزها ويقوم القائم بالاتصال بتحويلها إلى رموز فكرية لها معنى. فإذا كان القائم بالاتصال يقرأ كتاباً، وهو جالس في الحديقة فإنه يتعرض إلى منبهات عديدة، يقوم عقله بفك رموزها، مثل: إحساس يديه بنوعية ورق الكتاب، أو عدم الراحة، أو حرارة الشمس المرتفعة. وبعد اختيار المنبهات، ينتقل العقل إلى التفكير والتخطيط وترتيب الأفكار، وربط الدلالات التي تتصل بالمعرفة والخبرة السابقة، وبعد تجميع وتقييم المعلومات التي لها علاقة بالمسألة المهمة، يقوم العقل بإعداد رسالة لإرسالها أو نقلها. ومن ثم ينتقل العقل لمرحلة التأهب للظهور التي تتيح الفرصة للأفكار بالنمو والتطور حتى تأخذ أشكالاً واتجاهات مفيدة. وتتميز هذه المرحلة بأن الدلالات الفكرية قد أصبحت جاهزة لوضعها في شيفرة ورموز لها معنى، ككلمات أو حركات. وفي مرحلة الإرسال النهائية يتم إخراج الكلمات والحركات التي وضعها القائم بالاتصال في الشيفرة بشكل مادي ملموس، بواسطة الكلام أو الكتابة أو الحركة... الخ، حتى يستطيع المستقبل تلقيها كمنبهات. والجانب الآخر من نموذج وايزمان وباركر، هو راجع الصدى أو التأثير المرتد. كسماع الفرد لنفسه عند الكلام في التأثير المرتد الخارجي. أو إحساساته الداخلية في التأثير المرتد الداخلي. ويسمح التأثير المرتد للقائم بالاتصال بتعديل وتصحيح موقفه الاتصالي أثناء عملية الاتصال. نموذج صامويل بويس: يعتبر صامويل بويس في نموذجه الإنسان كمفاعل دلالي، ويركز على ما يفعله الإنسان، من خلال أربعة مجالات أساسية للنشاط الإنساني، تتفاعل مع بعضها في آن معاً داخل الإنسان، وهي: 1- المجال الكهروكيميائي: وهو عبارة عن ردود فعل كهربائية وكيميائية في جسم الإنسان. 2- مجال يتحرك ذاتياً: ويشمل الأحاسيس والحركات اللاإرادية لأعضاء جسم الإنسان, والحركات الإرادية له. 3- الشعور: ويشمل العواطف والدوافع والاحتياجات والقيم. 4- التفكير: ويشمل عمليات فك الشيفرات والرموز، والاتصال الذاتي. والإنسان في نموذج بويس لا يعيش منعزلاً، لأنه محاط بظروف طبيعية متفاعلة دائماً، ومتصلة بالمجالات الأربع أنفة الذكر. والإنسان لا يعيش الحاضر فقط، بل يعود رد فعله الدلالي ويتأثر بردود أفعاله السابقة، ويتأثر بتنبآته المبدئية عن المستقبل. ويفسر هذا النموذج الأسلوب الذي يدرك به الإنسان الظروف المحيطة به، وكيف يفسرها ويتفاعل معها. وكيف يعطي لتجاربه معنى. نموذج بولدينج: ويهتم نموذج بولدينج أصلاً، بسلوك الإنسان. نظريات مراحل انتقال المعلومات: كان الاعتقاد لوقت قريب بأن وسائل الإعلام الجماهيرية تتعامل مع أفراد منعزلين عن بعضهم البعض، متصلين بوسائل الإعلام الجماهيرية مباشرة. ولم يتنبه الباحثون في الاتصال الجماهيري إلى تأثير العلاقات الإنسانية بين أفراد المجتمع على النتائج التي يحققها مضمون المادة الإعلامية التي تحملها إليهم وسائل الإعلام الجماهيرية. ولكن الأبحاث العلمية التي أجريت خلال العقود الماضية وما رافقها من تطور هائل في وسائل وتقنيات الاتصال أثبتت أن العلاقات المباشرة القائمة بين الأفراد المتصلون في الأسرة أو العمل أو الشريحة الاجتماعية قد تساعد أو تعرقل الوصول لأهداف عملية الاتصال. وهو ما عرف بنظرية انتقال المعلومات على مرحلتين. وقد توصل مؤلفو كتاب "اختيار الناس"، إلى نتيجة مفادها أن سريان مفعول مضمون المادة الإعلامية التي تحملها وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية قد لا يكون مباشراً كما كان مفترضاً من قبل، بل يصل أولاً إلى قادة الرأي في الشريحة الاجتماعية المعينة، ومن ثم ينتقل عن طريقهم إلى الآخرين. وأطلقوا على هذه العملية اسم "انتقال المعلومات على مرحلتين". وذلك أثناء تحليلهم لعملية اتخاذ القرار أثناء الحملات الانتخابية في المجتمع الديمقراطي، وتوصلوا إلى أن الأفراد مازالوا متأثرين بالجدال والأخذ والرد مع الآخرين، أكثر تأثرهم بوسائل الإعلام الجماهيرية. مما سمح لهم بتكوين فكرة تقضي بأن الأفراد يشكلون شبكات متصلة فيما بينهم، ينتقل من خلالها مضمون المادة الإعلامية التي تحملها وسائل الإعلام الجماهيرية. ومنذ عام 1957 حاول مركز الأبحاث الاجتماعية التطبيقية في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأمريكية أن يدرس هذه النتائج ويعمل على تطويرها. فظهرت نتائج دراسات مرتون عن التأثير الشخصي والسلوك الاتصالي في منطقة روفير، ودراسة ديكاتور عن اتخاذ القرار في مجال ترويج موضة الأزياء، وعادات التردد على صالات السينما، والشؤون العامة، التي قام بها كاتز ولزرزفيلد، ودراسة كولمان وكاتز ومينزل عن أسلوب تعميم الأدوية الجديدة بين الأطباء. وهي الدراسات التي أعتمد عليها كاتز ليعرض فرضيته عن انتقال المعلومات على مرحلتين. عناصر انتقال المعلومات على مرحلتين: وقع التأثير الشخصي؛ وسريان التأثير الشخصي؛ والعلاقة بين قادة الرأي ووسائل الإعلام الجماهيرية. دراسة روفير: حاولت تحديد دور قائد الرأي وتأثيره على المحيط، ودراسة سلوكهم الاتصالي، وتحديد طبيعة التفاعل بين القادة والتابعين الذين قاموا أصلاً بتحديد القادة. دراسة ديكاتور: وأجريت خلال الفترة 1945-1946 وجاءت خطوة بعد دراسة روفير، وشملت إضافة للتصويت في الانتخابات، القرارات في مجالات التسويق والتردد على صالات السينما، والشؤون العامة للأفراد. وتركز محور الدراسة على: الأهمية النسبية للتأثير الشخصي، ودراسة واقع القائد والتابع. وحاولت الدراسة استخلاص ما إذا كان قادة الرأي يأتون من نفس الشريحة الاجتماعية للتابعين، وكيفية انتقال التأثير. إذ ذكر حوالي ثلثي الأشخاص الذين تأثروا بآراء الآخرين حقيقة أنه حدث حوار بينهم وشخص ذكروا أنه من المؤثرين حول الموضوع المطروح، وعلاوة عن ذلك أكد 80% منهم أنهم تلقوا نصيحة من الغير. بينما أكد قادة الرأي أنفسهم على أنهم قد تأثروا بالآخرين قبل اتخاذهم لقراراتهم. 1- واقع التأثير الشخصي: أشارت الدراسات إلى أن التأثير الشخصي كان أكثر وقعاً من تأثير وسائل الإعلام الجماهيرية، وخاصة لدى أولئك الذين غيروا آراءهم خلال الحملة الانتخابية (ديكاتر). ويتحكم به عنصران أساسيان هما: الاتصال بين الأفراد؛ والتأييد الجماعي الذي تلعب به الشخصية المؤثرة دوراً أساسياً. ويدخل فيها: تآلف الرأي في الجماعات التحتية: العائلة، الأقارب، الأصدقاء، العمل .. الخ؛ والأدوار المختلفة لتأثير وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية: لأن وسائل الإعلام تلعب دوراً تدعيمياً في تقوية الاتجاهات السابقة والقرارات التي تتخذ فعلاً. فلوسائل الإعلام دوراً إخبارياً وتضفي الشرعية على القرارات المتخذة (إسناد). 2- سريان التأثير الشخصي: قادة الرأي موجودين في كل الشرائح الاجتماعية. ويتمتعون بـ: بالقيم الشخصية الذاتية؛ والقدرة والكفاءة والمعرفة والخبرة؛ والموقع الاجتماعي المتميز. 3- قادة الرأي ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية: قادة الرأي يتعرضون لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية أكثر من أعضاء الجماعة. يتراوح تأثرهم بوسائل الاتصال والإعلامية الجماهيرية المحلية والقومية والعالمية. الخلاصة: يتعرض قادة الرأي مثلهم مثل أفراد الجماعة الآخرين بآراء الغير، إضافة لـأثرهم بمضمون المادة الإعلامية التي تحملها لهم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. لأن وسائل الإعلام الجماهيرية هي: وسائل لنقل المعلومات؛ ومصادر للضغوط الاجتماعية؛ ومصادر للتأييد الاجتماعي. مضمون المادة الإعلامية: اهتم علم البلاغة بفن الخطابة وفن الإقناع منذ القدم، وقد عرف أفلاطون علم البلاغة بأنه علم /كسب العقول بالكلمات/، بينما عرفه أرسطو بأنه /القدرة على كشف جميع السبل الممكنة للإقناع في كل حالة على حدى/ كما وأدرك كلاً من أفلاطون وأرسطو ارتباط فن الإقناع بعلم النفس (علم العقل) الذي كان يحبو خطواته الأولى في ذلك الزمان، وهو ما يفسر اهتمام أرسطو بفن الإقناع ومحاولته دراسة الطريقة التي يعمل بها العقل، معتمداً على علم العقل كما كان معروفاً آنذاك، محاولاً القيام بتحليل موضوعي لتلك الطريقة مبتعداً عن المعرقلات والاعتبارات الأخلاقية التي كانت سائدة آنذاك أيضاً. ولم يختلف علم البلاغة الحديث عن سواه، إلا بتوفر الحقائق العلمية التي كان يفتقر لها علم البلاغة القديم. بعد أن وفرتها له العلوم الحديثة ومكنته من معرفة السلوك الإنساني الذي اهتم به علم النفس الحديث. واستطاع الإعلاميون توظيفها في رسائلهم الإعلامية لإقناع الجمهور الإعلامي المستهدف بتأثير أكبر. وقد شهد الربع الثاني من القرن العشرين العديد من التجارب والأبحاث التي استهدفت تغيير الاتجاهات السيكولوجية، وقام بقدر كبير منها البروفيسور كارل هوفلاند وزملائه وتلاميذه بجامعة بيل في الولايات المتحدة الأمريكية، وساعدت على بناء أسس نظرية اتصال حديثة، وعلم بلاغة حديث يعتمد على أسس علمية واضحة. وحينما نتحدث عن الرسالة الإعلامية، فهذا يعني أننا نتحدث عن مضمونها. منطلقين من فرضية أنه على القائم بالاتصال أن يتخذ عدة قرارات هامة قبل تقديم مدة مقنعة. فعليه أن يحدد الأدلة التي سوف يستخدمها والأدلة التي سيصرف النظر عنها أو يستبعدها، والحجج التي سيعتمد عليها، أو يسهب في وصفها أو يأخذ باختصارها. وماهية الأساليب التي سوف يتبعها لاستمالة المستهدف من المادة الإعلامية. ومنه نفهم أن أية رسالة إعلامية يقصد منها الإقناع هي ناتج لعدة قرارات مسبقة يتخذها القائم بالاتصال للوصول إلى الغرض المطلوب، تتعلق ليس بالشكل وحده بل وبالمضمون والأسلوب، تمليها كلها خصائص الجمهور الإعلامي ومهارات القائم بالاتصال. والهدف من تقديم مضمون المادة الإعلامية بالأساس هو جعل المتلقي يقبل الآراء التي نقدمها له، أو أن يعدل من معتقداته واتجاهاته، منطلقين من فرضية أن بعض العوامل المتصلة بالدوافع الشخصية سوف تلعب دوراً بارزاً في هذه العملية. لأن التجارب الفردية تجعل من المستهدف يفضل الأشياء التي تشبع احتياجاته، ويبتعد عن الأشياء التي لا تشبع تلك الاحتياجات. مطوراً معتقداته السياسية والاجتماعية والأخلاقية مكتسباً الجديد منها، من خلال الاتصال الشخصي والاتصال الجماهيري الذي يحدث من خلال وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. وبالرغم من أن علماء السياسة والاجتماع وعلم النفس يؤكدون وباستمرار على أهمية الدوافع في تكوين الرأي العام، وعلاقتها بالتغيير الاجتماعي، إلا أنه ليس هناك سوى قدر قليل من المعلومات الدقيقة عن الظروف التي يتم في إطارها تسهيل العوامل ذات الصلة بدوافع تغيير الرأي. ولا يتوفر سوى قدر ضئيل جداً من الدراسات التجريبية التي تتناول تأثير مضمون الرسالة الإعلامية بمختلف صورها على الدوافع الفردية المختلفة. الإستمالات العاطفية، والإستمالات المنطقية: لا توجد قاعدة ثابتة نعمم على أساسها أي من الإستمالات أفضل في أغلب الأحيان، إذ تشير التجارب المختلفة إلى أن الإستمالات المنطقية أفضل في بعض الأحيان من الإستمالات العاطفية، رغم أن الإستمالات العاطفية قد تصلح أكثر في بعض الظروف. وقد قارنت التجربة التي قام بها هارتمان Hartmann بين نوعين من الإستمالات من خلال فاعليتهما في دفع الناخبين للإدلاء بأصواتهم لصالح الحزب الاشتراكي في انتخابات عام 1936. فقد استخدمت في بعض المنشورات التي وزعت في إطار الحملة الانتخابية استمالة عاطفية قوية أكدت أن الاشتراكية تساعد على التخلص من الحروب، والفاقة، والخوف، وأن لها تأثير إيجابي على مستقبل الوطن، والرفاهية، والدولة. بينما استخدم في منشور آخر استمالة منطقية تعتمد على حجج واضحة تؤيد الاشتراكية. وزعت كلها في مجموعة من الدوائر الانتخابية. وتم الاحتفاظ ببعض الدوائر كمجموعة ضابطة ولم توزع فيها أية منشورات على الإطلاق. وكانت النتيجة أن الدوائر التي وزعت فيها منشورات الاستمالة العاطفية قد أعطت زيادة قدرها 50% أكثر مقارنة بنتائج الانتخابات التي كانت قد جرت في العام السابق، في حين بلغت الزيادة في الدوائر التي وزعت فيها منشورات الإستمالات المنطقية 35% فقط، بينما أظهرت المجموعة الضابطة التي لم نوزع فيها أية منشورات زيادة بلغت 24% بالمقارنة مع انتخابات العام السابق. وهو الشيء نفسه الذي توصل إليه أيضاً مانيفي وجرينبرغ من دلائل تثبت أن الدعاية العاطفية تتفوق على الحجج المنطقية في أكثر الحالات. بينما فشلت الدراسات الأخرى في التوصل إلى مؤشرات قاطعة تثبت تفوق نوع معين من الإستمالات المستخدمة على غيره من الأنواع. بينما أثبتت الدراسات التي أجراها الباحث كنور أن الأسلوبين يتمتعان بنفس الفاعلية والتأثير تقريباً، في الدراسة التي أجراها على الحظر الذي كان مفروضاً آنذاك على الخمور في الولايات المتحدة الأمريكية. ومن الجوانب الهامة في هذا المجال أيضاً المقارنة بين الإستمالات الإيجابية والإستمالات السلبية، لأن الاستجابة الإيجابية أصلاً معدة للوصول إلى نتيجة معينة مرغوبة أصلاً، بينما أن الاستجابة السلبية معدة لتجنب نتيجة غير سارة. إستمالات التخويف: من بين الأنواع المختلفة للرسائل الإعلامية التي يحتمل أن يكون لها تأثير على دوافع الجمهور، تلك الرسائل الإعلامية التي تدعو بشكل محدد أو بشكل ضمني إل قبول توصيات القائم بالاتصال لأنها سوف تجنب الفرد عدم القبول اجتماعياً أو أن يتجنب خطراً محدداً، أو حرماناً من نوع محدد. وهو ما يطلق عليه اصطلاح "استمالة التهديد" للإشارة إلى مضمون الرسالة الإعلامية التي تتناول النتائج غير المرغوب بها التي قد تحدث فيما لو امتنع متلقي الرسالة الإعلامية عن قبول توصيات القائم بالاتصال، من خلال إثارة التوتر العاطفي لدى المتلقي وجعله أكثر عرضة للتعرض للاستجابة لمضمون الرسالة الإعلامية وتبنيه وفقاً لذلك المضمون. وكثيراً ما تلجأ وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية إلى هذا الأسلوب لإثارة المخاوف لدى الجمهور الإعلامي من أخطار الحرب لتبرير الزيادة في النفقات العسكرية المرصودة في موازنة الدولة، أو إثارة المخاوف من الأمراض الخبيثة كي تحث الجمهور الإعلامي على مراجعة الأطباء في الوقت الملائم. فما هي العوامل الأساسية التي تحدد نجاح أو فشل استعمال إستمالات التخويف للوصول إلى الهدف المحدد لمضمون الرسالة الإعلامية؟ هناك قدر كبير من الأدلة التجريبية التي تؤيد الافتراض القائل بأن أية عاطفة قوية تسبب الاضطراب كالخوف، أو الإحساس بالإثم (عقدة الذنب) أو الخجل أو الغضب أو الاشمئزاز.... الخ، وكلها تتمتع بخصائص الحافز الوظيفي للفرد. ولكن ماذا يحدث عندما يتعرض الفرد لمضمون رسالة إعلامية تسبب لديه ردود فعل عاطفية لا تبعث لديه السرور؟ في هذا الظرف هناك مبررات تدفع الفرد بشدة لتجربة الاستجابات الرمزية والعلنية المختلفة حتى يقلل من وقع هذه الحالة العاطفية المرهقة.وستحدد الاستجابات المختلفة التي يجربها الفرد أساساً خبرات التعلم السابقة التي نجحت في تخليص الفرد من الحالات العاطفية المماثلة. أي استجابة تقلل من شدة الحالة العاطفية، أو تريح الفرد يتم تدعيمها. وبهذا تصبح استجابة اعتيادية. بهذا يفترض أن الاستمالة التي تنطوي على تهديد يحتمل أن تجعل المتلقي يقبل نتائج القائم بالاتصال إذا كان: التوتر العاطفي الذي أثير خلال الاتصال شديد بحيث يشكل حافزاً؛ وإذا تضمنت الرسالة تأكيدات تخلق توقعات عند الفرد بأنه في الإمكان تجنب الأضرار وبالتالي تقلل التوتر العاطفي. ومن الأساليب الأساسية لإثارة الاطمئنان أن يتخيل الفرد نفسه مشتركاً في نوع من أنواع النشاط يجنبه الأخطار الناجمة عن التهديد، وبهذا يتخلص من التوتر. وكثيراً ما تسبب الرسائل التي تنطوي على تخويف تأثيرات غير مرغوبة أو عكسية. فهناك من الدلائل التي تشير إلى أنه حينما يثير القائم بالاتصال الغضب برسائل هجومية، يشعر المتلقي بالكراهية ليس نحو القائم بالاتصال فقط،، بل أيضاً نحو الجماعات والمشروعات والأهداف المقترنة به. العوامل التي تؤثر على إثارة التوتر العاطفي: إن مضمون الاستمالة التي تنطوي على تهديد يجب أن يكون له معنى عند المتلقي وإلا فإنه لن يستجيب لها. فإذا لم يجرب الفرد أبدأً التهديد أو يسمع عنه فالتوقعات الناتجة عنه لن تثير توتراً عاطفياً. ويضاف إليها: العوامل المتصلة بالمصدر ومدى وثوق المتلقي بقدرات القائم بالاتصال؛ ومدى تعرض المتلقي لرسائل سابقة، سبق وناقشت وتنبأت بنفس الموضوع. لأن الافتراض الأساسي أن يثار الخوف والمشاعر غير السارة بشدة، لدفع الفرد لتجنب الحالة العاطفية المؤلمة، أو الهرب منها، كأن "يتخيل نفسه مثلاً يقوم بعمل دفاعي ناجح أو بصرف انتباهه بأحلام اليقظة السارة". والأفراد يتأثرون بالخوف بطرق عاطفية متعددة منها: زيادة يقظتهم واهتمامهم بالمعلومات عن الخطر، والتفكير بالتصرف المطلوب لمواجهة كل الاحتمالات؛ والبحث عن تأكيدات تبعث الطمأنينة وتخفف التوتر العاطفي؛ وزيادة احتمالات تكوين اتجاهات جديدة تعتبر حلاً وسطاً بين الحذر والميول الباعثة للطمأنينة. ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار نوع استجابة الجمهور المستهدف لتحقيق أقصى قدر من الفاعلية وإثارة درجة عالية من التوتر العاطفي، والتي تعتمد على: درجة الخوف التي يستطيع الفرد تحملها؛ وما إذا كان سيطبق التهديد على نفسه؛ وقبوله للبدائل؛ وخصائص شخصيته. وباختصار يجب أن نوازن بين استخدام إستمالات التخويف القوية، بخطة محددة للعمل أو السلوك ذات فاعلية واضحة. ولا يجب أن يكون التهديد معتدلاً بحيث يجعل المتلقين يتهاونون، أو مبالغاً فيه بحيث يبدو مضحكاً. مضمون الرسالة وأسلوب تقديمها: أولاً: الوضوح والضمنية: وتشير الأبحاث العلمية إلى أن الإقناع يصبح أكثر فاعلية إذا حاولت الرسالة الإعلامية أن تذكر نتائجها أو أهدافها بوضوح، بدلاً من أن تترك للجمهور عبء استخلاص النتائج بنفسه. فقد وجد الباحثان هوفلاند وماندل أن نسبة الأفراد الذين عدلوا اتجاهاتهم تمشياً مع مضمون الرسالة الإعلامية بلغت الضعف عند ذكر النتائج بشكل محدد، مقارنة بالرسالة الإعلامية التي ترك نتائجها ليستخلصها الجمهور الإعلامي بنفسه. وعرض الباحثان ماندل وهوفلاند على عينة من الطلبة تسجيلات لبرنامجين مستمدان من برنامج إذاعي يساند إعادة تقييم العملة، متماثلين تماماً باستثناء أن أحدهما ذكر نتائجه بوضوح وتحديد، بينما ترك الآخر نتائجه ضمنية ليستنتجها المستمع. وكانت نسبة التغيير بين أفراد المجموعة التي استمعت للبرنامج الذي ذكر أهدافه بوضوح 47,9% في حين بلغت نسبة التغيير 19,3% فقط بين أفراد المجموعة الثانية التي استمعت إلى البرنامج الذي لم يوضح أهدافه، وتركها ضمنية ليستنتجها المستمع. وهو ما أكده أيضاً كاتز ولزرزفيلد عندما أكدا "أنه كلما كان الاقتراح الذي يقدمه القائم بالاتصال محدداً، كلما ازداد احتمال إتباع النصيحة المقدمة. وهنا يجب أن نعير اهتمامنا لاعتبارات أخرى إضافة للوضوح والضمنية في تحديد الأهداف، مثال: مستوى ذكاء وتعليم المتلقي؛ ودرجة صلة الموضوع بالذات أو أهمية الموضوع؛ ونوعية القائم بالاتصال. ثانياً: تقديم الرسالة الإعلامية لأدلة وشواهد: لتدعيم تأثيرها، مستمدة من معلومات واقعية أو آراء تنسب لمصادر أخرى غير القائم بالاتصال. ثالثاً: عرض جانب واحد من جوانب الموضوع أو عرض الجانبين المؤيد والمعارض في نفس المادة الإعلامية: وهو ما أكده هوفلاند ولمزدين وشيفلد في كتابهم "تجارب على الاتصال الجماهيري" الذي تتضمن نتائج سلسلة أبحاث أجراها قسم المعلومات والتعليم في وزارة الدفاع الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية. عندما أيدوا أن تقديم الحجج المؤيدة والمعارضة هو أكثر فاعلية وأقدر على تغيير وتحويل الفرد المتعلم، خاصة عندما يكون الجمهور الإعلامي متردداً، يكون تقديم الرأي والرأي الآخر أكثر فاعلية وتأثيراً بكثير من تقديم رأيٍ أحادي الجانب من الموضوع المطروح، بينما يختلف الوضع بالنسبة للأفراد الأقل تعليماً الذي يبلغ التأثير فاعلية ملحوظة عندما يتم طرح جانب واحد من جوانب الموضوع، وهذا ينطبق أيضاً على الأفراد الذين يؤيدون أصلاً وجهة النظر المعروضة في الرسالة الإعلامية، وتأثيرها هنا لا يتعدى كونه مدعماً ومعززاً للمواقف الجاهزة لديه. بينما توصل بتنجهاوس وبيسهارت إلى نتائج تؤكد أن تقديم الرأي والرأي الآخر في المادة الإعلامية أكثر فاعلية في تغيير اتجاهات الشرائح الاجتماعية الحاصلة على تعليم عالي. كما وظهر أن تقديم الرأي والرأي الآخر في حياد واضح، وإن كان هذا الحياد وهمياً، قد يحدث تأثيراً سلبياً في الحالات التالية: إذا ساور المتلقي أدنى شك بحياد المصدر. وإذا كان الحياد متوازناً مما يؤدي إلى ضياع التأثير المطلوب. لأن هذه الحجج تلغي بعضها بعضاً. وظهر هذا في البحث الذي أجراه شانك وجولدمان عندما استخدما حججاً تؤيد وتعارض الخدمة المدنية. وفي البحث الذي أجراه تستلويت وكمنتزي على عينة من 750 طالب في معاهد الطيران في الولايات المتحدة الأمريكية، و400 طالب من طلبة المدارس العليا يؤيدون أصلاً اشتراك الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الكورية. والمادة الإعلامية التي تعرض الرأي والرأي الآخر أكثر قدرة على تحصين الجمهور الإعلامي من الدعاية المضادة، أكثر من المادة الإعلامية التي تعرض وجهة نظر واحدة من الموضوع. وهو ما توصل إليه لمزدين وجانيس في البحث الذي أجرياه عام 1954 على مجموعة من الطلبة الجامعيين، جرى تعريض مجموعتين منهم لنصين من برنامج إذاعي واحد، تضمن أحدهما رأياً واحداً من الحقيقة، وتضمن النص الآخر الرأي والرأي الآخر، ونجحت الطريقتان في إحداث تغيير في الاتجاه المطلوب. ومن ثم تم تعريض الجميع لمادة إعلامية تعرب عن وجهة النظر المعارضة فقط، فكانت النتيجة أن هبطت نسبة التأييد إلى 2% في المجموعة التي تعرضت لمادة إعلامية تعرض الرأي المؤيد فقط. بينما استمرت نسبة التغيير السابقة في المجموعة التي تعرض للمادة الإعلامية التي عرضت الرأي والرأي الآخر، وهو ما يدعم وجهة النظر حول تحصين الجمهور الإعلامي ضد الدعاية المضادة. وقد لخص هوفلاند وجانيس وكيلي في البحث الذي أجروه عام 1953 فوائد المواد الإعلامية التي تعرض رأياً واحدا من الموضوع، والمواد الإعلامية التي تعرض الرأي والرأي الآخر، بالتالي: 1- عرض الرأي والرأي الآخر أكثر فاعلية على المدى الطويل من عرض جانب واحد في الأحوال التالية: عندما يتعرض الجمهور الإعلامي بغض النظر عن الرأي الأصلي لهذا الجمهور للدعاية المضادة بعد تعرضه للمادة الإعلامية التي تضمنت الرأي والرأي الآخر؛ وعندما لا يتفق رأي الجمهور الإعلامي أصلاً مع وجهة نظر القائم بالاتصال، بغض النظر عن تعرضه للدعاية المضادة بعد ذلك. 2- تقديم الرأي والرأي الآخر أقل فاعلية من تقديم رأياً واحداً، إذا كان الجمهور الإعلامي يتفق أصلاً مع موقف القائم بالاتصال ولا يتعرض بعد ذلك للدعاية المضادة. رابعاً: ترتيب الحجج الإعلامية: في الرسالة الإعلامية التي تؤيد وجهة نظر معينة يتطلب من القائم بالاتصال أن يقرر ما إذا كان القائم بالاتصال سيقدم حججه الأساسية في بداية النص أم أنه سيحتفظ بها لنهاية النص، أما في الرسائل الإعلامية التي تعرض الرأي والرأي الآخر فالقائم بالاتصال يجد نفسه أمام مشكلة أي من ألرأيين يقدم أولاً. فحينما نقدم جانباً واحداً للموضوع، إما أن نؤجل أقوى الحجج إلى نهاية الرسالة الإعلامية وهو ما يسمى بالذروة، أو تقدم الحجج الرئيسية في البداية تليها الحجج الأضعف، بترتيب عكس ترتيب الذروة. وتتوقف فاعلية الرسالة الإعلامية في تغيير الاتجاهات على مقدرة الجمهور الإعلامي على فهم مضمون الرسالة الإعلامية وتذكره، وهو ما يرتبط بدوافع التعلم لدى الفرد، في ظروف الاتصال الجماهيري. إذ يؤدي غياب اهتمام المتلقي بالرسالة الإعلامية إلى عدم تعرضه لها، والذي يفسره بإغلاقه لجهاز الراديو أو جهاز التلفزيون أو تحوله لقنال أو برنامج آخر، أو انصرافه عن مطالعة المادة المطبوعة. فعندما لا يهتم المتلقي بما يقال فمن الأفضل البدء بالحجج القوية والأكثر إثارة للاهتمام، لإثارة انتباهه. أما عندما يكون المتلقي مهتماً فالأفضل تأجيل الحجج القوية إلى نهاية المادة الإعلامية وفق ترتيب الذروة لتهيئته للحجج الأقوى. ومعنى ذلك أن ترتيب الحجج يخضع لتقييم الجمهور الإعلامي، وأنه لا توجد قاعدة ثابتة لترتيب الحجج في عملية الإقناع. خامساً: استخدام الاتجاهات أو الاحتياجات الموجودة: وهي ربط المادة الإعلامية بالاتجاهات القائمة لدى الجمهور الإعلامي. والسعي لإعادة تشكيل القيم السائدة، وليس استخدام تلك القيم، وهو ما يجعل من العملية الإعلامية أكثر صعوبة. ولكنها تجعل الجمهور الإعلامي يشعر بالراحة وبإمكانية إشباع احتياجاته القائمة. سادساً: تأثير رأي الأغلبية: حيث أثبتت التجارب أن الجمهور الإعلامي يميل ببساطة لتلك الآراء التي تتفق ورأي الأغلبية أو الرأي الشائع. سابعاً: التكرار: بتنويع وتأثير تراكم التعرض للمادة الإعلامية، وخاصة التكرار على فترات مدروسة ومتنوعة، مما يزيد من فاعلية المادة الإعلامية، وتذكر الجمهور الإعلامي بالهدف المقصود، وتثير رغباته واحتياجاته في الاتجاه المطلوب. وهو ما أيدته بحوث روز، وعالم النفس ثورندايك، وجوزيف جوبلز، وبارتليت، وفيري مرتون، وكيت سميث، ولزرزفيلد، وأنيس، وماير. المصدر الإعلامي: المصدر الإعلامي قد يكون فرداً ينقل أو مؤسسة إعلامية تنقل رسالة ما بقصد أو بغير قصد، لفرد واحد أو مجموعة أفراد. والمصدر الإعلامي قد يكون محاضراَ أو خطيباً أو شخصية سياسية أو اجتماعية، أو معلقاً في الإذاعة المسموعة أم المرئية... الخ. ومن الصعب تحديد مدى تأثير المصدر على المادة الإعلامية وتأثير المادة الإعلامية على المتلقي، إلا أننا نستطيع تحديد السمات الواضحة لناقل المادة الإعلامية، من خلال استجابة الجمهور الإعلامي له، ومدى إيمانهم بصدق هذا المصدر أو ذاك. وأفضل طريقة لتحديد مدى تأثير المتغيرات المتعلقة بالمصدر، هي دراسة المتلقي. ومنذ أيام أرسطو استخدم مصطلح Ethos للتعبير عن عنصر التصديق لدى الجمهور، هذا المصطلح الذي تطور مع الأيام وأصبح اليوم يستخدم تعبيرات كثيرة منها: تصور، مكانة، إعجاب، للتعبير عن تصديق المصدر. لأن عنصر التصديق هو صلب عملية الاتصال، وهو الذي يحدد أهمية ومكانة القائم بالاتصال،وتأثيره على الحدث الاتصالي بشكل عام. وعنصر التصديق يتضمن كل المتغيرات التي تحيط بالمصدر الإعلامي، التي يدركها المتلقي والتي تؤثر على استجابته لعملية الاتصال. عناصر تصديق المصدر: حاول عدد من العلماء تحديد الخصائص التي تجعل المتلقي يصدق المصدر الإعلامي. ومنهم أرسطو الذي وصفها بأنها: القدرة على التمييز الحسن والأخلاق الطيبة، وأن حسن نية المصدر تجعل المتلقين يستجيبون بشكل إيجابي للرسالة الإعلامية نفسها. وأضاف هوفلاند وجانيس إلى تلك الخصائص: الخبرة والكفاءة، ومدى الثقة بالمصدر الإعلامي. والمتلقي يدرك الخبرة والكفاءة اللتان يتمتع بهما المصدر الإعلامي من الطريقة التي تقدم بها المادة الإعلامية، ومدى معرفة المصدر الإعلامي لموضوع مادة عملية الاتصال. أما الثقة بالمصدر الإعلامي فتأتي من خلال إدراك نوايا القائم بالاتصال، وهدفه من عملية الاتصال، والحجج والعبارات التي يستخدمها للوصول لذلك الهدف. بينما حدد كلاً من برلو ومرتز ولمبرت ثلاثة عوامل اعتبروها من خصائص صدق المصدر الإعلامي، وهي: 1- الإحساس بالأمان والطمأنينة للمصدر الإعلامي. وهو عامل الأمان والطمأنينة الذي يدخله المتحدث إلى نفوس المتلقين للمادة الإعلامية، والنابع من إحساس الجمهور الإعلامي بعدل وأمانة وطيبة ونزاهة المصدر الإعلامي. 2- مؤهلات المصدر الإعلامي. وهي المؤهلات والكفاءة، النابعة من خبرة المصدر الإعلامي ومهارته في تناول الموضوع وقدرته على عرضه أمام الجمهور الإعلامي. 3- ديناميكية المصدر الإعلامي. وهي الحالة التي يبدوا فيها القائم بالاتصال من طاقة وجرأة ونشاط وحيوية، أو خجل وخمول وكسل وتعب وإرهاق، أو عدوانية وغطرسة وتكبر. وكلها عوامل هامة تنعكس سلباً أو إيجاباً على المصدر الإعلامي وتؤدي إلى تصديقه أو الانصراف عنه. وهي التي تحدد العلاقة بين المتلقي والمصدر الإعلامي. والتصديق يمر عبر عدة مراحل من خلال متغيرات تنبع من ظروف الموقف الاتصالي، وهي: 1- التصديق المبدئي الذي يشعر به المتلقي قبل أن يبدأ القائم بالاتصال في تقديم الرسالة الإعلامية. وتتعلق بالتجارب الشخصية للقائم بالاتصال، ومظهره الخارجي. 2- التصديق النابع من الظرف الاتصالي، وهي التي تتكون أثناء عملية الاتصال. 3- التصديق بعد انتهاء عملية الاتصال، أي بعد أن يكون المتلقي قد كون صورة شاملة عن القائم بعملية الاتصال. وهو التصديق النهائي. ولتصديق المصدر الإعلامي أهمية وتأثيرٍ كبيرين، قام على دراسته خلال نصف قرن من الزمن العديد من الباحثين، نذكر منهم: هيمن وكلمان وهوفلاند وماندل أثبتت كلها أن تقسيم تصديق المصدر الإعلامي إلى ثلاثة مراحل يعتبر طريقة مثلى لفهم تأثير صدق المصدر من خلال العملية الاتصالية. فالتصديق المسبق للقائم بالاتصال يؤثر على استعداد المتلقي لتلقي المادة الإعلامية. فإذا كانت استجابة المتلقي المبدئية فيها تأييد للمصدر الإعلامي، فقد يتلقى المادة الإعلامية على الأقل. ولكن إذا كانت استجابته الأولى سلبية، فقد يعزف عن تلقيها. وإذا كان المتلقي غير مهتم بالمادة الإعلامية، فسيعجز المصدر الإعلامي عن إقناعه بالمشاركة في عملية الاتصال وبالتالي عن تحقيق أي تأثير عليه. والمتلقي يحدد بنفسه المشاركة أو عدم المشاركة في عملية الاتصال. ويأتي قراره بالمشاركة أو عدم المشاركة على أساس إدراكه لمواقف القائم بالاتصال، وللمادة الإعلامية ومدي صدق المصدر الإعلامي، وجدارة القائم بالاتصال بالثقة ومدى الخبرة والديناميكية لديه. وبقدر القناعة المتولدة بالمصدر الإعلامي والقائم بالاتصال والمادة الإعلامية بقدر ما يكون التأثير أكبر أو أقل حسب الظروف. ومع مرور الزمن يضعف تأثير المصدر الإعلامي والقائم بالاتصال والمادة الإعلامية لسبب بسيط هو أن الناس بحكم طبيعتهم ميالون مع مرور الوقت إلى عدم ربط المضمون الإعلامي بالمصدر الإعلامي، وهو ما يطلق عليه "التأثير القائم" أو "التأثير النائم". جمهور وسائل الإعلام الجماهيرية: من المعروف أن ظهور وسائل الإعلام الجماهيرية ارتبط ارتباطاً قوياً بعملية نمو الثقافات الوطنية والقومية، وبتطور ثورة وسائل الاتصال الجماهيرية ابتداء من اختراع الطباعة مروراً بتطور وسائط الاتصال الإذاعي والتلفزيوني، إلى آخر ما أنتجته تكنولوجيا الاتصال الحديثة من حاسبات إلكترونية وأقمار صناعية مخصصة لأغراض الاتصال، إلى أن توجتها أحدث شبكة عالمية للحاسبات الإلكترونية "شبكة الإنترنيت العالمية" التي ما إن ظهرت حتى أصبحت جزأً لا يتجزأ وطرفاً رئيسياً في شبكة التبادل الإعلامي الدولي بعصر العلمنة والانفتاح والتدفق الإعلامي متعدد الأطراف. وكان المفكرون ينظرون لوسائل الإعلام الجماهيرية دائماً، على أنها الشريك الفاعل والقوي والمسيطر، الذي يشكل اتجاهات الرأي العام. وعلى الرغم من ذلك فإننا نجد أن القائم بالاتصال يتأثر ويؤثر بالجمهور الإعلامي، في عملية تبادلية تشبه في كثير من جوانبها عملية الاتصال بين فردين، إلا أنه لا يستطيع أن يرى جمهوره، ولا يستطيع أن يكيف نفسه وفقاً لراجع الصدى الذي يصل إليه عبر مختلف الأقنية. لأن عملية التفاعل بين القائم بالاتصال، والجمهور الإعلامي تصبح معقدة جداً عندما يكون القائم بالاتصال مؤسسة ضخمة غاية في التعقيد. ومن العقبات التي تواجه القائم بالاتصال في محاولاته لمعرفة طبيعة جمهوره الإعلامي، ومدى التأثير الذي يمكن أن توقعه المادة الإعلامية عليه: 1- أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية هي مؤسسات ضخمة واسعة الانتشار، وتستخدم لأداء وظيفتها الإعلامية جماعة متميزة اجتماعياً لها مستوى معين من التعليم والثقافة، لا تربطها في أكثر الأحيان أي جوانب مشتركة مع قطاعات واسعة من الجمهور الإعلامي. 2- وأن القائم بالاتصال لا يستطيع اختيار الجمهور الذي يود التوجه إليه بدقة. 3- ضآلة راجع الصدى المتاح للقائم بالاتصال، رغم الأساليب الحديثة في التعامل مع الجمهور الإعلامي التي أتاحتها وسائل الاتصال الحديثة للقائم بالاتصال (مشاركة الجمهور الإعلامي من أي مكان في العالم عن طريق الاتصال المباشر مع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بواسطة أجهزة الهاتف الثابتة والمحمولة - البث الإذاعي والتلفزيوني المباشر، وسهولة استقبال ما يرسله الجمهور الإعلامي من مواد إعلامية بواسطة الفاكس والبريد الإليكتروني). ومن المعروف أن التأثيرات في عمليات الاتصال الجماهيري لا تقتصر على تأثير القائم بالاتصال، وتأثير المادة الإعلامية على الجمهور الإعلامي أثناء تلقيه المادة الإعلامية فقط، بل وتتعداها أيضاً إلى تأثير الجمهور الإعلامي على القائم بالاتصال أثناء إعداده للمادة الإعلامية وإرسالها عبر قنوات الاتصال الجماهيرية، من خلال توقعات القائم بالاتصال عن ردود الفعل المحتملة من قبل الجمهور الإعلامي. لأن ردود الفعل المحتملة من قبل الجمهور الإعلامي تلعب دوراً كبيراً وإيجابياً في عملية الاتصال. أهمية دراسة جمهور وسائل الإعلام الجماهيرية: تهتم وسائل الإعلام الجماهيرية كثيراً بمعرفة مدى اتساع جمهورها، والفئات والشرائح التي يتكون منها هذا الجمهور،لعدة أسباب منها: 1- جذب المعلنين، وتحديد السياسة السعرية للإعلان. 2- إنتاج مواد وبرامج إعلامية شيقة تجذب الجمهور الإعلامي، وبالتالي تجذب المعلنين. 3- إنتاج مواد إعلامية وبرامج شبيهة بتلك المواد والبرامج الناجحة. 4- التأكد من مدى الإقبال وقبول المواد والبرامج الإعلامية من قبل الجمهور الإعلامي. 5- الاستغناء عن إنتاج المواد الإعلامية والبرامج التي فشلت في كسب الجمهور الإعلامي، أو تلك التي بدأ الجمهور الإعلامي بالانصراف عنها، واستبدالها بالأفضل. ودراسة جمهور وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية مرتبطة تاريخياً بعلم النفس التطبيقي، وأول دراسة علمية لقياس الجمهور الإعلامي للصحافة، كانت الدراسة التي قام بها الباحث الأمريكي جورج جالوب بجامعة أيوا. وأول دراسة علمية لقياس الجمهور الإعلامي للإذاعة، كانت الدراسة التي قام بها عالما النفس الأمريكيين لملي Lumley وستانتون Stanton. بدأت بعدها دراسات قياس القراء والمستمعين والمشاهدين بالاتساع والتطور والدقة في الأهداف والمرامي والأبعاد. ففي مجال قياس عادات القراءة كان جورج جالوب أول من ابتكر في الثلاثينات من القرن العشرين أسلوباً علمياً للتعرف على عادات قراءة الصحف والمجلات وهو "طريقة الاعتراف". عندما كانت وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية آنذاك تعتمد في التعرف على اهتمامات الجمهور الإعلامي على البريد الوارد من الجمهور الإعلامي، وخاصة الشكاوي. أو من خلال استطلاعات الرأي التي كانت تنظمها بين الحين والآخر. أو من خلال دراسة أسباب عدم تجديد الاشتراكات، والمسابقات ... الخ. وقد اعتمد جالوب في طريقته العلمية على أسلوب الاستفتاء المباشر، طالباً من القارئ الإشارة على المواد التي قرأها من الصحيفة التي بين يديه خلال الاستفتاء. وهي طريقة غاية في الصعوبة ومرهقة جداً للباحث. وقام قسم الأبحاث بكلية الصحافة بجامعة منسوتا في الولايات المتحدة الأمريكية بعد ذلك بتطوير أساليب البحث العلمي في هذا الاتجاه، بشكل أكثر دقة وسهولة لدراسة اهتمامات الجمهور الإعلامي (القراء) خلال النصف الأول من القرن العشرين، وبالتحديد من عام 1941 وحتى عام 1952، بإشراف: رالف نافزجر من عام 1944 وحتى عام 1949، وتشارلس سوانسون من عام 1949 وحتى عام 1952، وروبرت جونز من عام 1952 وحتى عام 1972. وتركزت التطويرات على أساليب جمع المادة ميدانياً، وتبويبها، وقياس عادات المطالعة بشكل أكثر دقة وتفصيلاً من ذي قبل. كما وقام المركز الأمريكي للتحقق من توزيع الصحف بتوفير أول أرقام عن توزيع المجلات الأمريكية. ولكن سرعان ما اكتشف قصور هذه الطريقة، لأن عدد القراء فعلياً هو أكثر من أرقام التوزيع الفعلي، لسبب بسيط أن النسخة الواحدة يطالعها عدة أشخاص. ومن ثم تطورت الأبحاث لتشمل تصنيف الصحف والمجلات وفقاً لعادات المطالعة، إضافة لإلقاء الضوء على نوعية القارئ. أما في مجال دراسة الجمهور الإعلامي للإذاعة والتلفزيون، فقد بدأت بأبحاث لزرزفيلد في مركز الأبحاث التطبيقية بجامعة كولومبيا. قامت بتطويرها فيما بعد مؤسسات الأبحاث التجارية، مستخدمة أساليب متعددة من دراسة عادات الاستماع والمشاهدة، كالمقابلة والحديث التلفوني أثناء بث البرنامج على الهواء (الطرقة العرضية). وتحديد عدد محطات البث، وعدد أجهزة الاستقبال ... وغيرها من الأساليب. كما ويهتم الباحث برأي الجمهور الإعلامي بالبرامج المختلفة التي تبثها الإذاعة المسموعة، والإذاعة المرئية. لأن راجع الصدى للقائم بالاتصال ضئيل جداً ولا يعرف كاتب ومعد ومخرج ومقدم البرنامج رأي الجمهور الإعلامي بما قدموه لهم، إن لم يستطلع رأي الجمهور الإعلامي بين الفينة والأخرى للوقوف على آراء المستمعين والمشاهدين من البرامج المختلفة المقدمة لهم. وطبيعي أن آراء الجمهور الإعلامي هي بمثابة المعيار الذي يحدد ملامح قيمه وأذواقه واحتياجاته. وبقسم الجمهور الإعلامي عادة عند دراسته إلى ثلاثة فئات هي: حسب الجنس، والعمر، والتعليم والدخل المادي؛ وحسب الميول الشخصية في التعامل مع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المختلفة؛ وحسب الاحتياجات الإعلامية وطريقة حصوله عليها. ومن الدراسات المبكرة في هذا الاتجاه الهام من دراسة الجمهور الإعلامي، الدراسات التي قام بها الباحث الأمريكي ولبر شرام خلال الأربعينات من القرن العشرين، وتناول فيها العلاقة بين العمر والتعليم والوضع الاقتصادي ومطالعة الصحف. وتوصل في نتائج أبحاثه إلى: 1- أن قراءة الأخبار بشكل عام ترتفع طرداً مع ازدياد السن والتعليم، والإمكانيات المادية. وأن قراءة الأخبار تزيد بسرعة كبيرة خلال فترة المراهقة، وتصل أعلى مدى لها خلال فترة العمر من 30 إلى 50 سنة، ثم تبدأ بالهبوط. وأن الحاصلين على التعليم الجامعي هم أكثر قراءة من الحاصلين على التعليم الثانوي. 2- وأن القراء صغار السن مابين 10 و 15 عاماً، أكثر اهتماماً بالصور والمواد الفكاهية والطرائف المصورة. 3- وأن أقصى مدى في مطالعة الأخبار في سن مبكرة، هي أكثر بين الرجال بالمقارنة مع النساء. 4- أن التعليم هو السبب الرئيسي لاختلاف عادات المطالعة بين الرجال والنساء في آن معاً. 5- وأن الوضع الاقتصادي يسبب اختلافاً جوهرياً في عادات المطالعة بين الرجال والنساء. 6- وأن المراهقون، وذوي التعليم الابتدائي، والجماعات منخفضة الدخل والمستوى الاقتصادي،هم أكثر اهتماماً بمطالعة أخبار الجريمة والكوارث والحوادث من الأخبار الأخرى. ويستمر هذا الوضع بالازدياد حتى سن الثلاثين، حيث يستقر بعد ذلك، ولا يتأثر بتحسن الوضع الاقتصادي، بينما ينخفض مع ارتفاع مستوى التعليم. 7- وأن ازدياد مطالعة الافتتاحيات والشؤون العامة مرتبط بازدياد السن والتعليم، وتحسن الوضع الاقتصادي. 8- وأن أعلى مستوى لمطالع المواد الفكاهية هي في سن المراهقة، وتبدأ بالانخفاض من سن الخامسة عشرة، وزيادة مستوى التعليم وتحسن الوضع الاقتصادي. 9- وأن الاهتمام بالأخبار المصورة تبدأ في سن مبكرة، وتستمر في الزيادة حتى منتصف العمر. ويساهم زيادة مستوى التعليم وتحسن الوضع الاقتصادي في ارتفاعها. 10- وأن الاهتمام بالافتتاحيات السياسية يبدأ في سن المراهقة، ويستمر في زيادة ونقصان مع تحسن الوضع الاقتصادي. 11- وأن مطالعة أخبار المجتمع تنخفض في سن المراهقة وترتفع بشكل ملحوظ مابين سن الثلاثين، وسن الستين. وتزداد عند النساء مع تحسن الوضع الاقتصادي. 12- وأن مطالعة أخبار الرياضة تصل أقصى مدى لها في العقد الثاني من العمر، وخاصة بين طلاب المدارس الإعدادية والثانوية، وتبدأ بعد ذلك بالتناقص تدريجياً. وتتحسن مع تحسن الوضع الاقتصادي. 13- وأن مطالعة رسائل القراء المنشورة في الصحف هي أكثر عند كبار السن من الشباب. 14- وأن مطالعة الصحف في سن متأخرة هي أكثر منها للترفيه ، من أنها مصدراً للمعلومات ووجهات النظر. كما وتوصلت بحوث ولبر شرام إلى نتائج تفيد بأهمية: 1- افتتاحيات الصحف والأخبار الرئيسية. 2- والصحف التي تهتم بالطرائف والأخبار المصورة. 3- وعلاقة الصحف وتعرض القراء لوسائل الإعلام الجماهيرية الأخرى. 4- وطبيعة الأخبار نفسها، التي قسمها ولبر شرام إلى فئتين متقاربتين وتقسيم سيجموند فرويد للسلوك الإنساني، لمبدأ الواقع (الحقيقة) ومبدأ اللذة (الاستمتاع). وذكر شرام: "أن القراء والمستمعين يتعاملون مع الأخبار وفق احتياجاتهم ورغباتهم العاجلة أو الآجلة. وأن الأخبار العامة والاقتصادية والمشاكل الاجتماعية والعلوم والتعليم والصحة هي للرغبات والحاجات الآجلة. أما أخبار الجريمة والفساد والحوادث والكوارث الطبيعية والرياضة والترفيه والاهتمامات الاجتماعية والإنسانية فهي لإشباع حاجات ورغبات عاجلة أي مباشرة". 5- وتأثير الجنس على عادات المطالعة. 6- وعمق المطالعة. 7- والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية. 8- وتأثير التعرض لوسائل الاتصال والإعلام المختلفة. 9- وتأثير مضمون المادة الإعلامية على أذواق الجمهور الإعلامي. خصائص الشخصية: من الحقائق المعروفة أن الضغوط الاجتماعية التي يتعرض لها الفرد في المجتمع، تولد ردود فعل متباينة لدى الأفراد. وردود الفعل هذه ترتبط ليس بمصدر المادة الإعلامية فقط، بل وبمضمون المادة الإعلامية أيضاً. وتحدد طبيعة ردود الفعل هذه الخصائص الاجتماعية والفردية لكل المتعرضين للمادة الإعلامية. وتبقى الشخصية الفردية كعامل مؤثر من عوامل الاستعداد للاقتناع وتغيير السلوك والمواقف وفق الإستمالات والحجج المستخدمة في المادة الإعلامية. وقد عكف علماء الاتصال على دراسة الاختلافات الفردية لدى الجمهور الذي تعرض لنفس المواد الإعلامية لمعرفة مدى الاستعداد الفردي لديه. فاكتشفوا نوعين من الاستعداد الفردي للاقتناع بمضمون المادة الإعلامية هما: الاستعداد لتقبل أو رفض وجهة نظر معينة عن موضوع معين تتم مناقشته؛ والاستعداد بشكل عام للاقتناع بصرف النظر عن الموضوع. ومن السمات الشخصية التي تجعل من الفرد أكثر تقبلاً أو مقاومة للمادة الإعلامية: 1- العلاقة بين المستويات الذهنية والاستعداد للاقتناع: وهي أدلة قدمها هوفلاند وزملاؤه عن: الأفراد الذين يتمتعون بمستوى عالي من الذكاء، ويتأثرون أكثر من الذين يقل مستوى الذكاء عندهم. لأنهم أقدر على استنتاج المواد الإعلامية المعتمدة على حجج منطقية مؤثرة؛ والأفراد الأكثر ذكاء، هم أكثر قدرة على المحاكمة وأقل تأثراً بالمواد الإعلامية السطحية المدعمة بحجج غير منطقية. 2- والعوامل المتصلة بالحوافز المثيرة للاستعداد العالي للاقتناع: كانخفاض تقدير الفرد لذاته؛ والإحساس بالقلق وعدم الاستقرار؛ وخصوبة الخيال؛ والتفتح الذهني؛ والتأثر بالآخرين. 3- الدوافع المتصلة بالاستعداد المنخفض للاقتناع، وتشمل السمات الشخصية التالية: الشعور بالعداء لآخرين؛ والميل للعزلة الاجتماعية؛ والحالات العصبية الشديدة. 4- الحاجة للمعلومات، وطرق الحصول عليها، وغموض عملية الاتصال، وهي أبحاث عكف عليها الباحثون كوهين، وكلمان وكوهلر الذين توصلوا عام 1959 إلى أن طبيعة هذه الفئة التي تركز على التبسيط وتمييز التفاصيل لحاجتهم الماسة لوضوح المادة الإعلامية وليس غموضها.
المراجع المستخدمة في البحث:
1. : د. أحمد بدر الدين: الإعلام الدولي، دراسات في الاتصال والدعاية الدولية. دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع. القاهرة 1998. 2. د. جيهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الإعلام. دار الفكر العربي، القاهرة . A. F. Bentley, The Process of Government (1908) A. H. Hastorf, D. J. Schneider, and J. Palatka, Person Perception (Reading, Mass,: Addition - Wesley, 1970). 3. Alex Inkeles, Public Opinion. in Soviet Russia: A Study in Mass Persuasion (Harvard University Press, 1962). 4. Arthur p. Cohen, Attitude Change and Social Influence (N.Y.: Basic Books, 1964). 5. Arthur Clark, "Messages from the Invisible Universe", New York Times Magazine, Nov. 30, 1958. 6. Arthur A. Lumezdaine & Irving L. Janis, "Resistance to Counter Propaganda Produced py One-Sided and Two-Sided Propaganda Presentations", Public Opinion Quarterly, 1953 7. Barnlund, "A Transactional Model of Communication", in Sereno and Mortensen (eds.) (1970) 8. Bernard Berelson, "The State of Communication Research" in Dexter and White (eds.) People, Society and Mass Communication (Glencoe, The Free Press, 1964) 9. Carl Hovland. Communication and Persuasion: Psychological studies of Opinion Change. (New Haven. Yale University Press, 1963) B. I. Hovland, A.A. Lumsdaine and F.D. Sheffield, Experiments on Mass Communication ( New York: John Wiley and Sons, 1965) 10. Charles Bigelow, "Some Suggested Refinement in Newspaper Readership Studies", Journalism Quarterly, 1946 11. Charles Morris, Signs, Language and Behavior (New York: Prentice-Hall, 1946) 12. Colin Leys, "Models, Theories, and the Theory of Political Parties", in Harry Eckstein and David A. Apter, (eds.) Comparative Politics: A Reader (Glencoe, the Free Press, 1963) C. L. Thistle Waite and Kamenetzky, "Attitude Change Through Refutations and Elaboration of Audience Counterarguments", Journal of Abnormal and Social Psychology, 1955 13. David K. Berlo, The Process of Communication: An Introduction to Theory and Practice (N. Y.: Holt, Rinehart and Winston, 1963) 14. David Manning White, "Mass Communication Research: A View in Perspective", in Lewis Antony Dexter and David Manning White (eds.) People, Society and Mass Communication (Glencoe, Illinois: The Free Press, 1964. 15. Dean C. Barnlund, Interpersonal Communication: Survey and Studies (Boston, Houghton Miftlin Company, 1968) 16. Donald F. Cox, "Clues For Advertising Strategists" in Dexter and White (eds). People, Society and Mass Communication. 17. Edward Sapir, "Communication" Encydopedila of the Social Sciences (N. Y.: Macmillan, 1933) 18. Eliot Freidson, " Communications Research and the Concept of the Mass," in W. Schramm (ed.) The Process and Effects of mass Communication 19. Elihu Katz, "The Two-Step-Flow of Communication," in W. Schramm (ed.) Mass Communications 20. Elihu Katz and Paul Lazarsfeld, Personal Influence: The Part Played by People in the Flow of Mass Communication, (The Free Press of Glencoe, 1975) 21. G. Grebner, "Toward a General Model of Communication," Audio-Visual Communication Review, 1956 22. G. Wiseman & L. Barker, Speech - International Communication (San Francesco; Chandler, 1967). 23. G. W. Hartmann. "A Field Experiment on the Comparative Effectiveness of Emotional and Rational political Leaflets in Determining Election Results" Journal of Abnormal and Social Psych0l0gy. 1936 24. Gerhart D. Wiebe, "Merchandizing Commodities and Citizenship on Television", Public Opinion Quarterly, 1951 25. George Lundberg, Foundations of Sociology (New York: Macmillan, 1939). 26. George Gallup, "A Scientifle Method for Determining Reading Interest", Journalism Quarteriv, 1930 27. Gene F. Seehafer and Jack Laema, Successful Radio and Television advertising (N. Y.: Mc Graw-Hill 1959) 28. Gobriel Tarde, L'opinion et la Foulé (1910) 29. Graham Wallas, Human Nature in Polities (1909) 30. H. Toch and M. S. MacLean. Jr. " Perception and Communication: A Transactional View", in Sereno & Mortesen (eds.) (1970) 31. H. Menzel and Elihu Katz, "Social Relations and Innovation in the Medical Profession," Public Opinion Quarterly, 1955 32. Harold Lasswell, "The Structure and Function of Communication in Society", in Schramm and Roberts (eds). The Process and Effect of Mass Communications. 2nd. ed. (Urbana, Illinois, University of Illinois Press, 1971). 33. Herbert Blumer, "The Crowd, the public, and the Mass" in W. Schramm, (ed.) The Process and Effects of Mass Communication, (Urbana: University of Illinois Press 1961) 34. Hovland C., Jans, and Kelley, Communication and Persuasion (New Haven: Yale 35. International Press Institute, The Flow of The News (N. Y.: Arno Press, 1972). 36. Irving L. Janis, "Effects of Fear Arousal on attitude Change: Recent Developments in Theory and Experimental Research" in Beiseeker et:1. (1972) 37. J. Samuel Bois, The Art of Awareness (Dubuque Iowa, William C, Brown 1966) 38. John C. Maloney, "Advertising Research and an Emerging science of Mass Persuasion", in Lee Richardson (ed.) Dimensions of Communication (N. Y.: Appleton Century Crofts, 1969) 39. Joseph Klapper, The Effects of Mass Communication (The Free Press, 1963) 40. Joseph B. Ford, "The Primary Group in Mass Communication," Sociology and Social Research, 1954 41. K. Boulding, The Image (Ann Arbor, University of Michigan Press, 1950). 42. Karl W. Deutsch, The Nerves of Government: Models of Political Communication and Control. (Glencoe: Illinois: The Free Press, 1963) 43. Kat z and Lazarsfeld, Personal Influence (Glencoe, Illinois: The Free Press, 1955). 44. Kenneth Burke, A Grammar of Motive (N. Y.: Prenticeiiall, 1945). 45. Kenneth Boulding, The Image (University of Michigan Press, 1961) 46. Lazarsfeld and Merton, "Mass Communication, Poplar Taste cation of Ideas, (N. Y.: Harper. 1918). 47. Lucas and Britt, Measuring advertising Effectiveness (N. Y.: McGraw-Hill, 1959) 48. Lindley Fraser, Propaganda (N. Y.: Oxford University Press, 1957) 49. Melvin B. Defleur, "Mass Media as Social Systems", in Theories of Mass Communication (N. Y.: David Mcay, 1970) 50. Merton, Mass Persuasion (N. Y.: Harper, 1946) 51. Nathan Maccoby, "The New Scientifle Rhetoric", in W. Schramm, (ed). The Sclence of Human Communication (N. Y.: Basic Books, 1963) 52. Paul F. Lazarsfeld, "Audience Research" in Bernard Berelson and Morris Janowitz (eds.) Reader in Public Opinion and Communication (Glencoe, Illinois, the Free Press, 1953) 53. Paul F. Lazarfeld, Bernard Berelson, and Hazel Gaudiest, The People's Choice (N. Y.: Colombia University Press.1948) 54. Reed H. Blake and Edwin O. Haroldsen, A Taxonomy of Concepts in Communication (N. Y.: Hasting House, 1975) 55. Ronald H. Applbaum et al, Fundamental Concepts in Human Communication, (San Francesco: Canfield Press, 1973) 56. Ronald L. Applpaum, et. al, Fundamental Concepts in Human Communication (N. Y.: Harper Row, 1973) 57. Robert L. Jones and Leslie A. Beldo, "Methodological Improvements in Readership Date Gathering" Journalism Quarterly, 1953 58. Robert K. Merton, "Patterns of Influence: A Study of Interpersonal Influence and Communications Behavior in a Local Community," in Paul F. Lazarfeld and Frank N. Stanton (Eds.) Communications Research, 1948-49 (N. Y.: Harper, 1949) 59. Sereno and Mortensen (eds.) Foundation of Communication Theory. (New York: Harper and Row, 1970) 60. Thomas D. Beiseker and Denn Parson, The Process of Social Influence (New Jersey, Prentice Hall, 1972) 61. W. Schramm, "Communication Research in the United States", in W. Schramm (ed.) The Science of Human Communication (New York: Basic Books, 1963).W. Schramm, "The Challenge to Communication Research". in Ralph O. Nafziger and David Manning White (Eds.) Introduction to Mass Communications Research (Baton Rouge, Louisiana State University Press, 1958) 62. W. Schramm and David Manning White, "Age, Education, Economic Status: Factors in Newspaper Reading", Journalism Quarterly, 1949 63. W. P. Davison, International Political communication (N. Y.: Frederick A. Prager, 1965) 64. Wilbur Schramm, "The Nature of Communication between Humans" in Schramm and Roberts. (eds.) The process and Effects of Mass Communication (Urbana, Chicago: University of Illinois Press, 1971) 65. W. Schramm, Mass Communication. (1960) 66. Winston Lamont Bareback and William Smiley Howell, Persuasion: A Means of social Control (N. J.: Prentice Hall, 1961)

وسائل الإعلام الجماهيرية والتبادل الإعلامي الدولي الصحافة والإذاعات ووكالات الأنباء 1 من 2

وزارة التعليم العالي والمتوسط التخصصي بجمهورية أوزبكستان
جامعة ميرزة ألوغ بيك الحكومية بطشقند
كلية الصحافة
الدكتور محمد البخاري
وسائل الإعلام الجماهيرية والتبادل الإعلامي الدولي الإذاعات ووكالات الأنباء العالمية والصحافة الدولية
طشقند - 1998
تأليف: محمد البخاري: دكتوراه فلسفة في الأدب PhD (صحافة)، أستاذ مساعد بقسم الصحافة الدولية، كلية الصحافة، جامعة ميرزة ألوغ بيك الحكومية بطشقند. أستاذ مساعد بقسم العلاقات الدولية/كلية التاريخ، وكبير باحثين علميين بمعهد طشقند الحكومي للدراسات الشرقية سابقاً.
مراجعة: دانيار أبيدوف: مرشح في العلوم اللغوية والأدبية (صحافة - إستشراق)، نائب رئيس معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية. تيمور مختاروف: دكتوراه في العلوم اللغوية، بروفيسور. رئيس قسم اللغة العربية بكليتي التاريخ والاقتصاد بمعهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية.
الإخراج على الكمبيوتر: فراس البخاري: مبرمج كمبيوتر.
المحتويات
المقدمة. الفصل الأول: وسائل الإعلام الدولية المسموعة: الإذاعات الدولية الشهيرة؛ الإذاعة كوسيلة للتبادل الإعلامي الدولي؛ من تاريخ تطور الإذاعات الموجهة؛ السمات المميزة للإذاعات الدولية؛ لغات برامج الإذاعات الدولية الموجهة؛ هوامش الفصل الأول. الفصل الثاني:وكالات الأنباء العالمية: نشأة وتطور وكالات الأنباء العالمية؛ الجمهورية الفرنسية؛ المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلاندا الشمالية؛ جمهورية ألمانيا الاتحادية؛ الولايات المتحدة الأمريكية؛ روسيا الاتحادية. وكالات الأنباء الوطنية: وكالة أنباء الصين الجديدة؛ وكالة أنباء كيودو نيوز سيرفيس؛ وكالة أنباء جيجي بريس سرفيس؛ وكالة الأنباء الكورية ينخاب تخونسين؛ وكالة الأنباء الإيطالية (أنسا)؛ وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية. إتحادات وكالات الأنباء؛ وكالات الأنباء المتخصصة؛ الاحتكار الإعلامي الدولي؛ هوامش الفصل الثاني. الفصل الثالث: الصحافة الدولية: نشأة وتطور الصحافة الدولية؛ المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلاندا الشمالية؛ الجمهورية الفرنسية؛ جمهورية ألمانيا الاتحادية؛ الولايات المتحدة الأمريكية؛ اليابان؛ جمهورية الصين الشعبية؛ جمهورية مصر العربية؛ جمهورية كوريا (الجنوبية)؛ هوامش الفصل الثالث. المراجع.
المقدمة: أحدثت ثورة المعلومات الناتجة عن التطور العلمي والتقني الهائل لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيري، تغييرات جوهرية داخل المجتمعات في مختلف الدول، بفارق سجل نسب التطور في كل مجتمع من مجتمعات الدول المتطورة والأقل تطوراً والدول النامية في العالم.
والدولة وكما كانت الحال منذ القدم هي العنصر الأساسي في العلاقات الدولية، رغم التأثر الواضح الذي بدرت ظواهره تزداد وضوحاً كل يوم، من خلال تأثير وسائل الاتصال الجماهيرية المتطورة في عملية التبادل الإعلامي الدولي. ورغم ذلك تظل الدولة دون سواها العنصر الرئيسي في وضع وتنظيم وضبط آليات العلاقات الدولية ومن ضمنها عملية التبادل الإعلامي الدولي. خاصة وأن مفهوم قوة الدولة على الساحة الدولية، كان ولم يزل مرتبطاً منذ البداية بقوة وتماسك الدولة من الداخل.
ومما لاشك فيه اليوم أن ثورة وسائل الاتصال الحديثة، وما نتج عنها من امتداد وانتشار لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بأشكالها التقليدية والحديثة، قد تركت بصماتها على دور الدولة الذي بدأ يضعف في مجتمع عصر التدفق الحر للمعلومات عبر تقنيات الاتصال الحديثة من الجانبين. ولم يعد بالإمكان التحدث اليوم عن السيادة الإعلامية ضمن الحدود السياسية للدولة، وعن التحكم بعملية تدفق المعلومات لداخل تلك الحدود، وبالتالي الإنفراد بتشكيل عقول مواطني الدول بما يضمن الولاء التام للدولة، بنفس الطريقة التي كانت مطروحةً به قبل إنهيار المنظومة الشيوعية وعلى رأسها الإتحاد السوفييتي السابق.
خاصة وأن تأثير ثورة المعلومات قد شمل سلباً الدولة بكل مكوناتها من حدود سياسية معترف بها، وشعب وحكومة. وأصبحت السيطرة على عملية تدفق المعلومات شبه مستحيلة بعد أن تحولت المعلومات إلى عناصر غير ملموسة وغير مرئية يسهل تنقلها واختراقها لأي حدود سياسية أو جغرافية كانت سهلة مهما بلغت نوعية وكمية ودرجة إجراءات الحماية ضد اختراق التدفق الإعلامي الحديث.
ولا أحد ينكر الدور الذي لعبته الصحافة المطبوعة في بلورة الشخصية القومية للأمم، عندما وفرت للشعوب إمكانية المشاركة في عنصري الزمان والمكان عن طريق اشتراك أبناء الشعب الواحد في قراءة صحيفة تتحدث بنفس اللغة، وتحمل على صفحاتها نفس الزوايا والأبواب وتصدر في مكان وزمن محدد، مما دعم الشعور القومي لدى هذه الشعوب.
أما اليوم فقد تقلص التباعد الجغرافي، والفاصل الزمني، وأصبحت تقنيات الاتصال الحديثة تقفز من فوق الحواجز وتخرقها. وما كان مستحيلاً في عالم الاتصال الأمس، أصبح اليوم واقعاً، وكأن مصدر المعلومات والقائم بالاتصال والجمهور الإعلامي مهما باعدت المسافة الجغرافية بينهم، داخل ساحة إعلامية واحدة تعجز الدول عن التحكم بها، مما ترك بدوره أثاراً بالغة على الشعور الوطني والتماسك الاجتماعي، والولاء للدولة من قبل المواطنين المنتمين للدول المعرضة للاختراق الإعلامي.
فمتى بدأت ملامح هذا الوضع بالتكون؟ هذا السؤال الذي أحاول الإجابة عنه من خلال استعراضٍ موجزٍ لمراحل نشوء وتطور الإذاعات ووكالات الأنباء العالمية، والصحافة المطبوعة الدولية، التي لم تفقد مكانتها، بل على العكس مكنتها وسائل الاتصال الجماهيرية الحديثة المتطورة من مضاعفة اختراقها للساحة الإعلامية الدولية وزادت من دورها في عملية التبادل الإعلامي الدولي. إن كان في جمع المعلومات، أم في إعدادها بمادة إعلامية، أم في طريقة عرضها، أم في اختيار قناة الاتصال الأكثر فاعلية لإيصالها للمتلقي أينما كان. بأقل فاقد وأكثر فاعلية وتأثير.
وما أتمناه أن أكون قد وفقت في ذلك، خدمة للقارئ والطالب والباحث، مضيفاً جهداً علمياً آخر للعمل السابق "مبادئ الصحافة الدولية والتبادل الإعلامي الدولي". طشقند في 9/5/1998 د. محمد البخاري
الفصل الأول: وسائل الإعلام الدولية المسموعة. توجه الإذاعات الدولية International Broadcasting، من دولة معينة إلى دول أخرى، ويمكن أن نضيف إليها الإذاعات المسموعة في الدول الأخرى والموجهة أساساً للمستمعين داخل الدولة المعنية، وتلك المحطات السرية التي توجهها الحكومات أو جهات أخرى بصورة غير رسمية من خلال محطات البث الإذاعي السرية. ومن الإذاعات الدولية الشهيرة: British Broadcasting Corporation BBC هيئة الإذاعة البريطانية. Voice of America صوت أمريكا. إذاعة موسكو. راديو بكين. Deutsche Welle الإذاعة الدولية لألمانيا الاتحادية. إذاعة القاهرة. The Canadian Broadcasting Corporation هيئة الإذاعة الكندية. The Australian Broadcasting Corporation هيئة الإذاعة الأسترالية. Radio Liberty راديو الحرية. وتشير بعض المصادر إلى أن راديو أوروبا الحرة، وراديو الحرية يمولان من قبل المخابرات المركزية للولايات المتحدة الأمريكية، وبعض المساهمات الخاصة.(1) وهناك بعض الإذاعات الدينية الموجهة: كإذاعة صوت الإنجيل: Voice of the Gospel، وإذاعات القرآن الكريم من مصر والمملكة العربية السعودية والكويت. وإذاعات تجارية دولية: كإذاعة لوكسمبورغ Radio Luxembourg؛ وإذاعة أوروبا-1 Radio Europe 1، التي يقدر عدد مستمعيها بعشرات الملايين.)2(
ومن الشائع في القارة الأوروبية الاستماع للإذاعات الداخلية للدول الأوروبية الأخرى، والاستماع للإذاعة الموجهة باللغة الإنكليزية للقوات الأمريكية المتمركزة خارج الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يحدث في أوروبا واليابان وجنوب شرق آسيا وبعض المناطق الأخرى من العالم.(3) ويتم عادة الاستماع للإذاعات الأجنبية للحصول على معلومات لا يمكن الحصول عليها من الإذاعات الداخلية، التي تراعي شروط السياسة الإعلامية الداخلية للدولة، ولوسائل الإعلام نفسها. أو للاستماع إلى وجهات نظر أخرى في القضايا الراهنة محلية كانت أم إقليمية أم دولية. وقد يكون السبب نابع من نقص في الإمكانيات التقنية والفنية وضعف الإمكانيات المادية، أو ضآلة الخبرة والكفاءة لدى الكوادر الإعلامية في البلد المعني، أو وجود رقابة حازمة تحول دون المستمع وتلقي الحقائق من وسائل الاتصال والإعلام الوطنية، أو فرض وجهة نظر إيديولوجية معينة يرفضها البعض ويجدون في الإذاعات الأجنبية تعويضاً عنها.
والإذاعات الدولية شأنها، شأن وكالات الأنباء العالمية، والصحف والمجلات الدولية. تعتبر وسيلة هامة من وسائل تنفيذ السياسة الخارجية للدولة، وتخدمها من خلال نشر الأنباء، وتبرير مواقف السياسة الخارجية للدولة وما ينبثق عنها من مصالح حيوية. وكثيراً ما تدعي الإذاعات الدولية الدقة والموضوعية والحياد وعدم التحيز في تناول الأحداث وعرض وجهات النظر الأخرى، ولكن المتتبع لمواد تلك الإذاعات يكتشف أنها تلتزم موقفاً معيناً، وتخدم سياسة معينة بحد ذاتها.
ويختلف الأسلوب بين إذاعة وأخرى، وعلى سبيل المثال: فإذاعة لندن، وصوت أمريكا، تقوم بتقديم خدمات إذاعية سريعة، مع قدر كبير من المعلومات والتحليلات والتعليقات تدور حول الأحداث، مع استخدام أساليب الإقناع المختلفة التي تأخذ بعين الاعتبار ميول ووجهات النظر المختلفة للمستمعين، مركزة دائماً على وجهة نظر معينة مع الإيحاء وكأنها تعرض كل وجهات النظر بحياد وموضوعية، وتعطي وجهة النظر التي تفضلها الأرجحية من خلال التركيز والتفصيل، متجاهلة بذلك وجهة النظر الأخرى المطروحة، الأمر الذي يؤدي للتأثير على المستمع غير المتخصص، ليتجاوب وتلك المواقف التي تتبناها تلك الإذاعات الدولية.
1/1- الإذاعة كوسيلة للتبادل الإعلامي الدولي: تعتبر الإذاعة حتى الآن وسيلة الاتصال الدولية الوحيدة النافذة التي لا يمكن التصدي لها أو وقفها عملياً. فالصحافة المكتوبة يمكن مصادرتها ومنع تجاوزها نقاط التفتيش على الحدود الدولية للدول، ويمكن مراقبتها والسيطرة عليها من المطبعة وحتى نقاط البيع والتوزيع. والإذاعة المرئية رغم انتشار القنوات الفضائية لمعظم دول العالم إلا أنها تحتاج إلى تركيز وظروف معينة للمتابعة والمشاهدة، عكس الإذاعات المسموعة التي يمكن تلقي موادها من أجهزة غاية بالبساطة في جميع الأوضاع والظروف أثناء العمل أو الراحة.
ومن الصعب اليوم أن نحدد بالضبط تاريخ الاختراعات العلمية التي أدت لظهور الإذاعات المسموعة. ومعروف أن برانلي كان قد اكتشف المبادئ الأساسية للمبرق اللاسلكي خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1890 وعام 1894، وتبع ذلك نجاح أولى التجارب التي قام بها ماركوني مابين عام 1894 وعام 1899 عندما أرسل أول برقية لاسلكية عبر بحر المانش من مدينة دوفر إلى مدينة ويمرو، تضمنت النص التالي: "السيد ماركوني يبعث بسلامه الحار والمتواضع للسيد برانلي بواسطة التلغراف عبر بحر المانش".)3( وتبع ذلك اختراع دي فورست لمصباح الديور عام 1906 مما أدى إلى تطور سريع لتقنيات التلغراف، وانتقالها إلى مرحلة المذياع الهاتفي (راديو فون).
أما أولى التجارب الناجحة في ميدان الإذاعة المسموعة فقد بدأها عام 1914 المهندس الفرنسي رايموند برايار والدكتور البلجيكي روبير فولدا سميث عندما تمكنا من إسماع جماعة من المستمعين احتشدوا خصيصاً لهذه الغاية في قاعة بقصر كلر لاكان في ضواحي بروكسل، لبث إذاعي مرسل من مسافة عدة كيلو مترات عن القصر المذكور. وبعد ذلك تمكن الفنان الشهير كاريسون من نقل بث إذاعي عام 1915 من مسرح متروبوليتان في نيويورك.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية أولى البرامج الإذاعية اليومية عام 1920 من محطة ديتروا نيوز، تبعتها محطة وست نيوز، و راديو كومباني. أما في بريطانيا فقد نظمت الديلي ميل في نفس العام أول برنامج إذاعي من محطة شيلنن سفورد، أي قبل تأسيس هيئة الإذاعة البريطانية BBC بأربع سنوات. أما في فرنسا فقد بث الجنرال الفرنسي فيري أول البرامج الإذاعية من لاتوريفال، انتشر بعدها إنشاء محطات البث الإذاعي الفرنسية وكان أولها محطة راديولا عام 1922، وراديو باريس في العام التالي الذي تحول إلى La doyeenne الذي يبث برامجه إلى اليوم.
