الأحد، 24 يناير، 2016

برهان الدين الزرنوجي.. رائد التربية والتعليم

تحت عنوان "الزرنوجي.. رائد التربية والتعليم" نشرت جريدة الخليج يوم 23/01/2016 مقالة كتبها: محمد إسماعيل زاهر، وجاء فيها:


«وشرف العلم لا يخفى على أحد إذ هو المختص بالإنسانية لأن جميع الخصال سوى العلم، يشترك فيها الإنسان وسائر الحيوانات: كالشجاعة والجرأة والقوة والجود والشفقة وغيرها سوى العلم»، صاحب هذا الكلام هو برهان الدين الزرنوجي، أحد العلماء المسلمين الذين عاشوا في القرن السادس الهجري، وألف كتاباً بعنوان «تعليم المتعلم..طريق التعلم» ضمنه الكثير من الآراء في مبادىء التربية. والعلم وفق الزرنوجي وسيلة إلى البر والتقوى والسعادة الأبدية، ولا يمكن للحياة أن تستقيم من دونه، والعلم عند الزرنوجي مثل الطعام والشراب، ولا تكتمل أخلاق الإنسان إلا به: «والعلم وسيلة إلى معرفة الكبر، التواضع، الألفة، العفة، الإسراف، التقتير، وكذلك في سائر الأخلاق».
يتصور الأديب الراحل سليمان فياض في كتابه عن الزرنوجي نصائح يلقيها عالمنا إلى ابن أمير مدينة خوقند، في أوزبكستان الحالية، يقول الزرنوجي: «عليك أن تحفظ وأنت تنظر إلى الكلمات المكتوبة بعينيك، ولا تعتمد على الحفظ وأنت تسمع، والترديد لما تسمعه، وعليك أن تقسم ما تحفظه جزءاً جزءاً، وبقدر معلوم في كل يوم. وعليك ألا تحفظ إلا وأنت في حال من اليقظة تكون مستعداً فيها للحفظ، وعليك ألا تحفظ إلا في وقت مناسب لك في الحفظ، من الليل أو النهار، وعليك ألا تحفظ أي قدر من العلم إلا بعد فهمه قبل الحفظ، وعليك ألا تحفظ إلا علماً تحبه وتختاره، حتى تكون راغباً في حفظ هذا العلم»، وهي نصائح تؤكد أن الصورة الذهنية التي انتقلت إلينا حول طرائق التدريس في الثقافة العربية الإسلامية تحتاج إلى مراجعة، فلم يكن الحفظ هو مدار التعليم، وهدف المدرس وأداة الطالب الوحيدة لتحصيل العلم، فالحفظ لا يكون إلا لعلم يحبه الطالب ويعقب الفهم دائما.
ينبغي لطالب العلم وفق الزرنوجي أن يختار من كل علم أحسنه، وأن يشاور من سبقوه في طلب العلم في أي العلوم يختارها لنفسه، ولا مانع أن يمكث الطالب لعدة شهور يتنقل بين حلقات العلم حتى يستقر على العلم الذي يميل إليه ويوافق قدراته، فالدراسة ليست جبراً أو مفروضة من أعلى، ويحدد الزرنوجي مدة شهرين كفترة مثالية تمكن الطالب من الاختيار الصائب، وعلى الطالب أيضا أن يثبت على دراسة أحد العلوم حتى يحصل مبادئه الأساسية قبل أن ينتقل إلى علم آخر، ولا أن يكون دائم الترحال بين البلدان وراء العلم «فإن ذلك كله يفرق الأمور ويُشغل القلب ويضيع الأوقات ويؤذي المعلم»، ولا ينسى الزرنوجي توجيه نصائحه إلى طالب العلم فيما يتعلق بالصحبة والزمالة «وأما اختيار الشريك، فينبغي أن يختار المُجد والورع وصاحب الطبع المستقيم المتفهم، ويفر من الكسلان والمعطل و المفسد والفتان».
ومن تعظيم العلم تعظيم الأستاذ، ويورد الزرنوجي مقولة للإمام علي كرم الله وجهه «أنا عبد من علمني حرفاً واحداً، إن شاء باع وإن شاء استرق»، ومن توقير المعلم لدى الزرنوجي أن لا يمشي الطالب أمامه، ولا يجلس مكانه، ولا يبدأ الكلام عنده إلا بإذنه، ولا يكثر الكلام عنده، ولا يسأل شيئاً عند ملازمته، ويراعي الوقت، ولا يدق عليه الباب، بل يصبر حتى يخرج الأستاذ، ويستند الزرنوجي في ذلك إلى حكايات عديدة حول توقير العلماء والخلفاء لأساتذة العلم، ومنها قصة الخليفة هارون الرشيد الذي بعث ابنه إلى الأصمعي ليعلمه العلم والأدب فرآه يوما يتوضأ ويغسل رجله، وابن الخليفة يصب عليه الماء، فعاتب الأصمعي في ذلك بقوله: «إنما بعثته إليك لتعلمه وتؤدبه فلماذا لم تأمره بأن يصب الماء بإحدى يديه، ويغسل بالأخرى رجلك؟».
