السبت، 18 فبراير، 2017

إسهام العالم الإسلامي في تطوير الحضارة الحديثة (الجزء 3)


طشقند: 18/2/2017 ترجمها وأعدها للنشر أ.د. محمد البخاري. تحت عنوان "إسهام العالم الإسلامي في تطوير الحضارة الحديثة (3)" نشرت وكالة أنباء "Jahon" يوم 17/2/2017 مقالة أشارت فيها إلى:


تحت هذا العنوان تركز وكالة أنباء "Jahon" الإنتباء إلى سلسلة من المقالات، المكرسة لرئاسة بلادنا لمجلس وزراء الشؤون الأجنبية بمنظمة التعاون الإسلامي. وكما سبق واعلن جرت بهذه المناسبة في طشقند خلال يومي 18 19/10/2016 الدورة الـ 43 لمجلس وزراء الشؤون الأجنبية بمنظمة التعاون الإسلامي، تحت شعار "التعليم والتنوير الطريق نحو السلام والتشييد". وهذا الشعار يعتبر كدعوة لتقديم الأفكار التي تشهد على الأهمية الأبدية لمساعي الأكثرية الساحقة لشعوب العالم الإسلامي نحو تطبيقها.
وعلى مر القرون جذب أتباع الدين الإسلامي، ومن ضمنهم في ما وراء النهر، حركة هذا الشعار نحو العلوم الإنسانية، والعلوم الطبيعية. وبفضل جهودهم توصلت الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة في تطورها.
وكوكبة من العلماء العظام والموسوعيين المنحدرين من هذه المنطقة، لا يمكن تقديمها دون كوكب العلوم محمود بن محمد بن عمر التشاغميني الخوارزمي (القرنين الـ 12 وال 13 الميلادي)، والذي حصل على شهرة واسعة بفضل إبداعاته الغنية. وأعماله مثلها، مثل غيره من علماء القرون الوسطى لم تقتصر على مجال واحد. والتعرف على ما أنتجت ريشته يشهد على أنها أحاطت باتجاهات علمية مثل: الفلك، والرياضيات، والطب، والجيوديسيا، والجغرافيا، والفلسفة، وغيرها من العلوم. وانتشرت بشكل واسع في الغرب والشرق. ولكن حياته الخاصة بقيت قليلة الدراسة.


ووفقاً للمعلومات الضئيلة التي وصلت إلينا، أنه ولد في قرية تشاغمين، الواقعة بالقرب من عاصمة شاهات دولة خوارزم مدينة غورغانج (غورغانتش، جورجان، أورغينيتش). وخلال القرنين الـ11 والـ 12 كانت خوارزم من المراكز العلمية المعترف بها، وهو ما لم يستطع دون التأثير على تشكيل تصورات الفتى محمود.
وبعد حصوله على التعليم الإبتدائي في خوارزم، توجه إلى سمرقند للإستمرار في إغناء معارفه. وفيها شملت مجالات إهتماماته العلوم الدقيقة الواسعة.
وإسهام محمود التشاغميني في تطويرها تقاس بالدرجة الأولى باكتشافانه في علم الفلك. وكتاب العالم "الملخص في الهيئة" يعتبر موسوعة تشمل ليس دراسة المجرات الفلكية فقط، بل وغيرها من المجالات. ويتألف من مقدمة، ويتحدث عن العناصر والفضاء، وكتابين "عن المجالات السماوية" و"عن الأرض". وفي الأول منها كتب العالم عن الفضاء الهائل لمدارات الكواكب. وفيه تناول ولأول مرة بالتفصيل نظام التنسيق الذي فيه أساس مراقبة المستوى الأفقي.
والقيمة العلمية لهذا العمل هي في أنه أوجد إنعكاساً لإنجازات ونجاحات مفكري الشرق، وجزئياً في وسط آسيا، وجاء كنتيجة لأبحاث المدرسة اليونانية في علم الفلك. وتقسم مجموعات التشاغميني إلى ما يشبه الأبحاث الخيالية في مجال العالم المحيط بنا، والأجرام السماوية، وكسوف الشمس والقمر، وطول النهار والليل، وغيرها من المسائل. وبرأيه "يمكن إعتبار الشمس المركز الذي يشع على الكواكب". وجملة من الكواكب ومنها القمر لاتعتبر مصدراً للنور. بل تحصل على النور من الشمس لتنير الأرض، ولهذا اعتبر العلماء أن الشمس هي مركز الأجرام السماوية.
وتجدر الإشارة إلى أن التشاغميني أعار إهتماماً كبيراً لمسائل استخدام الرياضيات لحل المسائل الفلكية. ونتيجة لأعماله المثمرة أعدت أسس علم المثلثات الكروية، والمفاهيم الأساسية التي أوجدت إنعكاساً لها في مؤلفه "الملخص في الهيئة".
والتشاغميني هو مؤلف الكثير من الأعمال الأخرى، ومن بينها "عن مكانة الرقم 9 في الرياضيات" و"تعليق على الطرق الرياضية لتقسيم الميراث" وغيرها من الأعمال. وتضمنت إثتنين من مؤلفاته الأخيرة موقف العالم مما يتعلق بدراساته الرياضية وإستخدامها العملي، والنظر في جوانب قضايا مسائل الرياضيات غير المعروفة أو قليلة المعرفة.
وتشير المصادر إلى أن مؤلفات محمود بن محمد جرى تناولها في التعليقات التفصيلية للعلماء المشهورين المحفوظة حتى أيامنا هذه، أمثال: علي بن محمد بن علي حسين جورجاني، وقاضي زادة رومي، ومير سعيد شريف. كما أستخدمت أعمال التشاغميني في علم الفلك، والرياضيات، والطب، آنذاك للتدريس في مدرسة ميرزة ألوغ بيك في سمرقند بالقرن الـ 15.
وإعجاب خاص لدى السياح الذين يزورون أوزبكستان ويتعرفون على سمرقند تثيره النشاطات العلمية والسياسية لحفيد شخصية الدولة العظيم، والقائد الإسطوري والمنور الأمير تيمور، محمد طرقي المعروف باسم ميرزه ألوغ بيك (1394 م- 1449 م).

