الخميس، 2 أغسطس، 2012

العولمة والتبادل الإعلامي الدولي


العولمة والتبادل الإعلامي الدولي

العولمة ومفهوم الدولة

العولمة Globalization تحمل معنى "جعل الشيء على مستوى عالمي، أي نقله من حيز المحدود إلى آفاق "اللامحدود". واللامحدود هنا يعني العالم كله، فيكون إطار الحركة والتعامل والتبادل والتفاعل على اختلاف صوره السياسية والإقتصادية والثقافية وغيرها، متجاوزاً الحدود الجغرافية المعروف للدول المختلفة، وهذا المعنى يجعل العولمة تطرح ضمناً مستقبل الدولة القومية وحدود سيادتها، ودورها سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي" (د. هالة مصطفى: العولمة .. دور جديد للدولة. القاهرة. مجلة السياسة الدولية، 1998 العدد 134. ص 43).
بينما جاء التعريف حسب المفهوم الأمريكي بأن العولمة هي "تعميم نمط من الأنماط الفكرية والسياسية والإقتصادية لجماعة معينة، أو نطاق معين، أو أمة معينة على الجميع، أو العالم كله". وبما أن العولمة بدأت أساساً من الولايات المتحدة الأمريكية، فقد جاءت نظرياً كدعوة لتبني النموذج الأمريكي في الإقتصاد والسياسة والثقافة وبالتالي طريقة الحياة بشكل عام.
وجاءت العولمة أساساً كنتاج للثورة العلمية والتكنولوجية، التي كانت نقلة نوعية في تطور الرأسمالية العالمية، في مرحلة ما بعد الثورة الصناعية التي ظهرت في منتصف القرن 18 في أوروبا نتيجة لاستخدام الطاقة، التي غيرت بشكل جذري اسلوب وعلاقات الإنتاج، لتبدأ معها مرحلة جديدة من مراحل التطور الإنساني، اتصفت بالتوسع الإقتصادي والبحث عن الموارد الطبيعية وفتح الأسواق العالمية. وكانت من مسببات ظهور الإستعمار التقليدي، وقيام الحروب الأوروبية لتلبية حاجات الرأسمالية الصاعدة.
ومما سارع في شيوع العولمة استمرار التطور العلمي والتكنولوجي، وما رافقه من تطور هائل لوسائل الإتصال والمعلوماتية الحديثة، التي شكلت بدورها تجديداً لنمط وطبيعة الإنتاج والتفاعلات والتعاملات الدولية. ولم تعد الحروب وسيلة لحسم الخلافات بين الدول الرأسمالية، بل أصبحت الحاجة ملحة لتوحيد أسواق الدول الصناعية المتقدمة من خلال سوق عالمية واحدة، أي ضرورة تجاوز الحدود السياسية القومية العروفة، وإعادة توزيع الدخل، والعمل على رفع المستوى المعيشي للإنسان ليمكن معه توسيع سوق الدول الصناعية المتقدمة، لاستيعاب المنتجات الحديثة، أي خلق المجتمع الإستهلاكي الكبير.
وشكلت هذه السمات نقطة التحول من الرأسمالية القومية إلى الرأسمالية العابرة للقوميات، التي ارتبط فيها ظهور مفهوم العولمة الذي عبر عن ظاهرة اتساع مجال الإنتاج والتجارة، ليشمل السوق العالمية بأسرها. وتجاوز الفاعلية الإقتصادية التي كانت لمالكي رؤوس الأموال، من تجار وصناعيين، الذين كانت تصرفاتهم محكومة في السابق بحدود الدولة القومية التي ينتمون إليها، لتصبح الفاعلية الإقتصادية مرهونة بالمجموعات المالية والصناعية الحرة، المدعومة من دولها، عبر الشركات متعددة الجنسيات. وهكذا لم تعد الدولة القومية هي المحرك الرئيسي للفاعلية الإقتصادية على المستوى العالمي، ليحل مكانها القطاع الخاص بالدرجة الأولى في مجالات الإنتاج والتسويق والمنافسة العالمية.
والعولمة ليست نظاماً إقتصادياً فقط، بل تعدته إلى كافة مجالات الحياة السياسية والثقافية والعلمية والإعلامية. لأن النمو الإقتصادي الرأسمالي العالمي استلزم وجود أسواق حرة، ووجود أنظمة سياسية من شكل معين لإدارة الحكم. كما تعددت مراكز القوة الإقتصادية العالمية في الراسمالية العالمية الحديثة، تعددت معها مراكز القوة السياسية، مما خلق بدائل وتعددية في القوى على مستوى السلطة، وهو ما دعم امكانيات التطور الديمقراطي بكل شروطه، من عدم احتكار السلطة، وتداولها، وتعدد وتنوع مراكز القوة والنفوذ في المجتمع، ومنع تركيز الثروة في يد الدولة وحدها، محققاً نوعاً من اللامركزية في الإدارة.
ومما ساعد على الإنتشار السريع للعولمة إنتصار الرأسمالية على الأنظمة الأخرى، من نازية وفاشية وشيوعية، وانهيار الإتحاد السوفييتي السابق، لتحل محله الجمهوريات المستقلة. وسقوط النظم الشمولية في أوروبا الشرقية. وتحول الأنظمة الجديدة في تلك الدول نحو أشكال من الحكم الديمقراطي، الذي يربط في جوهره بين التطور الديمقراطي والنمط الرأسمالي، الذي يعتمد على الديمقراطية في عملية التنمية الإقتصادية والإجتماعية والثقافية.
وأتاح الإتصال المباشر عبر القارات من خلال شبكات الإتصال العالمية ومحطات الإذاعة المسموعة والمرئية الفضائية، فرصاً لإبراز ملامح العولمة التي أصبحت ملموسة حتى من قبل الأشخاص العاديين في أي مكان في العالم. ومن المنتظر أن يتيح هذا التطور الهائل في تكنولوجيا وسائل الإتصال الحديثة، إمكانية زيادة التواصل الثقافي بين شعوب العالم، ويساعد على إيجاد آمال وأهداف ومصالح مشتركة تتجاوز المصالح القومية ولا تتناقض معها.
ومع ذلك فقد أثارت العديد من الحكومات مخاوف وشكوك كثيرة من المخاوف السياسية التي يمكن أن تنجم عن بث برامج معادية لأنظمة الحكم، وأفكاراً وايديولوجيات تهدد الإستقرار السياسي والإجتماعي داخل الدول. كما وعبرت بعض القوى السياسية والإجتماعية المؤثرة في العديد من الدول عن خشيتها من النظام الإعلامي المفتوح الذي قد يهدد ثقافات وتقاليد وعادات ومقدسات الشعوب. وأثبتت الأحداث التي جرت خلال عامي 2011 و2012 في العديد من دول العالم صحة مخاوف الحكومات وشكوكها الكثيرة من استخدام التعبئة السياسية الناجمة عن استخدام التضليل الإعلامي عبر بث برامج الإذاعة المرئية لتحقيق أغراض سياسية هدامة أدت إلى إسقاط بعض الأنظمة الدستورية في تلك الدول.
وإذا كانت العولمة ترتبط بسيادة نموذج اقتصاد السوق، فإن هذا النموذج بدوره يثير قضية العلاقة بالدولة ودورها، ولا يبرر الإنتقال إلى اقتصاد السوق أبداً إختفاء دور الدولة، وكل ما هنالك سيؤدي إلى تغيير محدود لهذا الدور. ومعظم من كتب في أهمية نظام السوق، كان يقرن ذلك دائماً بضرورة وجود دولة قوية، ودونها لا تستطيع أن تقوم السوق بدورها. ومن هنا ليس هناك مجال للحديث عن محاولة إلغاء أو تقليص دور الدولة، بل بالعكس لا بد من التأكيد على هذا الدور وأهميته وضرورته، مع تعديل لهذا الدور ليتوافق ونظام السوق. (إسلام كريموف: أوزبكستان، طريقها الخاص للتجديد والتقدم.ترجمة: أ.د. محمد البخاري. دار السروات، جدة 1999. وإسلام كريموف: أوزبكستان، نموذجها الخاص للإنتقال إلى إقتصاد السوق. ترجمة: أ.د. محمد البخاري. دار السروات، جدة 1999. وإسلام كريموف: أوزبكستان على طريق الإصلاحات الإقتصادية. شركة المطبوعات للتوزيع والنشر. بيروت 1996. ود. محمد الختلان: أوزبكستان على طريق الإصلاح. صحيفة الجزيرة السعودية، 30/5/1996).
فالولايات المتحدة الأمريكية وهي أكبر دولة رأسمالية في العالم، تتدخل في الحياة الإقتصادية، وتحدد شروط النشاطات الإقتصادية، والسياسات النقدية والمالية والتجارية، والفارق المهم بين النظم المركزية، ونظم السوق، هو أن الدولة تتدخل في الحياة الإقتصادية باعتبارها سلطة، وليس باعتبارها منتجاً. لأن سلطة الدولة لا غنى عنها ولا تتناقض مع تطور الحياة الإقتصادية.
