السبت، 7 نوفمبر، 2015

شيخ الإسلام الإمام برهان الدين المرغيناني


شيخ الإسلام الإمام برهان الدين المرغيناني


برهان الدين المرغيناني، هو عالم بارز وفقيه عاش وابدع في ما وراء النهر وحصلت أعماله الفقهية على شهرة واعتراف كبير في العالم الإسلامي.
ولد برهان الدين المرغيناني بمدينة ريشتان في وادي فرغانة (أوزبكستان) عام 1123م. ومنذ ولادته أطلق عليه إسم علي بن أبو بكر. وحصل على تعليمه الديني المبكر بمدينة ريشتان، وتابع بعدها تعليمه الديني في مدن: مرغيلان، وبخارى، وسمرقند، وغيرها من مدن ما وراء النهر. وكان أبوه أبو بكر بن عبد الجليل بن الخليل المتميز بعلومه العالية أول معلم ومربي له، و أحيط علي بن أبو بكر منذ طفولته بالعناية والحبوالرعاية، ودرس على أيدي أشهر علماء ورجال الدين وحكماء عصره. وأجاد اللغة العربية، وحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب، وحفظ الأحاديث النبوية الشريفة المتداولة آنذاك.
وشغلت إهتمامه الخاص علوم الشرعية والفقه الإسلامي، التي كانت ضرورية في مجتمع ذلك الوقت، وخصص لها القسم الأكبر من حياته وإبداعاته. وكان من ثمار جهوده مؤلفات فريدة ساطعة وفرت له الشهرة والمجد في العالم الإسلامي، وبنتيجتها حصل على لقب "شيخ الإسلام"، ولقب "الإمام".
وكان برهان الدين المرغيناني يطور تعليمه باستمرار، وحتى أنه تعلم حتى أيام حياته الأخيرة. وكان متخصص بارع في العلوم الشرعية والفقه الإسلامي، وباحث دؤوب، وعالم ناجح، وأديب وشاعر، واعترافاً منه بجهود معلميه كتب "كتاب عن الشيوخ"، شكر فيه العلماء الأربعين الذين أسهموا في تعليمه.
وخطت ريشة المرغيناني مؤلفات في العلوم الفقهية، شملت: "بداية المبتدئ"، و"كفاية المنتهي"، و"نشر المذهب"، و"كتاب المزيد"، و"مناسك الحج"، و"مختارات النوازل"، و"كتاب في الفرائض"، و"مزيد في فروض الحنفي"، و"كتاب التجنيس والمزيد"، وغيرها من الكتب.
وكتب برهان الدين المرغيناني في مقدمة أشهر كتبه "بداية المبتدئ"، الذي أمضى في تأليفه نحو الـ 13 عاماً،:
"في الصبى كنت أحلم بجمع كل ما يمكن جمعه من الإتجاهات الفقهية. وصادفني الحظ أثناء تجوالي في العراق وعثرت على المؤلف الفريد في الفقه "المختصر القدوري" لأبو الحسن بن أحمد ين محمد القدوري. وقبله عرفت أن كل العلماء البارزين آنذاك كانوا مبهورين بكتاب الفقيه والعالم محمد بن حسن الشيباني "الجامع الصغير". وعندها فكرت بضم الكتابين في كتاب واحد أطلق عليه إسم "بداية المبتدئ". وإذا تمكنت من كتابة تعليق على الكتاب، فسأطلق عليه إسم "كفاية المنتهي"".
وبالفعل أعد العالم برهان الدين المرغيناني تعليقاً ضم 8 أجزاء. وأنجز النسخة الأخيرة من مؤلفه عام 1178م في سمرقند، وجاء مؤلفه في 4 أجزاء، و 57 كتاباً، قسمها بدورها إلى فصول، وأقسام. وأطلق عليه إسم "الهداية".


وتتناول كل كتاب من كتبه التي كنبها في القرون الوسطى، اتجاه معين في الشرع الإسلامي. وكإثبات لتلك القواعد الشرعية التي تناولها في مؤلفه نقل عن صحابة الرسول (ص)، وغيرهم من علماء الشريعة المتأخرين في العالم الإسلامي ومن ماوراء النهر.
وتناول في كتابه "الهداية" العبادات الدينية من (صلاة، وصوم، وزكاة، وحج)، ومسائل الزواج، والحقوق الأسرية، والطلاق، والعقوبات الإلهية، والشراء والبيع. إلى جانب ذلك تناول مبادئ الحقوق الدولية، وحقوق الوقف، والحقوق المدنية. وصب إهتمامه على المحاكمات، وظروف الشهادة في مختلف القضايا، والجرائم، ومعاقبة شهود الزور. وتناول الكتاب القضايا المالية، والبستنة والفلاحين، وملكية الأرض، ووراثة الأملاك، وغيرها من القضايا.
ويمتاز كتاب"الهداية" عن غيره من المصادر الفقهية بموضوعيته وتسلسله، وتتناول لطرق خاصة في العرض.
ولم تفقد هذه المجموعة القانونية أهميتها الشرعية رغم مرور ألف سنة على وفاه الجد العظيم للأوزبك. لأن أعماله نسخت بمئآت وحتى آلاف النسخ، ودرسها العلماء وعلقوا عليها بعمق أكثر من مرة، لأهميتها آنذاك، وقدرتها على حل الكثير من المسائل الحياتية، كمرجع عملي للمسائل الحياتية.
وكان كتاب برهان الدين المرغيناني هذا واسع الإنتشار، في وطنه، وفي كل أنحاء المشرق والمغرب. وجرت ترجمته إلى اللغات: الفارسية، والإنكليزية، والروسية، وغيرها من اللغات، واعتبر مصدراً من مصادر إعداد الكثير من الكتب في الشرع الإسلامي.
ولم تزل نسخ مخطوطة من هذا الكتاب محفوظة في العديد من مخازن الكتب العلمية في العالم، ويعتبر حتى الآن من الكتب العملية الهامة لدراسة الشريعة الإسلامية منذ ذلك الوقت، ومصدراً لمؤلفات الأوزبك، ولتراثه العلمي أهمية خاصة في كل العالم الإسلامي.
وعاش العالم وأبدع حتى أيامه الأخيرة بمدينة سمرقند. وكتب أكثر الباحثين أنه دفن في سمرقند بمقبرة "تربة المحمديين"، ووري الثرى فيها نحو 400 فقيه من أتباع النبي محمد (ص).
ولحياة وإبداعات برهان الدين المرغيناني يعار في أوزبكستان إهتمام خاص. ويدرس مؤلفاته والمواضيع الهامة التي تناولها الحقوقيون المعاصرون، والمستشرقون، والمؤرخون، وعلماء اللغة والأدب. وبمبادرة من قائد الدولة إسلام كريموف أحتفل في موطن العالم ريشتان عام 2000 وبشكل واسع بمناسبة مرور 910 سنة على ميلاد العالم العظيم. بمشاركة مندوبين عن الأوساط العلمية في الدول الأجنبية. وبنظم بهذه المناسبة في ريشتان مؤتمراً دولياً بعنوان "برهان الدين المرغيناني ومكانته في العلوم والثقافة العالمية".
**********
بحث كتبه أ.د. محمد البخاري في طشقند بتاريخ 7/11/2015 بتصرف نقلاً عن، برهان الدين المرغيناني: عالم عظيم في الحقوق من وسط آسيا. // طشقند، وكالة أنباء Jahon، 19/10/2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق