الاثنين، 1 يونيو 2020

القوى المؤثرة على اختيار القائم بالاتصال

القوى المؤثرة على اختيار القائم بالاتصال
القوى المؤثرة على اختيار القائم بالاتصال


كتبها: أ.د. محمد البخاري.
نموذج تصور القوى الاجتماعية، والسيكولوجية المؤثرة على اختيار القائم بالاتصال للمادة الإعلامية:
يتعرض القائم بالاتصال لضغوط مختلفة، تتنوع بين مجتمع وآخر. ومن هذه الضغوط:
1- المحافظة على قيم وتقاليد المجتمع:
لأن النظام الاجتماعي الذي تعمل في إطاره وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، يعتبر من القوى الأساسية التي تؤثر على القائمين بالاتصال. ومن المعروف أن لكل نظام اجتماعي جملة من القيم والمبادئ التي يعتز بها ويعمل على ترسيخها بين أفراده. وهو ما اصطلح على تسميته بهدف التنشئة الاجتماعية والمحافظة على القيم والثقافية والاجتماعية، سواء في الدول المتقدمة أم في الدول النامية.
2- تحقيق الاتفاق على الأساسيات في المجتمع:
بهدف الحفاظ على الوحدة الوطنية وتماسك المجتمع داخلياً. ومن أجل ذلك يختار القائمون بالاتصال في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المواد الإعلامية التي تحقق هذا الهدف، عن طريق اختيار الأنباء والإغفال المتعمد لبعضها. ويتحقق هذا الهدف أيضاً عن طريق المصادر الإعلامية المؤثرة على القائمين بالاتصال، لأن الصحفي يسعى دائماً لاستقاء المعلومات من مصادرها الهامة. فيتجهون لمن يشغلون المناصب القيادية، الذين بدورهم يعطون المعلومات التي تخدم أهدافهم. وكثيراً ما يلجأ القائمون بالاتصال إلى تقديم تلك المعلومات منسوبة لمصادرها، أو تأجيل التعليق عليها رغبة في الظهور بمظهر الحياد، وتحقيق هدف الإجماع والاتفاق في المجتمع.
3- تأثير المؤسسات الإعلامية الكبيرة، على الصغيرة:
فهناك مؤسسات إعلامية جماهيرية تتحكم بتدفق المعلومات من خلال إمكانياتها التقنية والمادية، وبالتالي تسيطر من خلال ما تقدمه من مواد إعلامية على المؤسسات الإعلامية الأصغر حجماً والأقل إمكانية. وتؤثر على القائمين بالإتصال من خلال ذلك.
4- دور وكالات الأنباء، والوكالات المتخصصة في زيادة التماثل في مواد مختلف الوسائل الإعلامية الجماهيرية:
فهي تقدم موادها الإعلامية لكل أنواع وأشكال وسائل الإعلام الجماهيرية في نفس الوقت، مما يؤدي إلى تشابه المواد المنشورة عن نفس الموضوع فيما لو نشرته أكثر من وسيلة إعلامية جماهيرية.
5- تأثير الاعتبارات الذاتية والضغوط المهنية على القائم بالإتصال:
ويتضمن:
أ- الضغوط التي يتعرض لها القائم بالإتصال في حجرة الأخبار.
ب- تأثير سياسة الناشر.
ج- طموح القائم بالإتصال ورغبته في تحسين أوضاعه الوظيفية بسرعة، وتطوير نفسه.
د- اعتبارات آلية العمل، وضرورة تقديم المعلومات في موعد محدد ليتم نشره في الوقت المناسب دون تأخير.
6- الجمهور الإعلامي:
من خلال تأثيره على القائم بالإتصال عند مراعاته لرغبات الجمهور الإعلامي في اختيار المادة الإعلامية المناسبة للنشر وإعدادها.
دور وسائل الإعلام الجماهيرية في المحافظة على القيم الاجتماعية، وتحقيق الانصهار الثقافي والاجتماعي في المجتمع:
ذكر وارين بريد Waren Breed في دراسته التي نشرها عام 1964، أن كل نظام في شبكة الإتصال الجماهيرية مهما كان نوعه، مقيد بجملة من الظروف والأحداث المتصلة ببعضها البعض. ويتوجب أن ندرس مدى اعتماد كل نظام على الأنظمة الأخرى المتصلة به، والأحداث التي تدور من حوله.
وأن القائم بالإتصال يعمد في بعض الأحيان إلى عدم تغطية الأحداث التي تقع من حوله كاملة، منطلقاً من ضميره وشعوره بالمسؤولية حيال المجتمع. وحتى أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تضحي بالسبق الصحفي، من أجل تدعيم تقاليد القيم الاجتماعية، وخلق الاتفاق والإجماع والاندماج في المجتمع، وتجنب ما يضر بمؤسساته.