الذي ولد أثناء حملات جده المجيد على مدينة سلطانية في فارس، وميرزه ألوغ بيك الشاب هو الإبن الأصغر من بين أبناء شاه روح، وعين في سن الـ 17 حاكماً لما وراء النهر وتركستان. ومما ميزه عن جده أنه لم يهتم بالحملات العسكرية. بل كان تأثيراً كبيراً عليه من قبل علماء الرياضيات وعلم الفلك في القصر، أمثال: مولانا أحمد وقاضي زادة رومي، ولهذا أظهر قدرات إستثنائية في العلوم الطبيعية، التي تمتعت بأهمية خاصة في حياته المستقبلية. ووفقاً لمعلومات معاصريه حتى سن الـ 20 كان ألوغ بيك في عداد العلماء الكبار في وقته، وحاز على شخصية كبيرة في الأوساط العلمية. وأعار إهتماماته الأساسية نحو تطوير التعليم والتنوير. ولهذا الغرض بدأ بتأسيس المدارس في سمرقند، وبخارى، وغيجدوفان، ودعى إليها نحو 100 عالم في مجالات: الآداب، والتاريخ، وخط اليد، والفنون التشكيلية، والعمارة، والرياضيات، وعلم الفلك. وبهذا وضع أساساً قوياً لتعليم الأجيال اللاحقة وإزدهار الأراضي التي عهدت إليه.


وخلال السنوات الممتدة من عام 1424م وحتى عام 1429م كان ألوغ بيك بالكامل منشغلاً بتشييد المرصد الفلكي في سمرقند. والنشاطات العلمية التي بدأت فيه اشتغلت بأبحاث هامة وقع عليها مستقبل أسس الإنجازات التاريخية في ذلك العصر، ورفعت من مستوى الفكر العلمي في المنطقة إلى أعلى مستوى. وجزئياً بفضل هذه البدايات في عام 1444م وبعد 30 عاماً من العمل المتحمس والمراقبات الفلكية لمجموعة من العلماء برئاسة ألوغ بيك وضع كاتالوغ نجوم السماء، والشهير بـ"زيجي ألوغ بيك" أو "زيجي جديدي غوراغاني". وتضمن معلومات عن 1018 نجماً موزعة على 38 برجاً. وبرأي المتخصصين، أن أعمال ألوغ بيك هي أكثر دقة وكمالاً مقارنة مع غيرها من الكتالوكات المشابهة في ذلك الوقت. وجرت ترجمتها إلى اللاتينية واستخدمت كمصدر أساسي في المراصد الفلكية الأوروبية.
وإلى جانب ذلك ترجع لريشة ألوغ بيك "مقالة عن تحديد جيب درجة واحدة" في الرياضيات، ومقالة "رسالة أولوغ بيك" في علم الفلك (نسخة وحيدة محفوظة في مكتبة جامعة علي غارخ الهندية) ومؤلف في التاريخ "تاريخي أربع أولوس".

الخميس، 9 فبراير، 2017

إسهام العالم الإسلامي في تطوير الحضارة الحديثة (الجزء 2)


طشقند: 9/2/2017 ترجمها وأعدها للنشر أ.د. محمد البخاري. تحت عنوان "إسهام العالم الإسلامي في تطوير الحضارة الحديثة (الجزء 2)" نشرت وكالة أنباء "Jahon" يوم 8/2/2017 مقالة أشارت فيها إلى:
ستستمر بنشر سلسلة من المقالات المكرسة لأجدادنا العظام الذين كان لهم تأثيراً واضحاً على تطور الفكر العلمي على الصعيد العالمي.
والمقالة الدورية من هذه السلسلة ستطلعكم على جملة من العلوم التي أصبحت فخراً لشعبنا.
ومن الخصائص التي ميزت علماء تلك المرحلة كانت معارفهم الموسوعية وأفكارهم. وهذه الخاصية كانت متأصلة في أبو ريحان البيروني (973-1048م م)، العالم في مجالات متعدد: علم الفلك، والفيزياء، والرياضيات، والجيوديسيا، والجولوجيا، وعلم المعادن، والتاريخ، وألإثنوغرافيا. ومؤلفاته في هذه المجالات أغنت المضامين العلمية.


