الأحد، 22 نوفمبر، 2015

الفنان التشكيلي الأوزبكي المبدع أكمال وهاب جانوفيتش نوردينوف


الفنان التشكيلي الأوزبكي المبدع أكمال وهاب جانوفيتش نوردينوف
(أكمال نور)
ولد أكمال وهاب جانوفيتش نوردينوف (أكمال نور) بمدينة نمنغان عام 1959 وعاش معظم حياته وعمل بمدينة طشقند. وبعد تخرجه من معهد ب. بينكوف المتوسط للفنون الجميلة في طشقند عام 1978، التحق بمعهد منان ويغور الحكومي للفنون الجميلة في طشقند وتخرج منه عام 1984.


وبعد ذلك تابع دراسته في الورشة الإبداعية لأكاديمية الفنون الجميلة باتحاد الجمهوريات السوفييتية الإشتراكية بمدينة طشقند من عام 1985 وحتى عام 1989.
وفي عام 1990 أصبح أكمال نور عضواً في الإتحاد الإبداعي، بأكاديمية الفنون الجميلة الأوزبكستانية. وفي عام 1997 أنتخب عضواً عاملاً بأكاديمية الفنون الجميلة بجمهورية أوزبكستان. وحصل في عام 2005 على لقب الشرف "فنان الشعب الأوزبكستاني"، وحصل في عام 2011 على جائزة الدولة بجمهورية أوزبكستان. ومن مارس/آذار عام 2012 عين رئيساً لأكاديمية الفنون الجميلة بجمهورية أوزبكستان.
وأعمال الفنان التشكيلي الأوزبكي المبدع أكمال نور موجودة حالياً في:
- متحف الفنون الحكومي الأوزبكستاني بمدينة طشقند؛
- وإدارة المعارض بأكاديمية الفنون الجميلة في جمهورية أوزبكستان؛
- والبنك القومي بجمهورية أوزبكستان؛
- وإنفيست بنك أوزبكستان؛
- ومتحف أ. إكراموف لتاريخ العمارة في سمرقند؛
- وصالة أورغينيتش للفنون الجميلة (أوزبكستان).
- ومتحف الفنون الحديثة (يوغسلافيا)؛
- وصالة ديفيدسون بمدينة سيتيل (الولايات المتحدة الأمريكية)؛
- وصالة "أرت خيريتاج"، وأكاديمية لاليت كالا بمدينة دلهي (الهند)؛
- ومجموعة كريديت سفيسس بانك (سويسرا)؛
- وفي بعض المجموعات الخاصة في: هولاندا، وألمانيا، وبلجيكا، وأستراليا، والولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل، وكندا، والمغرب، والهند، وتركيا، والسويد.

وخلال سنوات حياته فعل أكمال نور الكثير من أجل الفنون التشكيلية في أوزبكستان، ودخل عالمها بشكل سريع جداً. ومنذ إنهائه لدراسته بكلية الفنون الجميلة، في معهد الفنون الجميلة بطشقند عام 1984 شغل مكانة بارزة بين أبناء الجيل الجديد من الفنانين التشكيليين الأوزبكستانيين في نهاية ثمانينات القرن العشرين. وخلال عقدين من الزمن نظم عدة معارض شخصية ضخمة، داخل وخارج أوزبكستان.
وتميزت أعمال أكمال نور بالفرادة في استخدام التقنيات اللونية، وسمحت لغة اللون المتميزة له بالإنفراد داخل جماعة الفنانين التشكيليين، حتى عن أقربهم للخط الفني الذي اختاره لنفسه في الفنون التشكيلية.


وفي عام 1997 كان أكمال نور أصغر عضواً عاملاً شاباً بأكاديمية الفنون الجميلة الأوزبكستانية. وإنطوت هذه الديناميكية على مزاجية خاصة عبرت عن إنفراده بخطه الفني التشكيلي. وعلى الرغم من إلتزام أكمال نور بخطه الفني المتميز بالهدوء، وعمق دراسة الشخصيات المعبر عنها في لوحاته. إلا أنه لم يتمرد، ولم يدافع عن خطه الأكاديمي المتميز، بل على العكس كان متمسكاً بالإتجاهات الحديثة في الفنون التشكيلية، ولم يكن من أنصار الطليعية، بل من أنصار الفن البديل، على الرغم من أن كل تلك العناصر التي سبق ذكرها يمكن إكتشافها في بعض لوحاته.

وشكلت الفترة الممتدة من عام 1988 وحتى عام 1989 المرحلة الأولى من مراحل تطور أكمال نور الإبداعي الفني. ففي ذلك الوقت ركز على رسم مناظر طبيعية بتقنية متميزة، شملت لوحاته: "الثلج الأخير"، و"الشتلات". أو لوحاته التي تلاعب بمضامينها التعبيرية دون القيام بأية محاولة متسرعة للتحليل الفلسفي، ومنها لوحاته: "المدينة القديمة - مهدي"، و"كبر السن"، و"عند العتبة".

وفي نفس الوقت تقريباً رسم أكمال نور سلسلة أخرى من اللوحات التشكيلية، مكنت من الإحساس بحرفيته الرفيعة، ومقدرته على تصوير مواضيع عبر عنها من خلال الشكل واللون. وإرتبط هذا الأسلوب في لوحاته التشكيلية بالإنتقال من التعبير النفسي للفنان، نحو تأثير الأجواء الإجتماعية التي عاشها خلال سنوات البريسترويكا القاتمة (الإتحاد السوفييتي السابق)، ودخوله مستنقع لوحات اللون الرمادي "المقبرة"، و"تيشيك –تاش"، و"حارس الروح"، التي أثارت شعوراً باليأس عند الإنسان، الذي اقتصر دوره على متلازمة الإنصياع.

وعبر أكمال نور عن نقده للأحوال الإجتماعية المذلة، والحالة الداخلية للنفس البشرية الواقعة تحت تأثير ضغوط التعبيرات الخارجية، في لوحته "الضحية" بتعبير تعكسه صوره ذبح خروف. وعلى أعتباب إستقلال أوزبكستان عام 1990 انتهت مرحلة بحثه الإبداعي باستخدام الواقع الإجتماعي المرير والإنكسار النفسي والعوامل الداخلية، برسمه لوحة "حمولة الثور". والتي يمكن أن يمتد الشعور في أسلوبها إلى مدخل جديد، من خلال خلفياتها المأساوية الرهيبة، رغم أنها لم تشر إلى أي محاولة للفنان التشكيلي لتطوير مشاكل التصوير التشكيلي عن طريق حلول لونية مميزة.

