الأربعاء، 27 يناير، 2016

العالم الموسوعي محمود التشاغميني المنحدر من خوارزم

العالم الموسوعي محمود التشاغميني المنحدر من خوارزم


تعتبر أراضي أوزبكستان مهد من مهود الحضارات الشرقية والعالمية، حيث تطورت العلوم والثقافة من أقدم العصور. ومنذ القرن التاسع الميلادي افتتحت في سمرقند، وبخارى، وترمذ، وشاش، وخوارزم، وغيرها من مدن ما وراء النهر أولى المدارس التي أصبحت فيما بعد من أضخم مراكز كل الإتجاهات العلمية.
كانت مدينة غورغانج (أورغينتش المعاصرة) الرائعة في القرن الحادي عشر الميلادي العاصمة الخوارزمية التي تمتعت بثقافة عالية. وكان حاكم الدولة خوارزم شاه أبو العباس بن مأمون، يظهر اهتماماً ملحوظاً بالثقافة والعلوم، وكان يدعم العلماء والشعراء، والمعماريين، والفنانين، بالكامل. وكان قصور خوارزم شاه ملتقى لمفكري الشرق العظام، أمثال: المعلم الطبيب أبو علي بن سينا، والعالم الموسوعي أبو ريحان بيروني، والمؤرخ ابن ميسكويه، وعالم الرياضيات أبو نصر بن عراق، والفيلسوف أبو سهل مسيحي، والطبيب ابن خمار، وغيرهم من العلماء والمفكرين العظام. وتطور الفكر العلمي في خوارزم بنجاح حتى القرن الثالث عشر الميلادي.
ولا يمكن تقديم كوكبة من العلماء الموسوعيين العظماء، المنحدرين من الواحة الخوارزمية، دون تقديم رائد العلوم محمود بن محمد بن عمر التشاغميني الخوارزمي (عاش من نهاية القرن الثاني عشر الميلادي وحتى بداية القرن الثالث عشر الميلادي توفي عام 1221م)، الذي حصل على شهرة كبيرة بفضل إبداعاته المتنوعة. ولم تقتصر نشاطاته العلمية مع غيره من علماء القرون الوسطى، على مجال علمي واحد. ومن الإطلاع على مؤلفات الجد الأوزبكي العظيم، نرى أنها تشملت إتجاهات علمية متنوعة كـ: علم الفلك، والرياضيات، والطب، والجيوديسيا (فرع من الرياضيات)، والجغرافيا، والفلسفة، وغيرها من مواد العلوم الدقيقة.
وإنتشرت أعمال محمود التشاغميني العلمية بشكل واسع في الغرب والشرق على حد سواء. ولكن سيرة حياته لم تدرس دراسة وافية. ومن المعلومات القليلة التي وصلت إلينا حتى اليوم، تشير إلى أنه ولد في قرية تشاغمين، الواقعة بالقرب من عاصمة خوارزم شاه مدينة غورغانج. وكانت خوارزم آنذاك (القرون الوسطى) معروفة كواحدة من المراكز العلمية المؤثرة، ولهذا نراها أنها أثرت بشكل ملحوظ على وجهات نظر الشاب محمود التشاغميني. الذي حصل على تعليمه الأولي في خوارزم، وبعد ذلك غادرها إلى سمرقند لإغناء معارفه العلمية وتكوين مستقبله العلمي. وفيها ركز إهتماماته على مجالات العلوم الدقيقة الواسعة.
