السبت، 4 فبراير، 2017

إسهام العالم الإسلامي في تطوير الحضارة الحديثة


طشقند: 4/2/2017 ترجمها وأعدها للنشر أ.د. محمد البخاري. تحت عنوان "إسهام العالم الإسلامي في تطوير الحضارة الحديثة" نشرت وكالة أنباء "Jahon" يوم 4/2/2017 مقالة تحدثت فيها عن أنه:
تترأس جمهورية أوزبكستان خلال عامي 2016 و2017 مجلس وزراء الشؤون الأجنبية بمنظمة التعاون الإسلامي. ولهذا جرت في عاصمة بلادنا يومي 18 و19/10/2016 الدورة الـ 43 لهذا المجلس في منظمة التعاون الإسلامي تحت شعار "التعليم والمعرفة الطريق نحو السلام والتشييد"، الذي اقترحه أول رئيس لجمهورية أوزبكستان إسلام كريموف.
وهذا الشعار يعبر عن مساعي دولتنا نحو مستقبل التكامل مع المجتمع الدولي، من خلال: السياسة والاقتصاد، والتمويل، والإستثمار، ومن خلال العوامل: الثقافية، والفكرية، والتعليمية، والتنويرية، التي كانت دائماً نجمة توجيه لكل الامة الإسلامية.
وبهذه المناسبة وفي إطار هذا الشعار تقدم وكالة أنباء "Jahon" لعناية قرائها سلسلة من المقالات حول إسهام علماء العالم الإسلامي ومن ضمنه آسيا الوسطى في تطوير العلوم الطبيعية والإنسانية، وإكتشاف أسرار الطبيعة والمجرات والكواكب في الكون.
وقبل البدء في نشرها نود أن نبدأ من الآيات التي بدأ سبحانه وتعالى بإنزال الوحي والقرآن الكريم على محمد (صلى الله عليه وسلم)، والتي دعا فيها المسلمين للقراءة، والدراسة، والعلم، والسعي للمعرفة:


اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ
وشعوب الدول الإسلامية خلال كل تاريخها اتبعت هذه الدعوة، واتجهت نحو التعليم والأبحاث العلمية في مختلف المجالات، وقدمت إسهامها لتطوير الحضارة العالمية. وهذا التقليد لم يزل مستمراً حتى أيامنا هذه.
ووفق إعتراف الأوساط البحثية الأجنبية، أن ما وراء النهر (بين نهري سيرداريا وأموداريا) كان مركزاً للنهضة العلمية والثقافية خلال الفترة الممتدة من القرن الـ 9 الميلادي وحتى القرن الـ 15 الميلادي، بإستثناء مرحلة غزو الجحافل المغولية خلال القرنين الـ 13 والـ 14 الميلاديين. أطلق على عملية التطور في هذه المنطقة تسمية عصر النهضة الشرقية، وكان له تأثيراً إيجابياً على نهضة العلوم والثقافة في الغرب.
وإسهام خاص في إغناء الفكر العلمي في كل العالم قدمه علماء آسيا الوسطى أمثال: محمد بن موسى الخوارزمي، وأحمد الفرغاني، وأبو ريحان البيروني، وأبو علي بن سينا، ومحمود التشغميني، وميرزه ألوغ بيك، وعلي القوشتشي، والكثيرين غيرهم، من الذين خلفوا تراثاً غنياً في مجالات: الرياضيات، والهندسة، وعلم المثلثات، والجبر، والكيمياء، وعلم الهندسة، وعلم الفلك، والجيوديسيا، وعلم المعادن، وعلم الصيدلة، والطب، والفنون، والجغرافيا، وغيرها من الإتجاهات العلمية. وبقيت أعمالهم حتى اليوم مصدراً هاماً للمعارف الموسوعية، التي تستخدم بطرق عملية.
ولاحقاً سنتوقف بالتفصيل على بعض الأمثلة من أعمل أجدادنا، التي تعكس طريق حياتهم وإبداعاتهم.