وتمتع موضوع الحب بأهمية خاصة لدى أكمال نور، وكان الحب موضوعاً رئيسياً في بعض أعماله التشكيلية الإبداعية. وعبر عنها بتسميات مجازية ، مثل لوحة: "تفاحة الحب"، و"حديقة الحب"، و"نهر الحب" (1995)، و"جزيرة الحب" (1998). والتي استخدم فيها أشكالاً رمزية مستعارة، شملت: القمر، وقرون الثور، والسمك، والزورق. ولكن الرمزية كانت حركة عامة مهيمنة في تلك اللوحات، وعبر عنها من خلال التفاحة كخلفية، تميزت أحياناً بالضخامة وقسمها إلى نصفين، وأجلس العاشقين بداخلها، على خلفية أخذت شكل فواكه محلقة في السماء. وبهذا المعنى نرى أن القدسية انتقلت إلى الخط الثاني في خلفياته التشكيلية، وتحول تصويره للتفاحة إلى نجاح، جاء من خلال التعبير الدقيق باستخدام الألوان بانسيابية بالغة. وهو ما يمكن ملاحظته من خلال مراحل تطور العمل في هذه المرحلة بلوحة: "جزيرة الحب"، التي رسمها عام 1998، والتي يمكن ملاحظة تميزها عن لوحاته المنفذة عام 1995 بالسهولة والحلول المبتكرة الناعمة والبارعة.

وجاءت سلسلة لوحاته التي رسمها عام 1998 بأناقة خاصة لأسلوبه الزخرفي الذي ظهر في لوحاته: "الفتاة، تعزف على الدف"، و"الملامسة"، و"طبيعة صامتة من ريشتان"، و"الشاعرية". وحددت تلك اللوحات بالكامل اتجاه جديد اتبعه أكمال نور في أعماله الإبداعية، من خلال سعيه نحو تشكيل أطر تشكيلية جديدة، وبحثه عن تعبير لوني أكثر تعبيراً في اللوحة.


ونوقشت أعمال أكمال نور، في المعارض، وفي الصحافة، بشكل واسع منذ بداية تسعينات القرن العشرين، ولم تقتصر تلك المناقشات على حفل الإفتتاح غير العادي لمعارضه، بل وفي حفل ختامها أيضاً، وكان المميز في ذلك الوقت تناوله لمواضيع إسلامية كـ: "الملاك"، و"الصلاة"، و"الطريق إلى مكة"، وغيرها من المواضيع. دون استخدام جوهر النظريات الصوفية أو الإشارة إليها صراحة في لوحاته. وكانت مهمته كفنان تشكيلي متواضعة، وهي التركيز على الأطر اللونية التشكيلية، التي تلامس تلك المواضيع المتنوعة كما كانت في السابق، مع ملامسة الآفاق الفلسفية والأخلاقية (فكرة الإستسلام للقدر، والإنتباه والحذر، والبحث عن جوهر الحياة النقية). ولكنه كان كما في السابق، يلامس المواضيع الممنوعة آنذاك من جوانبها الفلسفية والأخلاقية (فكرة الخضوع للمصير وتهديداته، والبحث عن الفكرة الحياتية في الأجواء العليا، وغيرها). ولهذا شكلت هذه السلسلة دفعة لتطوير شفافية الألوان المثيرة للاهتمام، رغم أنها لم تحصل على التطوير المنتظر منها.


وتميز توجه أكمال نور الفني بمواضيع تطلعت نحو أشكال تقليدية مستمدة من عرائس مسرح "مصخرة باظ"، كلوحاته: "الدمى"، و"العرائس النائمة"، وغيرها (عام 1995). وكان هذا الموضوع بمثابة نوع من أنواع الإبتعاد عن الحياة الفلسفية. وقال أكمال نور أعتقد أن "كل من تمكن من ذلك، أراد تصوير هذه الفكرة من خلال أعماله". وأضاف: "محاولاتي كفنان تشكيلي مبنية على التعبير عن الفكرة الفلسفية، المبنية على الظواهر وخلفياتها الإجتماعية، وقد تمكنت من ذلك بفاعلية عبر الإنسياب التشكيلي، في هذه السلسلة غير الكبيرة من اللوحات. والتحليل الفلسفي الإجتماعي أظهر أنه يمكن الإيحاء باللون والحركة في وقت واحد للتعبير عن الشكل، والفكرة الإبداعية".

ونجح أكمال نور بترجمة لمحات ملموسة إلى اللغة التشكيلية التصويرية، صور من خلالها الحجارة الظاهرة بشفافية تحت طبقات المياه الشفافة المنسابة في أنهار المنطقة الجبلية خومسان، وجاءت تلك التجربة كنتيجة لمراقبته الطويلة للملامح الطبيعية تلك. ونضجت الفكرة لديه لاحقاً بالكامل وبالتفصيل، وأثمرت عن ظهور تقنيات شفافة، مثل: تدحرج الأحجار المتساقطة على خلفية تصور ظل حيوانات، وطيور، وأسماك، غامضة، وغيرها من الخلفيات. بالإضافة لجملة من المزاجيات عبر عنها في لوحاته التشكيلية، وأعطت لكل لوحة خاصية تميزتها عن غيرها من اللوحات. وكانت تعبر عن دورة الأفكار التي يعرضها من خلال التحول الثنائي: - المجال الدلالي للوحات، - والمهام الدلالية الخاصة في اللوحة.

وسلسلة لوحاته الأخيرة، تميزت بأسلوب رفيع المستوى، ونمط شرقي متميز، بالإضافة للإنسيابية الجمالية التي أخذت مكانة خاصة في التعبير عن جمالية الفضاء باللون الأبيض، وأحاطها أكمال نور بطقسية روحية خاصة، عبر عنها بأن: "الرغبة البيضاء تكتب بالأبيض". وهنا لابد من الإشارة إلى لوحاته: "قصائد بيضاء"، و"مليكا"، و"الموسيقى"، و"العروس البخارية" (عام 1998)، أما عند الحديث عن بحثه الجمالي في لوحته "قصائد بيضاء"، الذي بدأه منذ أواسط تسعينات القرن الماضي، فيمكن الإحساس به بشكل جيد من خلال إنسيابية اللون في لوحاته: "العروس البخارية" (1995)، و"رحلة الفكر" (1996). وهذه السلسلة كانت محاول واضحة من الفنان التشكيلي لجمع التقاليد الفلسفية الشرقية، المبنية على الرمزية متعددة المعاني، والمعاني المجازية، والمبادئ الجمالية لمرحلة ما بعد الحداثة، وإلتزامها بأحادية اللون، والإنسيابية الجمالية الطبيعية في الحلول الفنية.
 ولا تنفي التعددية في الأساليب التشكيلية والتقنيات التي مارسها أكمال نور في لوحاته، تكامل تطلعاته الفنية التشكيلية مع الخط العام لتطوير الفنون التشكيلية في أوزبكستان، بل تؤكد فقط على فكرة واحدة هي: أن حركة بحثه المستمرة، وتوجهه نحو التآملات الفلسفة، عبر عنها بحركة لونية جميلة وناحجة.