ولد أبو ريحان البيروني في عاصمة الدولة الخوارزمية العريقة مدينة كات. وأظهر من طفولته المبكرة إهتماماً كبيراً نحو معرفة العلوم الدقيقة والطبيعية والإنسانية على حد سواء. وحصل على تعليمه لدى العالم الشهير أبو نصر منصور بن عراق، الذي أحاطت مؤلفاته بمجالات: علم الفلك، وعلم الهندسة، والرياضيات. وكرم المعلم تلميذه بهدية كبيرة، إذ خصص له 12 عملاً من أعماله. وبالإضافة للغته الأم درس البيروني اللغات: العربية، والصغديانية، والفارسية، والسريانية، واليونانية. وأثناء حياته في الهند تمكن من السنسكريتية.
وكتب البيروني في مؤلفاته العلمية، أنه أثناء حياته بمدينة كات، من عام 990م بدأ بأول أبحاثه في علم الفلك. ومن أجل ذلك إخترع جملة من الأدوات التي استخدمها اثناء عمله. وكان الأهم بينها كرة أرضية بقطر كبير جداً، يتراوح مابين الـ 5 والـ 6 أمتار، صنعها في عام 995م، واستخدمها لقياس المسافة بين المدن بدقة متناهية، وكذلك من أجل تحديد خطوط عرض وطول الأماكن. وهذه الكرة الأرضية كانت الأولى التي تضمنت خارطة لشرق العالم، صممها وفقاً لمبادئ رياضيات رسم الخرائط.
وفي مدينة الجرجانية الواقعة جنوب شرق بحر قزوين، كتب في العام 1000 م مؤلفة "العصور الباقية من القرون الخالية". وهذا المؤلف جلب له شهرة كبيرة وأظهر بوضوح مدى نموه من جميع النواحي.
وقدم فيه معلومات عن شعوب خوارزم القديمة، ومن ضمنهم أتباع الديانات: اليهودية والمسيحية، وعبدة النار، وكذلك عادات وتقاليد وأعياد المسلمين. ومع ذلك كرس نظرياً للأسس التاريخية والإثنوغرافية، والشعوب البدائية، والتسلسل التاريخي، والطب، وطرق البحث العلمي والصراعات المنهجية، والخلافات، ونتائجها وجملة غيرها من القضايا التي تعتبر مصدراً قيماً للمتخصصين في هذه المجالات.
وإلى جانب ذلك ألف البيروني في الجرجانية أكثر من 10 مؤلفات في علم الفلك وتاريخ علم المقاييس. واهتم بمعارفه الموسوعية الحاكم الجديد لخوارزم أبو عباس مأمون الثاني، الذي دعى العالم إلى عاصمة البلاد مدينة أورغينيتش، حيث أحيط بترحيب دافئ. وبدأ بنشاطاته البحثية في أكاديمية المأمون المحدثه مؤخراً، وقدم نفسه كشخصية علمية متنوعة وعين في أعلى المناصب، منصب مستشار الشاه.
وخلال الفترة الممتدة من عام 1017م وحتى عام 1048م ألف البيروني جملة من مؤلفاته: "أبرز الشخصيات الخوارزمية"، و"تحديد الحدود والأماكن لتحديد المسافة بين المناطق المأهولة"، و"الجيوديسيا"، و"تعليم مبادئ فنون علم التنجيم"، و"الهند"، و"قانون مسعود"، و"الصيدلة والطب"، و"مفتاح علم الفلك"، و"علم المعادن"، وغيرها من المؤلفات. ولهذا يجب تذكر أنه خلال عامي 1035م و1036م وضع العالم قائمة لمؤلفاته، تضمنت 113 مؤلفاً من مؤلفاته. خصص 70 منها لعلم الفلك، و20 للرياضيات، و12 للجغرافيا والجيوديسيا، و3 لعلم المعادن، و4 لعلم رسم الخرائط، وغيرها من العلوم. وإذا أخذنا بعين الإعتبار أنه خلال السنوات الـ 13 الباقية من عمره ألف أكثر من 50 مؤلفاً، فهذا يعني أن عددهم يزيد عن الـ 160 مؤلف. وأشارت مصادر أخرى إلى أن تراثه العلمي بلغ أكثر من 200 كتاب. ولكن مع الأسف، الكثير منها لم تصل إلينا وفقدت خلال القرون. وكل مؤلف هو بمثابة موسوعة في هذا أو ذاك من الاتجاهات العلمية.
ومن بداية القرن التاسع عشر اهتمت الدول الأوروبية والآسيوية بتراث البيروني. وكرس جملة من علماء تلك البلدان كتبهم عن مؤلفاته وأعطوها تقييماً عالياً من حيث الأبحاث العلمية التي أجراها، ومن ضمنها رأيه الذي قاله قبل فترة طويلة من قانون الجاذبية الأرضية للفيزيائي الإنجليزي، وعالم الرياضيات، وعالم الفلك إسحق نيوتين (1643-1727 م م)، عن أن "الأجسام تقع على الأرض نتيجة للجاذبية".
ومؤلفات المفكر ترجمت إلى اللغات: اللاتينية، والفرنسية، والإيطالية، والألمانية، والإنكيزية، والغارسية، والتركية، ولم تزل حتى الآن تجذب إهتمام الأوساط العلمية في العالم.