ويمكن قياس إسهامات محمود التشاغميني في تطوير العلوم الدقيقة بالدرجة الأولى من اكتشافاته الفلكية. إذ يعتبر كتابه "الملخص في الهيئة" أشبه بموسوعة فلكية، وعرض فيه دراساته للإجسام الفضائية، وغيرها من مجالات علم الفلك. ويتألف الكتاب من مقدمة وجزأين تناول فيهما "المجرات السماوية" و"الأرض". وتضمن الجزء الأول دراسات عن دوران الكواكب الضخمة. وبحث فيه للمرة الأولى وبالتفصيل نظام للتنسيق، مبني على مراقبة السطح الأفقي.
وتبقى القيمة العلمية لهذا العمل في أن الدارسين وجدوا فيه انعكاسات لإنجازات ونجاحات مفكري الشرق وآسيا الوسطى آنذاك، وكذلك نتائج الأبحاث التي جرت في مدارس علم الفلك اليونانية القديمة. ومجموعات مؤلفات محمود التشاغميني ومفاهيم أبحاثه حول مجالات العالم المحيط بنا، تنقسم إلى الأجرام السماوية، وكسوف الشمس والقمر، وطول النهار والليل في اليوم الواحد، وغيرها من المسائل العلمية. واعتبر العالم الكبير أن "الشمس يمكن أن اعتبارها مركزاً للإشعاع على الكواكب الأخرى، وأن الكواكب، ومنها القمر، غير متوهجة". وأن القمر يحصل على النور من الشمس ويعكسه على الأرض، ولهذا اعتبر العالم، الشمس مركزاً للأجرام السماوية.
 كما تجب الإشارة إلى أن محمود التشاغميني كان يعير إهتماماً كبيراً لمسائل استخدام الرياضيات في مجال حل المسائل الفلكية. وبالنتيجة أصبحت أعماله المثمرة اساساً لعلم  المثلثات الكروية، الذي وجدت مفاهيمه الأساسية إنعكاس لها في مؤلفه "الملخص في الهيئة".
ومحمود التشاغميني هو مؤلف الكثير من الأعمال، ومن ضمنها: "مكانة الرقم 9 في الرياضيات"، و"تعليق على الطرق الرياضية لتوزيع الوراثة". وتضمنت مؤلفاته هذه وجهة نظره من أعماله في الرياضيات واستعمالاتها العملية، كما بحث في الكثير من الجوانب غير المكتشفة أو قليلة المعرفة في مسائل الرياضيات.
واعتمد محمود التشاغميني في أعماله التي شملت علم الفلك، والرياضيات، والطب، على أعمال علماء مختلف المراحل الزمنية التي سبقته. وخاصة تلك التي كانت استخدم في التدريس آنذاك في مدرسة ألوغ بيك بسمرقند خلال القرن الخامس عشر الميلادي. وكتب علماء معروفون تعليقات وافية على مؤلفات محمود بن محمد التشاغميني، ومن بينهم: علي بن محمود بن علي حسين جورجاني، وقاضي زاده رومي، ومير سعيد شريف، وبقيت تلك التعليقات حتى أيامنا هذه.
وعلى هذا الشكل نرى أنه كان لأعمال محمود التشاغميني تأثيراً كبيراً على تطوير مواد العلوم الدقيقة، ومنها: الرياضيات، والهندسة، وعلم الفلك. حتى ليصعب القول إلى اي مدى كان يمكن أن تتطور العلوم الحديثة دون التراث المعنوي والتنويري للعلماء الأوزبك الكبار، ومفكري القرون الوسطى الشرقيين العظام غير المعروفين لقراء اللغة العربية.
*****
  بحث أعده أ.د. محمد البخاري في طشقند بتاريخ 27/1/2016 بتصرف نقلاً عن مقالة محمود التشاغميني – العالم الموسوعي المنحدر من خوارزم. // طشقند: وكالة أنباء "Jahon" 27/1/2016، وبعض المصادر الإلكترونية باللغة الروسية



الأحد، 24 يناير، 2016

برهان الدين الزرنوجي.. رائد التربية والتعليم

تحت عنوان "الزرنوجي.. رائد التربية والتعليم" نشرت جريدة الخليج يوم 23/01/2016 مقالة كتبها: محمد إسماعيل زاهر، وجاء فيها:


«وشرف العلم لا يخفى على أحد إذ هو المختص بالإنسانية لأن جميع الخصال سوى العلم، يشترك فيها الإنسان وسائر الحيوانات: كالشجاعة والجرأة والقوة والجود والشفقة وغيرها سوى العلم»، صاحب هذا الكلام هو برهان الدين الزرنوجي، أحد العلماء المسلمين الذين عاشوا في القرن السادس الهجري، وألف كتاباً بعنوان «تعليم المتعلم..طريق التعلم» ضمنه الكثير من الآراء في مبادىء التربية. والعلم وفق الزرنوجي وسيلة إلى البر والتقوى والسعادة الأبدية، ولا يمكن للحياة أن تستقيم من دونه، والعلم عند الزرنوجي مثل الطعام والشراب، ولا تكتمل أخلاق الإنسان إلا به: «والعلم وسيلة إلى معرفة الكبر، التواضع، الألفة، العفة، الإسراف، التقتير، وكذلك في سائر الأخلاق».
يتصور الأديب الراحل سليمان فياض في كتابه عن الزرنوجي نصائح يلقيها عالمنا إلى ابن أمير مدينة خوقند، في أوزبكستان الحالية، يقول الزرنوجي: «عليك أن تحفظ وأنت تنظر إلى الكلمات المكتوبة بعينيك، ولا تعتمد على الحفظ وأنت تسمع، والترديد لما تسمعه، وعليك أن تقسم ما تحفظه جزءاً جزءاً، وبقدر معلوم في كل يوم. وعليك ألا تحفظ إلا وأنت في حال من اليقظة تكون مستعداً فيها للحفظ، وعليك ألا تحفظ إلا في وقت مناسب لك في الحفظ، من الليل أو النهار، وعليك ألا تحفظ أي قدر من العلم إلا بعد فهمه قبل الحفظ، وعليك ألا تحفظ إلا علماً تحبه وتختاره، حتى تكون راغباً في حفظ هذا العلم»، وهي نصائح تؤكد أن الصورة الذهنية التي انتقلت إلينا حول طرائق التدريس في الثقافة العربية الإسلامية تحتاج إلى مراجعة، فلم يكن الحفظ هو مدار التعليم، وهدف المدرس وأداة الطالب الوحيدة لتحصيل العلم، فالحفظ لا يكون إلا لعلم يحبه الطالب ويعقب الفهم دائما.
ينبغي لطالب العلم وفق الزرنوجي أن يختار من كل علم أحسنه، وأن يشاور من سبقوه في طلب العلم في أي العلوم يختارها لنفسه، ولا مانع أن يمكث الطالب لعدة شهور يتنقل بين حلقات العلم حتى يستقر على العلم الذي يميل إليه ويوافق قدراته، فالدراسة ليست جبراً أو مفروضة من أعلى، ويحدد الزرنوجي مدة شهرين كفترة مثالية تمكن الطالب من الاختيار الصائب، وعلى الطالب أيضا أن يثبت على دراسة أحد العلوم حتى يحصل مبادئه الأساسية قبل أن ينتقل إلى علم آخر، ولا أن يكون دائم الترحال بين البلدان وراء العلم «فإن ذلك كله يفرق الأمور ويُشغل القلب ويضيع الأوقات ويؤذي المعلم»، ولا ينسى الزرنوجي توجيه نصائحه إلى طالب العلم فيما يتعلق بالصحبة والزمالة «وأما اختيار الشريك، فينبغي أن يختار المُجد والورع وصاحب الطبع المستقيم المتفهم، ويفر من الكسلان والمعطل و المفسد والفتان».
ومن تعظيم العلم تعظيم الأستاذ، ويورد الزرنوجي مقولة للإمام علي كرم الله وجهه «أنا عبد من علمني حرفاً واحداً، إن شاء باع وإن شاء استرق»، ومن توقير المعلم لدى الزرنوجي أن لا يمشي الطالب أمامه، ولا يجلس مكانه، ولا يبدأ الكلام عنده إلا بإذنه، ولا يكثر الكلام عنده، ولا يسأل شيئاً عند ملازمته، ويراعي الوقت، ولا يدق عليه الباب، بل يصبر حتى يخرج الأستاذ، ويستند الزرنوجي في ذلك إلى حكايات عديدة حول توقير العلماء والخلفاء لأساتذة العلم، ومنها قصة الخليفة هارون الرشيد الذي بعث ابنه إلى الأصمعي ليعلمه العلم والأدب فرآه يوما يتوضأ ويغسل رجله، وابن الخليفة يصب عليه الماء، فعاتب الأصمعي في ذلك بقوله: «إنما بعثته إليك لتعلمه وتؤدبه فلماذا لم تأمره بأن يصب الماء بإحدى يديه، ويغسل بالأخرى رجلك؟».