والإقتصاد الحر لا يعني أبداً غياب الدولة عن النظام الإقتصادي. والفرق بين النظام الليبرالي ونظام التخطيط المركزي، ليس في مبدأ "التدخل" ولكن في مضمونه. ففي ظل التخطيط المركزي تقوم الدولة بالإنتاج المباشر للسلع والخدمات، وتسيطر على النشاط الإقتصادي، عن طريق القطاع العام. أما في ظل الإقتصاد الحر، فإن الدولة تترك الإنتاج المباشر للسلع والخدمات للأفراد والمشروعات الخاصة، أي تحقق التكامل بين دور الدولة ودور القطاع الخاص، ويكون تدخلها في سير الحياة الإقتصادية، بوسائل أخرى أكثر فعالية، من حيث الكفاءة الإنتاجية وتحقيق العدالة الإجتماعية. من خلال المحافظة على مستويات عالية في نمو الناتج القومي. والقيام بتوفير الخدمات الأساسية في مجالات التعليم والصحة والقضاء والأمن والدفاع، ويدخل فيها قيام الدولة بمشروعات البنية الأساسية.
ومبدأ الحرية الإقتصادية لا يعني أبداً إهمال مبدأ العدالة الإجتماعية، فالبلاد التي أخذت بهذا المبدأ، هي في مقدمة بلاد العالم من حيث الإهتمام بالفقراء، وتحقيق العدالة في التوزيع، وتوفير شبكة الأمان لكل المواطنين، ضد المخاطر الإجتماعية بما في ذلك البطالة والعجز والشيخوخة، وغيرها من الأمراض الإجتماعية. وهناك علاقة وثيقة بين الكفاءة في الأداء الإقتصادي وبين شروط العدالة. ذلك أن الكفاءة تعني نمو الإقتصاد القومي بمعدلات عالية، وتعاظم طاقة النظام الإقتصادي لتوفير فرص العمل المنتج لكل القادرين عليه، التي هي من المقومات الأساسية للعدالة الإجتماعية.
والدور الجديد هذا للدولة يؤهلها للتكيف مع المتغيرات العالمية الجديدة، دون انتقاص لسيادتها، في ظل انتشار مفهوم العولمة، وشروط النظام العالمي الجديد. الذي يقوم على مبدأ الإعتماد المتبادل بين دول وشعوب العالم. والإندماج الإيجابي والواعي في النظام العالمي الجديد. إنطلاقاً من حقائق أن العولمة ليست ظاهرة بلا جذور، بل هي ظاهرة تاريخية وموضوعية نتجت عن التطور الهائل لتكنولوجيا وسائل الإتصال ونقل المعلومات، والطبيعة التوسعية للإنتاج الرأسمالي. ولا يجوز البقاء خارجها، ويجب اللحاق بما يجري في العالم، والتعامل معه بوعي ووفق قواعد محددة تجنباً للبقاء خارج إطار التاريخ.
والنظام الإقتصادي الجديد جاء نتيجة لإنجازات كبرى في تاريخ تطور البشرية على كافة المستويات العلمية والثقافية والإقتصادية والتقنية والسياسية والفكرية، ويمثل نقطة جذرية مختلفة تماماً عن كل ماسبقتها من نظم. وأن الحضارة العالمية الحديثة قامت على أنقاض حضارات القرون الوسطى وثقافاتها، ورفضت فكرة الحق الإلهي، وفصلت الدين عن الدولة. وزودت الفكر البشري برؤية عقلانية تاريخية تنويرية، بتوجه ديمقراطي يقوم على أساس إحترام الرأي، والرأي الآخر، والتعددية، وحرية التعبير، وتكريس مبادئ حقوق الإنسان التي لاتعرف الحدود الجغرافية أو السياسية.
والعولمة تفرض على الدول الأقل تقدماً، القيام بمزيد من خطوات التحديث الشامل الذي لا يمكن دون الدور الفاعل للدولة، التي تضطلع به من خلال الترشيد والأداء الإقتصادي، وتنظيم تفاعلات السوق (د. هالة مصطفى: العولمة .. دور جديد للدولة. القاهرة، مجلة السياسة الدولية، 1998 العدد 134. ص 47. ود. محمد عابد الجابري: قضايا في الفكر العربي المعاصر. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت 1997. ود. حازم الببلاوي: العرب والعولمة. الأهرام 1997/12.30. ود. هالة مصطفى: المشروع القومي في مصر: دور الدولة الأساسي. الأهرام 1997/4.28. ود. هالة مصطفى: المشروع القومي بناء الداخل أولاً. الأهرام 1997/3.31. ود. هالة مصطفى: حقوق الإنسان، وفلسفة الحرية الفردية. "نشطاء" البرنامج الإقليمي لدراسات حقوق الإنسان. 1997 العدد3. أكتوبر. ود. أسامة الغزالي حرب: الأحزاب السياسية في العالم الثالث. سلسلة المعرفة. 1987 سبتمبر. و- Francis Fukuyama, End of History, National Interest, summer. 1989. -  James N. Rosenau, New Dimensions of Security: The Interaction of Globalizing and Localizing Dynamics, Security Dialogue, 1994, Vol. 25 (3). - Paul Kennedy, Globalization and its Discontents, New Perspectives Quarterly, Vol. 13, No. 4. Fall 1996. - Peter Drucker, The Second Infuriation Revolution, New Perspectives Quarterly, Vol. 14, No. 2, Spring 1997. -             Jan AART SCHOLTE, Global Capitalism and the State, International Affairs, Vol. 73, No. 3, July 1997).


التبادل الإعلامي الدولي من وجهة نظر الأمن القومي

تنحصر وظائف الدولة عامة في ثلاث وظائف رئيسية، هي: - حماية الإستقلال؛ - تأكيد سيادة الدولة؛ - حفظ الأمن الداخلي، بمفهومه الواسع. بما يتضمنه من وجود سلطات شرعية، تعمل على تحقيق الحياة الأفضل، أو تحقيق الرفاهية، وإشباع رغبات الأفراد في كافة المجالات.
وتسعى الدولة لتحقيق هذه الأهداف من خلال مجموعة من الخطط تتعلق كل منها بتحقيق أحد تلك الأهداف، وتحاول أيضاً إحداث التوازن والتكامل بين هذه الأهداف، من خلال استراتيجية واحدة تضعها في محاولة لأن يكون هناك تناسق، بين تلك الأهداف وبين متطلبات تحقيقها على المستويين الداخلي والخارجي. وهذه السياسة الواحدة هي سياسة الأمن القومي التي تهدف بشكل عام إلى دعم قوة الدولة في مواجهة غيرها من الدول بما يمكنها من المحافظة على كيانها القومي ووحدة أراضيها (د. ممدوح شوقي: الأمن القومي والعلاقات الدولية. القاهرة. مجلة السياسة الدولية 1997/العدد 127. ص 14-47. وعاطف الغمري: الأسلحة الجديدة في ترسانة الهجوم الإقتصادي العالمي. القاهرة. صحيفة الأهرام 1996/يناير 30. ود. محمد سامي عبد الحميد: أصول القانون الدولي العام. 1979. ود. بطرس بطرس غالي: حقوق الإنسان في 30 عاماً. القاهرة. مجلة السياسة الدولية 1979/يناير. ود. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص ص 171-172. و- Hans Morganthue, Political Nations, Calcutta, Scientific Book Agency, 1965, Chap. 28. - Edward N. Luttwak, The Global Setting of U.S. Military Power-Washington. 1996).
ولا تختلف الدول مهما تباعدت مصالحها في فهم وتطبيق الوظيفتين الأولى والثانية، ولكن عندما نأتي إلى الوظيفة الثالثة، أي تحقيق الحياة الأفضل لمواطنيها، تظهر لنا الخلافات الناتجة عن تباين الأنظمة والمصالح. وكان هذا الخلاف أكثر وضوحاً بين الدول التي تأخذ بالأفكار الرأسمالية، وتلك التي كانت أخذت بالأفكار الإشتراكية أو الشيوعية، قبل إنهيار المنظومة الإشتراكية، والإتحاد السوفييتي السابق.
وتحاول الدولة من خلال سياسة الأمن القومي، الدفاع عن كيانها اعتماداً على قدراتها الذاتية في مواجهة ما قد يتهددها من أخطار، فتخصص من الموارد والإمكانيات ما يتناسب مع حجم وطبيعة هذه الأخطار، واضعة نصب أعينها، عجز الأمم المتحدة عن القيام بمسؤولياتها كاملة. وتأثير الدول الكبرى على كل تحرك تقوم به الأمم المتحدة.
ولذلك تحاول الدولة أن تقدر بطريقة موضوعية المخاطر التي تواجهها في الداخل، أو من الخارج، آخذة بعين الإعتبار مالديها من مقدرات عسكرية وإقتصادية وسياسية، وكيف يمكن استخدام هذه المقدرات استخداماً سليماً، حينما يتطلب الأمر استخدامها. وبعبارة أخرى كيف توازن بين مواردها والغايات التي ترجوها ؟
وسياسة الأمن القومي تتضمن كافة الإجراءآت التي تراها الدولة كفيلة بحماية كيانها، وتحقيق أمنها في مختلف المجالات الإقتصادية والسياسية والعسكرية. وتتولى عادة هيئات متخصصة داخل الدول وضع تلك السياسات التي تشمل عادة ثلاثة مجالات رئيسية، وهي:
المجال السياسي: وينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية، هي:
- السياسة الخارجية: إذ أدى تشابك المصالح بين الدول بفعل التقدم العلمي والتقني في مجالات النقل والإتصال، إلى إلغاء الحدود والمسافات بين الدول. وأصبح لكل دولة مجموعة من العلاقات المتنوعة مع العديد من دول العالم بمختلف توجهاتها الأيديولوجية. وقد تتراوح السياسة الخارجية للدولة مع غيرها من الدول، بين التعاون الكامل الذي يصل أحياناً إلى الوحدة، أو الإتحاد بمختلف أشكاله، وبين الصراع باستخدام القوة المسلحة أو التهديد باستخدامها، أو اللجوء إلى حالة من اللاحرب واللا سلم، أو اللجوء إلى الحرب الباردة، ومحاولة فرض السيطرة والنفوذ.