مكانة مرموقة
للتعامل مع الكتاب مكانة معتبرة عند الزرنوجي، حيث بلغ به الشغف أن يشترط على طالب العلم أن يكون على طهارة قبل أن يمسك كتابه ليستذكر دروسه، وألا يضع الإنسان شيئاً فوق الكتاب وأن يُجمل خطه وهو يكتب أو ينسخ أحد الكتب.
يتطرق الزرنوجي بعد ذلك إلى ضرورة أن يتحلى طالب العلم بالجد والمواظبة والهمة، ويقدم نصائحه قائلاً: «من أسهر نفسه بالليل، فقد أفرح قلبه بالنهار، ولابد لطالب العلم من المواظبة على الدرس والتكرار في أول الليل وآخره، فإن ما بين العشاءين ووقت السحر وقت مبارك، ويجب ألا يُجهد طالب العلم نفسه جهداً يُضعف النفس حتى ينقطع عن العمل، بل يستعمل الرفق في ذلك، والرفق أصل عظيم في جميع الأشياء، وقد قيل الكسل من قلة التأمل في مناقب العلم وفضائله، فينبغي أن يتعب طالب العلم نفسه في التحصيل والجد، والمواظبة بالتأمل في فضائل العلم».
ويعود الزرنوجي ليؤكد مسألة الفهم التي يعطيها أولوية خاصة وكأن العلم لا قيمة له من دون الفهم: «ولا يكتب المتعلم شيئاً لا يفهمه، فإنه يورث كلالة الطبع، ويُذهب الفطنة، ويضيع الوقت، وينبغي أن يجتهد في الفهم عن الأستاذ بالتأمل والتفكر وكثرة التكرار، قيل حفظ حرفين، خير من وقرين، وفهم حرفين خير من حفظ سطرين، وإذا تهاون في الفهم ولم يجتهد مرة أو مرتين يعتاد ذلك فلا يفهم الكلام اليسير
والفهم لا يترسخ إلا بالمناقشة وتقليب المسائل المدروسة على أكثر من وجه بين الدارسين، فربما خرج هذا بفكرة، وطرح ذاك رأي أفاد العملية التعليمية: «ولابد لطالب العلم من المذاكرة، والمناظرة، والمطارحة، فإن المناظرة والمذاكرة مشاورة، والمشاورة إنما تكون لاستخراج الصواب، وذلك إنما يحصل بالتأمل والتأني و الإنصاف، ولا يحصل بالغضب والشغب.. وقيل مطارحة ساعة خير من تكرار شهر، لكن إذا كان مع منصف سليم الطبيعة، وإياك والمذاكرة مع متعنت غير مستقيم الطبع، فإن الطبيعة متسرية، والأخلاق متعدية، والمجاورة مؤثرة»، وبالإضافة إلى النقاش والحوار هناك التأمل: «وينبغي لطالب العلم أن يكون متأملا في جميع الأوقات، في دقائق العلوم ويعتاد ذلك، فإنما يدرك الدقائق بالتأمل، فلهذا قيل تأمل تدرك، ولابد من التأمل قبل الكلام حتى يكون صواباً، فإن الكلام كالسهم، فلابد من تقويمه حتى يكون مصيباً».
ولا يغفل الزرنوجي في فصول كتابه كافة عن إيراد الحكايات والأشعار والحكم التي تدعم وجهه نظره، وتؤكد الفكرة التي يريد توصيلها إلى طلاب العلم، من خلال سرد يحبب القارئ في العلم، ولهذا قال أبو يوسف حين قيل: بم أدركت العلم؟، قال: ما استنكفت من الاستفادة من كل أحد وما بخلت من الإفادة، وقيل لابن عباس رحمه الله: بم أدركت العلم؟، قال: بلسان سؤوب، وقلب عقول...وقال أبو حنيفة رحمه الله: إنما أدركت العلم بالحمد والشكر، فكلما فهمت ووقفت على فقه وحكمة قلت الحمد لله، فازداد علمي».