مكانة مرموقة
للتعامل مع الكتاب مكانة معتبرة عند الزرنوجي، حيث بلغ به الشغف أن يشترط على طالب العلم أن يكون على طهارة قبل أن يمسك كتابه ليستذكر دروسه، وألا يضع الإنسان شيئاً فوق الكتاب وأن يُجمل خطه وهو يكتب أو ينسخ أحد الكتب.
يتطرق الزرنوجي بعد ذلك إلى ضرورة أن يتحلى طالب العلم بالجد والمواظبة والهمة، ويقدم نصائحه قائلاً: «من أسهر نفسه بالليل، فقد أفرح قلبه بالنهار، ولابد لطالب العلم من المواظبة على الدرس والتكرار في أول الليل وآخره، فإن ما بين العشاءين ووقت السحر وقت مبارك، ويجب ألا يُجهد طالب العلم نفسه جهداً يُضعف النفس حتى ينقطع عن العمل، بل يستعمل الرفق في ذلك، والرفق أصل عظيم في جميع الأشياء، وقد قيل الكسل من قلة التأمل في مناقب العلم وفضائله، فينبغي أن يتعب طالب العلم نفسه في التحصيل والجد، والمواظبة بالتأمل في فضائل العلم».
ويعود الزرنوجي ليؤكد مسألة الفهم التي يعطيها أولوية خاصة وكأن العلم لا قيمة له من دون الفهم: «ولا يكتب المتعلم شيئاً لا يفهمه، فإنه يورث كلالة الطبع، ويُذهب الفطنة، ويضيع الوقت، وينبغي أن يجتهد في الفهم عن الأستاذ بالتأمل والتفكر وكثرة التكرار، قيل حفظ حرفين، خير من وقرين، وفهم حرفين خير من حفظ سطرين، وإذا تهاون في الفهم ولم يجتهد مرة أو مرتين يعتاد ذلك فلا يفهم الكلام اليسير
والفهم لا يترسخ إلا بالمناقشة وتقليب المسائل المدروسة على أكثر من وجه بين الدارسين، فربما خرج هذا بفكرة، وطرح ذاك رأي أفاد العملية التعليمية: «ولابد لطالب العلم من المذاكرة، والمناظرة، والمطارحة، فإن المناظرة والمذاكرة مشاورة، والمشاورة إنما تكون لاستخراج الصواب، وذلك إنما يحصل بالتأمل والتأني و الإنصاف، ولا يحصل بالغضب والشغب.. وقيل مطارحة ساعة خير من تكرار شهر، لكن إذا كان مع منصف سليم الطبيعة، وإياك والمذاكرة مع متعنت غير مستقيم الطبع، فإن الطبيعة متسرية، والأخلاق متعدية، والمجاورة مؤثرة»، وبالإضافة إلى النقاش والحوار هناك التأمل: «وينبغي لطالب العلم أن يكون متأملا في جميع الأوقات، في دقائق العلوم ويعتاد ذلك، فإنما يدرك الدقائق بالتأمل، فلهذا قيل تأمل تدرك، ولابد من التأمل قبل الكلام حتى يكون صواباً، فإن الكلام كالسهم، فلابد من تقويمه حتى يكون مصيباً».
ولا يغفل الزرنوجي في فصول كتابه كافة عن إيراد الحكايات والأشعار والحكم التي تدعم وجهه نظره، وتؤكد الفكرة التي يريد توصيلها إلى طلاب العلم، من خلال سرد يحبب القارئ في العلم، ولهذا قال أبو يوسف حين قيل: بم أدركت العلم؟، قال: ما استنكفت من الاستفادة من كل أحد وما بخلت من الإفادة، وقيل لابن عباس رحمه الله: بم أدركت العلم؟، قال: بلسان سؤوب، وقلب عقول...وقال أبو حنيفة رحمه الله: إنما أدركت العلم بالحمد والشكر، فكلما فهمت ووقفت على فقه وحكمة قلت الحمد لله، فازداد علمي».
العلم في كل وقت