وكان هذا التطور نابعاً من الإيمان الراسخ في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، من أن الإذاعة قادرة على التأثير في عقول الناس، ويمكن استخدامه بشكل فعال كوسيلة إعلامية ناجعة. وكان الألمان والروس هم أول من تنبهوا للقدرات الهائلة التي تملكها البرامج الإذاعية، وقاموا باستخدامها كوسيلة من وسائل الحملات الإعلامية الدولية جنباً إلى جنب مع الجهود الدبلوماسية من أجل تحقيق الأهداف وتوسيع النفوذ، والتأثير على الجماهير. حتى أن غوبلز وزير الدعاية النازي قال: "أن الراديو يمكن أن يعمل بديلاً عن العمل الدبلوماسي".)4(
وأصبحت الإذاعات اليوم سلاحاً مؤثراً من أسلحة الحرب النفسية، وأداة رئيسية من أدوات التبادل الإعلامي الدولي. وأصبحت وسيلة الاتصال الرئيسية لغالبية شعوب الدول النامية والفقيرة خاصة بعد اختراع الترانزيستور قليل التكاليف وسهل النقل والاستعمال، ولتقوم الإذاعات الدولية الموجهة بكسر الاحتكار الإعلامي وتنهي العزلة الإعلامية، وليصبح الجمهور الإعلامي أينما كان على اتصال بوجهات النظر الأخرى، ليكتسب بذلك الجمهور الإعلامي الداخلي أهمية جديدة مردها الوعي الثقافي واتساع الأفق المعرفي.
ومما لاشك فيه فإن أية دراسة تتناول وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية ودور تكنولوجيا الاتصال في عملية التبادل الإعلامي الدولي، لابد وأن تأخذ الإذاعات الموجهة للجمهور الإعلامي الأجنبي بعين الاعتبار. تلك الإذاعات التي تقوم ببث برامجها للمستمعين في دول أخرى باللغة التي يفهمونها ويمكنهم من خلالها إدراك مرامي برامج البث الإذاعي.
وضمن اصطلاح الإذاعات الموجهة يدخل: أولاً: الإذاعات تصل إلى جمهور إعلامي في الدول الأخرى، بشكل متعمد أم عفوي.(5) فالإذاعات المحلية التي تبث باللغة الفرنسية من سويسرا يستمع إليها الفرنسيون في فرنسا وأرجاء أخرى من أوروبا. والبرامج باللغة الألمانية التي تبثها إذاعات ألمانيا الاتحادية تستمع في النمسا ومناطق أخرى يتحدث المستمعون فيها اللغة الألمانية. كما يستمع الإيطاليون للبرامج الإذاعية الموجهة للمستمعين في سويسرا. ويستمع العرب لجميع إذاعات الدول العربية الأخرى.(6) وتقوم اليوم أكثر من مئة دولة في العالم ببث برامجها الإذاعية على الموجة القصيرة التي تسمع من مسافات بعيدة جداً، منها: كندا، والصين، ومصر، واندونيسيا، وروسيا الاتحادية، وزائير.(7) ثانياً: بث برامج من دولة ما إلى دولة أخرى سلكياً أو لاسلكياً من نقطة إلى نقطة أخرى، ليعاد بثها من خلال محطات تستخدم الموجة المتوسطة. ومحطة البث قد تكون تابعة للمراكز التي تعد وتقدم البرامج الإذاعية أو لا تكون تابعة لها. ويشمل هذا الوضع الإذاعتين المسموعة والمرئية على السواء مثال بلجيكا التي طورت شبكة توزيع بالكابلات لنقل إذاعاتها إلى الدول الخمس المجاورة لها بنسبة 80%.(8) ثالثاً: استيراد تسجيلات البرامج الإذاعية الجاهزة لإعادة بثها أو استخدامها من قبل المحطات الإذاعية المختلفة.(9)
والحديث عن التبادل الإعلامي الدولي بواسطة المحطات الإذاعية المسموعة والمرئية لا يشمل تلك الإذاعات التي تجتاز الحدود السياسية الجغرافية للدول بشكل عفوي، لأنها موجهة أساساً للجمهور الإعلامي المحلي. بينما تلك الإذاعات التي تعبر تلك الحدود بتخطيط مسبق وتوجيه دقيق للجمهور الإعلامي الأجنبي تمثل الإسهام الفعلي في عملية التبادل الإعلامي الدولي، خاصة وأنه اليوم أصبح استقبال البث الإذاعي المسموع والمرئي بفضل التطور الهائل لوسائل الاتصال الجماهيرية بواسطة أقمار الاتصال الصناعية ممكناً في جميع بقاع الأرض دون أية عقبات أو إعاقات تذكر.(10)
وهناك عدة أنواع لمحطات البث الإذاعي المسموع والمرئي مخصصة للإرسال أساساً للدول الأخرى، منها: المحطات الضخمة للدول الكبرى والمتقدمة والغنية كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، أو لعدد بسيط من الدول الأقل أهمية في العالم؛ والمحطات التابعة للدول الصغيرة؛ والمحطات التابعة للقطاع الخاص، وخاصة الدينية منها. وتسعى كافة الإذاعات الموجهة للدول الأجنبية أساساً لتقديم وجهات نظر حكومات الدول التي تعمل ضمنها حيال القضايا والأحداث الدولية، والعمل على خلق رأي بديل داخل الدول الموجهة إليها، وأثبتت الوقائع أن تلك الإذاعات كثيراً ما تستخدم لزيادة سوء التفاهم وإثارة المشاكل والقلاقل داخل الدول المستهدفة.
وقد أستخدم البث الإذاعي بشكل فعال للوصول إلى تفكير الشعوب الأخرى خلال وأثناء الفترة الممتدة بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفييتي السابق، ويستخدم اليوم لفرض وجهة النظر التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، وبلورة النظام العالمي الجديد لفترة ما بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي ومعه المنظومة الاشتراكية العالمية. وظهر هذا واضحاً قبل وأثناء عملية عاصفة الصحراء التي أدت إلى تحرير الكويت من الاحتلال العراقي والمستمرة حتى الآن رغم انقضاء أكثر من سبعة سنوات على انتهائها. مما يسمح لنا القول بأن الإذاعات الموجهة للدول الأجنبية كانت ولم تزل الوسيلة الأساسية للدعاية والحرب النفسية التي تستخدمها الدول المتقدمة أساساً لإثبات وجودها والتأكيد على مكانتها الدولية وتأمين مصالحها الحيوية والإستراتيجية في العالم. ومن الصعب اليوم تقدير الأهمية الخاصة لوسائل الاتصال والإعلام المسموعة والمرئية لأننا لم نعش أبداً في عالم دون إذاعة مسموعة، وأصبحنا اليوم نعيش عالم تلفه الإذاعات المرئية من وإلى مختلف بقاع العالم.
والاتصال البشري بين الدول كان قبل انتشار الإذاعات محدوداً جداً ومكلفاً. وكان يعتمد أساساً على السفر لعدد ضئيل من الناس لأغراض العمل الدبلوماسي أو الهجرة وتغيير مكان الإقامة، أو التجارة أو الحرب التي شهد العالم خلالها انتقال كبير للقوات البشرية والمعدات للتمركز والقتال والاحتلال وأدت كذلك إلى دفعة قوية لعملية تطوير وسائل المواصلات وتقنيات الاتصال لتأمين تلك القوات المتواجدة بعيداً جداً عن مواطنها الأصلية.
وقد أدي التقدم التكنولوجي إلى انتشار البث الإذاعي المسموع أولاً ومن ثم البث الإذاعي المرئي ليغطي مساحات شاسعة من الكرة الأرضية تتضمن شعوباً تنتمي إلى ثقافات مختلفة، تتحدث بلغات متعددة. مما أثار مشكلة آثار الغزو الثقافي مع نهاية سبعينات القرن العشرين، وأهمية تحصين المواطن ضد الدعاية المضادة التي تنقلها وسائل الاتصال والإعلام المسموعة والمرئية إلى داخل الدول الأخرى. وبرزت هذه المشكلة جلية داخل تلك الدول التي تتسم بالتنوع الثقافي واللغوي داخل مجتمعها، وما نتج عنه من مشكلات ضخمة وعويصة تعرض أمن تلك الدول ووحدة أراضيها، وتخلق عراقيل أمام تحقيق عملية الإدماج الوطني في تلك الدول، وأثارت مخاوف من استغلال هذا التنوع الثقافي والعرقي واللغوي من قبل الطامعين جيراناً كانوا لتلك الدول أم في مناطق جد بعيدة عن حدودها الإقليمية.
1/2- من تاريخ تطور الإذاعات الموجهة: كما سبق وأشرنا فقد طور الرواد الأوائل البث الإذاعي قبل الحرب العالمية الأولى، ونجحوا في استخدام الموجات القصيرة لتحقيق اتصال إذاعي فعال عبر مساحات كبيرة عبر الحدود الوطنية للدول. وقد استخدمت الإذاعة لأغراض سياسية للمرة الأولى عندما عينت صحيفة لندن تايمس الصحفي لي دوفورست Lee de Forest وهو من الرواد الأمريكيين الأوائل في استخدام البث الإذاعي، مراسلاً حربياً لها، وكلفته بنقل أخبار الحرب الروسية اليابانية خلال عامي 1904 و1905، التي كان يبثها بطريقة المورس.(11) وقد يكون البث الإذاعي قد استخدم للأغراض العسكرية للمرة الأولى خلال نفس الحرب عام 1905، عندما استخدمته القوات البحرية الروسية.(12) وشاع استخدام الإذاعة خلال الحرب العالمية الأولى لأغراض الاتصال عبر مناطق شاسعة براً وبحراً، واستخدم لأغراض الاستطلاع والتجسس من قبل القوات المتحاربة. حيث أسقط الحلفاء أجهزة ماركوني على الأراضي التي احتلتها ألمانيا، واستخدم الألمان الإذاعة لبث رسائل لاسلكية إلى سفارتهم في واشنطن، واستخدموه لأغراض الاتصال مع الدول المحايدة أثناء الحصار. واضطرت ألمانيا المحاصرة عام 1915 إثر قطع الكابلات التي كانت تؤمن لها الاتصال التلغرافي مع العالم الخارجي، إلى تنظيم خدمة إخبارية إذاعية لاسلكية وجهتها إلى الدول الأخرى. واضطرت كذلك لبث أخبار بطريقة مورس للعملاء الألمان في الدول المحايدة، الذين كانوا بدورهم يروجونها داخل تلك الدول. وبذلك أصبحت الإذاعة أو التلغراف اللاسلكي وسيلة شائعة الاستخدام لبث الأخبار والتعليقات وتقارير المراسلين الأجانب لأؤلئك العملاء المتواجدين خارج ألمانيا.(13)
وكان هواة أجهزة الاستقبال الإذاعي خلال تلك الفترة التاريخية، يلتقطون بعض تلك الأخبار والتعليقات والرسائل، ومن خلالها كانت الصحف المحلية تتسلمها وتعيد استخدامها على صفحاتها. ومن الأمثلة الأخرى التعليمات التي التقطت في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1915 وكانت موجهة للعملاء الألمان في شمال إفريقيا، وتتضمن الشائعات التي يجب عليهم نشرها بين القبائل المحلية. وبذلك يكون الألمان هم أول من استخدم الأسلوب البدائي للتبادل الإعلامي الدولي عبر أجهزة البث والاستقبال الإذاعي خلال الحرب العالمية الأولى لتأمين الاتصال مع مناطق شاسعة تمتد من إيران في الشرق إلى مراكش في الغرب.
وقامت الولايات المتحدة الأمريكية كذلك بأمر من رئس الجمهورية ولسن بنقل مقترحات السلام إلى الجانب الألماني عن طريق الإذاعة اللاسلكية، ومن ثم تم بثه إلى العالم أجمع في الوقت الذي لم تزل فيه الإذاعات اللاسلكية في طور الطفولة واستخدم أساساً كوسيلة ناقلة للمعلومات، ولكن سرعان ماجعلت المصالح السياسية والاقتصادية لمختلف الدول من هذه الوسيلة الجديدة لنقل المعلومات، من الوسائل الناجعة للحملات الإعلامية الدولية.
ووصلت الإذاعات الدولية إلى ذروة عملها خلال الحرب العالمية الثانية، بعد أن كان الإتحاد السوفييتي السابق في مقدمة الدول التي استخدمت الإذاعات الموجهة للخارج باللغات الأجنبية وخاصة الإنكليزية والألمانية لتحقيق أهدافه السياسية خلال عشرينات وثلاثينات القرن العشرين.(14)
وقد تطورت الإذاعات الموجهة للخارج منذ نشوئها عبر ثلاث مراحل هي: 1- مرحلة تبادل الدول للبرامج الإذاعية. 2- مرحلة البث الإذاعي الموجه من الدول المُسْتَعْمِرَة إلى مستعمراتها في العالم، وإلى مواطنيها المتواجدين في الخارج. 3- مرحلة البث الإذاعي الموجه إلى مواطني الدول الأجنبية في بلادهم.
وشملت المرحلة الأولى تبادل البرامج الإذاعية إبتداءاً من عام 1923 بمبادرة من محطة إذاعة KDKA في الولايات المتحدة الأمريكية، عندما نقلت هذه المحطة بواسطة الموجة الإذاعية القصيرة برنامجاً خاصاً موجهاً للمستمعين في بريطانيا، التقطته وأعادت بثه محطة إذاعية في مانشستر تملكها شركة فيكرز التروبوليتاتيه. وكررت إذاعة KDKA العملية عام 1924 مع جنوب إفريقيا، وعام 1925 مع استراليا. وسرعان ما انتشر أسلوب تبادل البرامج الإذاعية بين الدول، وتطور هذا الأسلوب مع تطور تكنولوجيا الاتصال بتبادل البرامج الإذاعية المسجلة.
كما وقامت ألمانيا عام 1931 بتبادل البرامج الإذاعية السياسية والموسيقية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ضمن برنامجها للتبادل الإعلامي الدولي IPA Internationaler Programmaustansch الذي ارتبط تنفيذه بشركة الإذاعة الألمانية، Reichsrund-Funkgesellschaft (RRG) التي أنشئت عام 1926.(15)
أما المرحلة الثانية التي بدأت خلال العقد الثاني من القرن العشرين، بالإذاعة التجريبية باللغة الهولندية التي وجهتها هولندا عام 1926 إلى مستعمراتها في الهند الشرقية، وانتظم إرسالها إعتباراً من عام 1929. وقد بدأت هيئة الإذاعة البريطانية بث برامجها عام 1927 على الموجة القصيرة، عبر إذاعات وجهتها لأراضيها عبر البحار من محطة الإذاعة في Cherlnsford. وتبعتها فرنسا التي وجهت برامجها باللغة الفرنسية، وبعض اللغات المحلية في مستعمراتها.
ولم تنتظم الخدمات الإذاعية البريطانية عبر البحار إلا في 19/12/1932 وكانت تعرف آنذاك بالخدمة الإمبراطورية Empire Service وكان الهدف الأساسي من تلك الخدمات إحاطة المستمعين علماً بأحدث التطورات في الإمبراطورية وتدعيم وحدتها، حسب تعبير المؤرخ البريطاني Asa Briggs.(16) وتبع ذلك تأسيس المجلس البريطاني British Council في عام 1934 لتعريف العالم بالحياة في بريطانيا العظمى، وتقوية الروابط الثقافية المشتركة في الكومنولث البريطاني.(17) وقد ركزت تلك الخدمات الإذاعية الموجهة للخارج في البداية على الحياة في بريطانيا أساساً، لتعريف الإداريين والمستوطنين في المستعمرات البريطانية بما يحدث في وطنهم بريطانيا، مستخدمة في ذلك اللغة الإنكليزية وحدها دون استخدام اللغات المحلية في المستعمرات البريطانية.(18)
وقد حرصت الإذاعات الموجهة إلى الخارج على المصالح الاستعمارية للدول المُسْتَعْمِرَة، وعملت على حماية تلك المصالح وإبقاء الصلات مع مواطنيها المعزولين عن الوطن الأم المتواجدين في المستعمرات البعيدة. وشهدت الفترة التي امتدت خلال الحرب العالمية الثانية هدوءاً نسبياً في عمل تلك الإذاعات الموجهة خاصة إلى المستعمرات في القارة الإفريقية، خاصة وأن إسبانيا والبرتغال بقيتا على الحياد، بينما وقعت كلاً من فرنسا وبلجيكا تحت الاحتلال الألماني. لتنقلب الصورة بالنسبة لفرنسا التي استخدمت إذاعتها من الكونغو برازافيل للتواصل مع مؤدي حكومة فرنسا الحرة، موجهة من هناك برامج باللغات الأوربية إلى أمريكا الشمالية وأوروبا وغيرها من مناطق العالم.
ولم يقتصر استخدام الإذاعات الموجهة للخارج على الدول المستعمِرة فقط، فقد قامت بعض الدول بتوجيه خدمات إذاعية على الموجة القصيرة لمواطنيها المقيمين في الخارج منذ العقد الثاني من القرن العشرين. حيث بدأت سويسرا بتوجيه خدمات إذاعية منذ إيلول/سبتمبر عام 1935 إلى مواطنيها الذين هاجروا إلى الأرجنتين وأمريكا الشمالية باللغات الرسمية الثلاث في سويسرا: الفرنسية والألمانية والإيطالية كوسيلة لتعزيز الروابط الثقافية بين سويسرا والسويسريين المقيمين بعيداً عن وطنهم الأم في المهاجر. كما وقامت إيطاليا بتوجيه برامج إذاعية باللغة الإيطالية لمواطنيها المهاجرين في أمريكا الجنوبية منذ عام 1935.
وقامت ألمانيا بتوجيه برامج إذاعية باللغة الألمانية على الموجة القصيرة للمواطنين من أصل ألماني المقيمين في السار والنمسا والتشيك وسلوفاكيا وغيرها من المناطق في أوروبا والذين بلغ عددهم آنذاك حوالي 27 نسمة.(19) وقد استخدم الألمان البرامج الإذاعية بفاعلية مع أوائل عام 1934 لتحقيق هدف إعادة دمج منطقة السار بالدولة الألمانية، حيث أنشأ غوبلز وزير الإعلام في الحكومية الألمانية آنذاك، مكتباً خاصاً لتنسيق عمل محطات الإذاعة الألمانية الموجهة لتلك المنطقة، كما وتم توزيع أجهزة استقبال إذاعية رخيصة الثمن في المنطقة المستهدفة لتمكين المستمعين هناك من سماع البرامج الإذاعية الألمانية التي استخدمت بنجاح التأثيرات العاطفية لاستمالة مشاعر الألمان في المناطق الموجهة إليها، دلت عليها نتائج الاستفتاء الذي أجري عام 1935 وأسفر عن تأييد عودة السار إلى ألمانيا بنسبة 91% من أصوات المشاركين في الاستفتاء. كما وركزت ألمانيا في برامجها الإذاعية الموجهة إلى الخارج على الأقلية الألمانية التي تعيش في سلوفاكيا وتشيكيا، عبر برامجها باللغة الألمانية من محطة الإذاعة الألمانية في Zeesen. واستخدمت ألمانيا الموجة الإذاعية القصيرة في عام 1933 لتوجيه برامج باللغة الإنكليزية للمستمعين في أمريكا الشمالية، وفي منتصف عام 1938 باللغة العربية للمستمعين العرب.(20)
وكانت ألمانيا قد بدأت ببث برامجها الإذاعية الدولية Auslandsdeutsche في عام 1933،(21) بعد أن بدأت محطة Deutsche Welle بالقرب من برلين إعتباراً من عام 1926 بالاستعداد لتوجيه برامج باللغة الألمانية للألمان المقيمين في الخارج. إثر اهتمام حكومة فرانز بابين Franz Papen منذ تشرين ثاني/نوفمبر عام 1932 بتطوير الخدمات الإذاعية الألمانية وتجميع المؤسسات الإذاعية، إنطلاقاً من أهمية تقديم خدمات إذاعية للألمان داخل ألمانيا وخارجها. وقد ازداد هذا الاهتمام بعد وصول النازيين للسلطة في ألمانيا لاستخدام الخدمات الإذاعية في الحملات الدعائية، وقد شبه غوبلز دور الإذاعة في الدعاية النازية بدور الصحف في القرن التاسع عشر، وردد وقال: أن الإذاعة اليوم هي السلطة الثامنة الكبيرة، كما قال نابليون عن الصحافة في زمنه.
وكان هدف ألمانيا النازية الأساسي من الخدمات الإذاعية الموجهة، خلق مؤيدين للنازية في الخارج واستخدامهم لمساندة نشاطات السفارات الألمانية في الدول الأجنبية، خاصة وأن الجاليات الألمانية في أمريكا اللاتينية كانت كثيرة العدد، حيث بلغت في البرازيل وحدها حوالي المليوني ألماني يعيش معظمهم في المناطق الجنوبية للبرازيل، إلى جانب الجالية الألمانية في الأرجنتين التي كان يعمل فيها آنذاك حوالي الـ 102 منظمة نازية. إضافة لجنوب إفريقيا التي تشكلت فيها خلايا للاستماع للبرامج الإذاعية الألمانية.(22)
ومع أوائل العقد الثالث من القرن العشرين كانت دولاً كثيرة قد بدأت فعلاً بالبث الإذاعي المنتظم، وازداد عدد أجهزة الاستقبال الإذاعية من بضعة آلاف في عام 1920 إلى 26 مليون جهاز في عام 1933، بينما بلغ عدد المستمعين حوالي الـ 140 مليون مستمع في جميع أنحاء العالم. مما سمح بتعزيز مكانة هذه الوسيلة الحديثة آنذاك للاتصال الجماهيري، بعد أن نجحت في تجاوز الحدود السياسية والجغرافية وتخطي الحواجز التي وضعتها الدول أمام انتقال الصحف واستحالة فرض الرقابة أو السيطرة على الإذاعات الموجهة من خارج حدود الدولة.
واتسع استخدام البرامج الإذاعية للأغراض السياسية خلال الفترة التي امتدت مابين الحربين العالميتين الأولى والثانية، عندما بدأت كل من ألمانيا وفرنسا الحرب الكلامية عبر موجات الأثير، إثر احتلال منطقة الرور عام 1923. وحملات الدعاية السياسية التي وجهها الإتحاد السوفييتي السابق إلى مقاطعة بسرابيا التابعة لرومانيا ( جمهورية مولدافيا اليوم) قبل ضمها للإتحاد السوفييتي السابق، وقيام بوخارست بالتشويش عليها في منتصف عام 1946 كسابقة الأولى من نوعها في العالم. كما وقام الإيطاليون باستخدام الموجات القصيرة لتوجيه برامج إذاعية خلال الحرب الإثيوبية. وكان أوسع استخدام مكثف وواسع النطاق للخدمات الإذاعية في أوروبا عندما استخدمت كل الأطراف المشاركة في الحرب الأهلية الإسبانية الخدمات الإذاعية بشكل مكثف لتحقيق أغراضها السياسية.
مما سمح لتشارلس سيبمان Siepmann بالقول: "أنه لم تحدث أزمة سياسية دولية في العالم خلال الثلاثينات إلا واستخدمت فيه الإذاعات، والمثال على ذلك الحرب الأهلية في إسبانيا، والصراع الصيني الياباني، وأزمة ميونخ، التي ساهمت الإذاعات الموجهة على الموجة القصيرة في تقديم مضمون نجح بالتأثير على تلك الأحداث". وهو مادشن المرحلة الثالثة من تطور استخدام الإذاعات الموجهة في العالم.
أما المرحلة الثالثة فقد تميزت بتوجيه الإذاعات للمستمعين من مواطني الدول الأخرى، وبدأت قبل الحرب العالمية الثانية عندما استخدمت الموجات الإذاعية القصيرة للوصول إلى المستمعين في الدول الأخرى بقصد التأثير عليهم. واتسع إطار إست خدام الإذاعات الموجهة للخارج من قبل الدول التوسعية للتأثير على الدول المجاورة تمهيداً لغزوها وضمها، فما كان من الدول الديمقراطية إلا وأن بدأت بالتوسع باستخدام الإذاعات الموجهة للخارج كرد على الإذاعات التي تستخدمها الدول التوسعية.(23)
وفي عام 1936 بدأت فرنسا ببث برامج إذاعية موجهة باللغات الأجنبية وخاصة باللغة الألمانية موجهة أصلاً لسكان منطقة الألزاس وفعلاً لجميع المستمعين في ألمانيا. وبدأت إيطاليا ببث برامج إذاعية موجهة للخارج بثماني عشرة لغة من بينها اللغة العربية، وسرعان ما تدهورت خدماتها بسبب تحول الحرب بعيداً عن إيطاليا.(24)
وفي عام 1937 وكرد فعل من بريطانيا على الهجوم الإيطالي في الشرق الأوسط، بدأت المحطة الإذاعية التابعة لهيئة الإذاعة البريطانية في فلسطين ببث برامج إذاعية منتظمة باللغة العربية إعتباراً من 3/1/1938، أتبعتها هيئة الإذاعة البريطانية ببث برامج إذاعية موجهة باللغتين الإسبانية والبرتغالية والفرنسية والألمانية والإيطالية، وفي 27/9/1938 وضعت خطط لبناء جهازين للبث الإذاعي بقوة 50 ألف وات لكل منهما بقصد جعل إمكانيات بث الإذاعة البريطانية على الموجة القصيرة من أقوى الإذاعات في العالم.(25)
أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد بدأت ببث برامجها الإذاعية الموجهة في أيار/مايو عام 1924 تحت رعاية Pan American Union التي استمرت ببث برامجها حتى أيار/مايو 1938 عندما تم تأسيس أول منظمة تولت مهمة الدعاية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، ووجهت خصوصاً لدول أمريكا اللاتينية. وفي نفس الوقت تم إحداث قسم التعاون الثقافي بوزارة الخارجية الذي تولى تلك المهمة أيضاً. (26( وخلال الفترة الممتدة مابين أيار/ مايو 1938 وشباط/فبراير 1942 خضعت البرامج الإذاعية الموجهة للخارج لسيطرة حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، وتعاونت معها المحطات الإذاعية الخاصة التي كانت توجه إرسالها للخارج مطورة الإرسال الإذاعي الموجه إلى دول أمريكا اللاتينية.