محمد بن موسى الخوارزمي، عاش وأبدع في نهاية القرن الـ 8 الميلادي والنصف الأول من القرن الـ 9 الميلادي، وقدم إسهاماً قيماً في تطوير الرياضيات، وعلم الفلك، وعلم المثلثات، والجيوديسيا، والجغرافيا. وكان هذا في عصر كانت فيه آسيا الوسطى ضمن الخلافة العربية، التي عاشت آنذاك نهضة إجتماعية واقتصادية عاصفة، وتطورت فيها: التجارة، والحرف، وهندسة العمارة، والزراعة، والبحث الفكري، وهذا بدوره فرض ضرورة تعميق المعارف في القطاعات العلمية المشار إليها أعلاه. وترأس العالم آنذاك "بيت الحكمة" الذي أسسه والد الخلفاء المأمون (813-833 م م) في بغداد.
ومن المعروف أن الخوارزمي كان مؤسس علم الجبر، والبسيط والمعتل الذي جاء من مقالة العالم "الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة". ودخل اسمه في العلوم وثبت فيها بعبارة الألغاريتم، التي تعني سلسلة محددة يمكن بمساعدتها حل المسائل.
وترك محمد الخوارزمي وراءه نحو 20 عملاً علمياً. ولكن 7 منها بقيت فقط حتى أيامنا هذه، وكانت كتباً مرجعية لعلماء تلك الإتجاهات في الشرق والغرب على حد سواء. واستخدمت كأساس للتعليم في مؤسسات التعليم.
ومؤلفات العالم في مجال الجغرافيا وضعت أسساً لتأليف الكثير غيرها من الأعمال في هذا الإتجاه. وجداوله الفلكية (الزيج) كانت نقطة البداية لتطوير علم الفلك في الشرق والغرب.

والعالم العظيم الآخر من معاصري الخوارزمي كان أحمد الفرغاني (797-855 م م)، الذي حصل على شهرة واسعة في أوروبا تحت اسم الفراغانوس. والذي خلف أثراً لا يمحى في: علم الفلك، والرياضيات، والجغرافيا. وترجم "كتابه المجرات السماوية ومجموعة علم النجوم" مرتين إلى اللغة اللاتينية (في القرن الـ 12 م) وإلى غيرها من اللغات الأوروبية (في القرن الـ 13 م).
وجدنا العظيم قدم إسهاماً ضخماً لكنوز العلوم العالمية، وكتب أعمالاً خلدت اسمه إلى الأبد وحملت له شهرة عالمية. ومن مؤلفاته وصل إلينا 11 مؤلف فقط باللغة العربية، من بينها: "عناصر علم الفلك"، و"حسابات المناخات السبع"، و"كتاب النهاية عن بناء الأستطرلاب الشمالي والجنوبي مع مبرراتها الهندسية"، و"كتاب عن بناء الساعات الشمسية"، و"كتاب العمل مع الإسطرلاب".
وتشير المصادر إلى الممثل البارز لعصر النهضة الأوروبية، والمنجم وعالم الفلك وعالم الرياضيات الألماني ريغيومونتان (1436-1476 م م) كان يلقي محاضراته في الجامعات النمساوية والإيطالية معتمداً على أعمال الفرغاني. وأن العلماء الأوروبيين المعروفين: جان ليرون دالامبير (1717-1783 م م)، وك. بروكيلمان (1863-1956 م م)، وخ. زوتير (1848-1922 م م)، وكذلك زملائهم الروس إ.يو. كراتشكوفسكي (1883-1951 م م)، وأ.ب. يوشكوفيتش (1906-1993 م م)، وب.أ. روزينفيلد (1917-2008 م م)، وغيرهم قيموا عالياً إبداعات الفرغاني.
وتجدر الإشارة إلى أن العالم في أيام حياته شيد لنفسه نصباً تذكارياً ممثلاً بمنشأة قياس مستوى المياه في نهر النيل (مصر) مقياس النيل، والذي لم يزل يستخدم ولعدة قرون لتحذير السكان من قرب طوافان مياه النهر.
وفي المواد التالية سنستمر بالحديث عن أجداد الشعب الأوزبكي، الذين قدموا إسهاماً في تطوير الحضارة العالمية.