وفي فصل بعنوان «في وقت التحصيل» تتداخل الأزمان لدى الزرنوجي فنشعر بأن الرجل يعيش زمانه كله للعلم، فيبدأ الفصل بمقولة «وقت التعلم من المهد إلى اللحد»، ثم يبدأ حكاياته ويورد نماذجه التي يتداخل فيها الزمن بمعناه العام لحياة الإنسان، بين الشباب والكهولة، والزمن بمعنى التوقيت اليومي، بين الصباح والمساء: «دخل حسن بن زياد في التفقه وهو ابن ثمانين سنة، وأفضل الأوقات، لطلب العلم، شرخ الشباب، ووقت السحر، وما بين العشاءين.. وكان محمد بن الحسن لا ينام الليل، وكان يضع عنده الدفاتر، وكان إذا مل من نوع ينظر في نوع آخر».
ويتأكد شغف الزرنوجي بالعلم وترسيخه في الثقافة الإسلامية بنصيحته التالية: «وينبغي أن يكون طالب العلم مستفيداً في كل وقت حتى يحصل له الفضل والكمال في العلم. وطريق الاستفادة أن يكون معه في كل وقت محبرة حتى يكتب ما يسمع من الفوائد العلمية»، ثم يدعم فكرة الكتابة في مقابل المشافهة بالقول «من كتب قر»، ثم يلتفت إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من خلال القصة التالية: «قال هلال بن زياد بين يسار: رأيت النبي يقول لأصحابه شيئا من العلم والحكمة، فقلت يا رسول الله أعد لي ما قلت لهم، فقال لي: هل معك محبرة؟، فقلت: ما معي محبرة، فقال النبي عليه السلام: يا هلال لا تفارق المحبرة لأن الخير فيها وفي أهلها إلى يوم القيامة».
ويستمر كتاب الزرنوجي على هذا المنوال في تقريب رؤية الرجل حول العلم والمشتغلين به، يقدم نصائحه التي تتناول طرائق الدراسة من جوانبها كافة، لا فارق في الأهمية بين النص المدروس وصاحبه والمدرس، فالكتاب له احترامه والمتعلم عليه الكثير من الواجبات تجاه ما يدرسه وتجاه أستاذه، ولا تستقيم العملية التعليمية نفسها إلا بتكامل عناصرها الثلاثة وبتحلي التلميذ والأستاذ بالإيمان و بالأخلاق، وهما أساساً النجاح ليس في الدراسة وطلب العلم وحسب ولكن في الحياة بصفة عامة.
المعلومات عن حياة الزرنوجي قليلة ولكنه عاش لأكثر من أربعين عاماً في مدينة خوقند في أوزبكستان الحالية، وكانت مدينة لاحقة في شهرتها كمركز علمي لسمرقند وطشقند وبخارى في ذلك الجانب من العالم الإسلامي في القرن السادس الهجري، ويعتبر اهتمامه بالتنظير للتربية والتعليم دلالة أكيدة على ازدهار المدارس وكثرتها في حضارتنا آنذاك، والبعض يطلق على القرن السادس الهجري «قرن المدارس»، التي انتشرت في بلاد الشام والعراق ومصر ومن أقصى المشرق امتدت أيضاً إلى أقصى المغرب، ولم يحصل الزرنوجي على الشهرة اللائقة به على الرغم من ترجمة كتابه مبكراً إلى اللاتينية، ربما لضعف اهتمام دارسي التراث العربي بمسألة التربية والتعليم، وربما لأن الأفكار التي عبر عنها ونجدها تتقاطع أحياناً مع أحدث طرائق التربية التي لم تكن معروفة في بداية تأسيسنا لنظم الدراسة في العالم العربي في القرن التاسع عشر الميلادي، وربما لاعتبار البعض له كعالم دين بالدرجة الأولى، وهيمنة حس الفقيه على الكتاب، ولكن برغم ذلك فإن الكتاب يتضمن الكثير من الأفكار التي تحتاج إلى المراجعة والتي تغير نظرتنا عن رؤية علمائنا للبحث والدراسة، فهذا الرجل الفقيه لم يمنح الحفظ أي أولوية في عملية التعلم، ولم يعول كثيراً على السماع والمشافهة، وقدم رؤية تضع الفهم والتدوين وحرية الطالب المنضبطة في اختيار مدرسه وما يتعلمه في مقدمة أيه عملية تعليمية ناجحة، فضلاً عن تأكيده لأخلاقيات تؤسس لعلاقة صحية بين الطالب والمعلم، وكلها مبادئ تتفق مع ما ينادي به التربويون اليوم، ويسعون إلى تعميمه في مدارسنا وجامعتنا كافة.».