وقد أثبتت الإذاعة مقدرتها كوسيلة اتصال جماهيرية فعالة خلال الحرب العالمية الثانية، تمثلت في الحرب النفسية التي كانت تشنها الإذاعات الموجهة للدول الأجنبية في العالم وخاصة الإذاعة الألمانية التي حملت لواء الدعاية النازية، وهيئة الإذاعة البريطانية التي كانت تتميز عن الأولى بقربها من الحقيقة والصدق، إلى جانب الإذاعتين الأمريكية والسوفييتية. ومن المميز للإذاعات الموجهة للمستمعين في الدول الأخرى الالتزام الكامل بالخط السياسي والفكري للدولة التي تبث تلك الإذاعة من أراضيها، واستخدام حكومات تلك الدول الإذاعة لعرض وجهات نظرها الخاصة من الأحداث الجارية.
وكان عدد الدول التي تملك إذاعات موجهة للمستمعين في دول أخرى أكثر من 25 دولة من بينها: ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا وبلغاريا والدانمرك وفنلندا والمجر وهولندا والنرويج وبولندا والبرتغال ورومانيا والسويد وسويسرا وتركيا ويوغوسلافيا والفاتيكان والإتحاد السوفييتي والصين واليابان وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية....الخ.
وتميزت تلك المرحلة بتركيز التحالف في مجال استخدام محطات البث الإذاعي بين بريطانيا التي كانت تعمل على استمالة الجماهير في أوروبا والعالم من خلال هيئة الإذاعة البريطانية المتفوقة عن غيرها آنذاك، بفضل محطات البث الإذاعي البريطانية القائمة وتم تقوية بعضها فيما بعد وأحدث الجديد منها والمنتشرة في أنحاء مختلفة من الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس حسب تعبير المؤرخين في ذلك الوقت، والولايات المتحدة الأمريكية المهتمة آنذاك ببناء محطات للبث الإذاعي في أستراليا وأيسلندا والشرق الأقصى وبتقوية إرسالها الإذاعي الموجه من محطات البث الإذاعي في أمريكا الجنوبية الخاضعة إلى حد كبير لنفوذ الولايات المتحدة الأمريكية، وتقوم بنقل البث الإذاعي من الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة، حيث تميز التعاون بين الدولتين في هذا المجال بالقوة وخير مثال على ذلك تعاونهما في الاستخدام المشترك للعديد من محطات البث الإذاعي في شنغهاي.(27)
ولم تتمكن ألمانيا النازية من مواجهة التحالف الإذاعي الموجه ضدها إلا عندما بدأت باستخدام محطات البث الإذاعي الموجودة في الأراضي التي وقعت تحت سيطرتها قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية. وكانت المحطات الإذاعية الألمانية تتبع لوزارات الخارجية والتعليم والدعاية، وكان هدفها الرئيسي تعريف الشعوب الأوروبية وشعوب قارات العالم الأخرى بالأفكار النازية الجديدة، وكسبها لتأييد الفكر والسياسة الخارجية الألمانية، تحت إدارة الجمعية الألمانية للإذاعة باللغة الأجنبية Interradio AG التي ملكت بمعايير تلك الأيام واحدة من أكبر وأحدث شبكات البث الإذاعي في العالم تضم 10 أجهزة إرسال أساسية و6 أجهزة بقوة 100 كيلو وات، و15 محطة فرعية أقل قوة. وسمح لها هذا الوضع بتوجيه برامجها الإذاعية من Kongsberg إلى بولندا، ومن هامبورغ وبريمن إلى بريطانيا، ومن شتوتغارت وفرانكفورت إلى فرنسا، ومنذ نيسان/أبريل عام1933 وجهت ألمانيا إذاعاتها إلى شمال إفريقيا حيث كانت تعيش أعداداً كبيرة من الألمان، على موجتين ولمدة ساعتين يومياً إضافة لإذاعة باللغة الإنكليزية، وتوسعت ببرامجها الإذاعية الموجهة للخارج حيث وجهت لإفريقيا وجنوب شرق آسيا وأمريكا الشمالية. خصصت كلها لشرح السياسة الألمانية وإذاعة البرامج الموسيقية الألمانية، التي توخت من خلالها إبقاء الألمان المقيمين بالخارج على صلة بوطنهم الأم ألمانيا، ولكنها سرعان ما توسعت وأصبح هدفها الرئيسي المستمع في الدول الأجنبية. وفي 1/2/1934 بدأت بالبث إذاعة موجهة للمستمعين في القارة الإفريقية، وفي 2/2/1934 إلى القارة الأمريكية الجنوبية، وفي 3/2/1934 إلى شرق القارة الأسيوية، وفي 1/1/1935 إلى جنوب القارة الأسيوية، وفي 1/5/1935 إلى منطقة أمريكا الوسطى، وفي 1/3/1939 إلى البرازيل، وفي 24/4/1939 إلى العالم العربي.
ومع نهاية عام 1939 أصبحت الإذاعات الألمانية الموجهة للمستمعين في الخارج تبث على مدار الساعة يومياً، من 27 محطة بث إذاعي، على 18 موجة قصيرة إلى 8 مناطق جغرافية وسياسية في أنحاء مختلفة في العالم بـ 75 لغة.(28) وكانت المحطات الإذاعية الألمانية تعرف رسمياً باسم All German Radio، ساعدتها مجموعة من أجهزة البث الإذاعي السرية في أوروبا كانت تعرف باسم Buro Concordia. وفي عام 1942 بدأت العمل محطة إذاعية جديدة كانت تبث برامجها لمدة 4 ساعات يومياً وحملت اسم Free India Radio مهمتها الدعوة لتحرير الهند من الاستعمار البريطاني. ووصلت الخدمات الإذاعية الموجهة لخدمة الدعاية النازية، وضد الدول المعادية لألمانيا ذروتها في أواسط عام 1944 وكان تحت تصرفها آنذاك 100 محطة إرسال إذاعي وجهت لأنحاء مختلفة من العالم.(29)
وساعدت الحرب العالمية الثانية ومن خلال الخبرة التي تراكمت من استخدام الإذاعات في الحرب النفسية وما نتج عنها من تأثيرات مختلفة شملت الروح المعنوية ليس للقوات المتحاربة وحسب، بل وراحت أكثر من ذلك في التأثير على الروح المعنوية للجماهير العريضة داخل المجتمعات حتى في الدول البعيدة عن ساحات القتال، وخلقت مشاكل تهدد بتصدع الجبهة الداخلية للدول المتصارعة، نتج عنها نضوج العمل الإذاعي الموجه ودخوله في المعادلات السياسية للعلاقات الدولية كوسيلة هامة من وسائل التبادل الإعلامي الدولي على الإطلاق في ذلك الزمن.
وقبل أن تضع الحرب العالمية الثانية أوزارها، كانت الدول المتحاربة وأكثرية الدول المحايدة البالغ عددها آنذاك 55 دولة تغطي معظم أنحاء الكرة الأرضية بالبث الإذاعي عبر 340 جهاز للإرسال الإذاعي تبث إسبوعياً حوالي 4275 ساعة بأكثر من 40 لغة. والجدول التالي يوضح الإمكانيات الإذاعية للدول الست الرئيسية في الحرب العالمية الثانية: الولايات المتحدة الأمريكية وكانت تملك 39 جهاز إرسال على الموجة القصيرة تبث يومياً 168 ساعة بـ 41 لغة؛ بريطانيا العظمى وكانت تملك 35 جهاز إرسال على الموجة القصيرة تبث يومياً 105 ساعات بـ 40 لغة؛ الإتحاد السوفييتي وكان يملك 16 جهاز إرسال على الموجة القصيرة تبث يومياً 80 ساعة بـ لغة 37؛ ألمانيا وكانت تملك 20 جهاز إرسال على الموجة القصيرة تبث يومياً 73 ساعة بـ 28 لغة؛ اليابان وكانت تملك 8 أجهزة إرسال على الموجة القصيرة تبث يومياً 48 ساعة بـ 22 لغة؛ فرنسا وكانت تملك 4 أجهزة إرسال على الموجة القصيرة تبث يومياً 14 ساعة بـ 16 لغة؛ وهكذا نرى أن اللاعبين الأساسيين على ساحة الإعلام الدولي المسموع كانوا يبثون يومياً 122 ساعة بـ 488 لغة من لغات العالم. ولم يتغير الوضع بانتهاء الحرب العالمية الثانية، بل استمر استخدام الإذاعات الموجهة وبشكل مكثف في الحرب الباردة بين الشرق والغرب، ودخلت حلبة الإذاعات الموجهة القوية الصين الشعبية، وعشرات الدول الصغيرة التي أصبحت توجه برامجها الإذاعية للخارج ولو لبضع ساعات قليلة في اليوم.
والشيء الذي تميزت به الإذاعات الموجهة بعد الحرب، أنها أصبحت من أدوات التبادل الإعلامي الدولي باعتراف صريح من الحكومات التي أصبحت تستخدمها كسلاح من أسلحة السياسة الخارجية للدولة.(30) وهذا الوضع المهيمن والمتميز للإذاعة في التبادل الإعلامي الدولي لم يزل قائماً حتى الآن رغم انتشار القنوات الإذاعة المرئية الفضائية وشبكة الإنترنيت العالمية المتطورة في أرجاء المعمورة، لأن الإذاعة ودون أدنى شك الأسهل والأقل كلفة والأكثر انتشاراً وشعبية في العالم.
1/3- السمات المميزة للإذاعات الدولية. تستهدف الإذاعات الدولية أساساً المستمعين في الدول الأجنبية، وتلعب من خلال ذلك دوراً مؤثراً في العلاقات الخارجية للدولة. وهذا ما يفسر إصرار الحكومات وسعيها الدائم للسيطرة على تلك الإذاعات وتوجيهها، أكثر من سيطرتها وتوجيهها للإذاعات المحلية. ففي الولايات المتحدة الأمريكية التي تغص بالإذاعات المحلية الخاصّة على سبيل المثال نرى أن الحكومة الفيدرالية تتولى تماماً مسؤولية الإذاعات الدولية الموجه للمستمعين في الدول الأجنبية، فإذاعة صوت أمريكا هي قسم من أقسام وكالة الاستعلامات الأمريكية: U.S. Information Agency ( U. S. I. A. )، التي تتولى الحكومة الفيدرالية تمويلها رسمياً من ضمن برامج العلاقات الثقافية التي تكلف أكثر من 200 مليون دولار أمريكي سنوياً.(31) وتعمل هذه الإذاعة بتعاون وثيق مع وزارة الخارجية، تحت إشراف مباشر من قبل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. كما وتشرف هيئة الإذاعة الكندية وتدير الإذاعة الدولية الكندية، ولكن وفق السياسة التي تضعها لها وزارة الخارجية الكندية كواحدة من وسائل تنفيذ السياسة الخارجية الكندية.
أما هيئة الإذاعة البريطانية التي تفخر باستقلالها في إعداد البرامج الإذاعية الموجهة باللغات الأجنبية، فإن الحكومة البريطانية وحدها هي التي تقرر لغات تلك البرامج وساعات إرسالها حصراً. وتلتزم هيئة الإذاعة البريطانية كذلك بالاتصال بالإدارات الحكومية البريطانية المعنية للحصول على المعلومات اللازمة عن الظروف والأحوال الداخلية في الدولة التي توجه إليها تلك البرامج، للأخذ بها عند وضع البرامج بشكل يخدم سياسة الحكومة البريطانية والمصالح الحيوية البريطانية. ومنه نستنتج حقيقة مفادها أن الإذاعات الدولية هي ناطق بلسان حكومات بلدانها، وتختلف البرامج والمواد الإذاعية المذاعة من حيث مضمونها فقط الذي يتراوح مابين الرسمي أو شبه الرسمي.
وإلى جانب الإذاعات الدولية التي تشرف عليها الحكومات هناك إذاعات دينية تشرف عليها هيئات دينية مستقلة موجهة للبلدان النامية، أو تستخدم أراضي بعض الدول النامية لتبث منها برامجها الإذاعية كما يحدث في سوازيلاندا وجواتيمالا وسيريلانكا وجزر سيشيل وغيرها من الدول. وهذه الإذاعات موجهة أساساً للتبشير الديني فقط، وفي بعض الحالات نجد أن هذه الإذاعات من القوة تستطيع معه منافسة الإذاعات السياسية لبعض الدول، وتشكل عنصر جذب للمستمعين أكثر من غيرها، إضافة لتنوع اللغات التي تخاطب بها مستمعيها في شتى أرجاء العالم.(32) وهناك إذاعات لبعض المنظمات الدولية تذيع برامجها على الموجة القصيرة كمنظمة الأمم المتحدة U N، ومنظمة الدول الأمريكية O A S، التي كانت تذيع حتى عام 1975 بأربع لغات إقتصرتهم بعد ذلك باللغة الإسبانية فقط. ومن المتبع عادة أن تضع إحدى الإذاعات الدولية الكبيرة كإذاعة صوت أمريكا أو هيئة الإذاعة الفرنسية أو هيئة الإذاعة البريطانية أو هيئة الإذاعة الإيطالية بعض موجاتها العاملة تحت تصرف الإذاعات التي لا تملك محطات إرسال خاصة بها لاستعمالها في بث برامجها للمناطق المستهدفة من تلك البرامج الإذاعية في العالم. وهنا لابد من التنويه أيضاً لبعض الإذاعات السرية التي توجه برامجها الإذاعية الدولية في ظروف سياسية معينة، وسرعان ما تختفي تلك الإذاعات فور تحقق الأهداف التي أحدثت من أجلها.
وتقف وراء الخدمات الإذاعية الدولية ثلاث دوافع رئيسية في كل الأحوال إما إيديولوجية، أو ثقافية، أو تجارية. وتجتمع الدوافع الثلاث في الإذاعات الموجهة للدول المتقدمة والغنية وخاصة منها تلك الدول التي شهد تاريخها قيام إمبراطوريات استعمارية كبيرة تسعى من خلال الإذاعات الموجهة اليوم الحفاظ على الروابط الثقافية والمصالح التي كانت قائمة بينها وبين المستعمرات السابقة، أو السعي الواضح والصريح من كل الدول الصناعية لكسب الأسواق لمنتجاتها الصناعية، أو لتوسيع نفوذها في مناطق مختلفة من العالم. (33)
وتعتبر الإذاعات الدولية الموجهة مصدر للمعلومات لجماعات متعلمة محدودة من الجمهور الإعلامي تتمتع بتأثير معين في الأوساط الاجتماعية التي يعيشون ضمنها، وتلك الجماعات هي محط الدراسات الكثيرة التي قامت وتقوم بها الإذاعات الموجهة للتعرف على جمهورها الإعلامي، وعلى سبيل المثال: أعلنت هيئة الإذاعة البريطانية عام 1957 نتائج الأبحاث التي أجرتها في مطلع عام 1956 على الجمهور الإعلامي الفرنسي وأظهرت أن 11% من السكان الناضجين فقط يستمعون للإذاعات الدولية الموجهة. وأن حوالي 3 ملايين فرد يستمعون لتلك الإذاعات في جمهورية ألمانيا الاتحادية، وأن عدد الذين يستمعون بانتظام لإذاعة لندن، وصوت أمريكا في أنحاء مختلفة من العالم يتراوح مابين الـ 50 إلى الـ 60 مليون مستمع فقط. (34)
1/4- لغات برامج الإذاعات الدولية الموجهة. مع نشوء الإذاعات الدولية الموجهة عبر الحدود للجمهور الإعلامي في الدول الأخرى نشأت مشكلة كبيرة أمام مخططي ومعدي البرامج لتلك الإذاعات، فعندما كانت موجهة للأقليات القومية المنتمية للدولة الموجهة لتلك البرامج والمقيمة في دول أخرى قريبة أو بعيدة عنها، كانت المشكلة أقل لأنها كانت موجهة أصلاً بلغة الوطن الأم التي يتقنونها، وكي لا تنقطع صلتهم بوطنهم الأصلي. ومن ثم أصبحت تستخدم لغات الدول المُستَعْمِرَة الموجهة لمستعمراتها في أنحاء العالم لتدعيم روابطها الثقافية مع شعوب تلك المستعمرات. ومع استقلال العديد من دول العالم في القارات الثلاث آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية برزت اللغات الوطنية للشعوب المستقلة حديثاً وما ارتبط بها من مشاعر وطنية ودينية وثقافية وتاريخية وكان لابد لمخططي ومنفذي البرامج الإذاعية عبر الإذاعات الدولية من وضعها في مقدمة الاعتبارات التي يؤخذ بها عند إعداد وتنفيذ تلك البرامج.
ومع اتساع نطاق التبادل الإعلامي الدولي والتدفق الحر للمعلومات عبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بمختلف صورها وأشكالها من خلال الأقمار الصناعية المخصصة لأغراض الاتصالات، وشبكة الإنترنيت العالمية، التي تخطت الحدود الجغرافية والسياسية للدول وأصبحت البرامج الإذاعية المسموعة والمرئية في متناول الإنسان أينما كان، واجتازت الصحف الدولية الكبرى وحتى الصحف المغمورة في العالم الرقابة عبر الحدود وأصبحت بمتناول الجميع من خلال قنوات شبكة الإنترنيت العالمية. برزت مشكلة أخرى أمام مخططي ومعدي ومنفذي المواد الإعلامية الموجهة عبر تقنيات ووسائل الاتصال الدولية المتطورة، تكمن في اللغات المستعملة في العالم، وفي اختيار اللغة الأكثر انتشاراً في العالم والمستخدمة في التفاهم بين شعوب العالم. حيث صنفت عشر لغات عالمية تعتبر من أكثر اللغات العالمية انتشاراً بين شعوب الكرة الأرضية، وهي: 1- اللغة الصينية Mandarin Chinese، ويتكلم بها أكثر من 690 مليون نسمة. 2- اللغة الإنكليزية ويتكلم بها أكثر من 380 مليون نسمة. 3- اللغة الروسية ويتكلم بها أكثر من 592 مليون نسمة. 4- اللغة الإسبانية ويتكلم بها أكثر من 238 مليون نسمة. 5- اللغة العربية ويتكلم بها أكثر من 200 مليون نسمة. 6- اللغة الألمانية ويتكلم بها أكثر من 120 مليون نسمة. وغيرها من اللغات الحية في العالم، ولكن الدراسات المختلفة التي أجريت في هذا المجال أثبتت أن اللغة الإنكليزية هي اللغة الأكثر استخداماً في العالم، وهي اللغة الثانية لدى المثقفين في العديد من بلدان العالم، وهي اللغة الثانية لدى الشباب الأوروبي، واللغة الأكثر استخداماً في التجارة العالمية ووسائل الاتصال الحديثة، وأن أكثر قادة العالم يتحدثون اللغة الإنكليزية كلغة ثانية إن لم تكن اللغة الأولى كما هي الحال في بعض الدول التي كانت في السابق مستعمرات بريطانية.(35)
لهذا أصبحت اللغة الإنكليزية لغة العمل اليومي في عملية التبادل الإعلامي الدولي، عبر كل وسائل الاتصال تقريباً. سواء أكانت بالكابلات أو على الموجات القصيرة للبث الإذاعي، أو عبر شبكات الحاسبات الإليكترونية التي تستخدم الأقمار الصناعية وفي مقدمتها شبكة الإنترنيت العالمية. إضافة إلى أنها من اللغات الرئيسية التي تعتمدها وكالات الأنباء العالمية في نقل أخبارها مثل اسوشيتد بريس AP، ويونايتد بريس إنترناشيونال UPI، ورويترز، وفرانس بريس FP، والفيز نيوز، وإتار تاس، ووكالة الأنباء الألمانية، وحتى وكالات الأنباء الوطنية في جميع دول العالم.
وتعتبر اللغة الإنكليزية، لغة أساسية في الإذاعات الدولية الموجهة للمستمعين في الدول الأجنبية. وتشير الإحصائيات إلى أنه هناك حوالي 103 محطة إذاعية تعمل من إستديوهات محطات إذاعية مركزية في 84 دولة، تستخدم اللغة الإنكليزية في مخاطبة مستمعيها في الدول الأجنبية.(36) وكان ترتيب اللغات المستخدمة في محطات البث الإذاعي الموجه إلى العالم، باستخدام التردد العالي: 1. اللغة الإنكليزية استخدمتها 103 محطات؛ 2. اللغة الفرنسية واستخدمتها 71 محطة؛ 3. اللغة العربية واستخدمتها 67 محطة؛ 4. اللغة الإسبانية واستخدمتها 59 محطة؛ 5. اللغة الألمانية واستخدمتها 51 محطة؛ 6. اللغة الروسية واستخدمتها 40 محطة؛ 7. اللغة البرتغالية واستخدمتها 36 محطة؛ 8. اللغة الإندونيسية واستخدمتها 23 محطة؛ 9. اللغة الصينية واستخدمتها 22 محطة؛ 10. اللغة التركية واستخدمتها 21 محطة؛ 11. اللغة الرومانية واستخدمتها 20 محطة؛ 12. اللغة الإيطالية واستخدمتها 19 محطة؛ 13. اللغة المجرية واستخدمتها 18 محطة؛ 14. اللغة اليابانية واستخدمتها 18 محطة؛ 15. لغة الصرب الكرواتية واستخدمتها 18 محطة؛ 16. اللغة البلغارية واستخدمتها 18 محطة؛ 17. اللغة السواحيلية واستخدمتها 18 محطة؛ 18. اللغة الفارسية واستخدمتها 16 محطة؛ 19. اللغة اليونانية واستخدمتها 16 محطة؛ 20. اللغة الهندية واستخدمتها 16 محطة؛ 21. واللغة البولندية واستخدمتها 16 محطة؛ 22. اللغة التايلاندية واستخدمتها 16 محطة؛ 23. لغة الأوردو واستخدمتها 15 محطة؛ 24. اللغة الألبانية واستخدمتها 14 محطة؛ 25. اللغة التشيكية واستخدمتها 14 محطة؛ 26. اللغة السويدية واستخدمتها 13 محطة؛ 27. اللغة الأوكرانية واستخدمتها 12 محطة.
ومع مطلع ثمانينات القرن العشرين أخذت أوضاع المحطات الإذاعية الموجهة للجمهور الإعلامي الأجنبي بالتبدل، إذ بدأت بعض الإذاعات التي كانت في السابق لا تستخدم اللغة الإنجليزية في برامجها كالدول الناطقة بالفرنسية في إفريقيا مثال الغابون والكاميرون باستخدام اللغة الإنجليزية في برامجها. بينما بقيت الحال في أمريكا اللاتينية على حالها من قلة البرامج الإذاعية الموجهة باللغة الإنجليزية، وخاصة في المكسيك التي تستخدم اللغة الإسبانية فقط. واستمرت الإذاعات الدولية الأمريكية التي تبث برامجها من استوديوهاتها في ميونيخ كإذاعة أوروبا الحرة وإذاعة الحرية بعدم استخدام اللغة الإنجليزية في برامجها واكتفت بلغات خمسة من الدول الأوروبية الشرقية وعشرين لغة من لغات جمهوريات الإتحاد السوفييتي السابق، في محاولة منهما لإيجاد مصدر إخباري بديل للجمهور الإعلامي في تلك الدول بديل للإذاعات الداخلية في تلك الدول. ويوضح الجدول التالي عدد الساعات التي تبث فيها الإذاعات الدولية لبعض دول العالم برامجها باللغة الإنكليزية يومياً، في مطلع الثمانينات من القرن العشرين، وهي:(37) المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وكانت تبث 34 ساعة يومياً؛ والولايات المتحدة الأمريكية وكانت تبث 55 ساعة يومياً منها 31 ساعة لإذاعة صوت أمريكا و24 ساعة لشبكة القوات المسلحة؛ والإتحاد السوفييتي وكان يبث 27 ساعة يومياً؛ وجمهورية الصين الشعبية وكانت تبث 19 ساعة يومياً؛ واليابان وكانت تبث 13 ساعة يومياً؛ وهولندا وكانت تبث 12 ساعة يومياً؛ والفلبين وكانت تبث 11 ساعة يومياً؛ وسري لانكا وكانت تبث 11 ساعة يومياً؛ وألمانيا الديمقراطية وكانت تبث 10 ساعات يومياً.
وفيما يلي نوضح عدد اللغات التي استخدمتها بعض دول العالم في توجيه برامجها الإذاعية اليومية لجميع أنحاء العالم، وهي:(38) روسيا الاتحادية وكانت تبث عبر إذاعة موسكو بـ 83 لغة؛ وجمهورية الصين الشعبية وكانت تبث عبر إذاعة بكين بـ 43؛ والولايات المتحدة الأمريكية وكانت تبث عبر إذاعة صوت أمريكا بـ 36 لغة؛ المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإرلندا الشمالية وكانت تبث عبر هيئة الإذاعة البريطانية بـ 34 لغة؛ وإمارة موناكو وكانت تبث عبر ترانس وورلد راديو بـ 34 لغة؛ وجمهورية مصر العربية وكانت تبث عبر إذاعة القاهرة بـ 33 لغة؛ والفاتيكان وكانت تبث عبر إذاعة الفاتيكان بـ 31 لغة؛ وجمهورية ألمانيا الاتحادية وكانت تبث عبر إذاعة دوتشي فيلي بـ 29 لغة؛ وجمهورية إيطاليا وكانت تبث عبر هيئة الإذاعة الإيطالية بـ 26 لغة؛ والبرتغال وكانت تبث عبر إذاعة IBRA بـ 21 لغة؛ وسوازيلاند وكانت تبث عبر ترانس وورلد راديو بـ 21 لغة؛ والهند وكانت تبث عبر إذاعة الهند بـ 20 لغة؛ واليابان وكانت تبث عبر إذاعة اليابان بـ 20 لغة؛ وألبانيا وكانت تبث عبر إذاعة تيرانا بـ 19 لغة؛ وجزر سيشيل وكانت تبث عبر هيئة إذاعة الشرق الأقصى بـ 19 لغة؛ والفلبين وكانت تبث عبر هيئة إذاعة الشرق الأقصى بـ 18 لغة؛ جمهورية ألمانيا الاتحادية وكانت تبث عبر إذاعة الحرية بـ 16 لغة؛ وإسرائيل وكانت تبث عبر INR بـ 15 لغة؛ و باكستان وكانت تبث عبر إذاعة باكستان بـ 15 لغة؛ ومنظمة الأمم المتحدة وكانت تبث عبر إذاعة هيئة الأمم المتحدة بـ 15 لغة؛ وجزر الأنتيل Antilles الهولندية وكانت تبث عبر ترانس وورلد راديو بـ 15 لغة. وتأتي في مقدمة تلك اللغات، اللغة الإنجليزية للوصول إلى الجمهور الإعلامي في الدول الناطقة بالإنجليزية مثل: بريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، واستراليا، ونيوزيلندا، والناطقين باللغة الإنكليزية في جميع أنحاء العالم.