ومن العلماء الموسوعيين العظام في القرون الوسطى، والذين لم تزل مؤلفاتهم من المصادر الغنية للمعرفة في مختلف الإتجاهات العلمية، هو أبو علي بن سينا (980-1037 م م)، والمعروف في العالم بإسم أفيتسينا. ويستدعي تراثة إعجاب الأوساط العلمية في مختلف العصور لتنوعه، ووفق مختلف المعلومات بلغ ما بين الـ 450 وحتى الـ 500 مؤلف في مجالات: الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، وعلم الفلك، والطب، والفلسفة، والأدب، وعلم اللغة، والموسيقى، أي في نحو 30 مجالاً علمياً.
والأكثر أهمية في أعمال ابن سينا الأساسية والواقعة في عدة مجلدات: "كتاب الشفاء"، و"القانون في الطب"، و"كتاب الإنصاف". ويتألف الكتاب الأول من 22 مجلداً خصصت الـ 4 الأساسية منها للرياضيات، والفيزياء، والمنطق، وما وراء الطبيعة. وجملة من المجلدات ترجمت إلى اللغات: الأوروبية، والشرقية، والروسية، والأوزبكية.
والكتاب الثاني، حصل على شهرة واسعة في العالم ويقع في 5 مجلدات، كل منها يحيط من كل الجوانب باتجاه معين في الطب. وبالإضافة لذلك وجد موضوع التطبيب إنعكاساً له في غيره من أعمال العالم، مثل: "الأرجوزة في الطب". وهذا العمل هو الثاني من حيث المضمون والأهمية بعد "القانون في الطب"، وهو محفوظ في مخزون مركز أبو ريحان البيروني للمخطوطات الشرقية بمعهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية. ومؤلف ابن سينا الهام التالي في مجال الطب هو "رسالة النبض"، الذي عرض العالم فيه عشرات أنواع النبض المختلفة مع شرح لأهمية التشخيص.
والكتاب الثالث "كتاب الإنصاف" ويتألف من 20 مجلد ومع الأسف لم يصل إلينا وفقد مثله مثل الكثير من مؤلفات أفيتسينا.

السبت، 4 فبراير، 2017

إسهام العالم الإسلامي في تطوير الحضارة الحديثة


طشقند: 4/2/2017 ترجمها وأعدها للنشر أ.د. محمد البخاري. تحت عنوان "إسهام العالم الإسلامي في تطوير الحضارة الحديثة" نشرت وكالة أنباء "Jahon" يوم 4/2/2017 مقالة تحدثت فيها عن أنه:
تترأس جمهورية أوزبكستان خلال عامي 2016 و2017 مجلس وزراء الشؤون الأجنبية بمنظمة التعاون الإسلامي. ولهذا جرت في عاصمة بلادنا يومي 18 و19/10/2016 الدورة الـ 43 لهذا المجلس في منظمة التعاون الإسلامي تحت شعار "التعليم والمعرفة الطريق نحو السلام والتشييد"، الذي اقترحه أول رئيس لجمهورية أوزبكستان إسلام كريموف.
وهذا الشعار يعبر عن مساعي دولتنا نحو مستقبل التكامل مع المجتمع الدولي، من خلال: السياسة والاقتصاد، والتمويل، والإستثمار، ومن خلال العوامل: الثقافية، والفكرية، والتعليمية، والتنويرية، التي كانت دائماً نجمة توجيه لكل الامة الإسلامية.
وبهذه المناسبة وفي إطار هذا الشعار تقدم وكالة أنباء "Jahon" لعناية قرائها سلسلة من المقالات حول إسهام علماء العالم الإسلامي ومن ضمنه آسيا الوسطى في تطوير العلوم الطبيعية والإنسانية، وإكتشاف أسرار الطبيعة والمجرات والكواكب في الكون.
وقبل البدء في نشرها نود أن نبدأ من الآيات التي بدأ سبحانه وتعالى بإنزال الوحي والقرآن الكريم على محمد (صلى الله عليه وسلم)، والتي دعا فيها المسلمين للقراءة، والدراسة، والعلم، والسعي للمعرفة:


اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ *اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ
وشعوب الدول الإسلامية خلال كل تاريخها اتبعت هذه الدعوة، واتجهت نحو التعليم والأبحاث العلمية في مختلف المجالات، وقدمت إسهامها لتطوير الحضارة العالمية. وهذا التقليد لم يزل مستمراً حتى أيامنا هذه.
ووفق إعتراف الأوساط البحثية الأجنبية، أن ما وراء النهر (بين نهري سيرداريا وأموداريا) كان مركزاً للنهضة العلمية والثقافية خلال الفترة الممتدة من القرن الـ 9 الميلادي وحتى القرن الـ 15 الميلادي، بإستثناء مرحلة غزو الجحافل المغولية خلال القرنين الـ 13 والـ 14 الميلاديين. أطلق على عملية التطور في هذه المنطقة تسمية عصر النهضة الشرقية، وكان له تأثيراً إيجابياً على نهضة العلوم والثقافة في الغرب.
وإسهام خاص في إغناء الفكر العلمي في كل العالم قدمه علماء آسيا الوسطى أمثال: محمد بن موسى الخوارزمي، وأحمد الفرغاني، وأبو ريحان البيروني، وأبو علي بن سينا، ومحمود التشغميني، وميرزه ألوغ بيك، وعلي القوشتشي، والكثيرين غيرهم، من الذين خلفوا تراثاً غنياً في مجالات: الرياضيات، والهندسة، وعلم المثلثات، والجبر، والكيمياء، وعلم الهندسة، وعلم الفلك، والجيوديسيا، وعلم المعادن، وعلم الصيدلة، والطب، والفنون، والجغرافيا، وغيرها من الإتجاهات العلمية. وبقيت أعمالهم حتى اليوم مصدراً هاماً للمعارف الموسوعية، التي تستخدم بطرق عملية.
ولاحقاً سنتوقف بالتفصيل على بعض الأمثلة من أعمل أجدادنا، التي تعكس طريق حياتهم وإبداعاتهم.

محمد بن موسى الخوارزمي، عاش وأبدع في نهاية القرن الـ 8 الميلادي والنصف الأول من القرن الـ 9 الميلادي، وقدم إسهاماً قيماً في تطوير الرياضيات، وعلم الفلك، وعلم المثلثات، والجيوديسيا، والجغرافيا. وكان هذا في عصر كانت فيه آسيا الوسطى ضمن الخلافة العربية، التي عاشت آنذاك نهضة إجتماعية واقتصادية عاصفة، وتطورت فيها: التجارة، والحرف، وهندسة العمارة، والزراعة، والبحث الفكري، وهذا بدوره فرض ضرورة تعميق المعارف في القطاعات العلمية المشار إليها أعلاه. وترأس العالم آنذاك "بيت الحكمة" الذي أسسه والد الخلفاء المأمون (813-833 م م) في بغداد.
ومن المعروف أن الخوارزمي كان مؤسس علم الجبر، والبسيط والمعتل الذي جاء من مقالة العالم "الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة". ودخل اسمه في العلوم وثبت فيها بعبارة الألغاريتم، التي تعني سلسلة محددة يمكن بمساعدتها حل المسائل.
وترك محمد الخوارزمي وراءه نحو 20 عملاً علمياً. ولكن 7 منها بقيت فقط حتى أيامنا هذه، وكانت كتباً مرجعية لعلماء تلك الإتجاهات في الشرق والغرب على حد سواء. واستخدمت كأساس للتعليم في مؤسسات التعليم.
ومؤلفات العالم في مجال الجغرافيا وضعت أسساً لتأليف الكثير غيرها من الأعمال في هذا الإتجاه. وجداوله الفلكية (الزيج) كانت نقطة البداية لتطوير علم الفلك في الشرق والغرب.

والعالم العظيم الآخر من معاصري الخوارزمي كان أحمد الفرغاني (797-855 م م)، الذي حصل على شهرة واسعة في أوروبا تحت اسم الفراغانوس. والذي خلف أثراً لا يمحى في: علم الفلك، والرياضيات، والجغرافيا. وترجم "كتابه المجرات السماوية ومجموعة علم النجوم" مرتين إلى اللغة اللاتينية (في القرن الـ 12 م) وإلى غيرها من اللغات الأوروبية (في القرن الـ 13 م).
وجدنا العظيم قدم إسهاماً ضخماً لكنوز العلوم العالمية، وكتب أعمالاً خلدت اسمه إلى الأبد وحملت له شهرة عالمية. ومن مؤلفاته وصل إلينا 11 مؤلف فقط باللغة العربية، من بينها: "عناصر علم الفلك"، و"حسابات المناخات السبع"، و"كتاب النهاية عن بناء الأستطرلاب الشمالي والجنوبي مع مبرراتها الهندسية"، و"كتاب عن بناء الساعات الشمسية"، و"كتاب العمل مع الإسطرلاب".
وتشير المصادر إلى الممثل البارز لعصر النهضة الأوروبية، والمنجم وعالم الفلك وعالم الرياضيات الألماني ريغيومونتان (1436-1476 م م) كان يلقي محاضراته في الجامعات النمساوية والإيطالية معتمداً على أعمال الفرغاني. وأن العلماء الأوروبيين المعروفين: جان ليرون دالامبير (1717-1783 م م)، وك. بروكيلمان (1863-1956 م م)، وخ. زوتير (1848-1922 م م)، وكذلك زملائهم الروس إ.يو. كراتشكوفسكي (1883-1951 م م)، وأ.ب. يوشكوفيتش (1906-1993 م م)، وب.أ. روزينفيلد (1917-2008 م م)، وغيرهم قيموا عالياً إبداعات الفرغاني.
وتجدر الإشارة إلى أن العالم في أيام حياته شيد لنفسه نصباً تذكارياً ممثلاً بمنشأة قياس مستوى المياه في نهر النيل (مصر) مقياس النيل، والذي لم يزل يستخدم ولعدة قرون لتحذير السكان من قرب طوافان مياه النهر.
وفي المواد التالية سنستمر بالحديث عن أجداد الشعب الأوزبكي، الذين قدموا إسهاماً في تطوير الحضارة العالمية.

الاثنين، 30 يناير، 2017

اخترت لكم من الفلكلور الأوزبكي المتداول نوادر حجي نصر الدين أفندي (جحا)


طشقند: 30/1/2017 ترجمها وأعدها أ.د. محمد البخاري. اخترت لكم من الفلكلور الأوزبكي المتداول نوادر حجي نصر الدين أفندي (جحا)
1
لحية المسلم


في يوم مشمس جميل حلق حجي نصر الدين أفندي لحيته. لأنها على مايبدو كانت تزعجه، أو لأنه أراد أن يبدو أكثر شباباً.
وعندما وصل إلى المسجد، أخذ الإمام يسخر منه وتركه عرضة للضحك، وأخذ يوجه له الإنتقادات اللاذعة في كلامه، وقال له:
- نبينا صلى الله عليه وسلم، أطلق لحيته، وكل المسلمين الحقيقيين يطلقون لحاهم.
استمع نصر الدين أفندي، واستمع، وبعدها صرخ قائلاً:
- اسمع أيها الواعظ، عندي جَدي في البيت لحيته أطول من لحيتك. فهل يعني أنه مسلم مؤمن أكثر منك ؟
2
أقل بمرتين

سألوا نصر الدين أفندي:
- لماذا تتحدث قليلاً وتسمع كثيراً ؟
فأجاب:
- كم لسان عندي ؟
فأجابوه:
- لسان واحد.
وقال:
- كم أذن عندي ؟
فأجابوه:
- أذنين اثنتين.
فقال:
- الآن احكموا بأنفسكم: على الإنسان أن يسمع مرتين ويتحدث مرة واحدة فقط.
3
عندما قسم الخالق الحمار


تورمت أذن نصر الدين أفندي من المرض. وعندما جاء إلى القاضي لقضاء بعض حاجاته، قال له القاضي:
- أهلاً وسهلاً يا أفندي ! ما الذي حدث لأذنك ؟ هل أخذتها من الحمار ؟
فأجابه نصر الدين أفندي:
- في الحقيقة عندما قسم الخالق الحمار، أعطاك رأسه، وأعطاني أذنيه.
4
خداع المخادع


عاش في الحي الذي يسكنه نصر الدين أفندي إنسان يحب التفاخر، وذات مرة قال المتفاخر:
- أنا مخادع. ولا يمكن لأحد أن يخدعني أبداً !
وفي أحد الأيام سأله نصر الدين أفندي:
- أهذا أنت الذي يفخر بأن لا أحد يستطيع خداعه ؟
- أجابه المتفاخر بفخر: نعم. هذا أنا.
- فقال له نصر الدين أفندي:
- حسناً، قف هنا قليلاً سأحضر لك إنساناً يمكنه خداعك، لتذكره في بقية أيام حياتك ! وذهب.
انتظر المتفاخر طويلاً، وانتظر .
وبعد مدة طويلة جاء صديقه وسأله:
- لماذا تقف هنا تحت الشمس المحرقة ؟
فأجابه المتفاخر:
-  آه، نعم، نصر الدين أفندي وعدني أن يحضر لي شخصاً يمكنه خداعي. وها أنا أنتظر عودته.
- فقال له صديقه:
- إيه، أيها الأحمق ! بالفعل، خدعك نصر الدين أفندي !
5
الحمار المنجم


سئم نصر الدين أفندي من عمله كمنجم في القصر، وأراد أن يترك العمل عرافاً، لأن هذا العمل خطير جداً، وينتظر المنجم دائماً الوقوع في شر أعماله.
 وذات مرة أخذ أفندي حماره إلى قاعة القصر مباشرة، ووقف تحت كرسي عرش الحاكم، وقال:
- يا مولانا العظيم خدمتكم عرافاً لفترة طويلة، فاعفوني من هذا العمل المضني.
أجابه الحاكم العظيم:
- كيف تحضر يا نصر الدين أفندي حمارك القذر إلى هنا، ليسير على الممرات المغطاة بالسجاد ؟
فأجابه نصر الدين أفندي:
- الآن ستعرف يا مولاي. ولكن عندي رغبتة بسيطة أولاً، أرغب تقديم نائبي لكم.
فأجابه الحاكم العظيم:
- حسناً، قدم لنا نائبك.
فأجابه نصر الدين أفندي:
- هذا هو نائبي، مشيراً إلى الحمار.
فأجابه الحاكم العظيم:
- ولكن هذا المخلوف ضعيف على ما أعتقد. وكيف يمكن لحمارك هذا أن ينجم ؟
فأجابه نصر الدين أفندي:
- لنائبي أذنان طويلتان، ليسمع الأسئلة الغبية، وليمكنه الإجابة عليها. ولكن الجميع لا يفهمون نهيقه، وهنا الطامة الكبرى.
ضحك الحاكم وأعفى أفندي من ممارسة التنجيم.
6
ثمار الشجرة