الثلاثاء، 12 يناير، 2016

المخرج السينمائي الأوزبكي شهرت صاليحوفيتش عباسوف


المخرج السينمائي الأوزبكي شهرت صاليحوفيتش عباسوف


ولد المخرج السينمائي الأوزبكي، وكاتب سيناريو المعروف، والأمين العام لإتحاد السينمائيين في أوزبكستان، شهرت صاليحوفيتش عباسوف بمدينة قوقند/أوزبكستان يوم 16/1/1931.
وخلال حياته الإبداعية حصل على لقب فنان الشعب في جمهورية أوزبكستان السوفييتية الإشتراكية، ولقب فنان الشعب في إتحاد الجمهوريات السوفييتية الإشتراكية عام 1981. ونال جائزة لينين لمنظمة الكومسومول اللينيني في أوزبكستان عام 1972، وجائزة حمزة الحكومية بجمهورية أوزبكستان السوفييتية الإشتراكية عام 1974، وقلد وسام "إل-يورت حورماتي" بجمهورية أوزبكستان عام 1998.


وتخرج شهرت عباسوف من معهد الطب بطشقند عام 1949. وتفوقت ميوله الفنية، فإلتحق بكلية الإخراج/معهد أ.ن. أستروفسكي للمسرح والفنون في طشقند، وتخرج منه عام 1954، وبعد تخرجه عام 1958 من دورات الإخراج العليا التابعة لـ"موسفيلم"، عمل كبير مخرجين بمسرح الدراما بمدينة ينغي يول. وأخرج فيه مسرحيات:
- "أسرار القلوب" تأليف ب. رحمانوف؛
- و"نورخون" تأليف كامل ياشين؛
- و"ألاعيب ميسرة" تأليف حمزة حكيم زادة نيازي؛
- و"الأسنان البيضاء" تأليف أ. قهار، وغيرهم.
كما قام بتدريس فن التمثيل بمعهد أ.ن. أستروفسكي للمسرح والفنون بطشقند. ومن عام 1959 عمل مخرجاً تنفيذياً في الإستوديو السينمائي "أوزبيكفيلم". ومن عام 1982 شغل منصب مدير "أوزبيكفيلم".
ومشروع تخرج شهرت صاليحوفيتش عباسوف من موسفيلم، كان الفيلم القصير "الفليبيني والسكران" الذي إستمده من قصة الكاتب الأمريكي و. سارويان ، وكتب سيناريو الفيلم بنفسه.
وفي إستوديو "أوزبيكفيلم" أخرج الأفلام التالية:
- "عن هذا يتحدث كل الحي" عام 1960، المخرج الثاني يوري ستيبتشوك، مؤلف الموسيقى ماناس ليفييف، فنان اللقطات السينمائية فينيامين ياكوتنيخ، ماكياج خوسان عبد الله ييف، ولعب الأدوار في الفيلم: ميهرينسو – ليوتفيخانوم ساريمساكوفا، أيبوشا – مريم ياكوبوفا، الطبيب – سعدي تابيبواللاييف، وغيرهم؛
- "أنت لست يتيماً" عامي 1962 و1963، كتب السيناريو رحمت فايزي، مدير الفيلم إسماعيل غازييف، مؤلف الموسيقى إكرام أكباروف، المصور المنفذ خاتام فايزييف، دبلجة اللقطات السينمائية ميخائيل بونوماريوف، فناني اللقطات السينمائية: إمونويل كالانتاروف، ناريمان راحيمباييف، ولعب أدوار الفيلم: فاطمة - ليوتفيخانوم ساريمساكوفا، وغيرها؛
- "التبصر" خلال عامي 1965 و1966، مدير الفيلم إسماعيل غازييف، فنان اللقطات السينمائية ترايكو إفتيموفسكي، مهندس الصوت ناريمان شادييف، لعب أدوار الفيلم: مختار أغا-ميرزاييف، خديجة – سفيتلانا نورباييفا، غولشهرة – غولشهرة جميلوفا، وآخرون؛
- "طشقند مدينة الخبر" خلال عامي 1967 و1968، مساعد المخرج إيسون كاريموف، مصمم الملابس ناريمان رحيمباييف، محرر النص كلارا غيلدييفا، الماكياج خوسان عبد الله ييف، لعب الأدوار: المضيف – غني أعظاموف، وغيرهم؛
- "مأساة الحب" عام 1971؛


- فيلم من جزئين عن تاريخ وسيرة حياة "أبو ريحان بيروني" عام 1974، مؤلف الموسيقى روميل ويلدانوف، فنان اللقطات السينمائية إمونويل كالانتاروف، المخرج الثاني إدوارد خاتشاتوروف، محرر النص كلارا غيلدييفا، مصور اللقطات السينمائية خاتام فايزييف، مساعد المصور  فاديم باختييف، دبلجة اللقطات السينمائية ميخائيل بونوماريوف، مهندس الصوت جلال أحميدوف، فناني الماكياج: خوسان عبد اللاييف، غيورغي زاإيروف، لعب أدوار الفيلم: بيروني – بولات سعيد قاسيموف، سوخراب – بختيار إختياروف، خوجاندي – نبي رحيموف، ابن عراق – رزاق حمراييف، وهاب عبد اللاييف، وآخرون. وعرض هذا الفيلم خلال المهرجان الدولي الرابع لسينمائيي دول آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية في طشقند.
وحصل فيلم بيروني على الجائزة الرئيسية للمهرجان السينمائي الإتحادي الثامن في كيشينيوف عام 1975، وعلى جائزة "الدلفين الذهبي" في المهرجان السينمائي الدولي بطهران عام 1977.
كما كرم غيرها من أفلام شهرت عباسوف وحصلت أفلام:
- "أنت لست يتيماً" على جائزة المهرجان السينمائي الدولي في فرانكفورت ناماين، عام 1963؛
- "طشقند مدينة الخبر" على جائزة مهرجان ألماآتا عن أحسن مخرج وأفضل حل مبتكر، عام 1968؛
- "مأساة الحب" على جائزة المهرجان الإتحادي في تبليسي عن أفضل مخرج، عام 1972.
وإلى جانب الأفلام كان شهرت عباسوف أحد مؤلفي السيناريو. وفي السيناريو الذي كتبه مع: ب. بريفالوف، وك. ياشين، وش. عباسوف، وبطلب من الإذاعة والتلفزيون الحكومي بإتحاد الجمهوريات السوفييتية الإشتراكية عام 1979 صور في الإستوديو السينمائي "أوزبيكفيلم" الفيلم الطويل متعدد الأجزاء "طريق النار"، الذي تحدث عن حياة ونشاطات حمزة حكيم زادة نيازي.


وحاز شهرت عباسوف على جائزة الكومسومول اللينيني الأوزبكستاني عام 1972، وجائزة حمزة للدولة بجمهورية أوزبكستان السوفييتية الإشتراكية عام 1974.
وتقلد وسام راية العمل الحمراء، وميدالية "لقاء العمل الشجاع". وحصل على لقب فنان الشعب في جمهورية أوزبكستان السوفييتية الإشتراكية. وفنان الشعب في إتحاد الجمهوريات السوفييتية الإشتراكية عام 1981.