- السياسة الداخلية: وهي كل ما يتعلق بسياسة الدولة الداخلية، كنظام الحكم، وفق ما يحدده دستورها وقوانينها وتشريعاتها المختلفة. ويدخل ضمن هذا الإطار خطط التنمية الإقتصادية والإجتماعية، والعمل على توفير الأمن والنظام والإستقرار داخل الدولة.
- النشاط الدبلوماسي للدولة: لأن كل دولة تتصل بغيرها من الدول بالطرق الدبلوماسية، وتعمل على تدعيم أجهزة ووسائل الإتصال بتلك الدول، لتتجنب الصدام المباشر وغير المباشر مع الدول الأخرى عن طريق اللجوء إلى التفاوض والإقناع، أو إبرام المعاهدات والإتفاقيات، أو الدخول في تحالفات إقليمية ودولية.كما وتعمل على الإستفادة من نظام الأمن الجماعي، في إطار منظمة الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية والإقليمية لتحقيق أمنها وأهداف سياستيها الداخلية والخارجية.
وتهدف سياسة الأمن القومي في هذه الحالة إلى تأكيد مكانة الدولة في المجتمع الدولي، ومحاولة التأثير، وممارسة النفوذ على غيرها من الدول المجاورة وغير المجاورة.
المجال الإقتصادي: ويعد الجانب الإقتصادي لسياسة الأمن القومي مهماً جداً لارتباطه أساساً بتوفير الإحتياجات الإقتصادية للدولة، وضمان قدراتها حيال الدول الأخرى، واستشفاف احتياجاتها الإقتصادية من الدول الأخرى. واستخدام ما تملكه الدولة من إمكانيات إقتصادية لتحقيق أمنها. وقد تكون تلك الإمكانيات رؤوس أموال تملكها الدولة، أو خبرات تتوفر لديها، أو منتجات صناعية جاهزة، أو مواد أولية هامة، أو أسواق تستوعب النشاطات التجارية، أو إستثمارية تستوعب رؤوس الأموال.
ولهذا تسعى دول العالم لزيادة قدراتها الصناعية المتطورة، وتعمل على توفير المواد الأولية والمواد الغذائية اللازمة لاحتياجاتها. وترفع كفاءة العاملين لديها في المجالات الصناعية والإقتصادية، وتدعم قدراتها المالية للوفاء بالتزاماتها دون المساس بالإحتياجات الأساسية للدولة.
ويشمل الجانب الإقتصادي في هذا النطاق مجالاً واسعاً يتجاوز إمكانيات الدولة الفعلية، وجملة نشاط مواطنيها، ليشمل علاقاتها الداخلية والخارجية، وتطوير إمكانيات التطور العلمي والتقني لوسائل الإنتاج ومستلزماتها. والإستفادة من العوامل الإقتصادية لممارسة النفوذ من خلال العلاقات الدولية، وفق أساليب  معينة تمليها سياستها الخارجية.
ونتيجة لأهمية تأثير الجانب الإقتصادي على سياسة الأمن القومي، أصبح للمعلومات الإقتصادية أهمية قصوى جعلها تماثل أهمية المعلومات العسكرية والدبلوماسية، لأنها تشمل كل المصالح الإقتصادية للدولة من مختلف جوانبها، سواء مصالحها الذاتية أو مصالحها مع دول العالم الأخرى، أياً كانت درجة علاقاتها بها. لذلك فالمجال الإقتصادي يمثل جانباً هاماً لما له من تأثير على الأمن القومي.
المجال العسكري: يهدف الجانب العسكري لسياسة الأمن القومي، حماية إستقلال الدولة وسيادتها وسلامة أراضيها ضد أي عدوان خارجي قد تتعرض له من الخارج. لذلك فهي تعمل على تدريب قواتها العسكرية، وتسليحها بأسلحة حديثة، وتهتم بخطط الدفاع سواء في أوقات النزاعات المسلحة، أم في أوقات السلم، وتقوم بإعداد خطط دفاعية، ودراسات لازمة لمواجهة الأخطار المحتملة أو المتوقعة، كما وتقوم الدولة في الوقت نفسه بالإرتباط بمجموعة من مواثيق الدفاع القادرة على ردع أي عدوان من أي نوع قد تتعرض له من الخارج.
وعادة ما يكون الجانب العسكري في سياسة الأمن القومي للدول الصغرى مقتصراً على دعم قدراتها الدفاعية عن النفس، في مواجهة ما يمكن أن تتعرض له من عدوان. بينما تستغل دول السياسات التوسعية قدراتها العسكرية لتهديد الدول الأخرى أو العدوان عليها. لذلك تسعى الدول لزيادة نفوذها من خلال مجموعة من مواثيق الدفاع أو التحالفات العسكرية مع غيرها من الدول، يكون هدفها المعلن عادة الدفاع عن النفس.
وتجدر الإشارة إلى أن أثر القدرة العسكرية للدولة لا يقتصر على المسائل المرتبطة بالدفاع عن الدولة فقط، رغم عدم إمكانية إنكار أهمية ما تملكه الدولة من قوة عسكرية حتى في مجال المفاوضات السياسية، لأن الدولة التي تملك قوة عسكرية هي في مركز قوة حيال الدول الأضعف عسكرياً.
ولتحقيق الأمن القومي الحقيقي والواقعي لابد من إيجاد توازن بين المصادر المتاحة، والأهداف المراد تحقيقها، أي تقدير الموارد الإقتصادية والمالية المتاحة للدولة، آخذين بعين الإعتبار الحجم المطلوب من الموارد لدعم القدرات العسكرية للدولة، والحد الأدنى المطلوب لتلبية إحتياجات الدولة ومواطنيها في الداخل، ومدى قدرة البنية الإقتصادية للدولة على تحمل الأعباء الإقتصادية الناجمة عن تحقيق سياستيها الداخلية والخارجية.
إضافة لعوامل أخرى تشكل بمجملها سياسة الأمن القومي داخلياً وخارجياً، وأسلوب تنفيذها، الذي ينبع أساساً عن تصرفات بشرية، ورغبات جماعية وفردية تمارس على نطاق الدولة بالكامل. وتستمد في نفس الوقت من خصائص مواطني الدولة وقدراتهم ومستواهم الثقافي والعلمي، وشكل الحكومة التي تدير شؤونهم، والحالة الإقتصادية والإجتماعية السائدة في المجتمع، والزعامات داخل المجتمع في أوقات محددة، والنظريات والأفكار التي يتبناها الرأي العام داخل الدولة المعنية.
إذ يرتبط نجاح سياسة الأمن القومي على القوة البشرية التي تمتلكها الدولة، ومدى ما يمكن أن تقدمه من تضحيات من أجل أمن وسلامة الدولة، وشكل التنظيم السائد الذي ينظم الأوضاع الداخلية في المجتمع، ومصادر الثروة التي يملكها المجتمع، ومدى القوة العسكرية التي تملكها الدولة، وقدرتها على استخدامها. لأنها كلها عوامل حيوية وهامة وأساسية لنجاح أية سياسة للأمن القومي، وقبل كل شيء تحتاج للمعلومات.
فتمتع الدولة بنظام داخلي متين لا يكفي وحده ليتيح لها تسيير علاقاتها الخارجية، بل لا بد من أن يكون للدولة إمكانيات تيسر لها الإضطلاع بما ما يدور حولها في أنحاء العالم المختلفة. وأن تملك القدرة على تحليل الموقف الدولي والإقليمي والداخلي العام، ومواقف الأشخاص والزعامات القادرة على التوجيه والتأثير، للوصول إلى أهداف سياسة الأمن القومي المرجوة.
والمعلومات بحد ذاتها ليس لها أية أهمية للدولة ما لم تحسن استغلالها والتصرف بها. ولهذا لابد من وجود ثلاثة أجهزة تعمل في مجال المعلومات، وهي: جهاز يناط به مهمة جمع المعلومات، وتوخي الدقة الكاملة قدر المستطاع؛ وجهاز يتولى تفسير المعلومات التي حصل عليها من الجهاز الأول وغيره من مصادر المعلومات، وعادة ما يكون هذا الجهاز عبارة عن مجموعة من الأجهزة الفنية البحتة المتخصصة في مجالات محددة، ويعمل كل منها على دراسة وتحليل المعلومات الواردة، وتصنيفها حسب أهميتها ودلالاتها ومؤشراتها؛ وجهاز يقوم بمراجعة تلك الدراسات والتحليلات، واتخاذ القرارات النهائية بشأنها، على ضوء المشاكل التي تواجه الدولة في سبيل تحقيق أهداف سياسة الأمن القومي بشقيها الداخلي والخارجي.
ومن المتعارف عليه، أن قيام الدول بجمع المعلومات اللازمة لها في كافة المجالات الإقتصادية والعسكرية والسياسية والعلمية والصناعية والثقافية والإجتماعية والبشرية، يتم على الرغم من عدم وجود سند قانوني يبيح لها القيام بهذا العمل. لأن القانون الدولي التقليدي لم ينص صراحة بإلتزامات، ولم ينص على منح الدول حقوقاً في مجال جمع المعلومات أو الحصول عليها، أو تقديمها لغيرها من الدول. إلا إذا إعتبرنا ما منحه للدول من حقوق في إرسال البعثات الدبلوماسية المعتمدة، والإلتزام باستقبال تلك البعثات، أساساً لحق جمع المعلومات والحصول عليها، على ضوء ما هو معروف من أساليب الرصد والمتابعة والمراقبة بهدف الحصول على معلومات، في نطاق القيود التي يفرضها القانون الدولي. والممارسة الفعلية لهذا الحق تعتبر من الوظائف الأساسية للبعثات الدبلوماسية المعتمدة في دولة المقر.
ونتيجة لذلك يثير ما تقوم به البعثات الدبلوماسية المعتمدة من رصد ومتابعة ومراقبة وجمع للمعلومات الكثير من الخلاف. لأن التفريق بين العمل الدبلوماسي البحت، والعمل الدبلوماسي الذي يقوم أساساً أو ينطوي على جمع للمعلومات هو من الأمور الدقيقة التي يصعب تحديدها والتفريق بينها. ومن الأمثلة على الخلافات الناتجة عن ذلك، ما شهدته الولايات المتحدة الأمريكية من إنقسام في الرأي حول نشاطات أجهزة الأمن السوفييتية التي عملت داخل الولايات المتحدة الأمريكية قبل إنهيار الإتحاد السوفييتي السابق، فالمسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية أبدو تململاً من الإجراءآت الشديدة التي إتخذتها وزارة العدل ضدهم، لأنها لا تتفق مع "القواعد العرفية غير المكتوبة" بين الدولتين في مجال الأمن، ولكنها تتعلق بمن يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية المنصوص عنها في الإتفاقيات الدولية والقانون الدولي.
ومن الأمثلة الأخرى ما أعلن في أيار/مايو 1996 عن قيام مجموعة من الدبلوماسيين البريطانيين المعتمدين في موسكو بالتجسس، عن طريق قيامهم بالتحقق من شراء عملاء الجيش الجمهوري الإرلندي IRA لأسلحة ومواد نووية من عصابات المافيا الروسية. مما دعى الحكومة الروسية إلى طرد أربعة من الدبلوماسيين البريطانيين المعتمدين من الأراضي الروسية بتهمة التجسس، وهو ما ردده جهاز المخابرات البريطانية M16، وتبعهه قيام بريطانيا بإجراء مماثل.
ومن أوجه النقد الجدية التي توجه للحصانة الدبلوماسية، أنها قد تستخدم كغطاء لأعمال غير دبلوماسية. لأن الحصانة الدبلوماسية تستوجب الموائمة بين إعتبارين إثين، هما: الإعتبار الأول أمن وسلامة الدولة المستقبلة؛ والإعتبار الثاني دواعي الأمن التي يتطلبها العمل الدبلوماسي، من حصانة دبلوماسية للبعثات الدبلوماسية المعتمدة والعاملين فيها، ومن تسهيلات التنقل والمواصلات والإعفاء من الرقابة البريدية والبرقية والهاتفية، إلخ.
والمشكلة في تحديد ما يعتبر من المعلومات التي تدخل في إطار السرية، وتلك التي هي خارج ذلك الإطار، هي عملية شائكة ومعقدة بحد ذاتها، لأن الحد الفاصل بين النوعين من المعلومات يكاد يكون متداخلاً جداً. وتتزايد هذه المشكلة وتتعقد كل يوم على ضوء الثورة المعلوماتية الهائلة التي يشهدها العالم منذ عقود القرن العشرين الأخيرة، حيث أصبح الحصول على المعلومات نتيجة لتلك الثورة سهل وفي متناول قاصديها، بعد أن أتاحها لهم التقدم العلمي المستمر في مجال جمع وتخزين ونقل واسترجاع المعلومات، بما فيها معلومات تقع تحت طائلة "الأسرار" وتهدد أمن واستقرار الدولة.
وقيام الدول بجمع معلومات لازمة لها عن غيرها من الدول، يثير قضية هامة وحساسة، وهي أن المعلومات التي قد تحصل عليها دولة ما بالطرق المباشرة أو عن طريق الغير من الدول، أو عن طريق دولة أخرى تؤثر على أمنها القومي، وخاصة إذا تعلق الأمر بمعلومات تراها الدولة المعنية مرتبطة بأمنها القومي وسلامتها كدولة. ولهذا من الضروري التفرقة بين المعلومات التي يترتب عن الحصول عليها مساس بأمن الدولة وسلامتها، وتلك المعلومات التي لا ينطبق عليها هذا الوصف.
ونظراً لأهمية المعلومات المتعلقة بأمن وسلامة الدولة، جرت العادة على استبعاد مجموعة منها، من نطاق المعاملات المباشرة، سواء داخل الدولة أو خارجها، وفرضت عليها نطاقات من السرية والكتمان كفيلة بحفظها من الأخطار، واعتبرت الدولة المعنية أن محاولة الحصول على هذه المعلومات، أو الحصول عليها، جريمة تعاقب عليها التشريعات الجنائية. وتتعدد تلك المعلومات بتعدد المصالح المرتبطة بها، وهي تنحصر عادة في إطار الأسرار السياسية والدبلوماسية والإقتصادية والعسكرية، التي بطبيعتها يجب أن تبقى طي الكتمان، حرصاً على سلامة وأمن الدولة، ويقتصر العلم بها على أشخاص معينين، وخاصة تلك المعلومات التي يترتب عن كشفها تقييم المقدرات الإقتصادية والعسكرية والدفاعية للدولة من كافة جوانبها السلبية والإيجابية على السواء.
وتختلف الدول من حيث طبيعة تلك المعلومات، وفي الصفة التي تضفيها عليها، لارتباط هذا الموضوع بنواح أخرى كالحريات العامة داخل الدولة، ومشكلة تحقيق التوازن بين مقتضيات أمن الدولة، وما ينشده الفرد من حماية لحقوقه وحرياته، مما ينتج عنه أهمية قيام الدولة بتحقيق التوازن والتوافق بين حقها في الأمن والإستقرار، وحقوق مواطنيها في المعرفة والإطلاع بشكل لا يطغى أي منهما على الآخر.
ونجد أن تشريعات بعض الدول ذهبت أبعد من ذلك وحددت طبيعة المعلومات التي تدخل في دائرة السرية. وقد تكون تلك المعلومات متعلقة بحماية الدولة إقليمياً وتأمين أمنها كما في بلجيكا ولكسمبورغ. أو أن تكون معلومات تتعلق بحقوق الدولة اتجاه دول أخرى كما في إيسلندا. أو في أمور يفترض بأنها تهم أمن الدولة كما في هولندا. أو تتعلق بمصالح الدفاع القومي، أو بالأسرار العسكرية والإقتصادية والسياسية كم في سويسرا وفرنسا.
وتشريعات دول أخرى كبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا وسويسرا ويوغسلافيا، لم تضع تعريف محدد للأسرار المتعلقة بالأمن والدفاع على اعتبار أنها فكرة واسعة تختلف وتتنوع إلى أشكال كثيرة، مما لا يجوز معه تقييدها بتعريف ضيق محدد. ويؤدي هذا الإتجاه عادة إلى تخويل القضاء سلطات واسعة في تفسير النصوص القانونية.
وحاولت دول أخرى تعريف أسرار الأمن والدفاع، وأعدتها في صيغ عامة، كالتفرقة بين الأسرار وطبيعتها التي أقرها القانون الفرنسي في المادة 78/1/2، والقانون الإيطالي في المادة 257 من قانون العقوبات. تبعاً للطبيعة السرية للموضوع ذاته، أو بناءاً على أوامر من السلطات المختصة. وراح المشرع الفرنسي أبعد من ذلك حيث لم يقتصر على حماية الأسرار المتعلقة بالدفاع والأمن القومي الفرنسي وحده، بل وسعها بالمرسوم الصار في تموز/يوليو 1952 لتشمل أسرار الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.
ومن الخبرات التشريعية للدول النامية نرى أن القانون المصري أخذ مجموعة الأسرار المرتبطة بالدفاع عن البلاد، بحكم طبيعتها. فنصت الفقرة 1 من المادة 52 من قانون العقوبات المصري على أنه "يعتبر من أسرار الدفاع عن البلاد، المعلومات الحربية والسياسية والإقتصادية والصناعية التي بحكم صفتها لا يعلمها إلا الأشخاص الذين لهم صفة في ذلك، ويجب مراعات أنه لمصلحة الدفاع عن البلاد، يجب أن تبقى سراً على ماعدا أولئك الأشخاص". وأوضحها الدكتور ممدوح شوقي السفير بوزارة الخارجية المصرية، في مقالته "الأمن القومي والعلاقات الدولية" المنشورة في مجلة السياسة الدولية، على الشكل التالي:
المعلومات الحربية: الحقائق التي تتعلق باستعداد البلاد العسكري وكفايتها الحربية، ووسائل الدفاع عنها، وعملياتها الحربية في البر والبحر والجو، سواء في وقت السلم أم في وقت الحرب. كالمعلومات المتعلقة بسلاح سري، أو طرق الوقاية منه، والخطط العسكرية وتاريخ ومكان إجراء التجارب العسكرية، والتعليمات الصادرة من القيادة العسكرية لضباطها وجنودها.
المعلومات السياسية: وتتعلق بالسياسة الداخلية والخارجية المتبعة، أو التي تنوي الدولة السير عليها، متى كانت ترتبط بشؤون الدفاع عن البلاد، ولو بطرق غير مباشرة. فلا عبرة بالمعلومات التي تتعلق بسياسة الحكومة في السابق.
المعلومات الدبلوماسية: الحقائق المتعلقة بعلاقة الدولة دبلوماسياً مع غيرها من الدول، مثال: اعتزام الدولة قطع علاقاتها السياسية بدولة معينة، أو الإعتراف بهيئة ثورية تناهض الحكومة والإتصالات الدبلوماسية بين الدولة، ودولة أخرى أجنبية للتوسط في حل نزاع دولي يمس أمن الدولة.
المعلومات الإقتصادية: وهي ليست إلا نوعاً من المعلومات الإقتصادية التي ترتبط بالمجهود الصناعي للدولة، ولا يقتصر الأمر على الإنتاج الصناعي للدولة، بل يمتد إلى الشركات الخاصة التي تفيد الدولة في إنتاجها في الدفاع عن البلاد، مثال: ما تورده إحدى الشركات من إنتاج للقوات المسلحة، لاستعمالها الخاص في العتاد الحربي.
ولا ينبغي أن يفهم أن جمع المعلومات الحربية أو السياسية أو الدبلوماسية أو الإقتصادية، تعد متعلقة بأسرار الدفاع عن البلاد، بل يجب توفر شرطين لذلك: - أن تكون المعلومات متعلقة بالدفاع عن البلاد، أي تتعلق بسلامة الدولة وسيادتها، ووسائل الدفاع عنها وعن كيانها في شتى الميادين في زمن السلم وفي زمن الحرب. - وأن تكون هذه المعلومات بطبيعتها من الأسرار التي لا يعلمها إلا الأشخاص الذين لهم صفة في ذلك. ومن ثم لا يقتصر معنى الدفاع عن البلاد على المدلول العسكري وحده، بل يتسع لكل ما يتعلق بأمن الدولة الخارجي، من النواحي العسكرية والسياسية والدبلوماسية والإقتصادية في زمن السلم أو في زمن الحرب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
وعلى ذلك فالسرية ليست صفة لصيقة بالمعلومات، ولكنها صفة تخلعها الدولة عليها من زاوية معينة، فهي طبيعة إعتبارية للمعلومات، وهي مسألة نسبية، فما يعتبر سراً في فترة معينة، لايعتبر سراً بعد مرور فترة زمنية معينة. فالسرية صفة تلحق بالمعلومات في لحظة معينة تمليها سلامة وأمن الدولة في تلك اللحظة. ولهذا على المراسلين الصحفيين الأجانب والمستشارين والملحقين الإعلاميين المعتمدين في أي دولة من دول العالم أن يتعرفوا على مضمون ليس القوانين الناظمة للعمل الصحفي في البلاد المعتمدين فيها وحسب، بل والتعرف على مضمون قوانين العقوبات فيها، وخاصة ما يمس منها العمل الصحفي، رغم الحصانة الدبلوماسية التي يتمتعون بها.
وهناك جملة أخرى من المشكلات التي ترتبط بقيام دولة ما، بالحصول على المعلومات عن غيرها من الدول، بطرق غير مشروعة أو علنية. وهي مشكلة نتجت عن التقدم العلمي في مجال جمع وتخزين ونقل المعلومات، فالصورة التقليدية للحصول على المعلومات هي عبارة عن علاقة مباشرة بين دولة وأحد الأفراد الذين ينتمون إليها، أو من رعايا دولة أخرى، يقوم بنقل المعلومات إليها، أو قيام مواطن دولة محايدة بجمع المعلومات لصالح إحدى الدول. ولكن الصورة التقليدية تغيرت اليوم، وأصبحت العلاقة مباشرة بين دولتين دون طرف آخر، يتوسط عملية نقل المعلومات، وذلك نتيجة لحصول الدولة على المعلومات اللازمة لها بصورة مباشرة عن طريق الأقمار الصناعية وطائرات التجسس. والهدف والغاية، كانا فيما مضى يحددان طبيعة الفعل، ثم حدث تطور بظهور العنصر العام للدولة في هذه العلاقة فأصبحت الوسيلة هي التي تحدد طبيعة الفعل.
وترتبط بذلك أيضاً، مشكلة أخرى يثيرها الحصول على المعلومات عن طريق الأقمار الصناعية، أو طائرات التجسس أو أدوات الإستشعار عن بعد بواسطة دولة معينة، دون علم الدولة صاحبة الشأن بذلك. وهو ما يطرح بدوره تساؤلات عن مدى التزام الدولة التي حصلت على تلك المعلومات، بإطلاع الدولة صاحبة الشأن عليها، أم أن تبقيها كورقة رابحة تستخدمها في مجال الضغوط السياسية ! وما مدى مسؤولية الدولة التي حصلت على هذه المعلومات، إذا قامت بتزويد دولة ثالثة بتلك المعلومات التي حصلت عليها ؟
وقد حاولت منظمة الأمم المتحدة منذ عام 1960 من خلال اللجان المتخصصة، ولجنة الأمم المتحدة لاستخدام الفضاء الخارجي، البحث عن إطار قانوني يحدد هذه العلاقة، بالإضافة إلى تنظيم اكتشاف ثروات الأرض عن طريق الإستشعار عن بعد. والمشكلات الأخرى المترتبة على الثورة في مجال نقل المعلومات، أو ما يمكن أن يطلق عليه إسم "النظام الدولي الجديد للإتصالات والمعلومات" واحتمالات تأثير هذا المجال الجديد على سيادة الدولة، وأمنها القومي، وقدرتها الإقتصادية والصناعية وغيرها. وكررت منظمة الأمم المتحدة محاولات التصدي للمشكلات الناتجة عن الحصول على المعلومات بواسطة الأقمار الصناعية في الأعوام 1979، 1980، 1981. ولكن الجهود التي بذلتها اللجان الفرعية ومجموعات العمل الفنية، باءت بالفشل بسبب الخلاف على المصالح القومية للدول، وعلى وجه التحديد بين الدول المتقدمة في هذا المجال، وتلك التي لم تنل حظها من التقدم بعد. أي الخلاف بين الدول التي تستطيع الحصول على المعلومات وتلك التي تتلقى المعلومات فقط. وهو صراع بين حرية نقل المعلومات، والتمسك بالسيادة القومية، بما في ذلك الثروة الطبيعية وأية معلومات عنها. فالدول المتقدمة ترى أن المادة 19 من إتفاقية الأمم المتحدة للحقوق السياسية والمدنية، قد نصت على مبدأ حرية نقل المعلومات. في الوقت الذي تمسكت الدول الأخرى بالفقرة 3/ب من نفس المادة التي قيدت هذا الحق بمقتضيات الأمن القومي والنظام العام والصحة العامة والأخلاقيات. ومن ثم تبلور الخلاف بين فريقين: الأول: ويضم الدول الصناعية المتقدمة؛ والثاني: ويضم الدول التي تدافع عن النظام الإقتصادي الدولي الجديد، الذي نص عليه قرار منظمة الأمم المتحدة عام 1974. وبمعنى آخر الخلاف بين دول الشمال، ودول الجنوب.
وقد توصلت المناقشات التي تمت بين أعضاء اللجان الفرعية الفنية إلى ضرورة أن يكون هناك تنسيق بين الدول في حالات الكوارث الطبيعية، وبضرورة إبلاغ الدول المعنية بأية معلومات قد تتوافر في هذا الشأن. أما بالنسبة للمعلومات الأخرى التي يتم الحصول عليها بواسطة الأقمار الصناعية، فكان هناك نوع من الإتفاق على بعض الموضوعات الخلافية، ومنها: - أن تمتنع الدولة التي تقوم بالإستشعار عن بعد دون موافقة الدول التي يتم تصوير أراضيها، عن تقديم المعلومات لدولة أخرى، أو منظمة دولية أو المؤسسات العامة أو الخاصة. وقد أيدت غالبية الدول النامية هذا الإتجاه في حين عارضته الدول المتقدمة؛ - وأن يكون الإستشعار عن بعد بما يتفق مع حق الدولة المعنية في التصرف بمواردها الطبيعية، بما في ذلك المعلومات المتاحة عنها.
ولايزال المجتمع الدولي في ظل قواعد قانونية دولية غير واضحة، ولم يزل بعيداً عن وضع مثل تلك القواعد، لتنظيم الحصول على المعلومات ونقلها عن طريق الأقمار الصناعية أو الإستشعار عن بعد. وهذا يدعو المجتمع الدولي ودول العالم داخل المنظمة الدولية إلى وضع بعض القواعد العامة التي يمكن أن يسترشد بها في هذا المجال: وأولها: تقييد حرية الفضاء الخارجي باعتبارات الأمن للدولة صاحبة الشأن؛ وثانيها: حق جميع الدول في الحصول على المعلومات التي تتعلق بأراضيها وثرواتها؛ وثالثها: ضرورة التعاون الدولي من أجل مساعدة جميع الدول على الحصول والإستفادة من المعلومات التي يتوصل إليها. مع الإبقاء على حق الدولة المعنية في إثارة المسؤولية الدولية ضد الدولة التي تحصل على معلومات عنها، وأن تطالبها بتقديم تلك المعلومات مع إعتبار أن ما قامت به يشكل عملاً غير مشروع.
والحل يبقى في التعاون الدولي، وفي النوايا الحسنة بين الدول. لأن الصراع غير ملائم لعالم اليوم، ويؤدي إلى تشتيت الجهود الدولية التي يمكن أن توجه إلى ما فيه صالح المجتمع الدولي نفسه، وإلى حل المشاكل التي تهدد البيئة البشرية بأسرها، وخاصة في ظل التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل في مجال النقل والإتصال والمعلوماتية، التي عملت على إلغاء الحواجز الجغرافية وتقريب المسافات بين أجزاء العالم المختلفة، ليصبح العالم معها اليوم أكثر إرتباطاً من ذي قبل، وهو ما يؤكد على أن تحقيق الأمن القومي لا يتم من خلال الصراع بين الدول، بل من خلال التعاون الوثيق بينها.
ولا ريب في أن تخلي الدول عن سياسة استخدام القوة أو التهديد باستخدامها، والتزامها بمبادئ القانون الدولي وقواعده، بروح من التضامن والإخاء والثقة المتبادلة، لن يؤتي ثماره بتحقيق الأمن لدولة بعينها فحسب، بل سوف يحقق الأمن لكافة دول العالم. ويجنب البشرية ويلات الحروب المدمرة، التي ضاعف من خطورتها التطور العلمي والتكنولوجي الهائل في كل ميادين الحياة، ومن بينها ميدان صناعة وإنتاج أسلحة التدمير الشامل الفتاكة والمدمرة.
ولا بد من أن تصب جهود التعاون الدولي في مجال مواجهة الآثار الناجمة عن المخاطر الإقتصادية داخل الدولة، وأن تسعى الدول إلى توفير الغذاء ورفع المستوى الثقافي والعلمي والإقتصادي لمواطنيها، وأن تعيد البناء الإجتماعي داخل الدولة، بما يحقق تنمية شاملة حقيقية، بدلاً من إضاعة الوقت والجهود في الصراع من أجل تركيز القوة للمواجهة مع الغير.
خاصة وأن الإكتشافات العلمية في مجال النقل والإتصالات والمعلوماتية ونقل المعلومات عبر الأقمار الصناعية وقنوات الإتصال ونقل المعلومات الأخرى، قد أحدثت تغييراً شاملاً في مفهوم سيادة الدولة، وأصبحت الممارسة الفعلية لمظاهر السيادة، تتحقق بقدر ما تحوزه الدولة، أو يتيسر لها من إمكانيات يوفرها التقدم العلمي في شتى مجالات الحياة.
وأصبحت ممارسة السيادة كاملة لدى بعض الدول، ومحدودة لدى البعض الآخر، وأصبح كمال السيادة ونقصانها من الناحية السياسية مرتبط بما لدى الدولة من إمكانيات علمية وتقنية متقدمة، تتيح لها فرصة معرفة ما يدور حولها في منطقتها وفي مناطق العالم الأخرى. وأصبح لبعض الدول معلومات تزيد كثيراً في بعض الأحيان عما يتوفر من معلومات لدى الدولة صاحبة الشأن. ولم تعد الحدود السياسية والموانع الجغرافية صعبة الإختراق، بل أصبحت أقل صموداً أمام التقدم التكنولوجي، وعلى سبيل المثال: موجات الإذاعتين المسموعة والمرئية، أصبحت تدخل حدود الدولة السياسية دون إذن منها، ولا تستطيع أية دولة حيالها شيئاً، إلا من خلال سن التشريعات التي تحظر ذلك أو ذاك، أو بث موجات مضادة، أو الدخول في منافسة تكون غير متكافئة في أكثر الأحيان.
وأن الإطار الجديد للتنافس بين دول العالم، أصبح إقتصادياً، وأصبح التفوق أو التقدم الإقتصادي يعادل القوة العسكرية، كما أن التقدم الإنتاجي يعادل تطوير الأسلحة الفتاكة. وأن إقتحام الأسواق العالمية بساندة الدولة لا يقل أهمية عن القواعد العسكرية في أراضي الدول الأجنبية، ولا يقل عن النفوذ الدبلوماسي في تلك الدول.


التبادل الإعلامي الدولي من وظائف الدبلوماسية الرسمية

يعد العمل الدبلوماسي أحد الوسائل الأساسية لتنفيذ السياسات الخارجية للدول (د. ممدوح شوقي: الأمن القومي والعلاقات الدولية. القاهرة. مجلة السياسة الدولية 1997/العدد 127. ص 14-47. وعاطف الغمري: الأسلحة الجديدة في ترسانة الهجوم الإقتصادي العالمي. القاهرة. صحيفة الأهرام 1996/يناير 30. ود. محمد سامي عبد الحميد: أصول القانون الدولي العام. 1979. ود. بطرس بطرس غالي: حقوق الإنسان في 30 عاماً. القاهرة. مجلة السياسة الدولية 1979/يناير. ود. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 171-172. وHans Morganthue, Political Nations, Calcutta, Scientific Book Agency, 1965, Chap. 28. - Edward N. Luttwak, The Global Setting of U.S. Military Power-Washington. 1996). ومن مهام وزارات الخارجية، مزاولة الوظيفة الدبلوماسية، من خلال إداراتها المركزية، وهي إدارات: جغرافية: كإدارات غرب وشرق أوروبا، وأمريكا الشمالية، والشرق الأوسط إلخ؛ ووظيفية: كإقتصادية، وثقافية، وإعلامية إلخ؛ وإدارية: كالشؤون القنصلية، والبعثات الدبلوماسية إلخ (د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص ص 171-172. و- Hans Morganthue, Political Nations, Calcutta, Scientific Book Agency, 1965, Chap. 28).
وتزود السفارات والقنصليات في الخارج عادة بمستشارين أو ملحقين مختصين في الشؤون الإعلامية والعسكرية والإقتصادية، يشرف عليهم رئيس البعثة الدبلوماسية (السفير)، ولكنهم يتبعون عملياً الجهة الرسمية التي أوفدتهم في الدولة.
وفي السابق كانت الدبلوماسية سرية، إلى أن تحولت إلى دبلوماسية مفتوحة وعلنية أكثر، بعد الأحداث الهامة في تاريخ العمل الدبلوماسي التي اقدمت عليها السلطة البلشفية بعد استيلائها على السلطة في الإمبراطورية الروسية عام 1917، وكشفها على الملأ عن كل الإلتزامات السرية لروسيا القيصرية. وإعلان الرئيس الأمريكي ويلسون لمبادئه الأربعة عشر عام 1918. وقيام عصبة الأمم بمطالبة الدول الأعضاء فيها بتسجيل معاهداتها والتزاماتها الدولية، لتقوم عصبة الأمم بعد ذلك بتوثيقها. وهو الدور الذي تقوم به منظمة الأمم المتحدة بعد تأسيسها إثر الحرب العالمية الثانية، بنشر تلك المعاهدات والإلتزامات ضمن إطار الدبلوماسية المفتوحة. ورغم ذلك فهناك جوانب كثيرة في العمل الدبلوماسي، لم تزل تحمل طابع السرية، كالمفاوضات الخاصة بالمعاهدات والإتفاقيات، واتفاق الأطراف المعنية على بعض البنود السرية، تمشياً مع ضرورات الأمن القومي والمصلحة القومية العليا، وضرورات السياسة الخارجية لتلك الدول.
وينقسم العمل الدبلوماسي إلى: الدبلوماسية التقليدية: التي تتم من خلال محادثات ثنائية تجري بين طرفين، ولم تزل متبعة حتى الآن؛ ودبلوماسية المؤتمرات: وهي الدبلوماسية الجماعية التي تمارس من خلال المؤتمرات الدولية، وتشمل كل الجوانب السياسية والإقتصادية والقانونية والإجتماعية والمهنية والعلمية والثقافية، إلخ. وتحتم الدبلوماسية الجماعية أن يكون المندوب المشارك، على إطلاع ودراية بموضوع أو موضوعات المؤتمر، وأن يتمتع بقدرات إعلامية من خلال ما يدلي به داخل المؤتمر أو خارجه من تصريحات لوسائل الإعلام الجماهيرية؛ والدبلوماسية البرلمانية: وهي دبلوماسية المنظمات الدولية، وتمارس من خلال إلقاء البيانات، والمناورات الدبلوماسية، والإتصالات من وراء الكواليس. وهنا يظهر واضحاً الدور القوي الذي تلعبه التكتلات السياسية والإقتصادية الدولية والإقليمية. كما ويؤثر النظام الدولي على العمل الدبلوماسي، في إدارة الصراع بين الدول والسياسات الخارجية المتعلقة بها، والمواقف السياسية المتعددة في العلاقات الدولية، وخير مثال على ذلك: الدبلوماسية التي تدور في إطار منظمة الأمم المتحدة (نفس المصدر السابق)؛ ودبلوماسية القمة: وهي سمة أساسية من سمات العصر الراهن، وتتميز بالسرعة في اتخاذ القرارات الهامة، بعد التطور الهائل في وسائل المعلوماتية والإتصال والمواصلات، الذي أثر بدوره على العمل الدبلوماسي الذي كان في السابق يعتمد على الدبلوماسي نفسه، ليتحول إلى تنفيذ تعليمات دولته في أكثر الأحيان. وأصبح من المعتاد اليوم أن يجتمع رؤساء الدول والحكومات لبحث الأمور الهامة. ويسبقها العمل الدبلوماسي الذي يمهد لتلك اللقاءآت، والأشكال الأخرى للعمل الدبلوماسي الذي يؤمن استمرارية العمل الدبلوماسي، كالدبلوماسية الثقافية والإقتصادية إلخ؛ والدبلوماسية الشعبية: وتدخل ضمن إطار العلاقات العامة الدولية، والدبلوماسية الإعلامية، ودبلوماسية المنظمات المهنية والشعبية والمؤسسات العلمية والثقافية والإقتصادية والإجتماعية، من خلال الإتصالات التي تتم مع مثيلاتها في مختلف دول العالم. وتسعى الدبلوماسية الشعبية دائماً لخدمة أهداف الدولة، وأهداف سياستيها الداخلية والخارجية.