***********
بحث كتبه أ.د. محمد البخاري في طشقند، بتاريخ 21/11/2015 بتصرف نقلاً عن الصفحة الإلكترونية لأكاديمية الفنون الجميلة في أوزبكستان باللغة الروسية

الثلاثاء، 17 نوفمبر، 2015

زيادة الإهتمام بدراسة وتحقيق المخطوطات الشرقية القديمة في أوزبكستان


زيادة الإهتمام بدراسة وتحقيق المخطوطات الشرقية القديمة في أوزبكستان
تعتبر خزائن مجموعة المخطوطات الشرقية المحفوظة في معهد أبي ريحان البيروني للإستشراق التابع لأكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان، من الأهمية العلمية من أغنى خزائن المخطوطات الشرقية المعروفة في العالم.


أبو ريحان البيروني
ويمتد تاريخ المؤلفات المخطوطة القديمة المحفوظة في المعهد، لأكثر من ألف عام، بينما تعود المؤلفات المخطوطة والمطبوعة الأكثر حداثة لبداية القرن العشرين.
وتضم خزائن المعهد مخطوطات لمؤلفات كتبت باللغات: الأوزبكية، والعربية، والفارسية، والطاجيكية، والأوردو، والبشتو، والأذربيجانية، والتركية، والتترية، والتركمانية، والويغورية، وغيرها من لغات الشعوب الشرقية. وتتحدث كلها عن المسائل: التاريخية، وتاريخ الأدب، والفلسفة، والحقوق، وعلم الفلك، والفيزياء، والكيمياء، والطب، واللغة، والصيدلة، والجيولوجيا، والموسيقى، والرياضيات، والمعادن، والزراعة، والفنون التشكيلية، وغيرها من المسائل التاريخية.
 وأهمية كبيرة تتمتع مخطوطات المعهد لدراسة تاريخ تطور تاريخ وثقافة شعوب وسط آسيا، والهند، وباكستان، وأفغانستان، والدول العربية، وإيران، وتركيا، وغيرها من الدول الشرقية، وتتمتع بأهمية علمية كبيرة لدراسة الصلات السياسية، والدبلوماسية، والثقافية بين تلك الدول.
وتسمح المخطوطات التي يحتفظ بها المعهد بدراستها بعمق وتحقيقها، ليصبح هذا التراث الثقافي، بمتناول أوسع الأوساط الإجتماعية والعلمية. خاصة بعد أن سلمت كل المؤلفات المخطوطة، التي كان يحتفظ بها القسم الشرقي بمكتبة علي شير نوائي الحكومية العامة من جديد، للمعهد الذي أحدث لهذا الغرض.
ولتوسيع النشاطات العلمية الجارية في المعهد كان لابد من إحداث أقسام:
- لتنظيم الإعداد العلمي الأولي لدراسة المخطوطات؛
- ووضع الأوصاف العلمية للمخطوطات وإنشاء فهارسها؛
- ودراسة ونشر الآثار والوثائق المكتوبة؛
- ودراسة الحياة السياسية، والاقتصادية، والثقافية في الدول الأجنبية المجاورة، وصلاتها بوسط آسيا.

علي شير نوائي
ويضم مخزون المعهد مخطوطات لمؤلفات كتبها أبرز كلاسيكيي الأدب الشرقي، أمثال: يوسف خاص حاجب بالاساغوني، ورابغوزي، وروداكي، وفردوسي، ونظامي غنجوي، وسعدي، وأمير خوسروف دهلوي، وعبد الرحمن جامعي، وعلي شير نوائي، وفريد الدين عطار، وجلال الدين رومي، وحافظ، وعمر الخيام، وفضولي، وميرزة عبد القادر بيديلي، وأبو علي بن سينا، والعلامة الزمخشري، ومحمود قشقاري، وميرزة ألوغ بيك، وقاضي زادة رومي، وعلي قوشتشي، وكتب الدين شيرازي، والكثيرين غيرهم من كلاسيكيي المؤلفات الشرقية، في مختلف إتجاهات العلوم الطبيعية.
ويضم مخزون المخطوطات في المعهد الكثير من المخطوطات عن:
- تاريخ الإسلام؛
- والعلوم الإسلامية؛
- والتصوف.
كتبت باللغات: العربية، والفارسية، والأوزبكية القديمة (المكتوبة بالحرف العربي)، خطت كلها خلال الفترة الممتدة من القرن 9 وحتى القرن 19 الميلادية.
وتشمل المخطوطات، نسخاً قديمة من القرآن الكريم، خطت في القرن الـ 9 الميلادي بالخط الكوفي. كما ويحتفظ مخزون المخطوطات في المعهد بقائمة هامة لنسخ من القرآن الكريم، نسخت على مر مختلف القرون، يمتاز خطاطوها بخط النسخ. ويضم مخزون المخطوطات الشرقية الآن 25621 مجلد. والكثير منها عبارة عن مجموعات، يضم كل مجلد منها عدة مؤلفات جلدت في جلد واحد. ولهذا يزيد عدد المؤلفات المحفوظة فيها لعدة مرات. ويضم مخزون الكتب المخطوطة والمطبوعة في المعهد 39300 مجلد، يضم كل مجلد منها أيضاً عدة مؤلفات، مما يزيد من عددها لعدة مرات أيضاً، في حال إذا تم النظر إلى مضامين تلك المجلدات كمؤلفات منفصلة.
ومن حيث المضمون، يضم مخزون المعهد مختلف الوثائق المحفوظة، لمرحلة يمتد تسلسلها التاريخي لنحو ألف سنة. وتعود أقدم وثيقة بينها إلى القرن الـ 10 الميلادي، وأحدث وثيقة لبداية القرن الـ 20 الميلادي. وعدد كبير منها هي وثائق لخانيات: بخارى، وخيوة، وقوقند. وتجري دراستها والبحث فيها اليوم.


أبو علي بن سينا
وأثمرت جهود العاملين العلميين في المعهد عن صدور فهرس من 11 جزء تحت اسم "مجموعات المخطوطات الشرقية في أكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان". وضم وصوفات علمية مختصرة لـ 7574 من المؤلفات المخطوطة المكتوبة بمختلف اللغات الشرقية، ولم يزل هذا العمل مستمر حتى الآن. كما أعد العاملون في المعهد، وصدر فهرساً يتضمن وصفاً لمخطوطات مجموعة معهد الإستشراق بأكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان، من تأليف أبرز المؤلفين في العلوم والثقافة، أمثال: أبو نصر الفارابي، وأبو علي بن سينا، وأمير خسروف دهلوي، وعبد الرحمن جامعي، وعلي شير نوائي. كما نشر المعهد فهرساً مصوراً ضم "المنمنمات الشرقية في مجموعة معهد الإستشراق التابع لأكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان"، أعد بالتعاون مع معهد حمزة للمعارف الفنية التابع للأكاديمية.

صفحة من مخطوطة القانون في الطب
وبمناسبة الذكرى السنوية الألفية لمولد على ابن سينا صدرت الطبعة الثانية من مؤلفه "القانون في الطب". وخلال سنوات إستقلال أوزبكستان صدرت الطبعة الثالثة من هذا الكتاب الهام. لأن المعهد يعمل على دراسة ونشر التراث العلمي لهذا العالم العظيم، بعد أن حصل على جائزة ابن سينا الدولية الأولى.
وأصدر المعهد الترجمة الأوزبكية مع النص الأصلي لعدد من المصادر بمختلف المواضيع التاريخية، وتاريخ الثقافة والعلوم، أعدها الباحثون العلميون في المعهد. كما أصدر الباحثون العلميون في المعهد تحقيقات للمؤلفات العلمية التالية:
- "كتاب سر الأسرار" لأبو بكر الرازي؛
- "بابور نامة" لظهير الدين محمد بابور؛
- "هومايون نامة" لغولبادان بيغيم؛
- "عبد الرزاق سمرقندينينغ هندوستان سفرنوماسي" (مذكرات عبد الرزاق سمرقندي عن رحلته إلى الهند)؛
- "خيوه دولت حجاتلاري" (وثائق دولة خيوه)؛
- "تاريخي سلطاني مينغيت" (تاريخ الحكام المنغيت) لميرزه عبد العظيم سامي؛
- "بخارى تاريخي" (تاريخ بخارى) لنارشاهي؛
- "عبد الله نامة" لحافظ تانيش بخاري؛
- "تاريخي مقيم خاني" (تاريخ مقيم خانة) لمحمد يوسف منشئ؛
- "عبيد الله نامي" لمير محمد أمين بخاري؛
- "تاريخي مسعودي" (تاريخ مسعود) لأبو الفضل بايهقي؛
- "مطلع السعدين ومجمع البحرين" لعبد الرزاق سمرقندي (الجزء 11)؛
- "مهمان نامي بخارى" (كتاب ضيوف بخارى) لفضل الله روزبيخان؛
- القسم الجغرافي من "بحر الأسرار" لمحمد بن والي؛
- "مجمع الأرقام" لميرزة بديع ديوان؛
- "الأدوية القلبية"، و"الأرجوزة" و"سلمان وإبسال" لابن سينا؛
- "مقالات في علم الفلك" لعلي كوشتشي؛
- "يتيمة الدهر" لأبو منصور الثعالبي؛ وغيرها.
وبعد ازدياد الإهتمام بدراسة التراث المكتوب، أعد العاملون في المعهد، وصدرت جملة من الفهارس تضم الاتجاهات التي تشملها مجموعة المخطوطات الشرقية في: التاريخ، والعلوم الطبيعية، والعلوم الدقيقة، والطب، والتصوف. وفهارس في المنمنمات، والوثائق، وغيرها من المخطوطات.
كما تزايدت صلات تعاون المعهد في مجالات دراسة ونشر مخطوطات مع علماء أجانب من: ألمانيا، وإيران، واليابان، والولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها من الدول.
ومخزون المخطوطات المحفوظة في المعهد يشمل اليوم مرحلة تاريخية تمتد لأكثر من ألف سنة تتحدث عن تطور ثقافة شعوب الشرق، أي من القرن الـ 9 الميلادي وحتى بداية القرن الـ 20 الميلادي. وقامت اليونسكو بدرج مخزون مخطوطات المعهد في الوقت الراهن ضمن قائمة أغنى مخازن المخطوطات في العالم.
*******
بحث أعده أ.د. محمد البخاري، في طشقند بتاريخ 15/11/2015 بتصرف نقلاً عن الصفحة الإلكترونية: www.mg.uz باللغة الروسية