ويشغل شهرت عباسوف منصب أمين عام إدارة إتحاد السينمائيين في أوزبكستان.
من أعماله:
- "فاسيسوالي لوخانكين" عام 1958؛
- "عن هذا يتحدث كل الحي" عام 1960؛
- "أنت لست يتيماً" عام 1962؛
- "طشقند مدينة الخبر" عام 1968؛
- "أبو ريحان بيروني" عام 1974؛
- "طريق النار" (17 جزءاً) خلال الأعوام من عام 1977 وحتى عام 1985؛
- "إنسان صغير في حرب كبيرة" عام 1990.
وحصل على جوائز:
- جائزة المهرجان السينمائي الدولي في فراكفورت ناماين عام 1963؛
- جائزة مهرجان الماآتا عن أحسن مخرج وأفضل حل مبتكر عام 1968؛
- جائزة المهرجان الإتحادي في تبليسي لأحسن مخرج عام 1972؛
- جائزة الكومسومول اللينيني الأوزبكستاني عام 1972؛
- جائزة حمزة الحكومية في جمهورية أوزبكستان السوفييتية الإشتراكية عام 1974؛
- الجائزة الرئيسية للمهرجان السينمائي الإتحادي الثامن في كيشينيوف عام 1975؛
- جائزة "الدلفين الذهبي" في المهرجان السينمائي الدولي بطهران عام 1977؛
- وسام راية العمل الحمراء؛
- ميدالية "لقاء العمل الشجاع"؛
- لقب فنان الشعب في جمهورية أوزبكستان السوفييتية الإشتراكية؛
- لقب فنان الشعب في إتحاد الجمهوريات السوفييتية الإشتراكية عام 1981.
*****
بحث أعده أ.د. محمد البخاري، في طشقند يوم 12/1/2016 بتصرف نقلاً عن الصفحة الإلكترونية ZiyoNET: http://people.ziyonet.uz/ru/person/view/abbosov_shuhrat

الثلاثاء، 5 يناير، 2016

شخصية يمكن أن يظهر مثلها في العالم مرة كل الف عام


شخصية يمكن أن يظهر مثلها في العالم مرة كل الف عام


قال أمير مكة ابن وهاب عن محمود الزمخشري أنه "جار الله"، و"أستاذ الدنيا"، و"أستاذ العرب والعجم"، و"كعبة الأدباء"، و"فخر خوارزم"، و"الإمام"، وبهذه الصفات وبكل إحترام وتبجيل كانوا يخاطبون العالم الشرقي البارز محمود الزمخشري (1075م-1144م). وإشتهر الجد العظيم للشعب الأوزبكي في العالم الإسلامي بالعلوم الدينية، والفلسفة، واللغة، وتفسير القرآن الكريم.
والإسم الكامل للمفكر العظيم هو: أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي الزمخشري. ويفهم من إسمه أنه ولد في قرية زمخشر بواحة خوارزم (أوزبكستان المعاصرة). وهنا لابد من الإشارة إلى أن هذه المنطقة أهدت العالم شخصيات معروفة، أمثال: محمد موسى الخوارزمي، وأبو عبد الله الخوارزمي، وأبو ريحان البيروني، وغيرهم.
وكان والد محمود الزمخشري رجلاً صالحاً ومتعلماً، تمتع بشخصية كبيرة بين الناس، وكان إماماً. وأمه كانت إمرأة تقية ومتعلمة وحكيمة أيضاً. وبفضل ذلك حصل الصبي على تعليمه الأولي عند والديه. وفي وقت لاحق وسعياً وراء المعرفة زار الزمخشري: خورسان، وسورية، والعراق، والحجاز، حيث إلتقى هناك بأبرز علماء ذلك العصر، وشارك في النشاطات العلمية الدائرة آنذاك.
وأعار محمود الزمخشري أثناء تعلمه عناية خاصة بدراسة اللغة العربية والأدب العربي، ودرس مختلف لهجات الشعوب العربية، وعاداتها وتقاليدها. وتمكن بالكامل من لغة القرآن الكريم، وكتب كل أعماله ومن ضمنها مؤلفاته في القواعد وعلم اللغة، باللغة العربية. ويشهد عن أهمية مؤلفاته التي كتبها للعرب، أنه تم الإعتراف بها كمؤلفات لعبقري أشير إلى أنه: "لو لم يكن محمود الزمخشري، لما عرف العرب لغتهم (الأم) بعمق".
ومن دون تضخيم يمكن القول أن أحد أجداد الشعب الأوزبكي العظيم يعتبر من مؤسسي علم اللغة العربية، ومؤسس الطريقة الجديدة لدراسة النحو والعروض في اللغة العربية، وأنه كان مؤلفاً لقواميس جذور الكلمات وفق الأحرف الأبجدية، وأنه كان مؤلف أول قاموس متعدد اللغات (عربي-فارسي؛ وعربي-فارسي-تركي). وبفضل مؤلفات ونشاطات محمود الزمخشري أصبح ما وراء النهر من مراكز اللغة العربية وآداب اللغة العربية المؤثرة آنذاك.
وزار العالم البارز مكة المكرمة مرتين. حتى أن أمير المدينة أبو الحسين بن وحاس الحسيني إستقبل محمود الزمخشري بكل إحترام وتبجيل. وأمر ببناء بيت للعالم قرب الكعبة المشرفة، حيث هيئآت له كل الظروف المناسبة لنشاطاته العلمية والإبداعية والتعليمية.
وعن علاقة أمير المدينة بالجد الأوزبكي الكبير تحدث رئيس جمهورية أوزبكستان إسلام كريموف في كلمته أثناء الإحتفال بمناسبة مرور 2500 عام على تأسيس مدينة خيوة. وقال: "أمير مكة ابن وهاب، كان معجباً بموهبة أحد أجدادنا العظام، الذي وضع قواعد متكاملة للغة العربية، وكتب عنه: "كل سكان العالم يمكن أن يكونوا مدينين لزمخشر في خوارزم. لأن هذه القرية أعطت العالم مثل هذا العالم البارز، محمود الزمخشري. ومثل هذه الشخصية يمكن أن تظهر في العالم مرة كل الف عام".
وهذا المفكر البارز هو مؤلف لأكثر من 60 عملاً في اللسانيات، والمعاجم، والأدب، وعلم تفسير الدين الإسلامي (علم تفسير النصوص المقدسة)، والسنة، والفقه، والفلسفة. وبقي من مؤلفات محمود الزمخشري حتى الآن نحو 40 مؤلف تضم: مؤلفات أدبية، ونحوية ومعجمية. و"كشاف حقائق التنزيل"، الذي علق فيه على القرآن الكريم، ويعتبر من التفاسير الأساسية للقرآن الكريم، ويستخدم حتى الآن في العملية التعليمية بجامعة الأزهر، ومن حيث الجوهر يعتبر أول نموذج علمي لدراسة ووصف النصوص المكتوبة.
وإلى جانب مؤلفاته في المجالات المشار إليها، تعود لريشة العالم الكبير مؤلفات في غيرها من المجالات في العلوم، والعلوم الطبيعية. وعلى سبيل المثال هناك عمل كرسه لجغرافيا شبه الجزيرة العربية، ألفه تحت اسم "كتاب الجبال والأماكن والمياه" وترجم إلى اللغة اللاتينية في هولندا، وأعيد إصداره أكثر من مرة في أوروبا. وأعطيت أهمية خاصة لمؤلفه "الفائق في غريب الحديث"، الذي خصصه للأحاديث النبوية الشريفة، وأعيد إصداره أكثر من مرة في حيدر آباد، وبغداد، والقاهرة، وبيروت.


وتشير بعض المصادر الإلكترونية العربية إلى أن أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري الملقب بجار الله، هو لغوي وكاتب وشاعر. ألف «الكشاف عن حقائق التنزيل»، وهو تفسير لآيات القرآن الكريم، كما يعد كتابه «أساس البلاغة» معجماً لغوياً لا نظير له في مصنفات اللغة والمعاجم عند العرب، وللزمخشري «الفائق» في غريب الحديث وطبع في الهند، و«أطواق الذهب» وهو في الوعظ، ويتميز بنمط أسلوب النثر الفني الذي يغلب عليه السجع وتوازن العبارات، وطبع في أوربا وترجم إلى بعض لغاتها ثم طبع في مصر، وكتاب «المستقصى في الأمثال» جمع فيه أمثال العرب ورتبها ترتيباً معجمياً على حسب أوائلها. وله أيضاً «مقامات الزمخشري»، و«القسطاس» في العروض، و«شرح كتاب سيبويه»، و«نوابغ الكلم»، و«ربيع الأبرار ونصوص الأخبار»، ثم ديوان شعر ضم أشعاره، وهو مرتب على حروف الهجاء. وله مؤلفات كثيرة أخرى معظمها ما زال مخطوطاً يرقد في مكتبات العالم.

بحث أعده أ.د. محمد البخاري في طشقند بتاريخ 5/1/2016 بتصرف نقلاً عن مقالة "مثل هذه الشخصية يمكن أن تظهر في العالم مرة كل الف عام". // طشقند: وكالة أنباء Jahon، 2/12/2015، وبعض المصادر العربية الإلكترونية