قرأ نصر الدين أفندي في كتاب "عالم الحيوانات المدهشة"، وعندما وصل إلى السطر التالي: "في الأماكن التي يصعب على قدمي الإنسان الوصول إليها، تنمو شجرة مدهشة، ثمارها تشبه الناس كثيراً، وفي الليل تنزل الثمار من على الأغصان إلى الأرض، وعند الصباح تعود مرة أخرى إلى أماكنها، لتبقى متدلية كالثمار. ولكن خلافاً عن الناس العاديين فإنها تمتاز بالغباء التام".
فكر نصر الدين أفندي قليلاً ثم صرخ بأعلى صوته:
- آه، يعني أن حاكم مدينتنا هو من ثمار تلك الشجرة! ولكن كيف سقط علينا هنا في المدينة، لا أفهم!
7
إحترام العباءة


وصل نصر الدين أفندي إلى حفل عرس أقامه جاره الباي الغني، بعد العمل مباشرة وهو يلبس عباءة قديمة ممزقة. وهنا لم يسمح خدام الباي الغني له حتى بتخطي عتبة الدار.
وصرخوا بوجهه:
-  لا مكان لك هنا ! ألا تخجل، عجيب أمرك حتى كل جائع أخذ يأتي إلى هنا!
فما كان من نصر الدين أفندي إلا أن توجه إلى بيته، ولبس عباءة جديدة، ولف رأسه بعمامة بيضاء، وعاد مرة أخرى إلى العرس.
وعندها قابله خدم الباي الغني بسعادة وترحيب، وأجلسوه في أفضل الأماكن التي تليق به، وأحضروا له كل أنواع الضيافة. وهم يرددون:
- تفضل كل هذا... تفضل تذوق ذاك...
فما كان من نصر الدين أفندي إلا أن أدلى نهاية كمه إلى الطعام، قائلاً:
- تفضلي ياعباءتي...
فتعجب الباي الغني منه وقال له:
- ما هذا يا نصر الدين أفندي ؟
فأجابه نصر الدين أفندي:
- إذا كان كل هذا الإحترام للعباءة، فلتتمتع عباءتي بحسن ضيافتكم !
8
الحمار البطيئ وحصان السباق


بعد أن تقدمت به سنوات العمر تزوج حاكم البلاد من فتاة جميلة جداً، جاء بها من قرية آغاليك الواقعة على بعد بضعة كيلو مترات عن سمرقند. وسرعان ما طلبت المرأة الشابة أن تزور أهلها، فسمح لها، وبعد فترة قصيرة اشتاق الحاكم لها كثيراً. فاستدعى نصر الدين أفندي وأمره:
- إذهب إلى آغاليك وأحضر لي زوجتي.
فقال نصر الدين أفندي له:
- أمرك مطاع يا مولاي.
وبعد انقضاء يوم كامل عاد نصر الدين أفندي مع زوجة الحاكم.
وهنا غضب الحاكم منه، وقال له:
- لا، لا، كيف أرسلتك أنت العجوز، وعلى حمارك البطيئ هذا ؟
انقضت الأيام، وذهبت زوجة الحاكم مرة أخرى إلى آغاليك. وبعد أن فرغ صبر الحاكم إرسل في هذه المرة وراءها قائد عسكري شاب على حصان سريع. مر يوم، ويومين، وبعد أسبوع وصلت زوجة الحاكم مع القائد العسكري إلى سمرقند.
وهنا أطرق الحاكم رأسه مفكراً، ووجه كلامه لنصر الدين أفندي:
- حمارك البطيئ، يا نصر الدين أفندي، كان أكثر صدقاً من الحصان السريع.
فهمس نصر الدين أفندي في أذنه قائلاً:
- عليك أن تعرف، من ترسل يامولاي.
9
ملك الخراب


نصر الدين أفندي تفاخر، قائلاً:
- أنا أعرف لغة الطيور جيداً !
وصل هذا الكلام إلى الملك، فدعاه إلى رحلة صيد.
وعندما عبروا مدينة مهدومة. سمع صوت بوم. فسأل الملك نصر الدين أفندي:
- ماذا يقول ملك الخراب هذا ؟
فأجابه نصر الدين أفندي:
- يقول البوم يامولاي: "إذا استمر الملك بحكم الدولة هكذا، فستكون بلاده ملكاً لي قريباً".
10
كيف تعلم الحمار القراءة