السبت، 7 نوفمبر، 2015

شيخ الإسلام الإمام برهان الدين المرغيناني


شيخ الإسلام الإمام برهان الدين المرغيناني


برهان الدين المرغيناني، هو عالم بارز وفقيه عاش وابدع في ما وراء النهر وحصلت أعماله الفقهية على شهرة واعتراف كبير في العالم الإسلامي.
ولد برهان الدين المرغيناني بمدينة ريشتان في وادي فرغانة (أوزبكستان) عام 1123م. ومنذ ولادته أطلق عليه إسم علي بن أبو بكر. وحصل على تعليمه الديني المبكر بمدينة ريشتان، وتابع بعدها تعليمه الديني في مدن: مرغيلان، وبخارى، وسمرقند، وغيرها من مدن ما وراء النهر. وكان أبوه أبو بكر بن عبد الجليل بن الخليل المتميز بعلومه العالية أول معلم ومربي له، و أحيط علي بن أبو بكر منذ طفولته بالعناية والحبوالرعاية، ودرس على أيدي أشهر علماء ورجال الدين وحكماء عصره. وأجاد اللغة العربية، وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، وحفظ الأحاديث النبوية الشريفة المتداولة آنذاك.
وشغلت إهتمامه الخاص علوم الشرعية والفقه الإسلامي، التي كانت ضرورية في مجتمع ذلك الوقت، وخصص لها القسم الأكبر من حياته وإبداعاته. وكان من ثمار جهوده مؤلفات فريدة ساطعة وفرت له الشهرة والمجد في العالم الإسلامي، وبنتيجتها حصل على لقب "شيخ الإسلام"، ولقب "الإمام".
وكان برهان الدين المرغيناني يطور تعليمه باستمرار، وحتى أنه تعلم حتى أيام حياته الأخيرة. وكان متخصص بارع في العلوم الشرعية والفقه الإسلامي، وباحث دؤوب، وعالم ناجح، وأديب وشاعر، واعترافاً منه بجهود معلميه كتب "كتاب عن الشيوخ"، شكر فيه العلماء الأربعين الذين أسهموا في تعليمه.
وخطت ريشة المرغيناني مؤلفات في العلوم الفقهية، شملت: "بداية المبتدئ"، و"كفاية المنتهي"، و"نشر المذهب"، و"كتاب المزيد"، و"مناسك الحج"، و"مختارات النوازل"، و"كتاب في الفرائض"، و"مزيد في فروض الحنفي"، و"كتاب التجنيس والمزيد"، وغيرها من الكتب.
وكتب برهان الدين المرغيناني في مقدمة أشهر كتبه "بداية المبتدئ"، الذي أمضى في تأليفه نحو الـ 13 عاماً،:
"في الصبى كنت أحلم بجمع كل ما يمكن جمعه من الإتجاهات الفقهية. وصادفني الحظ أثناء تجوالي في العراق وعثرت على المؤلف الفريد في الفقه "المختصر القدوري" لأبو الحسن بن أحمد ين محمد القدوري. وقبله عرفت أن كل العلماء البارزين آنذاك كانوا مبهورين بكتاب الفقيه والعالم محمد بن حسن الشيباني "الجامع الصغير". وعندها فكرت بضم الكتابين في كتاب واحد أطلق عليه إسم "بداية المبتدئ". وإذا تمكنت من كتابة تعليق على الكتاب، فسأطلق عليه إسم "كفاية المنتهي"".
وبالفعل أعد العالم برهان الدين المرغيناني تعليقاً ضم 8 أجزاء. وأنجز النسخة الأخيرة من مؤلفه عام 1178م في سمرقند، وجاء مؤلفه في 4 أجزاء، و 57 كتاباً، قسمها بدورها إلى فصول، وأقسام. وأطلق عليه إسم "الهداية".


وتتناول كل كتاب من كتبه التي كنبها في القرون الوسطى، اتجاه معين في الشرع الإسلامي. وكإثبات لتلك القواعد الشرعية التي تناولها في مؤلفه نقل عن صحابة الرسول (ص)، وغيرهم من علماء الشريعة المتأخرين في العالم الإسلامي ومن ماوراء النهر.
وتناول في كتابه "الهداية" العبادات الدينية من (صلاة، وصوم، وزكاة، وحج)، ومسائل الزواج، والحقوق الأسرية، والطلاق، والعقوبات الإلهية، والشراء والبيع. إلى جانب ذلك تناول مبادئ الحقوق الدولية، وحقوق الوقف، والحقوق المدنية. وصب إهتمامه على المحاكمات، وظروف الشهادة في مختلف القضايا، والجرائم، ومعاقبة شهود الزور. وتناول الكتاب القضايا المالية، والبستنة والفلاحين، وملكية الأرض، ووراثة الأملاك، وغيرها من القضايا.
ويمتاز كتاب"الهداية" عن غيره من المصادر الفقهية بموضوعيته وتسلسله، وتتناول لطرق خاصة في العرض.
ولم تفقد هذه المجموعة القانونية أهميتها الشرعية رغم مرور ألف سنة على وفاه الجد العظيم للأوزبك. لأن أعماله نسخت بمئآت وحتى آلاف النسخ، ودرسها العلماء وعلقوا عليها بعمق أكثر من مرة، لأهميتها آنذاك، وقدرتها على حل الكثير من المسائل الحياتية، كمرجع عملي للمسائل الحياتية.
وكان كتاب برهان الدين المرغيناني هذا واسع الإنتشار، في وطنه، وفي كل أنحاء المشرق والمغرب. وجرت ترجمته إلى اللغات: الفارسية، والإنكليزية، والروسية، وغيرها من اللغات، واعتبر مصدراً من مصادر إعداد الكثير من الكتب في الشرع الإسلامي.
ولم تزل نسخ مخطوطة من هذا الكتاب محفوظة في العديد من مخازن الكتب العلمية في العالم، ويعتبر حتى الآن من الكتب العملية الهامة لدراسة الشريعة الإسلامية منذ ذلك الوقت، ومصدراً لمؤلفات الأوزبك، ولتراثه العلمي أهمية خاصة في كل العالم الإسلامي.
وعاش العالم وأبدع حتى أيامه الأخيرة بمدينة سمرقند. وكتب أكثر الباحثين أنه دفن في سمرقند بمقبرة "تربة المحمديين"، ووري الثرى فيها نحو 400 فقيه من أتباع النبي محمد (ص).
ولحياة وإبداعات برهان الدين المرغيناني يعار في أوزبكستان إهتمام خاص. ويدرس مؤلفاته والمواضيع الهامة التي تناولها الحقوقيون المعاصرون، والمستشرقون، والمؤرخون، وعلماء اللغة والأدب. وبمبادرة من قائد الدولة إسلام كريموف أحتفل في موطن العالم ريشتان عام 2000 وبشكل واسع بمناسبة مرور 910 سنة على ميلاد العالم العظيم. بمشاركة مندوبين عن الأوساط العلمية في الدول الأجنبية. وبنظم بهذه المناسبة في ريشتان مؤتمراً دولياً بعنوان "برهان الدين المرغيناني ومكانته في العلوم والثقافة العالمية".
**********
بحث كتبه أ.د. محمد البخاري في طشقند بتاريخ 7/11/2015 بتصرف نقلاً عن، برهان الدين المرغيناني: عالم عظيم في الحقوق من وسط آسيا. // طشقند، وكالة أنباء Jahon، 19/10/2015

الخميس، 5 نوفمبر، 2015

بهاء الدين نقشبند مؤسس الطريقة الصوفية في وسط آسيا


بهاء الدين نقشبند مؤسس الطريقة الصوفية في وسط آسيا


تعتبر الطريقة الصوفية "النقشبندية"، من الطرق الضخمة التي تأسست في وسط آسيا بالقرن الرابع عشر الميلادي، وانتشرت وارتبطت باسم مؤسسها الشيخ محمد بن برهان الدين البخاري أو بهاء الدين نقشبند (1318-1389)،