العلم في كل وقت
وفي فصل بعنوان «في وقت التحصيل» تتداخل الأزمان لدى الزرنوجي فنشعر بأن الرجل يعيش زمانه كله للعلم، فيبدأ الفصل بمقولة «وقت التعلم من المهد إلى اللحد»، ثم يبدأ حكاياته ويورد نماذجه التي يتداخل فيها الزمن بمعناه العام لحياة الإنسان، بين الشباب والكهولة، والزمن بمعنى التوقيت اليومي، بين الصباح والمساء: «دخل حسن بن زياد في التفقه وهو ابن ثمانين سنة، وأفضل الأوقات، لطلب العلم، شرخ الشباب، ووقت السحر، وما بين العشاءين.. وكان محمد بن الحسن لا ينام الليل، وكان يضع عنده الدفاتر، وكان إذا مل من نوع ينظر في نوع آخر».
ويتأكد شغف الزرنوجي بالعلم وترسيخه في الثقافة الإسلامية بنصيحته التالية: «وينبغي أن يكون طالب العلم مستفيداً في كل وقت حتى يحصل له الفضل والكمال في العلم. وطريق الاستفادة أن يكون معه في كل وقت محبرة حتى يكتب ما يسمع من الفوائد العلمية»، ثم يدعم فكرة الكتابة في مقابل المشافهة بالقول «من كتب قر»، ثم يلتفت إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من خلال القصة التالية: «قال هلال بن زياد بين يسار: رأيت النبي يقول لأصحابه شيئا من العلم والحكمة، فقلت يا رسول الله أعد لي ما قلت لهم، فقال لي: هل معك محبرة؟، فقلت: ما معي محبرة، فقال النبي عليه السلام: يا هلال لا تفارق المحبرة لأن الخير فيها وفي أهلها إلى يوم القيامة».
ويستمر كتاب الزرنوجي على هذا المنوال في تقريب رؤية الرجل حول العلم والمشتغلين به، يقدم نصائحه التي تتناول طرائق الدراسة من جوانبها كافة، لا فارق في الأهمية بين النص المدروس وصاحبه والمدرس، فالكتاب له احترامه والمتعلم عليه الكثير من الواجبات تجاه ما يدرسه وتجاه أستاذه، ولا تستقيم العملية التعليمية نفسها إلا بتكامل عناصرها الثلاثة وبتحلي التلميذ والأستاذ بالإيمان و بالأخلاق، وهما أساساً النجاح ليس في الدراسة وطلب العلم وحسب ولكن في الحياة بصفة عامة.
المعلومات عن حياة الزرنوجي قليلة ولكنه عاش لأكثر من أربعين عاماً في مدينة خوقند في أوزبكستان الحالية، وكانت مدينة لاحقة في شهرتها كمركز علمي لسمرقند وطشقند وبخارى في ذلك الجانب من العالم الإسلامي في القرن السادس الهجري، ويعتبر اهتمامه بالتنظير للتربية والتعليم دلالة أكيدة على ازدهار المدارس وكثرتها في حضارتنا آنذاك، والبعض يطلق على القرن السادس الهجري «قرن المدارس»، التي انتشرت في بلاد الشام والعراق ومصر ومن أقصى المشرق امتدت أيضاً إلى أقصى المغرب، ولم يحصل الزرنوجي على الشهرة اللائقة به على الرغم من ترجمة كتابه مبكراً إلى اللاتينية، ربما لضعف اهتمام دارسي التراث العربي بمسألة التربية والتعليم، وربما لأن الأفكار التي عبر عنها ونجدها تتقاطع أحياناً مع أحدث طرائق التربية التي لم تكن معروفة في بداية تأسيسنا لنظم الدراسة في العالم العربي في القرن التاسع عشر الميلادي، وربما لاعتبار البعض له كعالم دين بالدرجة الأولى، وهيمنة حس الفقيه على الكتاب، ولكن برغم ذلك فإن الكتاب يتضمن الكثير من الأفكار التي تحتاج إلى المراجعة والتي تغير نظرتنا عن رؤية علمائنا للبحث والدراسة، فهذا الرجل الفقيه لم يمنح الحفظ أي أولوية في عملية التعلم، ولم يعول كثيراً على السماع والمشافهة، وقدم رؤية تضع الفهم والتدوين وحرية الطالب المنضبطة في اختيار مدرسه وما يتعلمه في مقدمة أيه عملية تعليمية ناجحة، فضلاً عن تأكيده لأخلاقيات تؤسس لعلاقة صحية بين الطالب والمعلم، وكلها مبادئ تتفق مع ما ينادي به التربويون اليوم، ويسعون إلى تعميمه في مدارسنا وجامعتنا كافة.».

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق