الثلاثاء، 6 يناير 2015

روزنامة الزمن وروزنامة الحضارة


تحت عنوان "روزنامة الزمن وروزنامة الحضارة" نشر المفكر السوري برهان بخاري (رحمه الله) مقالة في صحيفة تشرين الدمشقية الصادرة بتاريخ 27/12/1995 إلا أنها على ما يبدو لم تفقد أهميتها رغم مرور عقد من الزمن ونيف على نشرها، ولهذا أضعها تحت تصرف قراء صفحتي الإلكترونية علها تفيدهم.


وأشار برهان بخاري فيها إلى أنه خلال:
أحد المؤتمرات الصحفية التي عقدها "أينشتاين" دار الحوار الطريف التالي:
الصحفي: لماذا تصر على تعقيد نظريتك " النسبية " ؟
أينشتاين: لا دخل لي، الناس هم الذين يحبون التعقيد !
الصحفي: هل بالإمكان أن تشرح نظريتك بأسلوب يفهمه واحد بسيط مثلي ؟
أينشتاين: طبعاً! والآن اسمح لي أن أطرح عليك سؤالاً: إذا كنت مع حبيبتك لمدة ساعة كيف تشعر بالزمن؟
الصحفي: أشعر أن الساعة مرت كدقيقة.
أينشتاين: ولو أجلسناك عارياً على مدفأة في أوج اشتعالها لمدة دقيقة واحدة، كيف تشعر بالزمن ؟
الصحفي: أشعر أنه ساعات.
أينشتاين: حسناً ! هذه هي النسبية ببساطة يا عزيزي !
مع أن أينشتاين استخدم روح الدعابة في هذا الحوار، إلا أنه فتح مدخلاً مهماً لنظريته، يتلخص بإعطاء الزمن أبعاده الحقيقية.
يقصد بروزنامة الزمن تحديد موقع الأرض بالنسبة إلى الشمس، ومهما اختلفت أنواع التقاويم التي استخدمتها البشرية (هجري - شرقي - غربي - فارسي - عبري - قبطي ..إلخ) إلا أنها تصب جميعاً في نقطة واحدة وهي أن جميع سكان الكرة الأرضية يعيشون زمنياً في يوم واحد، يحدده موقع الأرض من الشمس، أما التقاويم المختلفة فلها علاقة بعدد المرات التي دارت فيها الأرض حول الشمس منذ بدء تقويم معين، حتى اليوم الذي نعيش فيه.
إن ما أراد " أينشتاين " تعميقه هو " الفعل " الذي يتم خلال زمن معين، فالمسافة التي يمكن قطعها في زمن محدد تختلف اختلافاً كلياً حسب طبيعة المتحرك (سلحفاة - دراجة - سيارة - طائرة - صاروخ - الضوء)، وعليه لا يمكن الحكم على "الثانية" بأنها زمن طويل أو قصير إلا ضمن علاقتها النسبية بالمتحرك، فهي بضعة سنتمترات بالنسبة للسلحفاة و300.000 كم بالنسبة للضوء.
وبما أن أهم فعل قامت به البشرية هو الحضارة، فبدهي أن تختلف قيمة الزمن من شعب إلى آخر، فشعوب تسير سير السلحفاة، وشعوب أخرى تسير بسرعة الطائرة.
هذا التباين هو الذي أدى إلى الخلل في الروزنامة الحضارية، فمع أن البشرية تعيش كلها في يوم واحد بالنسبة لروزنامة الزمن، إلا أنها تعيش في قرون مختلفة حسب روزنامة الحضارة. قبل حوالي عشرين سنة اكتشفت في أعماق أستراليا قبيلة مازالت تعيش على الأشجار، لم تعرف البيوت، ولا النار ولا المعادن، ومع أن هذه القبيلة تعيش معنا الزمن نفسه إلا أنها تعيش حسب روزنامة الحضارة في زمن يتخلف عنا آلاف السنين، والمفهوم نفسه مقلوباً يفسر عبارة "سابق لعصره"، والتي يقصد منها طبعاً السبق الحضاري، فلا أحد يستطيع أن يتخطى الزمن.
ولابد قبل التوسع في هذا الموضوع من التفريق بين الحضارة والمدنية، فالحضارة هي مجموعة القيم والأفكار والفلسفات والثقافات والأديان والعلوم والآداب والفنون ...الخ التي ينتجها شعب من الشعوب أو أمة من الأمم، أما المدنية فتنحصر بالشكل الخارجي للحضارة، من لباس وأدوات ووسائط نقل ...الخ، فالحضارة هي المضمون والمدنية هي الشكل.
ومع أنه يستحيل وجود مدنية بلا حضارة، إلا أن هذه العلاقة قد يصيبها خلل، فتطغى المدنية على الحضارة، كما جرى في أوربا، حيث أفاقت المجتمعات هناك مذعورة بعد الحربين العالميتين، لتكتشف أن كل هذا التقدم كان طغياناً مدنياً على الحضارة، سببه ظهور النازية والفاشية وجميع الحركات الاستعمارية.
لعل أخطر ما أفرزته المدنية هو " التكنولوجيا " التي دخلت في تلافيف الحياة، حيث وسع التقدم التكنولوجي من حجم الهوة بين الحضارة والمدنية.
وكما أننا نعيش في زمن واحد كذلك نستخدم تكنولوجيا واحدة، ولكن بمفاهيم حضارية مختلفة، فحين تتوقف سيارة عن الإقلاع ويقول سائقها إنها "حرنت" فلأنه مازال يفكر بها كدابة، خاصة إذا كان قد زينها بأعين تخترقها السهام مرسومة على كف مفتوح في وجه الحاسدين.
إن أخطر ما تتميز به التكنولوجيا هو كونها سلاحاً ذا حدين، وأنا على ثقة تامة بأن الفيديو قد أساء إلى الأخلاق والفكر عند بعض الشرائح، مع أنه جهاز رائع للفكر والثقافة، وكذلك هو الحال بالنسبة لـ: "الدش" الذي أباح للمتخلفين فرصة متابعة الخلاعة والمجون في أرجاء المعمورة وبجميع اللغات.
لا شك أن الرائد الذي وطىء أرض القمر كان يتحلى بنوع من الشجاعة يختلف كلياً عن شجاعة عنترة أو السير لانسيلوت، وكذلك هي شجاعة الطيار الحربي المتمثلة بالانصياع الكلي للأجهزة المعقدة، بعيداً عن أي حماس، فالتطور خلق نوعاً جديداً من الشجاعة يتلاءم مع طبيعة العصر، ومع ذلك مازلنا نشهد حروباً معاصرة، تسودها الشجاعة التقليدية، يشهر فيها الفرسان بنادقهم، ويجأرون بالهتافات، ولا تنقصهم إلا الخيول حتى تتحول حربهم إلى معارك جرت أيام الفتوحات الأولى.
إن إطلاق شعار مثل "الجهاد المقدس" دونما أدنى تفكير بالتطور الذي طرأ على المجتمعات الإسلامية والتي من ضمنها انتهاء الخلافة بعد رحيل العثمانيين، ونشوء محاور وتحالفات فرضها الواقع الدولي، يرينا مقدار الخلل الحضاري، واستعارة شعارات مثل معركة "القادسية"، دونما لحظ للمتغير الجذري الذي طرأ على الشعوب، كتحول إيران من المجوسية إلى الإسلام، يظهر مدى التزوير التاريخي، ومدى القدرة على النفاذ من الخلل بين روزنامة الزمن وروزنامة الحضارة.
ولقد طرح التطور التكنولوجي الهائل، مفهوم التسارع الذي جعل القرن العشرين يعادل آلاف القرون، فالبشرية أمضت زمناً لا يمكن قياسه حتى اكتشفت النار، وزمناً آخر حتى اكتشفت المعادن، إلى أن اخترعت الدولاب،ثم تسارعت بعدها الاختراعات لدرجة أصبحت دقيقة واحدة من قرننا تعادل قروناً بأكملها.
بدهي أن يوسع التسارع حجم الهوة بين الشعوب، ولكن على الجانب التكنولوجي فقط، فنحن نشك بقيام حضارة حقيقة جديدة، طالما أن المبدأ السائد هو استغلال الشعوب ونهب ثرواتها، وإحداث مزيد من الثقوب في طبقة الأوزون، بالاستئصال المستمر للغابات، وبفوضى استخدام التكنولوجيا.
ثمة نقطة بالغة الأهمية وهي الانقسام داخل المجموعة البشرية الواحدة (قبيلة - شعب - أمة)، ففي المجتمعات القبلية التي مازال الثأر فيها سائداً نجد بعض الأفراد يعيشون بعقلية القرون الخالية، في حين يعيش إخوانهم في القبيلة نفسها بعقلية عصرهم، ورغم أنهم يستنكرون مفهوم الثأر ويحتقرونه، لكنهم يضطرون في كثير من الأحيان إلى الخضوع إلى المنطق السائد، ويدفعون حياتهم أحياناً ثمناً لذلك، مع أنهم أبرياء على مختلف الصعد.
لعل أكثر شعب يعاني من هذه الانقسامات هو الشعب الإسرائيلي، لأنه تكون أصلاً من خليط من الشعوب، ولا يقف الانقسام عند حدوده التقليدية، سفارديم (شرقيون) وأشكنازيم (غربيون)، بل يتعدى ذلك إلى مزيد من الانقسامات (القراءون - الربانيون - السامريون - الدونمة - الفلاشا - الكوتشين ... الخ).
إن أخطر ما يعاني منه المجتمع الإسرائيلي هو موقعه المتذبذب من الروزنامة الحضارية، ففي حين تدعو بعض الجهات إلى نوع من الإلحاد الصريح، نجد جهات أخرى قد توقف الزمن عندها في نقطة ثابتة لا يتعداها، وتفكر بعقلية وكأن التوراة يتنزل لتوه، وعليه فإن النقطة الأكثر أهمية وخطورة في مقتل إسحاق رابين هي شعور مجموعة كبيرة لا يجمعها حزب أو تنظيم بوجوب قتله، لاعتقادهم بأنه فرط بالحقوق الأبدية التي "منحها الله لشعبه المختار".
نقطة أخيرة يستدعيها المقام هي أن الخطر يوحد المجموعة ويجعلها تنسى خلافاتها، فالجزائر كانت يداً واحدة ضد المستعمر الفرنسي، والحرب ضد النازية جعلت شعوب الاتحاد السوفيتي كتلة واحدة، رغم جميع تناقضاتها، أما السلام فإن أول ما يفعله هو دفع الخلافات والتناقضات إلى السطح، وعليه يصعب التكهن بالشكل الذي سيأخذه المجتمع الإسرائيلي بعد السلام
وأما بالنسبة لنا كعرب ومسلمين فثمة فرصة كبيرة أمامنا، إذا ما تخلصنا من الشعور بالدونية وبالتفوق المطلق لإسرائيل، وإذا ما تخلصنا أيضاً من فكرة "السكونية" و"الاستنقاع" في العصور الخوالي والتفكير بالعقلية السائدة فيها، وبدأنا بإعادة إنتاج حضارتنا بما يتلاءم مع واقعنا الراهن، ولا يحق لنا أخيراً أن نصادر أحلام الأجيال االقادمة وطموحاتها.
ويبقى ما قاله جاك بيرك عن حرب تشرين يحمل دلالاته العميقة "إذا انتصر العرب فهذا تفاؤلي كإنسان، وإذا انهزموا فسأبقى متفائلاً بانتصارهم كمؤرخ".