السبت، 4 مارس، 2017

إسهام العالم الإسلامي في تطوير الحضارة الحديثة الجزء الرابع


طشقند: 4/3/2017 ترجمها وأعدها للنشر أ.د. محمد البخاري. تحت عنوان "إسهام العالم الإسلامي في تطوير الحضارة الحديثة (4)" نشرت وكالة أنباء "Jahon" يوم 1/3/2017 مقالة أشارت فيها:


في سلسلة مقالاتنا أنهينا الحديث عن حياة وإبداعات عالم الفلك البارز ميرزه أولوغ بيك، الذي اشتهر بشكل واسع في المجتمع العلمي.
وتابع عمله واحد من أبرز علماء تلك المرحلة علي قوشتشي (1402م-1474م)، الذي أطلق عليه لقب بطليموس الشرق لقاء خدماته الكبيرة في العلوم. واسمه الكامل علاء الدين أبو القاسم علي بن محمد القوشتشي. الذي ولد وترعرع في سمرقند. وشملت نشاطاته العلمية أساساً الرياضيات وعلم الفلك.
والد القوشتشي هو محمد الذي عمل عالم للطيور في قصر ميرزه أولوغ بيك، وهو سبب إطلاق لقب القوشتشي (المشرف على الطيور) عليه. وانتقل هذا اللقب إلى عالم المستقبل. ولكن سرعان ما توفي والده، وبقي الفتى علي تحت رعاية أولوغ بيك.
حصل علي على تعليمه الإبتدائي ومن ضمنه العلوم الدينية في سمرقند. ودرس معارفه في الرياضيات وعلم الفلك لدى نجوم العلوم في ذلك الوقت: قاضي زاده الرومي، وميرزه أولوغ بيك. وفي عام 1424م كان آخر الملتحقين ببناء المرصد الفلكي، حيث كلف علي القوشتشي بإدارة أعمال البناء، والقيام بأعمال الرصد الفلكي.
ولكن المرصد تعرض للتخريب في عام 1449م بعد مقتل ميرزه أولوغ بيك، وجرى طرد كل العلماء الذين تكونوا فيه. ونهبت المكتبة المحلية التي تكونت خلال سنوات. ولم يبقى من مركز العلوم شيئاً عملياً سوى خندق المرصد الفلكي.
وهذه الأوضاع أجبرت علي القوشتشي على وقف العمل العلمي والإنتقال إلى تبريز (فارس). وفيها بدأ بخدمة رئيس الدولة آق قويونول أوزون غسان، الذي أرسل العالم إلى قصر السلطان محمد الثاني في تركيا، وهو الحاكم السابع في الإمبراطورية العثمانية، بصفة مبعوث لعقد السلام بين الدولتين. وتعبيراً للإحترام العالي نحو علي القوشتشي جمع محمد الثاني، أبرز علماء ذلك الوقت في قصره، ودعاه للبقاء في كونستانتيبول إلى الأبد. حيث قبل الدعوة. وبعد هذا القرار توجه العالم مرة أخرى إلى تبريز، من أجل إنهاء مهمة بعثته. وهناك انتظره الأقرباء والأصدقاء، ومعهم عاد إلى مكان إقامته الدائم في كونستانتيبول. واحتفل الحاكم بهذا الحدث بشكل كبير.
وفي خريف عام 1472م عين علي القوشتشي مدرساً رئيسياً بمدرسة آيا صوفيا ومديراً للمسجد الذي يحمل نفس الإسم. حيث قام بتربية كوكبة كاملة من العلماء الأتراك.
وبغض النظر عن أن العالم عاش في كونستانتيبول السنتين المتبقيتين من حياته فقط، ولكن هذا الوقت القصير كان مليئاً بالنشاطات العلمية والتعليمية. وخاصة أن تلميذ أولوغ بيك المخلص، علي القوشتشي حافظ على عمله القيم "زيجي جديدي غوراغاني" أو "زيجي أولوغ بيك" (كتالوك نجوم السماء)، ونسخه بعدة نسخ، وترجمه إلى اللغة التركية وكتب عنه تعليقات. وعلى هذا الشكل، ونتيجة لهذا العمل أصبح الكتاب في متناول علماء أوروبا وآسيا.


وفي القرن الـ 17 الميلادي أصدره عالم الفلك البولوني يان غيفيلي في أوروبا. وضمن الكتاب نقوشاً رمزية تصور إجتماع أعظم علماء الفلك في العالم، ممن عاشوا في أوقات مختلفة وفي مختلف البلدان. وهم يجلسون خلف الطاولة من الجانبين، وبينهم أولوغ بيك. رغم أن رسام النقوش رسم صورة عالم ما وراء النهر دون أن تكون لديه صورة له.
وتشهد المصادر على أن علي القوشتشي أبقى وراءه نحو 30 أطروحة في الرياضيات، وعلم الفلك، وعلم اللغة. بينها: "رسالة في الحساب"، التي ألفها في سمرقند عام 1425م. وتتألف من 3 أجزاء: نظام الأرقام العشرية، ونظام الأرقام الستينية، والنشاطات الهندسية.
ومن الأعمال الهامة الأخرى "رسالة الكسور"، التي كتبها في سمرقند عام 1426م، و"رسالة الفتحية" المكرسة لعلم الفلك، و"رسالة المحمدية في الحساب"، المكرسة لمسائل الحساب، والجبر، والهندسة، وحساب المثلثات، و"رسالة في حل شكل الهلال"، و"شرح مفتاح العلوم للتفتازاني"، و"رسالة دار علم هيئة"، وهي التي وجدت إنعكاساً لها في أبحاث ونجاحات علماء المدرسة السمرقندية في علم الفلك وغيرهم.
ومخطوطات هذه الأعمال محفوظة حالياً في مختلف المكتبات، ومن بينها مخزون الكتب بمعهد أبو ريحان البيروني للإستشراق، ومكتبة سانتبيربورغ العلمية لمعهد الإستشراق بأكاديمية العلوم الروسية، ومكتبة أكاديمية العلوم الروسية، والمتحف البريطاني، ومكتبة جامعة إكسفورد، ومكتبة جامعة كيمبريدج، ومكتبة برلين الحكومية، ومكتبة مجمع الإمام الرازي التذكاري في مشهد، ومكتبة آيا صوفيا في تركيا، ومكتبة الفردوسي القومية في دوشنبة، وغيرها.
والأطروحات المشار إليها أعلاه معروفة بشكل واسع في الأوساط العلمية ليس في ما وراء النهر وحسب، بل وفي أوروبا، والشرقين الأوسط والأدنى، وكانت أساساً لمستقبل تطور الإتجاهات التي بحثها علي القوشتشي.
كما خصص العالم كل حياته الواعية وإبداعاته للعلوم. ولكن أكثر سنوات المعرفة والإبداع عنده كانت تلك التي قضاها مع ميرزه الوغ بيك في المرصد الفلكي بسمرقند.
وعن أسماء العلماء الموسوعيين في ماوراء النهر المشار إليهم اعلاه كتبت مقتطفات عن حياتهم وإبداعاتهم بحروف من ذهب في صفحات تاريخ العلوم. ولهذا تم الإعتراف بحقيقة إسهام أوزبكستان في عملية تطور الحضارات العالمية، وخدماتها البارزة أمام الثقافة والعلوم الإسلامية، وكذلك التقييم العالي لإجراءآت قيادة الجمهورية، الموجهة نحو إحياء القيم الثقافية والدينية للشعب الأوزبكي، وحماية والحفاظ على آثار الحضارة الإسلامية، ومستقبل إغناء تراث الماضي، والمنظمة الإسلامية العالمية لمسائل التعليم والعلوم والثقافة (ISESCO)، التي تعتبر من أجهزة منظمة التعاون الإسلامي، في أعلنت في عام 2007 طشقند عاصمة الثقافة الإسلامية.
وأعود لأحداث القرون الماضية، وهنا يجب الإشارة إلى أن الدفعة الخاصة التي تلقاها إحياء الإندفاع نحو معرفة أسرار علوم المجموعة الشمسية والنظم خارج المجموعة الشمسية، والوجود على الأرض وخارجها، والظواهر الطبيعية، والكائنات الحية، والخلق الإلهي للإنسان، والعلاقات الإجتماعية، والجوانب الدينية الشرعية لحياة المجتمعات الإسلامية ونشاطات الترجمة، التي انتشرت في الشرقين الأدنى والأوسط من بداية القرن الأول قبل الميلاد، وتكثفت خلال القرون الممتدة من القرن الـ 7 الميلادي وحتى القرن الـ 16 الميلادي. وأن العملية شملت جملة واسعة من المقاييس الجغرافية والعلمية، وهو ما صعب اتجاهات تنظيم الأبحاث. وركزت مجموعة من المترجمين المخلصين إهتمامها على الإنجازات الفكرية، والدينية والمادية من تراث غيرهم من ثقافات وأديان شعوب كوكبنا، ومن بينها: اليونان، وروما، والصين، والهند، من أجل إغناء التفكير والمعرفة، وجلب الجديد إلى الأعمال العلمية الوطنية، وإعطائها شكلاً ومضموناً جديداً.
حيث تشبعت بأفضل منجزات العصور القديمة، للحضارات: الإيرانية، والهندية، والصينية، وإستمر علماء المنطقة بتطويرها في ظروف جديدة، وأضافوا عليها رؤيتهم النظرية عن الحياة، وحققوا خرقاً غير مسبوق وعملي في كل الإتجاهات العلمية. وكانوا بذلك رواد المرحلة الذهبية في الحضارة الإسلامية.
والإتجاهات النظرية والعملية في الأبحاث العلمية الدقيقة والإنسانية، وإختراعات وإكتشافات العلماء الموسوعيين من الشعوب الإسلامية في الحقيقة كانت عظيمة. ومن المعترف به أنهم بإنجازاتهم في مختلف المجالات تجاوزوا ليس السابقين لسنوات كثيرة، بل ووضعوا أسساً لتشكيل اتجاهات علمية جديدة للأبحاث في بداية عصر النهضة في الغرب.
وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أنه بإعتراف المجتمع العلمي العالمي، أن خدمات الشعوب الإسلامية شملت أيضاً إختراع وصنع جهاز للطيران، والكريستال، والقبة السماوية (عباس بن فرناس، القرن الـ 9 الميلادي)، والساعات، وآليات رفع المياه، والعامود المرفقي (الجزري، القرنين الـ 12 والـ 13 الميلاديين)، والأدوات الطبية، والخيوط الطبية من أمعاء الأغنام والماعز لخياطة الأجهزة الداخلية أثناء العمليات الجراحية (الزهراوي، القرنين الـ 10 والـ 11 الميلاديين)، والحجر المظلمة (ابن الهيثم، الذي وضع أسس العلوم البصرية، القرنين الـ 10 والـ 11 الميلاديين)، والمئذنة المقاومة للزلازل في تركيا، والسفن، والجسور، (خوجه معمار سنان، القرنين الـ 15 والـ 16 الميلاديين)، وعقار تخدير، للتخدير (ثابت بن قرة، القرن الـ 9 الميلادي)، وإكتشاف جرثومة السل (كمبور وسيم، القرن الـ 18 الميلادي). وهذا ليس سوى جزءاً صغيراً من إبداعات العالم الإسلامي خلال القرون الماضية.
ومن دون شك من أنه بدعوات الحي الباقي ستشجع المسلمين مستقبلاً على البحث العلمي، وعلى مختلف النشاطات الإبداعية، والإكتشافات الجديدة، وهو ما يلهمهم لتقديم إسهامهم في تطوير الحضارة الحديثة.