ثم تليها اللغة الفرنسية التي تستخدمها الإذاعات في العديد من دول العالم كفرنسا، وروسيا، واستراليا، والهند، والصين، واليابان، وإسرائيل، ولبنان، والجزائر، وتونس، والمغرب، وشيلي، وفنزويلا، وكندا، وبولونيا، وايطاليا، وسويسرا، واليونان، ومصر، والسويد.... الخ. للوصول للجمهور الإعلامي الناطق بالفرنسية.
تليها اللغة العربية التي بدأت هيئة الإذاعة البريطانية باستخدامها منذ عام 1938 وحتى الآن، وتستخدمها اليوم إذاعات كثيرة في العالم، نذكر منها: الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وألمانيا، وإسبانيا التي تستخدم في إذاعاتها الموجهة ثلاث لغات فقط هي: الإسبانية والإنجليزية والعربية؛ وكندا، وهولندا، والهند، والصين الشعبية والوطنية، واليابان، وكوريا الشمالية والجنوبية، وكوبا، وشيلي، والأكوادور، وفنزويلا... إلخ.
كما وتستخدم في الإذاعات الدولية اللغات الإسبانية والألمانية والروسية والتركية والفارسية، والهندية، والبرتغالية، والأوزبكية، والإيديش Yiddish، والعديد من اللغات الحية في العالم. ولا توجد اليوم دولة في العالم مهما بلغ حجمها دون إذاعة دولية تستخدمها للحوار السياسي مع الجمهور الإعلامي خارج حدودها الوطنية. خاصة بعد الاتساع السريع لاستخدام أجهزة الاستقبال الإذاعي الترانزيستور في العالم، حتى كاد أن يصبح المصدر الأساسي للأخبار لدى الجمهور الإعلامي في العالم بأسره. وتشير الإحصائيات إلى أن عدد أجهزة الاستقبال الإذاعي في العالم بلغت 1,380 مليون جهاز استقبال عام 1982 منها 80,7 % في الدول المتقدمة، و 19,3 % في الدول النامية. وأن عدد محطات البث الإذاعي في العالم كان 28 ألف محطة عام 1979 منها 74,3 % في الدول المتقدمة، و 25,7 % في الدول النامية. وأن إنتاج أجهزة الاستقبال الإذاعي الترانزيستور في الصين وحدها يزيد عن 10 ملايين جهاز في السنة.(39)
وقد لوحظ خلال ثمانينات القرن العشرين اهتمام دول العالم بزيادة خدمات إذاعاتها الموجهة للجمهور الإعلامي خارج حدودها الوطنية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية خلال حكم الرئيس رونالد ريغان، والصين، وجمهورية ألمانيا الاتحادية، وروسيا الاتحادية، وبريطانيا، واليابان، وفرنسا، ومصر.
ففي فرنسا توسعت خدمات إذاعة فرنسا الدولية RFI بشكل ملحوظ إعتباراً من عام 1982 نتيجة لسياسة حكومة الرئيس فرانسوا ميتيران التي قامت على أساس التعاون الإيجابي مع الدول النامية، وعملت على توسيع خدماتها الإعلامية منذ عام 1987 بتغطية إذاعية على مدار الساعة عبر راديو فرنسا الدولي RFI الموجه من أكثر من 20 جهاز للإرسال الإذاعي موجودة كلها داخل الأراضي الفرنسية.
وتعمل فرنسا على زيادة عدد أجهزة الإرسال الإذاعي الدولي، وإقامة محطات لنقل بث الإذاعة الفرنسية الدولية في الخارج ليصل صوت فرنسا إلى أبعد من إفريقيا إلى أمريكا اللاتينية وآسيا، كمحطة النقل الإذاعي في غينيا الفرنسية التي بدأت العمل عام 1984، وفي Reunion، ومن إحدى جزر الباسفيك التي استأجرتها جمعية راديو البحر الأبيض المتوسط Mediterranean Radio Society (SOMERA) التي كانت تغطي سابقاً لبنان وإسرائيل فقط. واستخدام الأقمار الصناعية لهذه الغاية وزيادة عدد ساعات البث الأسبوعية إلى 700 ساعة بعد أن كانت في الثمانينات من القرن العشرين 125 ساعة فقط. وزيادة عدد اللغات المستخدمة في البرامج الإذاعية إلى 17 لغة، بدلاً من 5 لغات كما كانت عليه الحال سابقاً.
ودرست إذاعة فرنسا الدولية إمكانية إقامة ترتيبات جديدة لبث البرامج الإذاعية الفرنسية من خلال محطة Moyabi في الغابون. وإمكانية إعداد برامج إخبارية عن كل منطقة إلى جانب الأخبار العالمية. وعملت على تدعيم الإنتاج الإذاعي المشترك مع بعض الدول الإفريقية والأسيوية والأمريكية اللاتينية الراغبة بمثل هذا التعاون. وتوفير برامج إذاعية للجهات الإذاعية الأخرى بهدف تحويل RFI إلى وكالة إذاعية فرنسية دولية، مستخدمة في ذلك برامج سبق وأذيعت عبر الشبكات الفرنسية الداخلية، والبرامج المنتجة خصيصاً للمحطات الإذاعية عبر البحار. إضافة للمعونات الفنية وتدريب الكوادر الإذاعية.(40)
وتقوم الخدمة الخارجية لإذاعة اليابان من خلال شبكة Nippon Hoso Kyokai (NHK) منذ عام 1983 بتحسين مستوى الخدمات الإذاعية الموجهة للخارج تمشياً مع السياسة الخارجية التي تتبعها اليابان. وبحثت وزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية MPT مع شبكة NHK موضوع تحسين مستوى الإرسال الإذاعي الخارجي، وحل مشكلة سوء استقبال البث الإذاعي الياباني في غرب الولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا اللاتينية وإفريقيا. وتطوير وصيانة أجهزة الإرسال الإذاعي العاملة، وزيادة قدرة محطة البث الإذاعي في اليابان وإقامة محطات لنقل البث الإذاعي الياباني في الخارج.(41)
وكانت اليابان تملك في مطلع ثمانينات القرن العشرين محطة واحدة للنقل عبر البحار في Sines بالبرتغال، تستخدم لمدة ساعة واحدة في اليوم لنقل البث الإذاعي الياباني إلى أوروبا والشرق الأوسط. وكانت إذاعة اليابان الدولية تبث برامجها بـ 21 لغة لمدة 37 ساعة في اليوم تغطي استناداً لرسائل المستمعين أكثر من 40 دولة في العالم. لهذا سعت الوزارة وشبكة NHK لإضافة محطات لنقل البث الإذاعي في شمال ووسط وجنوب القارة الأمريكية، وإفريقيا وجنوب شرق آسيا.
وقامت هيئة إذاعة جنوب إفريقيا SABC منذ عام 1981 ببث برامج إذاعية باللغتين البرتغالية والإسبانية موجهة إلى أمريكا اللاتينية، إضافة للبرامج القائمة سابقاً باللغات الإنجليزية، والفرنسية، والبرتغالية، والألمانية، والهولندية، والسواحلية، وTsonga، وChichewa، وLozi.(42)
وتشير استطلاعات الرأي إلى أن إذاعة جنوب إفريقيا الموجهة باللغة الألمانية تتمتع بشعبية كبيرة في جمهورية ألمانيا الاتحادية، مقارنة بـ 53 خدمة إذاعية أخرى موجهة باللغة الألمانية. وهو ما توضحه الزيادة الملحوظة لكمية الرسائل التي تتلقاها الخدمة الخارجية لإذاعة جنوب إفريقيا، وزادت بنسبة 17% عام 1980 عما كانت عليه عام 1979. وتشير مصادر هيئة إذاعة جنوب إفريقيا SABC إلى أن 75% من الرسائل التي تتلقاها من المستمعين تأتي من القارة الإفريقية وخاصة من زامبيا، وتنزانيا، وموزمبيق، وزائير.
ومن استفتاء أجرته الخدمة الفرنسية مع SABC ظهر أن 88% من المستمعين لها كانوا من القارة الإفريقية أو الدول القريبة منها، وأن 55% منهم هم من الأفارقة المثقفين. وهذا بحد ذاته يظهر مدى نجاح تلك الإذاعة في نقل وشرح وجهة النظر السياسية الخارجية لجمهورية جنوب إفريقيا للقارة الإفريقية خاصة، وللعالم بشكل عام.
ومن عام 1975 تعمل العديد من الإذاعات الدولية في العالم على زيادة عدد ساعات بثها اليومية وزيادة عدد اللغات التي توجه بها برامجها، وتوسيع رقعة انتشارها ليشمل أكبر ساحة إعلامية ممكنة.(43) حيث بلغ عدد محطات الإذاعات الدولية أكثر من 150 محطة موجهة لجميع أنحاء العالم، تبث أكثر من 24 ألف ساعة في الإسبوع. بينما بلغ عدد المحطات القوية التي تبث على الموجة القصيرة أكثر من 435 محطة أي أكثر من ضعف المحطات التي كانت عاملة في أواسط السبعينات من القرن العشرين.(44) ناهيك عن دخول الإذاعات الدولية عصر الفضاء ونقل البث الإذاعي المباشر عبر الأقمار الصناعية من البلد المعني للعالم بأسره مما قلل من الأهمية التي كانت تتمتع بها محطات إعادة البث الإذاعي خارج حدود الدول كما كانت عليه الحال لبضعة عقود خلت. مما أضاف مشاكل جديدة أمام الإعلام المحلي والإعلام الدولي لبعض الدول الأقل تطوراً في العالم، تتراوح مابين العالمية والغزو الثقافي الأحادي الجانب.(45) وما لهذا الأمر الواقع من تأثير على الرأي العام المحلي والعالمي حيال القضايا المختلفة في السياسات الخارجية لمختلف دول العالم.
هوامش الفصل الأول:
(1) أنظر: - د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1990. ص 119؛ و
- Francis S. Ronalds, Jr. The future of International Broadcasting, in The Annals of the American Academy of Political and Social Science, Vol. 397, Nov. 1971, p. 72.
- Colin Cherry, op. cit., p. 109.
(2) أنظر: د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1990. ص 119؛ و
- Francis S. Ronalds, Jr., op. cit., p. 72.
(3) أنظر: د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1990. ص 119؛ و
- Francis S. Ronalds, Jr. The future of International Broadcasting, in The Annals of the American Academy of Political and Social Science, Vol. 397, Nov. 1971, p. 72.
- Colin Cherry, op. cit., p. 109.
(2) أنظر: د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1990. ص 119؛ و
- Ibid., p. 73.
(3) أنظر: رولان كايرول: الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية. ترجمة: مرشلي محمد. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984. ص ص 82-81.
(4) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 3.
(5) أنظر: نفس المصدر السابق. ص 4؛ و
- Richard F. Wood. Shortwave Voices of the World (Park Ridge. New Jersey, Gilfer Associates, 1969) p. 7.
(6) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 4؛ و
- Richard E. Wood, "Language Choice in Transnational Radio" Journal of Communication, Spring 1979, Vol. 29, No. 2 p. 113.
(7) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 4؛ و
- Francis S. Ronalds, "Voises of America" Foreign Policy, Spring 1979 p. 155.
(8) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 4.
(9) أنظر: نفس المصدر السابق. ص 4؛ و
- Arthur W. Macmahon. Memorandum on the Postwar International information Program to the United States (U.S. Depar-tment of State. 1972) p. 44.
(10) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 5؛ وعمر الجويلي: العلاقات الدولية في عصر المعلومات-مقدمة نظرية. مجلة السياسة الدولية العدد 128/1996. ص ص 84-83؛ و
- George L. Codding, Brodcasting Without Barriers (UNESCO 1959) pp. 50-62.
(11) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 6؛ و
- A. Panfilov, Broadcasting Pirates or Abuses the Micropho-ne (Moscow, Progress Publishers, 1981) pp. 10-11.
(12) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 6؛ و
- Collin Cherry, World Communication: Theat or Promise; A Socio-Technical Approash. (N. Y. John, Wiley, 1971)p. 109.
(13) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 6؛ و
- Burton Paulu. Radio and Television Broadcasting in Eastern Europe (Minneapolis, the University of Minnesota Press, 1974) p. 199.
(14) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 8؛ و
- Walter B. Emery, National and International Systems of Broadcasting, (Est Lancing: Michigan State Univ. Press 1969) p. 388.
(15) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 9؛ و
- Panfilov (1981) pp. 20-21.
(16) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص10؛ و
- Panfilov (1981) p. 18.
(17) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 10؛ و
- H. Schuyler Foster, Jr., " The Official Propaganda of Great Britain," Public Opinion Quarterly, April 1939, pp. 266-267.
(18) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 10؛ و
- Sydney W. Head,. Broadcasting in Africa: A Continental Survey of Radio and Television (Philadelphia, Temple University Press, 1974), p. 176.
(19) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 11؛ و
- Codding (1959) p. 23.
(20) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 11؛ و
- Lindley Fraser, Propaganda (London, Oxford University Press, 1957) pp. 77-122.
(21) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 11؛ و
- Leslie Martin, " International Propaganda in Retrospect and Prospect," in Heinz - Dietrich Fischer and John Calhoun Merrill (eds.) International and Intercultural Communications (N.Y. Hasting House, 1976) p. 182.
(22) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 12؛ و
- Hale (1975) p. 12.
(23) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 13؛ و
- Burton Paulu, Radio and Television Broadcasting on the European Continent (Minneapolis, University of Minnesota Press, 1967) p. 4.
(24) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 13؛ و
- Martin (1976) p. 182.
- Hale (1975) p. 13.
(25) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 13؛ و
- Foster (1939) pp. 266-267.
(26) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 14؛ و
- Panfilov (1981) pp. 35-38.
(27) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 15؛ و
- Panfilov, (1981) pp. 49-52.
(28) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 16؛ و
- Panfilov (1981) p.24.
(29) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 16؛ و
- Panfilov (1981) pp. 59-60.
(30) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 18؛ و
- John B. Whitton, "Propaganda in Cold Wars," Pulie Opinion Quarterly Spring 1951, p. 142.
(31) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 19؛ و
- Howland H. Sargeant, "Communication to Open and Closed Societies." in Arthur S. Hoffman (ed.) International Communication and the New Diplomacy (Bloomington. Indiana University Press, 1968) p. 169.
(32) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 20؛ و
- Wood (1979) pp. 114-120.
(33) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 20؛ و
- Claude Jean Bertrand, "Ethics in International Communications," Inter Media, March 1985, pp. 9-12.
(34) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 22؛ و
- Richard Wood, "Language choice in Transnational Radio Broadcasting". Journal of Communication Spring 1979. p. 120.
(35) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 23؛ و
- William A. Hachten, The World News Prism: Changing Media, Clashing Ideologies (Ames, Iowa State Univ. 1981) pp. 56-57.
(36) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص ص 23-24.
(37) أنظر: نفس المصدر السابق. ص 25.
(38) أنظر: نفس المصدر السابق. ص 26.
(39) أنظر: نفس المصدر السابق. ص ص 27-30؛ وصحيفة الرأي العام الكويتية، 19/12/ 1982؛ و
- Mansell, "Information Without Frontiers", IIC, Issues in Communication (IIC, London, 1977) p. 38; Unesco, Statical Yeabook 1982, p. VI-14; Kenneth Gosling, "Big Rise in Radio Listeners," Times Dec. 11, 1981; Dante B. Fascell (ed.) International News: Freedom under Attack (Beverly Hills, Saga Publications, 1979) p. 31; Francis S. Ronalds. "Voices of America" Foreig'n Policy, Vol 34, Spring 1979, p. 155.
(40) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص ص 30-31؛ و
- Chiristian La Brande, "France Plans Massive Growth in Overseas Broadcasting" World Broadcast News, June 1982 p. 12.
(41) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 33؛ و
- Tadao Mafsumoto, "Japan to Improve Overseas Radio" World Broadcast News, June 1983 p. 6.
(42) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 33؛ و
- Barry Streek, "South Africa's Overseas Voise is Growing" World Broadcast News, May, 1982.
(43) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 34؛ وجيرار مانسيل: لماذا الإذاعات الخارجية. نشرة البرامج العربية لهيئة الإذاعة البريطانية، العدد 551 عام 1978؛ و
- Hale (1975) op. cit. Introduetion.
(44) أنظر: د. جهان أحمد رشتي: الإعلام الدولي. دار الفكر العربي 1986. ص 34؛ و
- Voice of America Year Book, 1981 pp. 95-98.
(45) أنظر: د. أحمد بدر الدين: الإعلام الدولي. دراسات في الاتصال والدعاية الدولية. دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع. القاهرة 1998. ص ص 211-213؛ و
Laskin, Paul L., Communicating by Satellites. New York, Twentieth century Fund. 1969.
الفصل الثاني: وكالات الأنباء العالمية.
2/1 - نشأة وتطور وكالات الأنباء العالمية: تعتبر وكالات الأنباء العالمية من المصادر الإعلامية الهامة التي تعتمد عليها وسائل الإعلام الجماهيرية بشكل أساسي للحصول على المواد الإعلامية المختلفة وخاصة آخر الأنباء عما يجري حولنا من أحداث في العالم العاصف دائم التغير. وتدخل هذه الوكالات في إطار التبادل الإعلامي الدولي كجزءٍ من سياسات القوة Power Politics باوير بوليتيكس التي تعتمد عليها الدول الكبرى والدول المتقدمة في العالم لتحقيق جزء هام من سياساتها الخارجية والدفاع عن مصالحها الحيوية في أنحاء العالم.(1) وتعتبر فرنسا المهد الذي رأت فيه النور أول وكالة أنباء في العالم عام 1845.
الجمهورية الفرنسية: في عام 1840 كتب أنوريه دي بلزاك في مجلة باريسية مقالة قال فيها: "أن الجمهور يمكنه التصديق بأنه يوجد صحف كثيرة، ولكن في الحقيقة لا توجد إلا صحيفة واحدة..... فللسيد هافاس مراسلين في العالم بأسره، وتصله الصحف من البلدان المختلفة في الكون، وهو الأول.... لأن كل صحف باريس امتنعت، لأسباب اقتصادية عن العمل لحسابها. بسبب المصاريف، ولكن المصاريف التي يتحملها السيد هافاس أكبر، وله الآن الاحتكار. وكل الصحف التي امتنعت في الماضي عن ترجمة الصحف الأجنبية، وعن اعتماد المراسلين، تتلقى اليوم المساعدة من السيد هافاس الذي يزودها بالأخبار الأجنبية في ساعة محددة لقاء مبلغ شهري .... وتقوم كل صحيفة بصبغ تلك الأخبار التي يرسلها إليها السيد هافاس باللون الأبيض أو الأزرق أو الأخضر أو الأحمر....".(2)
ويعتبر شارل هافاس اليهودي الفرنسي، أول من أطلق اسم وكالة الأنباء على الوكالة التي حملت اسمه أي وكالة هافاس، في باريس عام 1845، وكانت أول وكالة تمارس تجارة الأخبار والإعلانات في العالم.(3) وقد استفاد هافاس من الخبرة التي تكونت منذ القرن السادس عشر لدى الصرافين في مراسلاتهم، واستفاد خاصة من الحادثة التي سمحت لأسرة روتشيلد التي كانت تمارس المراسلة مع الصرافين أن تصبح من الأسر الثرية عندما علمت بخبر انتصار إنكلترا في معركة واترلو قبل حكومة ملك إنكلترا بثمان ساعات. واستفاد هافاس كذلك من الموقع الهام لمكتبه الذي افتتحه عام 1832 وسط العاصمة الفرنسية باريس بالقرب من مركز البريد، وبورصة باريس التجارية، والمحكمة، ومقرات الصحف الباريسية.
ومنذ عام 1857 أخذت وكالة هافاس تتمتع بشهرة واسعة، تتناسب وشعارها (المعرفة الجيدة والسريعة)، واستعملت وكالة هافاس كل الوسائل المتاحة آنذاك لتأدية عملها. من استخدام الحمام الزاجل في الاتصالات اليومية بين باريس ولندن وبروكسل. إلى استخدام التلغراف الذي أخترع عام 1837، ووضع في الخدمة العامة أمام الاتصالات الخاصة، إعتباراً من عام 1850 عبر الكابل البحري الذي امتد تحت مياه بحر المانش عام 1851، وتحت المحيط الأطلسي عام 1866، واستخدمت كذلك التيليسكربتور من عام 1880. وكانت وكالة الأنباء الفرنسية وريثة وكالة هافاس أول من استخدم الراديو تيليسكربتور في العالم عام 1950.
وعندما عانت وكالة هافاس أزمة مالية حادة، أثناء الأزمة الاقتصادية العالمية، في الثلاثينات من القرن العشرين، قامت الحكومة الفرنسية بالتدخل لمساعدتها مادياً.
ولما انهزمت فرنسا أمام ألمانيا النازية مع بداية الحرب العالمية الثانية، وقعت وكالة هافاس تحت السيطرة الألمانية، وحكومة فيشي الفرنسية التابعة لألمانيا، وأصبحت بذلك تابعة للديوان الفرنسي للإعلام، تخضع لرقابة الدولة الفرنسية وجماعة تجارية ألمانية إعتباراً من خريف 1940.(4) في ذلك الوقت الذي اتخذت فيه الحكومة الفرنسية الحرة من لندن مقراً لها تقود منه المقاومة ضد النازية، وليتحول بذلك مكتب وكالة هافاس في لندن وبعض مكاتبها الأخرى في العالم إلى أداة من أدوات كفاح حكومة فرنسا الحرة والحكومة المؤقتة في الجزائر ضد الاحتلال النازي.
وبعد هزيمة النازيين وتحرير فرنسا من احتلالهم عام 1944، صدر مرسوم عن الحكومة الفرنسية بتاريخ 30/9/1944 يقضي بإنشاء وكالة الأنباء الفرنسية AGENCE FRANCE PRESSE (AFP)، كوريثة لما تبقى من وكالة هافاس، تتمتع من الناحية القانونية باستقلال كمؤسسة عامة مستقلة مالياً، مع إمكانية حصولها على إعانات مالية من الحكومة الفرنسية.
وفي عام 1954 ترأس AFP جان ماران، وكان يعمل فيها آنذاك حوالي 2000 موظف و700 صحفي، ولها 18 مكتب في فرنسا، و 92 مكتباً في الخارج، ومراسلين في 157 دولة. وكانت توزع حوالي 500 ألف كلمة يومياً، إضافة لمصالحها في 138 دولة، و12400 مشتركاً بين صحيفة ومحطة إذاعية ومحطة تلفزيونية. و 447 مشتركاً خاصاً.
وتوزع AFP أنباءها باللغات الفرنسية والإنكليزية والإسبانية والألمانية والعربية والبرتغالية. إضافة لامتلاكها لمراكز استماع للإذاعات الأجنبية، وخاصة إذاعة موسكو وبعض الدول الشرقية، والشرق الأوسط والشرق الأقصى. ومركزاها في ليما وسنغافورة اللذان يرسلان الأنباء الهامة مباشرة لمشتركيها في أمريكا اللاتينية وقارة آسيا دون الحاجة لإرسالها عبر باريس. وحققت أعمال AFP عام 1967 مبلغ 89,811,600 فرنك فرنسي، في الوقت الذي كانت فيه ميزانيتها لذلك العام 50 مليون فرنك فرنسي فقط.(5)
وحسب مصادر AFP فإنها تنقل الأنباء بصدق وموضوعية، وتتسم بطابع استقلالي. ولكن المتابعة الموضوعية لما تنشره AFP يظهر لنا بوضوح أنها وسيلة من وسائل السياسة الخارجية الفرنسية، من خلال تركيزها في نقل الأخبار على الأولويات التي تراها مناسبة لها، بما يتناسب والمواقف الفرنسية. ومما يساعد AFP على الانتشار الواسع في العالم الخبرة الطويلة التي تتمتع بها، والمناخ السياسي العام في فرنسا، وإمكانياتها المادية والتقنية وقدرات السياسة الخارجية الفرنسية، إضافة لدعم الحكومة الفرنسية لها.
المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلاندا الشمالية: في عام 1851 افتتح جوليونس رويتر اليهودي الألماني الذي اكتسب الجنسية الإنكليزية عام 1857، وتعلم في باريس على يد شارل هافاس، مكتباً للأنباء في لندن كشركة تجارية عادية، وسرعان ما تحول هذا المكتب إلى وكالة للأنباء ووسيلة هامة من وسائل السياسة الخارجية البريطانية، الأمر الذي ظهر جلياً واضحاً إبان الحرب العالمية الثانية.
واستفاد رويتر من مد الكابل البحري بين دوفر وكالي، ليوفر عامل السرعة في إرسال واستقبال الأنباء. ومن ثم حصل على موافقة سرية أثناء الحرب الأمريكية لمد كابل بحري عبر المحيط الأطلسي ربط بين مينائي كروك و كروكابين على ساحل إيرلاندا. وسير سفناً أبحرت بمحاذاة السفن الأمريكية لتلتقط محافظ الأخبار الجاهزة منها وإيصالها لمراكز التلغراف التابعة له موفراً بذلك حوالي ثمان ساعات عن الطرق المألوفة آنذاك. وأطلق على هذه الطريقة اسم: التلغراف الناقص. وهي الفكرة التي استفادت منها الصحافة الأمريكية عندما أنشأت كبريات الصحف في نيويورك أول وكالة للأنباء اتفقت مع سفن الركاب المتوجهة عبر المحيط الأطلسي لالتقاط الأخبار الواردة من أوروبا عام 1848 بسرعة أكثر من انتظارها في نيويورك.
ومنذ العام 1941 أصبحت وكالة رويتر للأنباء مؤسسة مستقلة "تروست" وفق المفهوم البريطاني. وضم هذا التروست: نيوزبيبر بروبيتورز أسوسيشن، وشركة الصحف اللندنية، وشركة الصحافة، وشركة الصحافة الجهوية، وشركة الصحافة الاسترالية، وصحافة نيوزيلندة، وتعاونية الصحف الاسترالية والنيوزيلندية. ومعنى ذلك أن وكالة رويتر كانت ملكاً غير قابل للتجزئة لعموم الصحف في المملكة المتحدة، باستثناء الصحافة الشيوعية غير الممثلة في تلك الشركات. وعمل في الوكالة حوالي 2000 موظف و 500 صحفي، وكان لها 75 مكتباً في 69 دولة. ووزعت حوالي 1,300 ألف كلمة في اليوم على 6500 مشتركاً و4770 صحيفة في 120 بلداً في العالم. وكانت تملك أكثر مراكز الرصد الإذاعي في العالم، وأوسع خط للتيليسكربتور في العالم، يبلغ طوله 990,700 كلم حتى عام 1967 بامتياز استخدام نافذ لمدة خمسين عاماً. ومنذ عام 1961 استخدمت الكبل البحري الممتد تحت مياه المحيط الأطلسي: لندن - نيويورك.(6) وأثناء الحرب العالمية الثانية تعرضت وكالة رويتر لأزمة مالية حادة، مما دعى الحكومة البريطانية لتقديم بعض المساعدات لها، إلا أنها سرعان ما استغنت عن تلك المساعدات. ويقول الرسميون في وكالة رويترز، أن وكالتهم هي مؤسسة تمثل الصحافة البريطانية أساساً، وأنها تتوخى الموضوعية والدقة في أخبارها. ولكن تحليل مضمون موادها الإعلامية يبين أنها وسيلة من الوسائل الفعالة للسياسة الخارجية البريطانية، وأنها كسائر وسائل الإعلام الجماهيرية البريطانية تستخدم أساليب غاية في الدقة لإخفاء نواياها الحقيقية، الأمر الذي يساعدها للقول: أنها تعمل بموضوعية.
جمهورية ألمانيا الاتحادية: وفي برلين أفتتح اليهودي الألماني برنارد وولف الذي تتلمذ في باريس على يد شارل هافاس، مكتباً صحفياً أطلق عليه إسمة عام 1849. ومن ثم أنشأ الخط التلغرافي للدولة البروسية الذي ربط بين برلين وأكس لاشبال. وبقيت وكالة وولف للأنباء أكبر وكالة أنباء في أوروبا حتى هزيمة ألمانيا النازية على أيدي الحلفاء.(7) وكانت هذه الوكالة واحدة من أكثر الوسائل فعالية من بين وسائل تنفيذ السياسة الخارجية الألمانية، وخاصة أثناء العهد النازي في ألمانيا، حيث أثبتت تفوقها حتى على وكالة معلمه هافاس الفرنسية. وانتهت هذه الوكالة بهزيمة ألمانيا النازية، لتحل محلها وكالة الصحافة الألمانية DPA التي تأسست عام 1949 في هامبورغ Hamburg كشركة تعاونية يملكها ناشري الصحف ومحطات البث الإذاعي، على قاعدة وكالة الأنباء DENA في المنطقة الخاضعة للولايات المتحدة الأمريكية من ألمانيا، ووكالة الأنباء DPD في المنطقة الخاضعة لبريطانيا، ووكالة الأنباء SUEDENA في المنطقة الخاضعة لفرنسا، وافتتحت 46 مكتباً لها في ألمانيا و70 مكتباً في الدول الأجنبية، وتحصل DPA من مراسليها في ألمانيا ومختلف العواصم العالمية يومياً على 200 ألف كلمة توزع منها الثلث على مشتركيها عبر شبكتها الإلكترونية للتوزيع، لتصبح بذلك وسيلة من وسائل تنفيذ السياسة الخارجية لألمانيا الاتحادية، وفق الدور المسموح لها به في السياسة الدولية، وبعد إنهيار الإتحاد السوفييتي، وحلف وارسو، والمنظومة الاشتراكية، وهدم جدار برلين الشهير، وانضمام الأراضي الشرقية التي كانت تعرف بجمهورية ألمانيا الديمقراطية إلى ألمانيا الاتحادية في مطلع التسعينات من القرن العشرين، جرت محاولة فاشلة خلال صيف 1990 لدمج وكالة الأنباء DPAمع منافستها وكالة أنباء جمهورية ألمانيا الديمقراطية: DEUTSCHE NACHRICHTENDIENST ALLGEMEINE وفي عام 1992 سلم مجلس الوصاية وكالة الأنباء ADN لبولكو هوفمان صاحب Effectenspiegel A G في دوسلدورف، والذي يملك أيضاً القسم الأكبر من رأس مال وكالة: (DEUTSCHER DEPESCHEH - DIENST) لتصبح بذلك وكالة الأنباء الألمانية DPA، ووكالة ADN، ووكالة DDP (DEUTSCHE DEPESCHEN - DIENST) من وسائل تنفيذ السياسة الخارجية لألمانيا الاتحادية. إلى جانب وكالات الأنباء الدينية EPD و KNA و VWD.
الولايات المتحدة الأمريكية: كونت بعض الصحف الأمريكية عام 1848 في نيويورك جمعية أطلقت عليها اسم جمعية أخبار الميناء Harbour News Association، لتستفيد من خدماتها الإخبارية. وفي عام 1856 تبدل اسم هذه الجمعية إلى نيويورك أسوشيتد بريس New York Associated Press وتبع ذلك قيام عدد من وكالات الأنباء الصغيرة في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة الأمريكية. وكان الهدف من إقامة تلك الوكالات، الاقتصاد في نفقات الحصول على الأنباء، وأدى اتجاه هذه الوكالات نحو التركيز في نشاطاتها إلى نشوء الاحتكارات الإعلامية داخل السوق الأمريكية.
ويشترك في عضوية مجلس إدارة AP عدد من ممثلي الصحف والإذاعات الأمريكية، طبقاً لإسهاماتهم المالية، ويتكون مجلس الإدارة من 18 عضواً يتم انتخابهم مرة كل ثلاث سنوات، ويعين هذا المجلس المدير العام للوكالة. وتعمل الوكالة بشكل مستقل معتمدة في مواردها المالية على اشتراكات المشتركين فيها، وكان لها 34 مكتباً رئيسياً دائماً، ومئات المكاتب الصغيرة، وكانت تملك 600 ألف كم من خطوط التلغراف عبر أكثر من 100 دولة في العالم، وبلغ عدد موظفيها 7500 موظفاً. وقد تشكلت الوكالة أساساً على شكل جمعية تعاونية دون أهداف معلنة، وبلغ عدد المشتركين فيها 1778 صحيفة ومجلة أمريكية، و 2042 محطة إذاعية مسموعة ومرئية. وكانت توزع في اليوم أكثر من 3 ملايين كلمة، على 8500 مشترك في العالم.(8) وفي عام 1958 اندمجت كلاً من: - United Press Association وكالة يونايتيد بريس أسوسييشين. التي تأسست عام 1907 نتيجة لاندماج عدد من وكالات الأنباء الأمريكية المحلية، ولم تشترك الوكالة منذ تأسيسها في الاحتكار الدولي للأنباء مفضلة العمل بحرية داخل سوق الأنباء العالمية، كجمعية تعاونية (شركة تجارية). - و International News Service وكالة إنترناشيونال نيوز سيرفيس. التي تأسست عام 1909 وكانت عضواً في الاحتكار الدولي للأنباء. وشكلتا مع بعضهما بعد الدمج وكالة اليونيتيد بريس إنترناشيونال UPI. كمؤسسة تجارية عادية، لها 148 مكتباً في الولايات المتحدة الأمريكية، و100 مكتباً موزعة في مختلف دول العالم. وبلغ عدد موظفيها حوالي 10 آلاف موظف دائم. ووزعت أكثر من 4 ملايين كلمة يومياً إلى 114 دولة في أنحاء العالم بـ 48 لغة. إضافة لامتلاكها لقناة خاصة لتوزيع الصور الفوتوغرافية (أونيفاكس) تعمل على مدار الساعة. وبلغ عدد المشتركين فيها 3609 صحف، و2325 محطة إذاعية مسموعة، و 528 محطة إذاعية مرئية، و622 مشتركاً خاصاً.(9)
وتعتبر وكالات الأنباء الأمريكية أداةً فعالة من أدوات تنفيذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، بفضل الانتشار العالمي الواسع الذي تتمتع به، ولاعتماد الكثير من وسائل الإعلام الجماهيرية في شتى أنحاء العالم عليهم كمصدر لتلقي الأخبار العالمية. وهو ما أثبتته دراسات تحليل المضمون التي تناولت خدمات تلك الوكالات، حيث تبين أنها تعرض مختلف الموضوعات وفقاً لمفهوم السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، والأولويات التي تطرحها تلك السياسة، ومن خلال متابعتها لتطورات الأحداث من خلال الخبر والتعليق، واستخدام المصطلحات Semantics.(10)
ومن المعروف أن وكالات الأنباء العالمية توزع أخبارها وفقاً لأولويات سياستها الإعلامية الخاصة، فإذا كان هناك خبراً عاجلاً وضعت في مقدمته عبارة Snap أو Urgent التي ترتبط بالأصوات العالية التي تحدثها أجراس أجهزة استقبال الأخبار، بقصد التنبيه لأهمية الخبر، وأثبتت دراسات تحليل المضمون أن هذا التوزيع كان مطابقاً للسياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في أكثر الحالات المدروسة.
وهذا يعني أن وكالات الأنباء العالمية الأمريكية تعتبر أداة من أدوات تنفيذ السياسة الخارجية الأمريكية، وتعكس الأدوات الأخرى التي تعتمد عليها السياسة الخارجية الأمريكية، إضافة لتمتع وكالات الأنباء بخصائص إضافية منها تعدد المصادر التي تستقي منها الأخبار، ومنافستها لغيرها من وكالات الأنباء العالمية في الحصول على الأخبار، وتوزيعها لتلك الأخبار على مشتركيها قبل حصول الوكالات المنافسة على تلك الأخبار. وهو ما يعرف في عالم الصحافة بالسبق الصحفي. إضافة لتمتع وكالات الأنباء الأمريكية بقدرات مالية وتكنولوجية هائلة، وكوادر مؤهلة كفوءة تجعل منها أكثر قدرة على التنافس من وكالات الأنباء العالمية في دول العالم الأخرى.
روسيا الاتحادية: أنشأ النظام الجديد في روسيا بعد استيلاء البلاشفة على السلطة عام 1917، وكالة التلغراف الروسية التي باشرت عملها ابتداء من عام 1918، وبعد قيام الإتحاد السوفييتي تغير اسمها إلى وكالة التلغراف للإتحاد السوفييتي TASS وكانت تابعة لمجلس الوزراء في الإتحاد السوفييتي السابق ويديرها أحد أعضاء المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي السابق، وكانت تجمع الأخبار في 60 دولة، وتوزعها على المشتركين في 40 دولة، إضافة لاحتكارها تجميع وتوزيع الأخبار داخل جمهوريات الإتحاد السوفييتي السابق، باعتبارها المصدر الوحيد والإلزامي لجميع الصحف السوفييتية. وكان يعمل في هذه الوكالة حوالي 1500 موظف، ومقرها موسكو، وكانت توزع حوالي 1500 كلمة في اليوم كلها نصوص رسمية وشبه رسمية.(11) وبعد إنهيار الإتحاد السوفييتي تحولت هذه الوكالة إلى وكالة ITAR TASS بينما تحولت فروعها في الجمهوريات السوفييتية السابقة إلى وكالات أنباء وطنية للجمهوريات المستقلة.
وفي عام 1961 أنشأت الحكومة السوفييتية وكالة نوفوستي الصحفية، لإنتاج المواد الإعلامية التي تعكس أوجه الحياة في الإتحاد السوفييتي السابق، وتعد هذه الوكالة مكملة لوكالة تاس في الإعلام السوفييتي، الذي عمل في إطار السياسة السوفييتية الداخلية والخارجية.
وقد سارت وسائل الإعلام الجماهيرية السوفييتية، في إطار النظام الشيوعي السوفييتي الذي استخدم الدعاية كوسيلة من الوسائل الأساسية لتحقيق أهدافه، من خلال الإقناع وغسل الأدمغة، والتلقين الإيديولوجي، والتركيز على وجهة النظر السوفييتية فقط، وإهمال كل وجهات النظر الأخرى. خاضعة تماماً لسيطرة الحزب الشيوعي السوفييتي، ولا سيما لجنته المركزية، ومكتبه السياسي.
ولم تعرف وسائل الإعلام الجماهيرية السوفييتية طيلة فترة حياتها السبق الصحفي، كما هي الحال في وسائل الإعلام الجماهيرية في غرب أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والدول السائرة على النمط الغربي. وكثيراً ما كانت تحدث أحداث جسيمة في الإتحاد السوفييتي نفسه وفي دول العالم الأخرى دون أن تنقلها وسائل الإعلام الجماهيرية السوفييتية بناءً على تقدير السلطات السوفييتية. ولهذا كان المواطن السوفييتي ملماً بمسائل من نوع خاص يحصل عليها بناءً على حسابات السلطة السوفييتية، ولا يعرف الكثير مما يدور حوله من شؤون العالم. وكثيراً ما كانت الأخبار تذاع بتأخير كبير قد يتجاوز عدة أيام بعد وقوع الحدث.(12) وكانت تلك الأخبار بعيدة عن الموضوعية، تنشر الحقائق التي تدخل في إطار السياستين الداخلية والخارجية للدولة فقط.
وبهذا كانت تاس ونوفوستي أداة طيعة من أدوات الدعاية للسياسة الخارجية السوفييتية، حتى أن الكثير من الدول غير الشيوعية كانت تتجنب الاعتماد على وكالة تاس، وأن بعض تلك الدول اشتركت في وكالة تاس مجاملة للإتحاد السوفييتي كقوة عظمى آنذاك. وكانت تنشر حيزاً ضئيلاً جداً من الأخبار التي يوزعها الإعلام السوفييتي، وخاصة تلك التي تمس بشكل مباشر الإتحاد السوفييتي السابق وحلفائه المقربين. واقتصر اعتمادها على ما توزعه وكالات الأنباء الغربية فقط.
2/2 - وكالات الأنباء الوطنية: الوكالات الوطنية للأنباء هي وكالات تمارس جمع وتوزيع الأنباء الداخلية في الدولة المعنية، وترتبط بوكالات الأنباء العالمية باتفاقيات ثنائية تخولها التقاط الأخبار التي توزعها تلك الوكالات ومن ثم توزيعها داخل الدولة المعنية من خلال شبكة توزيعها الخاصة. وهناك وكالات أنباء وطنية تتمتع بشهرة دولية تتعدى حدود الدولة المعنية، ومن أشهر هذه الوكالات:
وكالة أنباء الصين الجديدة Agence Hsin Hua: أنشأت وكالة أنباء الصين الجديدة في 1/9/1937 لتحل مكان وكالة أنباء الصين الحمراء التي أسست عام 1929.(13) وتخضع هذه الوكالة للإشراف المباشر لمجلس الدولة والحزب الشيوعي الصيني، وهي المصدر الوحيد للأنباء بالنسبة لوسائل الإعلام الجماهيرية الصينية. مقرها في العاصمة بكين، ولها مكاتب في شنغهاي، وشن يانغ، وهان كيو، وسيان، وتشينغ كينغ، وعدد كبير من المراسلين في أنحاء الصين، و59 مكتباً خارج الصين منها 18 مكتباً في دول لا تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين. وتنشر وكالة أنباء الصين الجديدة يومياً حوالي 62 ألف كلمة، منها 32 ألف كلمة تعالج الأخبار المحلية و 30 ألف كلمة تعالج الأخبار الدولية، إضافة للتقارير الصحفية التي تعكس وجهة النظر الرسمية الصينية من الأحداث المحلية والعالمية.
ووكالتي الأنباء اليابانيتين: وكالة أنباء كيودو نيوزسرفيس Kyodo Tsushin؛ ووكالة أنباء جيجي بريس سرفيس Jiji Tsushin اللتان أسستا عام 1945 بعد اختفاء الوكالة الرسمية للأنباء Domei.(14) وتعتبر وكالة كيودو التعاونية أول وكالة استخدمت طريقة Telefax لإرسال المعلومات عام 1949، كما واستخدمت Tele type Kanji الذي أقيم بالقرب من طوكيو وافتتح نحو 50 مركزاً وشبكة من المراسلين خارج اليابان، منذ عام 1960. أما وكالة أنباء جيجي فقد تشكلت كشركة مساهمة تهتم بالأخبار الاقتصادية والمالية، ومن ثم بدأت بتوسيع خدماتها الإعلامية إعتباراً من عام 1965 لتشمل الأحداث كافة.
وكالة الأنباء الكورية ينخاب تخونسين: أول وكالة أنباء كورية كانت وكالة أنباء خيبان تخونسين التي تأسست في عام 1945 مباشرة بعد إعلان قيام جمهورية كوريا. وتبعتها العديد من وكالات الأنباء الوطنية الصغيرة التي بمعظمها لم تستطع الاستمرار في العمل لصعوبات عدة. وفي عام 1980 ونتيجة لاندماج وكالتي الأنباء الكوريتيين الجنوبيتين خابتون، وتونيان ظهرت وكالة أنباء ينخاب تخونسين التي استطاعت السيطرة على الخدمات الإخبارية في كوريا بعد ابتلاعها لثلاث وكالات أنباء وطنية صغيرة، لتصبح بذلك وكالة الأنباء المسيطرة في جمهورية كوريا. ويعمل في الوكالة 100 مراسل و 300 صحفي، ولها 13 مكتباً إعلامياً في أوروبا وأمريكا الشمالية والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. وتتعامل مع 45 وكالة للأنباء بينها وكالات الأنباء العالمية الكبيرة أسوشيتد بريس، وUPI، ورويترز، وفرانس بريس. وتقدم خدماتها الإعلامية باللغة الكورية لـ 500 مشتركاً محلياً، وتقدم خدمات إعلامية بحدود 5 آلاف كلمة يومياً باللغة الإنكليزية لـ 110 مشتركين أجانب.(15)
وكالة الأنباء الإيطالية (أنسا): Agenzia Nazional stamp associata (ANSA) أنشأت وكالة الأنباء الإيطالية (أنسا):(16) على أنقاض وكالة أنباء Stefani التي عملت دون انقطاع من عام 1853 حتى هزيمة الفاشية في الحرب العالمية الثانية. وفي 13/1/1945 بدأت أنسا عملها كشركة تعاونية ذات مسؤولية محدودة، تضم كافة الصحف اليومية الإيطالية.
وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية: MIDDLE EAST NEWS AGENCY (MENA) تعد وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية(17) أول وكالة أنباء في مصر ومنطقة الشرق الأوسط والقارة الإفريقية، وأنشأت عام 1956 كشركة مساهمة تمتلكها الصحف المصرية مناصفة مع الدولة، وانتقلت ملكيتها بالكامل عام 1962 إلى الدولة وأصبحت إحدى الشركات التابعة لاتحاد الإذاعة والتلفزيون، ومن ثم انتقلت ملكيتها إلى مجلس الشورى المصري عام 1978. وللوكالة مكتبين رئيسيين في القاهرة وباريس، ويعمل فيها 1067 موظفاً منهم 390 صحفياً، وتبث الوكالة يومياً: - نشرة أنباء الشرق الأوسط باللغة العربية نحو 57 ألف كلمة تقريباً. - نشرة أنباء الشرق الأوسط باللغتين الإنكليزية والفرنسية نحو 23,800 كلمة تقريباً. - النشرة الدولية الخاصة نحو 13,260 كلمة تقريباً. - النشرة الاقتصادية نحو 17,930 كلمة تقريباً. كما وتبث التحقيقات والصور للمشتركين في داخل مصر وخارجها، وللوكالة 4 مكاتب و21 مراسلاً داخل مصر، و 30 مكتباً ومراسلاً في العواصم العالمية.
وتتبادل الوكالة الأنباء والصور مع 25 وكالة أنباء عربية وأجنبية، ولها إسهام في تطوير التعاون الإعلامي بين الدول العربية والإفريقية. وتسهم في تدريب الكوادر الإعلامية للدول العربية والصديقة عن طريق دورات تدريبية منتظمة في مجال التحرير والإدارة والهندسة الإعلامية. وتقيم الوكالة علاقات تعاون مع وكالات الأنباء العالمية ووكالات الأنباء العربية ووكالات أنباء دول عدم الانحياز ووكالات الأنباء الإفريقية عن طريق الاتفاقيات الثنائية. وهي وكالة الأنباء الوحيدة في العالم الثالث التي تسمح بتدفق الأنباء محلياً إلى وسائل الإعلام الجماهيرية المصرية من خلال كافة وكالات الأنباء مباشرة ودون تدخل أو وصاية منها كوكالة قومية في مصر.
وقد دخلت وكالة أنباء الشرق الأوسط عالم الكمبيوتر منذ عام 1990، وبدأت باستخدام الأقمار الصناعية في نقل الأخبار إعتباراً من 25/10/1994.
2/3 - إتحادات وكالات الأنباء: وهناك تجمعات لوكالات الأنباء تأخذ إما طابعاً إقليمياً أو قارياً أو منحى سياسياً معيناً أو تخصصاً، منها: - إتحاد وكالات الأنباء الأوروبية الذي يضم أكثر من 16 بلداً أوروبياً؛ - وإتحاد وكالات الأنباء العربية الذي يضم وكالات أنباء الدول العربية؛ - وإتحاد وكالات الأنباء الإفريقية، الذي يضم وكالات أنباء الدول الإفريقية. - وإتحاد وكالات الأنباء الأسيوية، ...وغيرها من التكتلات والتجمعات.
2/4 - وكالات الأنباء المتخصصة: أما الوكالات المتخصصة فهي التي تقدم خدمات إعلامية في موضوع معين ديني أو رياضي....إلخ. أو مواد إعلامية جاهزة للنشر، أو الصور الصحفية، مثال: وكالة فيدس في الفاتيكان؛ ,وكالة الأنباء الإسلامية؛ ووكالة جويس تلغرافيك؛ ووكالة كيوسنون؛ ووكالة أجيب؛ ووكالة دلماس؛ ووكالة إنتربريس؛ ووكالة فاما.
وتعتبر وكالة Opera Mundi أوبيرا ماندي التي تمثل في أوروبا مصالح: King's Features Syndicate americain من أقدم الوكالات الصحفية المتخصصة في تقديم النصوص الصحفية الجاهزة في العالم، وكان قد أنشأها بول وينلكار عام 1928، لتوزع المقالات بلغات العالم المختلفة عن الأحداث الهامة، ومقالات عن الشخصيات الكبيرة في العالم، وريبورتاجات مصورة.
وتتميز هذه الوكالات المتخصصة بفهمها العميق لأذواق الجمهور، وميوله العلمية والاقتصادية والثقافية والفنية. وفي الختام يجب أن نؤكد على ملاحظة هامة مفادها أن معظم وكالات الأنباء الوطنية في الدول النامية تتميز بخضوعها التام لسلطة الدولة الموجودة فيها، أو خضوعها للرقابة الصارمة من قبل الدولة التي تمارس نشاطها الإعلامي داخلها.(18)
2/5 - الاحتكار الإعلامي الدولي: لم يزل العالم يتجه باضطراد نحو تحطيم الحواجز القائمة بين الشعوب، كما وتتجه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في العديد من دول العالم نحو الاتسام بطابع العالمية. ورغم التقدم الهائل لوسائل الاتصال نرى أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في العالم، لم تزل تعتمد في القسط الأكبر من أخبارها على وكالات الأنباء العالمية الأربع رويترز، والأسوشيتد بريس، واليونيتد بريس، ووكالة الأنباء الفرنسية. رغم الجهود الحثيثة التي تقوم بها وكالات الأنباء الوطنية، وشبكة المراسلين الأجانب في جميع دول العالم تقريباً، والذين يراسلون مباشرة وسائل الإعلام الجماهيرية التي ينتمون إليها والمنتشرة في مختلف دول العالم.
ويرتبط الاحتكار الإعلامي الدولي والتركيز في عملية التبادل الإعلامي الدولي بالمشاكل السياسية والاقتصادية التي تتصدى لها مختلف دول العالم، والتي نتج عنها احتكار قلة قليلة من دول العالم لمصادر الأنباء العالمية من خلال وكالات الأنباء والإذاعات وقنوات الإذاعة المرئية والصحف والمجلات الهامة والمنتشرة عالمياً، إضافة لاحتكارها لشبكة وسائل الاتصال الحديثة وخاصة شبكة الإنترنيت العالمية والأقمار الصناعية التي تتولى نقل ما تبثه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية إلى كافة أنحاء العالم.
ومن الناحية التاريخية نرى أن وكالة الأنباء الفرنسية هافاس Havas، ووكالة الأنباء البريطانية رويترز Reuters، ووكالة الأنباء الألمانية وولف Wolff قد قامت بتقسيم العالم قبل أكثر من قرن ونيف من الزمن إلى مناطق نفوذ إعلامية، تمشياً مع السياسة الاستعمارية التي كانت تتبعها آنذاك الدول الأوروبية وخاصة فرنسا وبروسيا وبريطانيا، الشركاء الثلاثة في الاحتكار الدولي للأنباء. وكان همهم الوحيد آنذاك الحصول على الربح ودعم الحكومات المتعاونة معها في الداخل، وتقديم المساعدة والمؤازرة لها للاحتفاظ بالسلطة والأوضاع الراهنة.