استدعى أمير البلاد نصر الدين أفندي، وقال له وهو يشير إلى حمار واقف في الساحة:
- أكلفك بتعليم صاحب الآذان الطويلة هذا القراءة!
وأعطاه من خزنته 200 تنغا ذهبية. ركب نصر الدين أفندي الحمار، وتوجه إلى بيته. حيث عاش شهرين مع أسرته برغد ورفاهية ولم يبخل على نفسه بشيء، وفي اليوم المحدد عاد نصر الدين أفندي على الحمار إلى القصر، وتوجه إلى الأمير العظيم، وطلب منه إصدار أمر يدعو فيه كل علماء سمرقند ليشاهدوا الحمار وهو يقرأ.
وعندما اجتمع العلماء في صالة العرش. دفع الفضول الوزير للحضور، وحضر حتى القادة العسكريون، والنبلاء. وهنا أدخل نصر الدين أفندي الحمار إلى الصالون، ووضع أمامه على الأرض كتاباً. تصفح الحمار كل صفحات الكتاب بلسانه بسرعة وعندما وصل إلى آخر صفحة نهق بصوت مرتفع.
فما كان من نصر الدين أفندي إلا أن إنحنى أمام الأمير، وسأله:
- هل أنتم مسرورون يا مولاي ؟
عبر الأمير عن إرتياحه، وأمر بإعطاء نصر الدين افندي مئتي تنغا ذهبية أخرى، وسأله:
- كيف استطعت يا نصر الدين أفندي تعليم حيوان لا يتكلم القراءة.
فأجابه نصر الدين أفندي:
- سأجيب إن أعطيتموني الأمان.
فقال الأمير:
- أعطيك الأمان!
وهنا تحدث نصر الدين أفندي، قائلاً:
- أمام أنظار الحمار وضعت بين صفحات الكتاب شعيراً ووضعته في المخلاة. وعند وصولنا إلى هنا وضعت الكتاب أمامه، فأحس الحمار برائحة الشعير الذكية، وعندها بدأ بالبحث عن الطعام، وقلب الصفحات صفحة، صفحة، وهو يلعق الشعير بلسانه، وبعد أن فرغ نهق بأعلى صوته.
- وكما ترى ياصاحب العظمة، أنا أعَّلِّم أي حمار القراءة، مهما كان غبياً، وهذا أمر ممكن بالكامل وليس صعباً.
11
الأعمى


في يوم من الأيام، تجول الأمير العظيم في شوارع سمرقند، وشاهد أعمى، يطلب حسنة من المارة.
فسأله الأمير العظيم:
- ما اسمك ؟
فأجابه الأعمى بهدوء:
- في يوم ميلادي أعطاني أهلي اسم سعيد.
فضحك الأمير المتعالي، وقال:
- يا الله، وهل يكون الأعمى سعيداً ؟
هنا صرخ نصر الدين أفندي أمام الأمير المبصر، وقال:
- يا الله، هل أقول لكم من هو الأعمى ؟
فسأله الأمير:
- من ؟
فقال نصر الدين أفندي:
- إن الأعمى هو من يسخر من هذا الأعمى الحزين.
12
كم سعر الخروف


توجه نصر الدين أفندي إلى السوق ليبيع خروفه.
وهناك ساله الناس:
- هل تطلب ثمناً غاليا بخروفك هذا يا نصر الدين أفندي ؟
فأجاب نصر الدين أفندي:
- اشتريته بخمس تنغات، وأفكر ببيعه بست تنغات. ويمكن أن أعثر على إنسان يدفع سبعة تنغات. والخروف يساوي ثمانية تنغات كاملة. وإذا أردتم شراءه سأبيعه لكم بعشرين تنغا، وأنتم ستضيفون تنغا أخرى.
13
كلمات مقدسة

في الأيام الخالية عندما كان الملا نصر الدين أفندي تلميذاً في المدرسة، ذات يوم سرقت محفظة دفاتره وأقلامه وفيها نقوده، فسار منكساً رأسه غاضباً جداً. وهنا وبخه صاحب المدرسة قائلاً:
- إيه، يا نصر الدين أفندي، أنت تتحمل المسؤولية كاملة ؟ كان عليك أن تكتب بعض الآيات المقدسة من القرآن الكريم وتضعها في محفظة الدفاتر والأقلام. وهذا كان من الممكن أن يوقظ ضمير الحرامي و...
فقاطعه نصر الدين أفندي، قائلاً:
- كيف ذلك والقرآن الكريم كاملاً كان في المحفظة!
14
لا تتسرع!

كان مزاج حاكم البلاد سيء جداً. لأنه كان يريد طرد الخاندر ولكن دون جدوى، وهنا دعى المنجمين ووجه لكل منهم نفس السؤال على التوالي:
- كم عاماً بقي لي أن أعيش في هذه الحياة ؟
ومهما تباينت أجوبة المنجمين: "عشر سنوات"، "عشرين سنة"، "ثلاثين سنة" كان الأمير يأمر بقطع رؤوسهم.
والشيء ذاته حدث مع منجم آخر شارك رفاقه في هذا الحكم الظالم، لماذا ؟ لأنه قال أن الأمير سيعيش مئة سنة.
وعندها قال الأمير:
- قطعت رؤوس أولئك لأنهم خفضوا مدة حياتي جداً، ولكنك أنت أردت التباهى بخداعك لي.
وعندما وقع اختيار الحاكم على نصر الدين أفندي.
قال له الأمير غاضباً:
- إيه أيها الحكيم، أنت أيضاً كنت في وقت من الأوقات من بين منجمي القصر. كم سنة بقي لي أن أعيش في الحياة كحاكم لكم ؟
اقترب نصر الدين أفندي من كرسي العرش، وخر على ركبتيه مجيباً:
- يا مولاي، يوم الأمس رأيت تناسب حركة النجوم وحركة كواكبكم.
فقال الأمير:
- وماذا رأيت ؟
فقال نصر الدين أفندي:
- رأيت أنكم ستموتون ياصاحب العظمة بعد يوم واحد من موتي. ولهذا لا تستعجل بقطع رأسي.