ولا يتفق العالم بهاء الدين نقشبند مع الآراء التي تتحدث عن مكان ظهور الصوفية. لأن عدد منها يؤكد على أنها تشكلت في شبه الجزيرة العربية (القرن التاسع الميلادي)، بينما غيرها تعتبر أنها بدأت من العراق (القرن الثامن الميلادي)، وبعدها إنتشرت في إيران، ومن ثم في ماوراء النهر وغيرها من الدول.
والصوفيون هم أشخاص ساروا على طريق التقرب الروحي مع الحي الباقي، وكانت نظرتهم للأملاك الخاصة، والغنى، والرفاهية، ماهي إلا نتيجة لإنعدام العدالة. واتبع الصوفيون أسلوب حياة خاصة بهم، وارتدوا ملابس خشنة صنعت من الأقمشة الصوفية "من الصوف"، ومنها أخذت الطريقة تسميتها (الصوفية). والمبدأ الرئيسي للطريقة كان الإعتراف بأن ما هو موجود في الطبيعة هو من صنع القوة الإلهية وحدها.
وأخذت الصوفية بالإنتشار في وسط آسيا منذ نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، وبداية القرن الثاني عشر الميلادي، وغدت عاملاً من عوامل تغيير الحياة الروحية لشعوب المنطقة. حيث ظهرت فيها وتطورت ثلاث طرق صوفية وكانت من بين الأكثر إعترافاً بها من غيرها، طرق: اليسوية، التي إرتبطت باسم أحمد يسوي. والكوبراوية، التي إرتبطت بإسم نجم الدين كوبرو. والنقشبندية، التي إرتبطت بإسم بهاء الدين نقشبند. وكلها ساعدت على إقامة أسس ظهرت على أثرها وإنتشرت طرق صوفية عدة.
وبهاء الدين نقشبند ولد في قرية قصري هيندوان، الواقعة على بعد 12 كيلو متر من مدينة بخارى في عام 1318م. وتغير إسم هذه القرية على شرفه وغدت تسمى بالنتيجة قصر العرفان. والده سيد جلال الدين، وأمه بيبي عارفه، وهما من نفس المكان. وكان والده حرفياً نقاشاً ("نقشبند" نقاش) ونساج. وأمه إشتهرت بمعارفها الكبيرة. وكلاهما كانا من أتباع الديانة الإسلامية وتعاليمها.
وسرت اقوال كثيرة تؤكد على أن العالم الصوفي الحاج محمد بوبي ساموسي، تنبأ بولادته في هذه القرية، والذي على ما يبدوا أكدته الأوضاع التي ترتبت بعد ولادته، لأنه تبناه وكان أول معلم له. وقبل وفاة هذا العالم أعطى تلميذه بهاء الدين نقشبند للشيخ المعروف في ذلك الوقت سعيد أمير قولول، حيث تابع عملية تعليم الشاب بهاء الدين، الذي تعلم ودرس أسس الصوفية بإهتمام وعمق.
وكان لتعاليم النقشبندية أهمية كبيرة خلال كفاح الأمير تيمور (تيمورلانك) ضد الغزو المغولي، ومساعيه لبناء دولة مستقلة، وفي تطور الأسس الثقافية، والأخلاقية، والمعنوية، للمجتمع آنذاك. وفي هذا المجال تجب الإشارة إلى أن أكثرية العلماء، ورجال الدولة، وعلماء الفنون في القرن الخامس عشر ميلادي تعاملوا بشكل إيجابي مع هذه الطريقة واستخدموا تعاليمها بشكل واسع.
وهذه العملية حصلت على إنتشار واسع أثناء حكم ظهير الدين محمد بابور (1483م-1530م) وخلال القرنين السادس عشر ميلادي، والسابع عشر ميلادي. وقدم العالم الصوفي المعروف خوجه محمد البوكي قابولي خدمات كبيرة لها، وهو الذي أثناء وجه جهوداً كبيرة أثناء وجوده في الهند وأفغانستان لجذب أتباعاً كثيرين للطريقة من السكان المحليين. وقيمت شعوب تلك البلدان جهوده بإيجابية كبيرة وأعطته إسم خوجه بوقيبوللا، وتعني "خوجه الأمين لله". وسار على طريقته تلميذه خوجه أحمد فاروق سرهندي (1563م-1624م)، الذي دعا أيضاً من تجمع حوله في الهند للإنضمام إلى الطريقة النقشبندية.
وعلى هذا الشكل يبدو أن هذه الطريقة التي وضع أسسها جد الأوزبك بهاء الدين نقشبند، لعبت دوراً كبيراً في الحياة الإجتماعية والسياسية والروحية والثقافية والأخلاقية لشعوب وسط آسيا، والشرقين الأوسط والأدنى. وكانت غريبة عنها المظاهر السلبية مثل: العنف الإجتماعي، والتطفل، والتسرع. ومبدأها الرئيسي كان الطهارة الروحية، وحب العمل، والعدالة، والإبتعاد عن الرفاهية، وشراء الممتلكات، وتحقيق المكاسب الشخصية، والغنى الفاحش. ووفقاً لهذه التعاليم كان على المتصوف التمسك بتعاليم السنة الشريفة، والتقيد بكل تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة. وحدد بهاء الدين نقشبند رؤيته في البيتين التاليين:
«Дил ба Ёру, даст ба кор» ، "على الروح أن تكون مع الله، واليد في العمل".
وأشار العالم المعروف والمستشرق والباحث في الطرق الصوفية البروفيسور يي. بيرتيلس إلى أن أسس التعاليم النقشبندية هي في السعي التلقائي للحياة البسيطة، والكفاية، والتخلي عن كل ما هو غير لازم، وممارسة الأعمال الجسدية والسعي نحو المعرفة. وحتى أن نقشبند مارس عملاً صغيراً، وزرع القمح والفاصولياء والفول، واقتسم المحصول مع المحتاجين.
ودعى أتباع النقشبندية أنصارهم أيضاً للأمانة، وممارسة التجارة الشريفة، والأعمال الزراعية، والحرفية، والآداب، والعلوم، والتعليم، والكتابة، والنقش على الجدران، والحفر على الخشب والمعادن والحجارة، والموسيقى، والفنون التشكيلية والتطبيقية. ولهذا كان أبرز ممثلي العلوم، والثقافة، والأدب، في ذلك الوقت، أمثال: عبد الرحمن جامعي، وعلي شير نوائي، وخوشخولخون خاتاك، وأحمد شاه دورراني، ومخدومقولي فيراغي، وغيرهم من الشعراء والمفكرين التقدميين، من المعبرين عن النظرات الإنسانية، وساروا على الطريقة النقشبندية، وعكسوا في أعمالهم هذه الأفكار والمبادئ، مثل: طهارة القلب، والصدق، والأمانة، والطهر، وحب العمل، والعدالة، والوطنية، والتسامح، والإحساس بالمعاناة، وحب الإنسان، والغفران، التي هي اليوم ظاهرة من مظاهر وقتنا الحاضر، ومهمة من المهام الهامة لمجتمعاتنا المعاصرة.
والمعروف عن سيرة حياة العالم الديني الكبير بهاء الدين نقشبند عملياً قليل جداً، لأنه منع أتباعه في أيامه الكتابة عن أعماله وعن حياته.