وتعمل وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية على تحقيق الاستقرار والإجماع الثقافي في المجتمعات المعقدة متعددة الأنماط الثقافية وأساليب الحياة، بتأكيدها على كل تلك الأنماط. انطلاقاً من فرضية أن المادة الإعلامية:
آ- تعكس صورة المجتمع؛
ب- وتشكل المجتمع؛
ج- وتحافظ على المجتمع وتجعله أكثر استقراراً.
ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تخدم أهدافاً اجتماعية وثقافية محددة، وتقرب بين الناس وتوثق علاقاتهم، وتساعد على تنشئتهم اجتماعياً، وتعودهم على أنماط من السلوك المقبولة اجتماعياً.
وقد كان الاعتقاد السائد أن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تعمل على تحقيق الاستقرار والاجتماع الثقافي في المجتمع عن طريق التأكيد على الأنماط والأساليب المثالية السائدة داخل المجتمع. وهو ما أثبتته دراسات تحليل مضمون المواد الإعلامية المنشورة.
وكان وارين أول من ساهم في تغيير اتجاه دراسات تحليل مضمون المادة الإعلامية عندما قام في دراساته بتحليل المواد الإعلامية غير المنشورة، أي المحذوفة، مستعيناً بآراء الصحفيين. فتوصل بذلك إلى افتراض جديد، يقول: أن وسائل الإعلام الجماهيرية تعمل على تحقيق الاتفاق الثقافي والاجتماعي عن طريق الحذف وإبعاد المواد الإعلامية التي تهدد البناء الاجتماعي والثقافي، وتهدد ما يؤمن الفرد به.
وقد أظهرت الدراسات التي قام بها وارين أن ثلث المواد الإعلامية المحذوفة تتعلق بالموضوعات السياسية والاجتماعية، وأن خمس المواد الإعلامية المحذوفة تتعلق بالأمور الدينية، بينما تناولت بقية المواد الإعلامية المحذوفة قضايا الأسرة، والبطولة الفردية، والصحة، والقضاء، وكرامة الفرد.
ونستنتج من ذلك أن وسائل الإعلام الجماهيرية تقوم بحماية الأنماط الثقافية والقيم الاجتماعية منطلقة من موقفها ومن وجهة نظرها الخاصة. وأن ما لا تقدمه وسائل الإعلام الجماهيرية من مواد إعلامية لا يقل أهمية عن المواد الإعلامية التي تقدمها. وفي هذا تبرير لاستخدام الكذب الأبيض من قبل وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وتجنب ذكر الحقائق التي تجرح الشعور العام.
القائمون بالإتصال والمصادر الإعلامية:
ومن العوامل المؤثرة على القائمين بالإتصال في النموذج التصوري، العلاقة بين القائمين بالإتصال والمصادر الإعلامية التي تعمل على تحقيق مبدأ الاتفاق الإجماعي. وهي:
آ) أن يبقى المراسلون مستقلون عن مصادر الأنباء؛
ب) أن يجد المراسلون والمصادر الإعلامية مجالات يتعاونون فيها من أجل تحقيق مصالحهم المشتركة؛
ج) أن تسيطر المصادر الإعلامية على المراسلين، وبالعكس.
وقد وجد ولتر جيبر Walter Gieber الذي درس العلاقات بين المراسلين والمصادر الإعلامية، أن كلاً من القائم بالإتصال والمصدر الإعلامي يعتبرون وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية حارساً للديمقراطية. وأنهما يؤيدان إبقاء قنوات الإتصال الجماهيرية مفتوحة انطلاقاً من اهتمامهما المشترك بالمصلحة العامة، وأدرك الفوارق بينهما والتي تتلخص في:
1- أن المصدر الإعلامي يعتبر نفسه حارساً لرفاهية المجتمع؛
2- وأن القائم بالإتصال يعتبر نفسه حامياً للجمهور الإعلامي؛
3- وأن لكل منهما فكرة مهزوزة وإدراك نمطي عن الجمهور الإعلامي؛
4- وأن كلاً منهما قد طور إدراكاً خاصاً لدوره العام، وإطار دلالي خاص به يحدد من خلاله الإتصال بينهما؛
5- وأن كلاً منهما يدعي لنفسه الدور الأساسي في الإتصال بالجمهور الإعلامي؛
6- وأنهما معاً مسؤولان عن انهيار عملية الإتصال.
المقالة التالية المصدر الإعلامي