واتفقت وكالات الأنباء الثلاث على تنسيق أعمالها عام 1856 لتجنب المنافسة، وتحقيق معدلات عالية من الربح، وتزايد الاحتكار الدولي للأنباء بعد توقيع اتفاقية الأنباء عام 1870 حيث قسم العالم إلى عدد من مناطق النفوذ، يكون لكل منها وكالة أنباء معينة لها الحق الكامل في جمع وتوزيع الأنباء فيها. وعلى هذا الأساس منحت وكالة الأنباء الألمانية وولف حق السيطرة على جمع ونقل الأنباء من وإلى ألمانيا والنمسا وهولندا واسكندينافيا والإمبراطورية الروسية والبلقان، وكانت وكالة أنباء فيينا آنذاك تابعة لوكالة الأنباء الألمانية وولف. بينما منحت وكالة الأنباء الفرنسية هافاس نفس الحق في إيطاليا وسويسرا وإسبانيا والبرتغال وأمريكا الوسطى والجنوبية، ومصر بالتعاون مع وكالة الأنباء البريطانية رويترز. ومنحت وكالة الأنباء البريطانية رويترز نفس الحقوق في الإمبراطورية البريطانية والشرق الأقصى والإمبراطورية العثمانية، ومصر بالاشتراك مع وكالة الأنباء الفرنسية هافاس. أما وكالة الأنباء الأمريكية The New York Associated Press نيويورك أسوشيتد بريس، وكانت عضو صغير في الاحتكار الدولي فقد منحت نفس الحقوق داخل الولايات المتحدة الأمريكية فقط. بينما اعتمدت The Russian Telegraph Agency وكالة الأنباء الروسية على وكالة الأنباء الألمانية وولف. ورغم تمتع وكالة الأنباء الأمريكية الأسوشيتد بريس بعد إعادة تنظيمها، بكامل العضوية في هذا الاحتكار الدولي، خلال السنوات العشر الأولى من القرن العشرين، إلا أنها لم تحقق نجاحاً ملحوظاً أمام منافسة شركائها في الاحتكار. ورفضت طلب الصحف الأمريكية الجنوبية للتعاون معها بعد أن ضاقت تلك الصحف ذرعاً من الدعاية الفرنسية والأنباء التي كانت تزودها بها وكالة الأنباء الفرنسية هافاس.
وبدأ الاحتكار بالتداعي عندما بدأت وكالة الأنباء الأمريكية اليونيتيد بريس التي لم تدخل في عضوية الاحتكار العالمي للأنباء، بمنافسة وكالة الأسوشيتد بريس، في سوق الأنباء العالمية، ودخولها سوق أمريكا الجنوبية، فما كان من الاحتكار الدولي إلا أن منح وكالة الأنباء الأمريكية الأسوشيتد بريس العضو في الاحتكار حق السيطرة المطلقة على تلك السوق. واستمرت الحال حتى مطلع الثلاثينات من القرن الحالي حين خرقت وكالة الأنباء الأمريكية الأسوشيتد بريس الاتفاق المبرم مع الاحتكار الدولي، وبدأت باستغلال السوق اليابانية الغنية متحدية الاحتكار القائم لوكالة الأنباء البريطانية رويترز فيها. وكان من الطبيعي أن تهتم وتدعم وكالة الأنباء الفرنسية هافاس خط السياسة الخارجية الفرنسية، ووكالة الأنباء البريطانية رويترز خط السياسة الخارجية البريطانية، ووكالة الأنباء الألمانية وولف خط السياسة الخارجية الألمانية.
وكانت النتيجة اختفاء هذا الاحتكار الدولي بعد غياب الوكالة الألمانية في خضم الدعاية النازية، وإحراق وكالة الأنباء الفرنسية هافاس لاتهامها بالتفريط بالمصالح القومية الفرنسية، لتحل مكانها وكالة الأنباء الفرنسية AFP كوكالة أنباء دولية بارزة، واستمرت وكالتي رويترز البريطانية، والأسوشيتد بريس الأمريكية في العمل، مع ظهور وكالة الأنباء السوفييتية تاس TASS، كوكالة أنباء دولية من نمط خاص. والتي تحولت بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي السابق إلى وكالة إتار تاس الروسية وتحولت فروعها في الجمهوريات المستقلة عن الإتحاد السوفييتي السابق، إلى وكالات وطنية للأنباء في تلك الدول.
ومن هنا نرى أنه إضافة للاحتكار وتوزيع مناطق النفوذ في عملية التبادل الإعلامي الدولي، فإن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، حرصت على نقل وتوزيع الأخبار والتعليقات والتحليلات السياسية والاقتصادية والعسكرية من منظور المصالح التي تمثلها، أخذة بعين الاعتبار مصالحها السياسية والاقتصادية الخاصة بها. وهذه معضلة لم تزل تعاني منها الدول الأقل تطوراً والدول النامية والدول الفقيرة، المضطرة لاستخدام ما يصلها من المصادر الإعلامية الدولية، متأثرة بمواقف تلك المصادر.
وهذا يفسر محاولات بعض الدول الأقل تطوراً والدول النامية، للتكتل عالمياً وإقليمياً لإنشاء وسائل اتصال وإعلام جماهيرية قوية، يمكن أن تخلصها من احتكار وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، لجمع ونقل وتوزيع ونشر الأنباء عالمياً. كمجمع وكالات أنباء دول عدم الانحياز الذي كان يضم في عهده الزاهر دولاً متقاربة من التطلعات وفي الآمال العريضة، بتجمع يأخذ باعتباره دول العالم الثالث فيرعى مصالحها ويذود عن حقوقها، ويكسر احتكارات الدول الكبرى وسيطرتها على تدفق الأخبار على النحو الذي يرضي احتكاراتها تلك، ويلبي بواعث سطوتها العسكرية ومصالحها الاقتصادية. وبرغم الآمال التي علقت على ذلك التجمع وما كان يميزه من تقارب التطلعات والمساعي إلا أنه لم يتمكن من مواجهة الوكالات الكبرى ولاستطاع أن يعدل مسار التدفق الإعلامي غير المتوازن، فظلت الأخبار تصب من الشمال الغني المتطور إلى الجنوب الفقير فتغرقه بمواقفها وتثير الفتن الدينية والعرقية والقومية فيه.(19)
هوامش الفصل الثاني:
(1)- انظر:
UNESCO: World Trends of News Agencies, in International Communication Media, Channels, Functions Edited by Heinz Dietrich Fischer and John C. Merrill. New York, Hastings House Publishers, 1970, pp. 57-65.
(2) أنظر: رولان كايرول: الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية. ترجمة: مرشلي محمد. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر 1984. ص ص 101- 102.
(3)- أنظر: نفس المصدر. ص 102؛ ود. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية. القاهرة 1990. ص 110؛ ود. عبد العزيز الغنام: مدخل في علم الصحافة. الجزء الأول، الصحافة اليومي. دار النجاح. بيروت 1972. ص80.
(4)- أنظر: رولان كايرول: الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية. ترجمة: مرشلي محمد. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984. ص 105؛ د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 110؛ وتقارير خاصة عن وكالات الأنباء. وزارة الإرشاد القومي، القاهرة.
(5)- أنظر: رولان كايرول: الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية. ترجمة: مرشلي محمد. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984. ص ص 105-106.
(6) أنظر: نفس المصدر. ص ص 103-106، 568-569؛ ود. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 111.
(7)- أنظر: رولان كايرول: الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية. ترجمة: مرشلي محمد. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984. ص ص 103-106، 568-569؛ ود. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 111؛ وهيرمان ماين: وسائل الإعلام الجماهيرية في جمهورية ألمانيا الاتحادية. كوللوكيوم، ألمانيا 1996، ص ص 128-130. (باللغة الروسية)
(8) أنظر: د. عبد العزيز الغنام: مدخل في علم الصحافة. ج1، الصحافة اليومية. دار النجاح، بيروت 1972. ص ص 81-82؛ ورولان كايرول: الصحافة المكتوبة والسمعية والبصرية. ترجمة: مرشلي محمد. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984. ص 107.
(9)- أنظر: نفس المصدر. ص ص 107-108.
(10)- أنظر: د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 107.
(11) أنظر: رولان كايرول: الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية. ترجمة: مرشلي محمد. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984. ص 104، ص 108؛ ود. عبد العزيز الغنام: مدخل في علم الصحافة. الجزء الأول- الصحافة اليومية. دار النجاح، بيروت 1972. ص 84-85؛ ود. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 108-109.
(12) أنظر:
- Charles R. Wright: Mass Communication, A Sociological Perspective, New York, Random House. 1959. pp. 26-34.
(13) أنظر: رولان كايرول: الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية. ترجمة مرشلي محمد. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984. ص ص 607-609.
(14) أنظر: نفس المصدر. ص 596.
(15) أنظر: كوريا أرقام وحقائق. الخدمات الإعلامية لجمهورية كوريا، سيؤول 1993. ص ص 118-119.(باللغة الروسية)
(16) أنظر: رولان كايرول: الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية. ترجمة مرشلي محمد. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984. ص ص 544-546.
(17) أنظر: الكتاب السنوي 1995. وزارة الإعلام، الهيئة العامة للاستعلامات، القاهرة 1996. ص ص 380-382.
(18) أنظر: د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 112؛ ورولان كايرول: الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية. ترجمة مرشلي محمد. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984. ص ص 111-113.
(19) أنظر: د. محمد البخاري: مبادئ الصحافة الدولية والتبادل الإعلامي الدولي. جامعة طشقند الحكومية، طشقند 1997. ص ص 58-60؛ ود. جيهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الإعلام. دار الفكر العربي، القاهرة 1978. ص 373؛ ود. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص ص 61- 63؛ وعزت السيد أحمد: العولمة وإعادة هيكلة الاقتصاد العالمي. مجلة المعرفة (السورية). 1998، العدد: 416. ص ص 78-94؛ و
- Theodore E. Kruglak: The International News Agencies and the Reduction of International Tensions, Symposium Ljubljana, 1968. op. cit., pp. 240-244; Marshall McLuhan, Quentin Fiore: The Medium is the Massage: An Inventory of Effect (N. Y. Bantam Books 1967) pp. 26-40.
الفصل الثالث: الصحافة الدولية: تعد الصحف والمجلات الدولية وسيلة هامة من وسائل التبادل الإعلامي الدولي، نظراً للإمكانيات الهائلة التي تملكها. سواء أكانت تلك الإمكانيات تقنية أم بشرية، أم مالية. إضافة للعدد الضخم من النسخ التي تصدرها وتوزعها في مختلف دول العالم، وما يترتب عن هذا التوزيع من نتائج سياسية لصالح الدول المصدرة داخل الدول المستوردة.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، يلاحظ أن متوسط توزيع الصحف اليومية ذات الاهتمامات العامة يزيد عن 59 مليون نسخة. وتذكر بعض المراجع إلى أن أوروبا تستهلك 38% من الصحف اليومية العالم، وأن أمريكا الشمالية تستهلك 23% من تلك الصحف، وأن القارات الثلاث آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية تستهلك حوالي 26% من الصحف اليومية الدولية على الرغم من أن سكان هذه القارات يشكلون 70% من سكان العالم.(1) ومن الصحف الدولية البارزة في الولايات المتحدة الأمريكية: صحيفة نيويورك تايمز New York Times؛ وصحيفة واشنطن بوست Washington Post؛ وصحيفة شيكاغو تريبيون Chicago tribune؛ وصحيفة نيويورك ديلي نيوز New York Daily News.
ومن الصحف البريطانية: صحيفة تايمز The Times؛ وصحيفة غارديان The Guardian؛ وصحيفة فايننشال تايمس Financial Time؛ وصحيفة صنداي تايمز The Sunday Times.
ومن الصحف الفرنسية: صحيفة لوموند Le Mondde؛ صحيفة لورور L'aurore؛ صحيفة لوفيغارو Le Figaro. إضافة إلى صحيفة إنترناشيونال هيرالد تربيون التي أنشأت عام 1887 وتصدر في باريس، إلى جانب إصدارها من قبل صحيفة النيويورك تايمز، وصحيفة واشنطن بوست في الولايات المتحدة الأمريكية.
وجريدة العرب الدولية: الشرق الأوسط ASHARQ AL-AWSAT التي تصدر من لندن باللغة العربية، عن الشركة السعودية للأبحاث والتسويق البريطانية المحدودة. وتوزع في أنحاء العالم، وتطبع في وقت واحد في كل من: الظهران، والرياض، وجدة، في المملكة العربية السعودية. والكويت، والدار البيضاء، والقاهرة، وبيروت، وفرانكفورت، ومارسيليا، ولندن، ونيويورك. وتنقل عبر شبكة الإنترنيت الدولية.
ومن المجلات الدولية البارزة في الولايات المتحدة الأمريكية: مجلة تايم Time؛ مجلة نيوزويك News Week. ومن المجلات الفرنسية: مجلة باري ماتش؛ مجلة إكسبريس Express. ومن المجلات البريطانية: مجلة إيكونوميست Economist. إضافة للمجلات الدولية المتخصصة بمنطقة معينة من العالم كمجلة أفريكا AFRICA التي تصدر في لندن، ومجلة جون أفريك التي تصدر في باريس. وتوزع هذه الصحف والمجلات على نطاق عالمي واسع، إذ يبلغ عدد ما توزعه مجلة تايم الأمريكية وحدها حوالي 6,5 مليون نسخة، ومجلة نيوز ويك 2,5 مليون نسخة، ومجلة إكسبريس الفرنسية 433,000 نسخة.(2)
وعلى سبيل المثال نورد تفاصيل طباعة وتوزيع مجلة تايم الأمريكية متعددة الطبعات واسعة الانتشار في العالم، لعام 1968:(3) في الولايات المتحدة الأمريكية 3,500,000 نسخة؛ وفي كـنـدا 370,000 نسخة؛ وفي المركز الأول بالمحيط الأطلسي 280,000 نسخة؛ وفي المركز الثاني بالمحيط الأطلسي 210,000 نسخة؛ وفي القارة الأوروبية 205,000 نسخة؛ وفي قارة آسيا 95,000 نسخة؛ وفي المركز الأول في أمريكا اللاتينية 10,000؛ وفي المركز الثاني في أمريكا اللاتينية 90,000 نسخة؛ وفي المركز الثالث في أمريكا اللاتينية 80,000 نسخة؛ وفي المركز الرابع في أمريكا اللاتينية 60,000 نسخة؛ وفي المركز الخامس في أمريكا اللاتينية 80,000 نسخة؛ وفي استراليا 80,000 نسخة؛ وفي الجزر البريطانية 70,000 نسخة؛ وفي كـويـبـيــك 70,000 نسخة؛ وفي الشرق الأدنى وإفريقيا 70,000 نسخة؛ وفي السوق الأوروبية المشتركة 66,000 نسخة؛ وفي شرق آسيا 60,000 نسخة؛ وفي جـنـوب شــرق آســيا 50,000 نسخة؛ وفي البحر الكاريبي 45,000 نسخة؛ الطبعة العسكرية لما وراء البحار 40,000 نسخة؛ وفي كولومبيا البريطانية 38,000 نسخة؛ وطبعة الطلبة في كندا 30,000 نسخة؛ والطبعة العسكرية في آسيا 30,000 نسخة؛ وفي نيوزيلانـــده 30,000 نسخة؛ وفي الـهـنــد 25,000 نسخة؛ وفي جـنـوب إفـريـقـيـا 22,000 نسخة؛ وفي الدول الاستكندنافية 20,000 نسخة؛ وفي البرازيل 18,000 نسخة؛ وفي الـشــرق الأدنى 18,000 نسخة؛ وفي ايرلندا 15,000 نسخة؛ وفي إسرائيل 13,000 نسخة؛ وفي الـفـلــبـيـن 13,000 نسخة؛ وفي منطقة جـنـوب المـحـيــط الـهـادي 11,000 نسخة؛ وفي اليـابـان 10,000 نسخة؛ وفي المكسيك 10,000 نسخة؛ والطبعة العسكرية في المحيط الأطلسي 10,000 نسخة.
وتعتبر الصحف والمجلات الدولية الواسعة الانتشار، من الوسائل الفاعلة لتنفيذ السياسة الخارجية للدول التي تؤثر عليها بأي شكل من الأشكال، كما وتعتبر من الوسائل التي تلجأ إليها مختلف المؤسسات والجماعات للاستفادة من خدماتها في تحقيق أغراضها الثقافية والسياسية والاقتصادية المختلفة. وعلى سبيل المثال: فإن الصحف والمجلات الأمريكية، تعد نتاجاً للنظام الأمريكي بكل جوانبه، وتعكس صورة هذا النظام وتؤثر وتتأثر به، وتساعد السياسة الخارجية الأمريكية على تحقيق أهدافها عن طريق العمل ضمن إطار المصالح الأمريكية في العالم،
والدعوة لهذه المصالح، وتغطية أنباء مختلف فعاليات السياسة الخارجية الأمريكية على نطاق عالمي واسع، وتختار لذلك اللغة المفهومة للجمهور الإعلامي، والأسلوب والمنطق الإعلامي المقبول لدى الجمهور الذي تتوجه إليه.
بينما أدى تركز السلطة الإعلامية في بريطانيا خلال ثمانينات القرن العشرين إلى خلق تيار عالمي، أصبحت معه الصحف البريطانية والمصالح الإعلامية البريطانية في حالات كثيرة، مجرد مخافر حراسة متقدمة للإمبراطوريات الإعلامية على نطاق عالمي. حيث مثلت صحف مردوخ البريطانية الخمس على سبيل المثال: جزءاً من سلسلة صحف تمتد على محور شمالي - جنوبي مابين لندن وأديلاند، وعلى محور شرقي - غربي مابين بودابست وبوسطن. لتبلور إمبراطورية إعلامية كبرى تشمل شركة تونتيياث سنتشري فوكس السينمائية الأمريكية الضخمة، وشبكة فوكس TV التلفزيونية الأمريكية، ومحطة بي سكاي بي الأوروبية التلفزيونية عبر الأقمار الصناعية، ودار هاربر كولينز الكبرى للنشر في بريطانيا، ودار هاربر إند رو في الولايات المتحدة الأمريكية، ومجموعة مجلات ترتينغل واسعة الانتشار الجماهيري في الولايات المتحدة الأمريكية.
إضافة لسيطرة إمبراطوريتين إعلاميتين مركزهما في كندا على تلغراف، وصنداي تلغراف، ومجموعة طومسون الصحافية في بريطانيا. بينما تدخل مجموعة ميرور البريطانية ضمن مجموعة كبرى للاتصال تضم شركة TVA التلفزيونية الفرنسية، ومحطة MTV التلفزيونية عبر الأقمار الصناعية، ودار بير غامون البريطانية لنشر الكتب، ودار ماكميلان لنشر الكتب في الولايات المتحدة الأمريكية، ويسيطر عليها مجتمعة ماكسويل.(4) وقد أدت الاندماجات في الصحافة البريطانية إلى خلق مصالح أساسية، ومصالح إعلامية أخرى، ومصالح غير إعلامية متعددة في عدد من الدول لكل من التجمعات التالية:
- مجموعة بير غامون هولدنغ فوندايشن التي يسيطر عليها ماكسويل، ولها مصالح أساسية في الصحافة البريطانية متمثلة في: ديلي ميرر، صنداي ميرور، صنداي بيبل، ديلي ريكورد، صنداي ميل التي توزع بمجموعها 10,5 مليون نسخة من الصحف. ومصالح إعلامية أخرى في بريتش كابل سيرفيسز TFA في فرنسا، وببر غامون بريس في بريطانيا، ومريل بابليشينغ، وماكميلان في الولايات المتحدة الأمريكية، وماغيار هيرلوب في هنغاريا. ومصالح غير إعلامية في أي. جاي. أرنولد للأثاث، وهوليس بلاسنيكس، وبولتون إنفستمانتس في بريطانيا، وجيت فيري إنترناشيونال في باناما، وميلثورب ماشينري في أستراليا.
- مجموعة نيوز كوربوريشن التي يسيطر عليها مردوخ، ولها مصالح صحافية أساسية في الصحافة البريطانية متمثلة في: صن، نيوز أوف ذي وورلد، ذي تايمز، صنداي تايمز، توداي التي توزع بمجموعها 11,5 مليون نسخة من الصحف. ومصالح إعلامية أخرى في بي سكاي بي، وهاريير كولينز في فونتانا، وتشانيل تين في سيدني، وهيرالد إند ويكلي تايمز غروب في أستراليا، وفوكس TV، وهاربر إند رو في الولايات المتحدة الأمريكية. ومصالح غير إعلامية في أنسيت ترانسبورت، وسانتوس للغاز الطبيعي، ونيوز إيغل لتصدير النفط في أستراليا، وسنود لاند فايبرز، وايتفرايرزر إنفستمانت في بريطانيا.
- مجموعة يونايتد نيوز بابيرز التي يسيطر عليها ستيفنز، ولها مصالح صحفية أساسية في الصحافة البريطانية متمثلة في: ديلي إكسبريس، صنداي إكسبريس، ديلي ستار، يونايتد بروفيشنال نيوز بايبر، يونايتد ماغازينز، مورغان غرامبيان ماغازينز التي توزع بمجموعها 5,6 مليون نسخة من الصحف. ومصالح إعلامية أخرى في TV-M، وآجيان بيزنسبرس في سنغافورة، وسبيشاليست بوبليكايشنز في هونغ كونغ، وكابيتال راديو في بريطانيا، وإنترميديا غروب في الولايات المتحدة الأمريكية. ومصالح غير إعلامية في جاي. بي. أس. بروبارتيز، وإم جي إنشورنس، ومونكروفت فايننس في بريطانيا، وب. ر. ن. هولدينغز، وديفيد ماكّاي إنشورنس في الولايات المتحدة الأمريكية.
- مجموعة ريد غروب التي لها مصالح أساسية في الصحافة البريطانية متمثلة في: أي. بي. سي ماغازينز، أي. بي. سيبيزنس برس، ريد ريجونال ببليشنغ التي توزع بمجموعها 500,000 نسخة من الصحف. ومصالح إعلامية أخرى في بترورث البريطانية، وأ. بي. سي بيزنس برس في الولايات المتحدة الأمريكية، وتريد نيوز آجيا في سنغافورة، ويوروبيان دو بوبليكاسيون أس. أ. في فرنسا. ومصالح غير إعلامية في ريد فايننس بجنوب إفريقيا، وريد كانديان هولدينغز ببريطانيا، و و. ب. م فايننس في برمودا.
- مجموعة أسوشيتد نيوز بايبرز التي يسيطر عليها روثرمير، ولها مصالح أساسية في الصحافة البريطانية متمثلة في: ديلي ميل، ميل أون صنداي، ويك إند، نورثكليف نيوز بايبرز التي توزع بمجموعها 5,3 مليون نسخة من الصحف. ومصالح إعلامية أخرى في لندن برودكاستنغ كومباني في بريطانيا، وهيرالد-صن TV في أوستراليا، وإسكواير ماغازين غروب في الولايات المتحدة الأمريكية. ومصالح غير إعلامية في بوفيري إنفستمانتس، وكونسوليدايتد باثورست في كندا، وترانسبورت غروب هولدينغز، وجيتلينك فيريز في بريطانيا.
- مجموعة ذي ثومسون كوربوريشن، التي لها مصالح أساسية في الصحافة البريطانية متمثلة في: ثومسون ريجينال نيوزبايبر، سكوتمان، ويسترن ميل، بيلفاست تلغراف التي توزع بمجموعها 1,5 مليون نسخة من الصحف. ومصالح إعلامية أخرى في ثومسون داتا ببريطانيا، و41 صحيفة يومية في كندا، و121 صحيفة يومية في الولايات المتحدة الأمريكية، وراوتليدج في بريطانيا. ومصالح غير إعلامية في ثومسون نورث سي، وثومسون ترافيل في بريطانيا.
- مجموعة بيرسون التي يسيطر عليها كاودراي، ولها مصالح أساسية في الصحافة البريطانية متمثلة في: ويستمنستر برس غروب، وفايننشيال تايمز، ذي إكونوميست، نورثرن إيكو التي توزع بمجموعها 1,1 مليون نسخة من الصحف. ومصالح إعلامية أخرى في إلسيفيا بفرنسا، وبنغوين في بريطانيا، ويوركشاير TV N.A.L. في الولايات المتحدة الأمريكية، و بريتش سكاي برودكاستنغ في بريطانيا. ومصالح غير إعلامية في ميدهيرست كوربوريشن في الولايات المتحدة الأمريكية، ولازارد بارتنرز، ورويال دولتون في بريطانيا، وكامكو إنترناشيونال في الولايات المتحدة الأمريكية.
- مجموعة لونرهو التي يسيطر عليها رولاند، ولها مصالح أساسية في الصحافة البريطانية متمثلة في: أوبزرفر، جورج أوترام إند كومباني، سكوتيش إند يونيفرسال نيوز بايبر التي تصدر بمجموعها 1,3 مليون نسخة من الصحف. ومصالح إعلامية أخرى في راديو كلايد، وبوردر TV في بريطانيا، وراديو ليمتد، وتايمز نيوز بابير في زامبيا، ميلودي ركوردس في زيمبابوي. ومصالح غير إعلامية في وايت إند ماكامي فرستيل غروب في بريطانيا، وكونسوليدايتد هولدينغز في كينيا، وكونتراكشن أسوشيتد في زيمبابوي، هـ. س. س. إنفستمانتس في جنوب إفريقيا.
- مجموعة هولينغر التي يسيطر عليها بلاك، ولها مصالح أساسية في الصحافة البريطانية متمثلة في: ديلي تلغراف، صنداي تلغراف التي توزع بمجموعها 1,8 مليون نسخة من الصحف. ومصالح إعلامية أخرى في سترلينغ نيوز بايبر غروب بكندا، وتي. جي. إند كاي برس ميديا في الولايات المتحدة الأمريكية، وستاندرد برودكاستنغ كوربوريشن في كندا. ومصالح غير إعلامية في هانّا في الولايات المتحدة الأمريكية، ورافلستون هولدينغز في كندا، ونورسن أنيرجي في بريطانيا، وريسورسز في كندا.
وهذه التجمعات التي تعنى بالاتصال أساساً، تنمو الآن بوتيرة متسارعة، الأمر الذي تعززه تطورات ثلاثة هي: صعود تلفزيون الأقمار الصناعية والكابلات؛ وانتقال أعمال الإذاعة إلى القطاع الخاص؛ وتراخي قوانين التملك الإعلامي المتقاطع (على يد بعض الحكومات الديمقراطية واليمينية على حد سواء)، مما سمح للأقطاب المسيطرة على الإعلام البريطاني أن يصبحوا لوردات (القرية الكونية -Global Village ).
والجدير بالذكر أن سائر الصحف والمجلات الدولية تختار لغتها من بين أكثر اللغات انتشاراً في العالم بسبب المواريث الاستعمارية والعوامل التاريخية التي ساعدت على انتشار تلك اللغات في أنحاء واسعة من الكرة الأرضية، كاللغة الإنكليزية على وجه الخصوص واللغات الفرنسية والإسبانية والبرتغالية والإيطالية. وفي بعض الأحيان إحدى اللغات القومية كالصينية أو العربية أو الفارسية أو التركية ... وغيرها من اللغات الحية في الإعلام الموجه لتلك الشعوب تحديداً، لمخاطبة القارئ باللغة والأسلوب الذي يفهمه دون أية عراقيل تذكر.