ولكن الدراسات والبحوث الجارية عن تاريخ ظهور وإنتشار مثل هذه الطرق، كـ: اليسوية، والكوبراوية، والنقشبندية، يعار لها اليوم إهتمام خاص في أوزبكستان. وكرست لها جملة كبيرة من الأعمال والأطروحات في مؤسسات التعليم العالي، وكتبت عنها المؤلفات، ويجري الإحتفال بالمناسبات التاريخية لذكراهم. ومن بينها أحتفل في أوزبكستان عام 1993 بمناسبة مرور 675 عاماً على ميلاد بهاء الدين نقشبند، وبهذه المناسبة نظم مؤتمر علمي دولي. كما جرت أعمال ترميم لكل الآثار المرتبطة بإسم الإمام بهاء الدين نقشبند، ومن بينها: تشييد مجمع بهاء الدين نقشبند المعماري، الواقع في قرية "قصر العرفان". الذي شيد فيه ضريح وسور تذكاري مزود بالنقوش عام 1544م على شرف نقشبند، يزوره سنوياً آلاف الحجاج من كل أنحاء العالم.


**********
بحث أعده أ.د. محمد البخاري في طشقند بتاريخ 5/11/2015 بتصرف نقلاً عن: بهاء الدين نقشبند (1318م-1389م): "الروح يجب أن تكون مع الله، واليد بالعمل" // طشقند: وكالة أنباء Jahon، 6/7/2015

الأحد، 1 نوفمبر، 2015

أسرار واحة سورخان في أوزبكستان


أسرار واحة سورخان


لسنوات عديدة جرت تنقيبات أثرية على أراضي ولاية سورخانداريا بجمهورية أوزبكستان، عثر المنقبون الأثريون خلالها على أكثر من 800 أثر مادي وثقاقي وعمراني تعود لفترات تاريخية متباعدة. وتركز إهتمام الأوساط العلمية العالمية خلال خلال تلك الفترة على الآثار الجديدة المكتشفة في أوزبكستان.
ومضى أكثر من عشر سنوات على عمل بعثة التنقيب عن الآثار البكتيرية في وسط آسيا التي شكلتها أكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان، وأسندت إدارتها للمرشح بالعلوم التارخية إيغور دفوريتشينسكي، الباحث البارز في بعثة طهارستان للتنقيب الأثري التابعة لمعهد المعارف الفنية في أوزبكستان. وخلال الفترة الماضية درس أعضاء البعثة مدينة كامبيرتيبه، على شواطئ نهر أموداريا، والآثار المعمارية في منطقتي غيشتيبه، وشيرآباد. وركزوا جهودهم في الوقت الراهن على أعمال التنقيب الأثري في قلعة أوزونداره، التي تحدث عنها في عام 1991 ولأول مرة إدوارد ريتفيلادزه مدير بعثة التنقيب الأثري التابعة لأكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان.
وخلال تلك الفترة قد تمكن الباحثون من جمع الكثير من اللقيات الأثرية التاريخية. ومن بينها تمكنوا من تحديد موقع 900 متر من المنشآت العسكرية الدفاعية للدولة البكتيرية اليونانية وفق ماقاله: إيكوو خيرايامي مدير متحف قسم كرفان ساراي الدولي للثقافة، والمنقب عن الآثار كوستانتين شييكو.
- وقال العالم إدوارد ريتفيلادزه: كانت لهذه المنشآت العسكرية الدفاعية مكانة إستراتيجية هامة، ومنشآتها مؤلفة من قسم رئيسي على شكل رباعي مقنطر، ويمكن التحرك بحرية في أعالي الجدران البالغ إرتفاعها تسعة أمتار. ومن الأبراج الـ 11 المشيدة فيها يمكن مشاهدة المحيط كراحة اليد. وعلى أراضي القلعة أكتشفت لقيات أثرية مؤلفة من مجموعات نقدية، ومصنوعات من السيراميك، وتجهيزات عسكرية، تعود للقرنين الـ3 والـ2 قبل الميلاد. ونقشت على القطع النقدية صور للقياصرة ديودود (القرن الـ3 قبل الميلاد)، وغيليوكل (القرن الـ2 قبل الميلاد) والحكام الكوشانيين، وتعتبر كلها من اللقيات الأثرية التاريخية القيمة جداً. كما وتمتع الأحواض الحجرية الكبيرة الموجودة على أراضي القلعة بأهمية خاصة. وتوقع العلماء بأنها كانت تستخدم لحفظ المؤن الغذائية. وعلى بعد سبعة كيلو مترات من قلعة أوزونداره يقع الجدار الدفاعي "دارباند" البالغ طوله 1600 متر. ويعتقد أن المحاربين كان يتخاطبون بالمشاعل النارية فيما بينهم.
وإستناداً لنتائج الأبحاث تلك، توصل العلماء إلى نتيجة مفادها أن قلعة أوزونداره شيدت قبل مجيء اليونان إلى المنطقة بفترة طويلة، وأن شكلها المعماري قريب من التقاليد المعمارية المحلية. وعلى هذا الشكل، يمكن استنتاج أن التنقيبات الآثرية قربت المنقبين عن الآثار نحو بلوغ هدفهم الرئيسي، وهو الكشف عن خصائص حياة أجداد الأوزبك في العصر الهيلنستي ببكتيريا. واقتنعوا بأن واحة سورخان العريقة القدم تخفي الكثير من الأسرار التي تثير عجب العلماء الأوزبك.
**********
بحث أعده أ.د. محمد البخاري، في طشقند بتاريخ 1/11/2015 بتصرف نقلاً عن: أسرار واحة سورخان. // طشقند: وكالة أنباء Jahon، 23/10/2015

الأحد، 18 أكتوبر، 2015

مؤرخ وسط آسيا العالم أبو بكر نارشاهي


مؤرخ وسط آسيا العالم أبو بكر نارشاهي


أبو بكر نارشاهي (899م-959م) هو مؤلف كتاب "تاريخ بخارى"، الذي تمتع بشهرة كبيرة في العالم كمصدر قيم، وموسوعة فريدة عن تاريخ مدينة بخارى أهم المراكز الثقافية في وسط آسيا. ويصعب اليوم إعادة تقييم أهمية هذا الكتاب.
ونارشاهي كتب كتابه خلال عامي 943م-944م، باللغة العربية وكرسه لحاكم دولة السامانيين أبو محمد نوح بن ناصر بن أحمد إسماعيل الساماني. ولكن النص الأصلي المكتوب باللغة العربية فقد ولم يبقى حتى اليوم.
وفي عام 1129م ترجم أبو ناصر أحمد بن محمد بن ناصر الكوباوي (الذي جاء من مدينة كوبة بولاية فرغانة) الكتاب إلى اللغة الفارسية بتكليف من أصدقاء نارشاهي. وقبل ذلك وخلال 185 سنة تعرض الكتاب لأكثر من مرة للتحرير، والإختصار، والإضافة. حتى مد المترجم يده إلى المخطوطة وقام بإجراء تعديلات وإضافات عليها.
وبعد نصف قرن وخلال عامي 1178م-1179م جرى اختصار النسخة الفارسية من الكتاب مرة أخرى، وخلال الأعوام الممتدة من عام 1178م وحتى عام 1220م جرى تحرير الكتاب وأضيفت إليه أحداث السنوات التالية، وهو ما يشهد عليه ترجمة وقائع تاريخية عن الفترة اللاحقة لتأليفه. كما تضمن كتاب "تاريخ بخارى" مقتطفات من كتب غيره، مثل كتاب "خزائن العلوم" من تأليف أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد نيشابوري، وكتاب "أخباري مقنع" من تأليف أبو إسحاق إبراهيم بن العباس السولي، وكتاب "تاريخ الطبري" من تأليف أبو جعفر محمد الطبري. ومع ذلك كل الذين شاركوا في تطوير الكتاب حافظوا على اسم نارشاهي كمؤلف للكتاب.


كما تجب الإشارة إلى حقيقة أن التسمية الأولى للكتاب التي أطلقها نارشاهي على كتابه بقيت أحجية. لأن الكتاب ذكر في مخطوطات المؤرخين والأدباء باسم "تاريخي نارشاهي"، و"تحقيق الولاية"، و"تاريخي بخارى". ولكن التسمية الأخيرة تعتبر الأصح والأكثر إنتشاراً في المراجع العلمية.
ويتضمن الكتاب معلومات اقتصادية، وثقافية، وإجتماعية، وسياسية، هامة عن تطور الشعوب التي سكنت المنطقة خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين.كما تضمن الكتاب وصفاً للأوضاع الجغرافية في واحة بخارى، وتاريخها الطوبوغرافي، وبدايات التشييد والبناء والتحسين، وظهور القرى الجديدة فيها، وظهور مدينة بخارى نفسها. وإلى جانب ذلك روى عن مراحل حكم بعض الملوك، وبناء القصور، والبنية التحتية لإدارة الدولة، وأدخال النظام النقدي، قطع نقدية فضية، وقطع بابور، التي سحبت من السكان. وشغلت مواضيع بناء منشآت الري وقنوات الري، وتطور الزراعة، والحرف، والتجارة مكانة هامة في الكتاب. ومع ذلك أعار إهتماماً خاصاً لأعمال تشييد جدران تحمي السكان من الغزاة الخارجيين حول الواحة (782م-831م) ومدينة بخارى (850م). وذكر أن المدينة منذ القدم كانت معروفة بأسماء آخرى، مثل: نوميجكات، وبوميسكات، وفاخرة، ومدينة الصوفية، وأنه كانت لها سبعة أبواب.
وأعطى أهمية خاصة لمعلومات تتحدث عن إرساء سيادة الخلفاء العرب في المنطقة، وإنتشار الإسلام، والمقاومة الشديدة للسكان المحليين، الذين كانوا ضد إتباع الدين والثقافة الجديدة. ووصف نارشاهي الأساليب القاسية التي إتبعها العرب الغزاة والإكراه لنشر الإسلام والإلزام بالقوانين الشرعية، وتحدث عن تقسيم بخارى إلى أقسام عربية وغير عربية.
وكتب إ. يو. كراتشوفسكي (مستشرق روسي) عن كتاب "تاريخ بخارى" التالي: "جرى تقييم تاريخ وسط آسيا منذ القدم من حيث الأهمية، وكان موضع دراسة منظمة... وحفظت جملة من المعلومات المفقودة في مصادر أخرى تتحدث عن وسط آسيا قبل الإسلام والغزاة العرب؛ ومثل هذه المعلومات القيمة ذات الطبيعة الجغرافية عن المناطق المأهولة في واحة بخارى.
وكل هذه المواضيع والأسئلة وجدت إنعكاساً لها فيما بعد، وإلى حد ما لدى الكثيرين من العلماء والمستشرقين الغربيين، والشرقيين، والروس البارزين، وكانت بمثابة إغناء لمعارف ذلك الزمن.
وخلال السنوات اللاحقة ترجم الكتاب عدة مرات إلى اللغات: الفارسية، والعربية، والإنكليزية، والروسية، والأوزبكية، وهو ما يشهد على دراسته الواسعة في أبحاث الأوساط العلمية والمراكز البحثية في الدول الأجنبية.
ومع الأسف كتاب "تاريخ بخارى"  وغيره من المراجع لم تقدم معلومات تفصيلية عن حياة وأعمال المؤلف. واسمه الكامل، ولا عن مكان وتاريخ ميلاده ووفاته، ولكنها ذكرت مرة واحدة فقط في كتاب عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي السمعاني "كتاب الأنساب"، الذي كتب في القرن الثامن الميلادي وتناول تاريخ وثقافة وسط آسيا. وذكر فيه الإسم الكامل لأحد الأجداد الأوزبك، أبو بكر محمد بن جعفر بن زكريا بن خطاب شريك بإضافة إلى إسمه قرية نارشاهي التي ينتسب إليها.
**********
بحث أعده أ.د. محمد البخاري في طشقند بتاريخ 18/10/2015 بتصرف عن مقالة: أبو بكر نارشاهي: عالم أبقى أثراً كبيراً في تاريخ وسط آسيا. // طشقند: وكالة أنباء Jahon، 12/10/2015