فإذاً فالعمل الدبلوماسي هو الوسيلة التي تنفذ من خلالها السياسة الخارجية للدولة (نفس المصدر السابق. و- Adi H. Doctor. Op. Cit., p. 146.)، وهي إدارة العلاقات الدولية من خلال التفاوض (نفس المصدر السابق. و- Ibid., p. 147.)، كما وتعرف بفن التفاوض من أجل تحقيق الحد الأقصى للأهداف، بالحد الأدنى من للنفقات، من خلال نظام سياسي يمكن أن يؤدي إلى نشوب الحرب (نفس المصدر السابق). ولو افترضنا بأنه هناك دبلوماسية إعلامية بحد ذاتها، فإننا نستطيع القول بأن تطور وظيفة العمل الدبلوماسي، قد جعل الدبلوماسي يقوم بمهام إعلامية من خلال إلقاء البيانات، وإطلاق التصريحات، ونشر الأخبار، وإجراء الإتصالات، وإقامة علاقات مع صانعي القرار السياسي، والصفوة الإجتماعية وقادة الرأي.
وعملية الإتصال بالجماهير اليوم أصبحت من المهام المرتبطة بالعمل الدبلوماسي. وهكذا نرى أن العمل الدبلوماسي أصبح مرتبطاً بالعمل الإعلامي، وهذا يفسر الأسباب التي دعت بعض فروع العلوم السياسية لتعتبر الإتصال والإعلام، والعلاقات العامة الدولية فرعاً من فروعها الدراسية التي يتحتم على الطالب دراستها. حتى أن مظاهر العمل الدبلوماسي خلال القرن العشرين قد اتخذ منحى الرغبة في نشر ثقافة الدولة التي يمثلها الدبلوماسي، بالإضافة لممارسته الوظيفة الإعلامية الدولية.


المستشارون والملحقون الإعلاميون

بعد التطور الكبير الذي شمل عمل البعثات الدبلوماسية المعتمدة خلال القرن العشرين، وتزويدها بالمستشارين والملحقين الثقافيين والتجاريين والإعلاميين والعسكريين وغيرهم، تمشياً مع وزن الدول التي يمثلونها. والرغبة بزيادة عدد أعضاء البعثة الدبلوماسية العاملة في الخارج بمختلف التخصصات لرعاية مصالحها في الدول المعتمدة فيها، وتنفيذ المهام المطلوبة منهم ضمن إطار سياستها الخارجية. بدأت بعض الدول بتعيين مستشارين وملحقين إعلاميين، ضمن بعثاتها الدبلوماسية المعتمدة في الخارج.
ونرى أن المستشار والملحق الإعلامي، يمارسون الوظيفة الإعلامية الدولية، أو وظيفة التبادل الإعلامي الدولي من خلال الإتصال بالجماعات المؤثرة في الدول المعتمدين لديها، كالمسؤولين في الدولة، وأعضاء البرلمان، والأحزاب السياسية، وجماعات الضغط، وقادة الرأي وغيرهم من المؤثرين في صناعة القرارات السياسية بشكل عام.
كما يمارسون وظيفة الإتصال الجماهيري من خلال وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في البلد المعتمدين فيه، وكتابة المقالات ومتابعة والرد على ما تنشره وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية، وإلقاء المحاضرات، وعقد المؤتمرات الصحفية، والمشاركة في البرامج التلفزيونية والإذاعية، وإصدار المطبوعات، وإقامة المعارض الإعلامية والإقتصادية، والأسابيع الثقافية والفنية والسياحية، وتشجيع السياحة، وتبادل الوفود الإطلاعية إلخ. ويخطرون دولهم بأوجه نشاطاتهم الإعلامية، وتطور الإعلام المضاد ويقترحون طرق مواجهته، والأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية، ومواقف الرأي العام الرسمي والشعبي في الدولة المعتمدون فيها من القضايا التي تهم دولهم.
ولكن من الملاحظ أن الدول المستقلة حديثاً، والدول الأقل تطوراً، والدول النامية والفقيرة تعاني من انخفاض في مستوى كفاءة مستشاريها وملحقيها الإعلاميين، واختيارهم في أكثر الأحيان انطلاقاً من اعتبارات أخرى خاصة بتلك الدول، خارجة عن إطار الكفاءة المطلوبة للوظيفة التي اختيروا من أجلها. ولهذا نعتقد بأن تلك الدول بحاجة دائماً لتطوير أجهزتها وكوادرها الإعلامية لتتماشى مع احتياجات العمل المطلوب في عصر تكنولوجيا الإتصال والإعلام المتطورة. وفي هذا المجال يمكن أن تسهم المنظمات الدولية والدول المتقدمة في العالم، بتقديم المساعدة لتلك الدول للولوج في عملية الحوار الثقافي العالمي.
ومن الخبرة العالمية لوظيفة المستشار أو الملحق الصحفي في البعثات الدبلوماسية المعتمدة في الخارج للولايات المتحدة الأمريكية، نرى أنهم يتبعون لوحدة خدمات الإعلام الأمريكية U.S. Information Service (USIS)، وهي الجهة المسؤولة عن العمل الإعلامي الأمريكي في الخارج، وتتبع وكالة الإستعلامات الأمريكية U.S. Information Agency (U.S.I.A.)، وإن كانوا خاضعين لإشراف رؤساء البعثات الدبلوماسية للولايات المتحدة الأمريكية المعتمدة في الخارج. ويشرفون على مراكز الإعلام Information Centers  التي تتوفر فيها المواد الإعلامية عن الولايات المتحدة الأمريكية اللازمة للإطلاع عليها في الدول الأجنبية.
وقد تطور الإعلام الدولي في الولايات المتحدة الأمريكية بعد موافقة الرئيس السابق جيمي كارتر، على إنشاء وكالة جديدة للإعلام الدولي International Communication Agency  لتحل مكان وحدة خدمات الإعلام الأمريكية، ومارست الوكالة الجديدة مهامها الإعلامية رسمياً في 1/4/1978، ومهمتها العمل على زيادة التفاهم بين شعوب الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأخرى في العالم، وتوضيح معالم المجتمع الأمريكي، وسياسات الولايات المتحدة الأمريكية على المستوى الدولي، وخاصة ما يتعلق منها بالجانب الثقافي والحريات الفردية، وتوضيح صورة العالم للولايات المتحدة الأمريكية بغية إثراء الثقافة الأمريكية، وتمكين الولايات المتحدة الأمريكية من تفهم القضايا العالمية والتفاعل معها  بشكل فعال.
بينما يتبع ضباط الإعلام في البعثات الدبلوماسية البريطانية المعتمدة في الخارج وزارة الشؤون الخارجية والكومنولث The Foreign and Commonwealth Omce. ويركزون في عملهم على إقامة علاقات شخصية مع كبار المحررين والصحفيين وغيرهم من رجال الإعلام. وفي هذا الصدد قال السير هارولد بيلي السفير السابق في الخارجية البريطانية "أنه لحد معين، فإن هذا يبين العودة للمفهوم التقليدي للملحق الصحفي، الذي يعمل بشكل وثيق مع القسم السياسي لسفارته ويهتم بتوثيق العلاقات مع الصحف" (د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص ص 176-177. و- H. Beeley, The Changing Role of  British International Propaganda, The Anna’s of the American Academy of Political and Social Science, Vol. 398, Nov. 1971. P. 128).
بينما حددت لجنة بلودين البريطانية عام 1964 مواصفات الملحق الصحفي، من حيث المستوى السياسي، بالمواصفات الفنية من الدرجة الأولى، وأن الملحق الصحفي يحتاج بالدرجة الأولى لتعاون وثيق مع زملائه في البعثة الدبلوماسية في الشؤون السياسية والتجارية، وتقدير ما يحاولون القيام به، كعضو في السفارة، وأن حصوله على موافقة رؤسائه وزملائه في السفارة سيزيد من وزنه وتأثيره في العمل (نفس المصدر السابق. و- Ibid., p. 129.).
ومع ذلك فهو يحتاج إلى قدر كبير من المواد الإعلامية التي تساعده على أداء وظيفته الإعلامية، والتي يمده بها المكتب المركزي للإعلام في لندن The Central of Information in London  وهو مؤسسة مهنية تتولى تزويد الإدارات الحكومية داخل وخارج بريطانيا بالمواد الإعلامية.
وعملت جمهورية أوزبكستان منذ استقلالها عام 1991 وحتى اليوم، على تدعيم بعثاتها الدبلوماسية المعتمدة في الخارج بالملحقين الإعلاميين، بعد أن أحدثت وكالة أنباء "جهان" التابعة لوزارة الخارجية، والتي يتبع لها الملحقون الإعلاميون في الخارج، ويتلقون تعليماتهم منها، ويرسلون تقاريرهم الإعلامية لها، عن أوجه نشاطاتهم الإعلامية، وتطور الرأي العام في الدول المعتمدين لديها، وفي القضايا التي تهم أوزبكستان، والتي كثيراً ما تنشر بعضها، وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية الأوزبكستانية. ويخضع أولئك الملحقون الإعلاميون في الوقت نفسه لإشراف رؤساء البعثات الدبلوماسية الأوزبكستانية في الدول المعتمدين لديها.

الوظيفة الدولية للتبادل الإعلامي الدولي

تعتبر الوظيفة الدولية للتبادل الإعلامي الدولي، من أشكال وظائف العلاقات الدولية. وبدأ الإعلام بالظهور كوظيفة للعلاقات الدولية إثر قيام عصبة الأمم. وتأصل هذا المفهوم بعد إنشاء منظمة الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية الأخرى في التاريخ المعاصر. حيث يقوم الموظفون الدوليون العاملون في الجوانب الإعلامية، بخدمة أهداف المنظمة التي يعملون في إطارها، ولا يتلقون أية تعليمات من مصادر أخرى، متمتعين بالموضوعية والحياد، من خلال الإدلاء بالتصريحات الصحفية، وإصدار البيانات، ونشر الوثائق، وإلقاء المحاضرات، والعمل في المكاتب الإعلامية التابعة للمنظمة الدولية المعنية في مختلف دول العالم.
وتعتبر المراكز الإعلامية لمنظمة الأمم المتحدة في مختلف دول العالم، أداة لنشر ولإبراز نشاطات المنظمة. وقد أصدرت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة قراراً في 1/2/1946 تضمن قيام الأمين العام للأمم المتحدة، بوضع تنظيم إداري يمكنه من أداء المهام الموكولة إليه، وكانت إدارة الإعلام واحدة من بين ثماني إدارات شملها ذلك التنظيم. وأشار القرار المذكور إلى إنشاء مكاتب فرعية للإعلام. وبالفعل تم إنشاء مركز للإعلام تابع لمنظمة الأمم المتحدة في واشنطن عام 1946، وفي موسكو عام 1947، وتزايد عدد تلك المكاتب تباعاً في مختلف العواصم العالمية (د. جميل أحمد خضر: العلاقات العامة. دار المسيرة، عمان 1998. ص 24. و- Cutilp and Center, Op. Cit., p. 5).
كما أصدرت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة قرارها رقم 595 (6) بتاريخ 4/2/1952، طالبت فيه إدارة الإعلام بالمنظمة بوضع برنامج لعمل المنظمة في المجال الإعلامي، مع الأخذ بعين الإعتبار النواحي الإقليمية واللغوية. وكلفت الإدارة بإنشاء شبكة من المراكز الإعلامية في مختلف دول العالم، للوصول إلى شعوب الأمم المتحدة، لتقوم: - بنشر رسالة منظمة الأمم المتحدة؛ - وتغطية نشاطاتها ومنجزاتها إعلامياً؛ - وتسليط الأضواء على دور منظمة الأمم المتحدة في حل القضايا الدولية. من خلال: - المواد الإعلامية التي يمكن توزيعها؛ - وتوفير المراجع الخاصة بمنظمة الأمم المتحدة في مكتباتها؛ - والتنسيق مع وسائل الإعلام الجماهيرية في العواصم الموجودة فيها.
ووافقت الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة عام 1962، على برنامج منظمة اليونسكو الخاص بتقديم المساعدة لوسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية في الدول النامية، تأكيداً لدورها في مجال التبادل الإعلامي الدولي. بعد أن كان دورها محصوراً بتقديم المساعدة لوسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية في الدول التي دمرتها الحرب العالمية الثانية، وتدعيم التدفق الحر للمعلومات والأفكار، والتعليم، بعد مؤتمر لندن الذي انعقد خلال الفترة من 1 إلى 16/11/1945، وحضره مندوبون عن 45 دولة، وأسفر عن قيام "منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة UNESCO" المتخصصة بمسائل التعاون الدولي بين الحكومات، في ميادين الثقافة والفكر (د. جميل أحمد خضر: العلاقات العامة. دار المسيرة، عمان 1998. ص 24. ود. محمد علي البادي: البنيان الإجتماعي للعلاقات العامة. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1975. ص 39).
وقامت منظمة اليونيسكو في أواخر الأربعينات من القرن العشرين، باستطلاع الإحتياجات التكنولوجية والتعليمية لوسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية، بعد أن أوفدت لهذا الغرض 29 باحثاً ميدانياً، تجولوا في 126 دولة من دول العالم، وتبادل المسؤولون في منظمة اليونيسكو الرسائل مع شخصيات في 31 دولة. ظهرت بالنتيجة الحاجة للإهتمام بتدريس مادة الصحافة، وتوفير الوسائل السمعية والبصرية اللازمة لها، وضرورة قيام الحكومات بحل مشاكل الإتصال، وتقديم المساعدة لعدد من الدول لتطوير وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية فيها، والإهتمام بربط حرية الإعلام بالتشريعات الإعلامية في دول العالم.
كما وقامت منظمة اليونيسكو بتشكيل لجنة مكونة من ستة عشر خبيراً دولياً بارزاً، ينتمون إلى أقاليم جغرافية وثقافية مختلفة، لدراسة مشكلات الإعلام. ورأس اللجنة العالم الايرلندي ماكبرايد، الحائز على جائزة نوبل للسلام. ونشرت منظمة اليونيسكو تقرير هذه اللجنة بخمس عشرة لغة، تحت عنوان: "أصوات متعددة، وعالم واحد". وقد بحث التقرير بشكل مستفيض العلاقة بين عملية الإتصال والمجتمع، ببعديها التاريخي والمعاصر. وكذلك في إطارها الدولي. كما وبحث التقرير وضع عملية الإتصال في عالم أواسط القرن العشرين، من حيث سماتها والإشكاليات التي تطرحها، وهموم مهنة الإعلام وإطارها المؤسسي والحرفي إلخ.
وناقش التقرير ضمن العديد من القضايا، قضية احتكار بعض وكالات الأنباء العالمية للرسائل الإعلامية، وما تمارسه من سيطرة إعلامية تحمل في طياتها، خطر غزو ثقافي من نوع جديد، وتشويه مضمون الرسائل الإعلامية ذاتها، وسريانها في إتجاه واحد، قد لا يعبر عن الحقائق الموضوعية بالضرورة. كما حدد التقرير الأسس والقواعد التي يتعين أن يقوم عليها نظام إعلامي جديد أكثر عدلاً وقدرة على خدمة السلام والتنمية البشرية والتقدم في العالم، ومن أهمها: - استئصال أوجه الخلل وعدم التوازن أو التكافؤ التي يتميز بها الوضع القائم في ذلك الوقت؛ - والقضاء على الآثار السلبية للإحتكارات العامة والخاصة والتركيز الزائد في وسائل الإتصال والإعلام الجماهيري؛ - وضمان تعدد مصادر الإعلام، وحرمة الإعلاميين إلخ؛ - وإحترام الذاتية الثقافية، وحق كل أمة في إعلام الرأي العام العالمي بوجهة نظرها، وبمصالحها وطموحاتها وقيمها الإجتماعية والثقافية؛ - وإحترام حق كل الشعوب في المشاركة في عملية التبادل الإعلامي الدولي، على أساس من التوازن والتكافؤ والمصالح المتبادلة؛ - وحق الجمهور والفئات الإجتماعية والإثنية، في الوصول إلى مصادر المعلومات، والمساهمة النشيطة في عملية الإتصال.
وقد أثار هذا التقرير عند مناقشته في كل من المجلس التنفيذي، والمؤتمر العام لمنظمة اليونيسكو جدلاً صاخباً، وخصوصاً عندما حاولت الدول النامية أن تترجمه إلى برامج وسياسات تضطلع بها منظمة اليونيسكو، أو إلى قواعد واجبة الإحترام من جانب الإحتكارات العالمية. ورأت فيه بعض الدول، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ومعظم وكالات الأنباء العالمية، محاولة لتقويض حرية الإعلام والإعلاميين. لكن أياً كان الأمر فإن ما يهمنا هنا هو التأكيد على أن الخصوصيات والذاتيات الثقافية والحضارية، أصبحت في صلب المسألة الإعلامية أيضاً، التي يتوجب التوقف عندها طويلاً.
وقامت منظمة اليونيسكو أيضاً بإصدار العديد من المطبوعات عن حرية الإتصال والإعلام، والتبادل الإعلامي الدولي، ووسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية في العالم. فأصدرت عام 1952 سلسلة "تقارير وأراق الإعلام الجماهيري"، وحتى عام 1970 أصدرت المنظمة 600 دراسة عن وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية في المناطق الريفية والنامية، وعن دور وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية في التعليم، وإعداد الكوادر الصحفية، ومعلومات إحصائية عن وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية، ووسائل الإتصال، والإتصال عبر الأقمار الصناعية.
وفي عام 1955 شكل الأمين العام للأمم المتحدة، لجنة من الخبراء لدراسة أنشطة منظمة الأمم المتحدة خارج مقرها، بما فيها النشاطات الإعلامية. ودعت تلك اللجنة منظمة الأمم المتحدة لتوجيه إهتمام أكبر لمراكز الإعلام التابعة لمنظمة الأمم المتحدة في الخارج.
كما قدمت منظمة اليونيسكو مساعدات ملموسة لإنشاء مراكز التدريب الصحفي في أنحاء مختلفة من العالم، ومنها: - المركز الدولي للعليم العالي الصحفي في استراسبورغ، الذي بدأ التدريس فيه عام 1957م، The International Center for Higher Education in Journalism؛ - والمركز الدولي للدراسات العليا في الصحافة بأمريكا اللاتينية، الذي أفتتح في كيوتو Quoit عام 1959م، The International Center for Higher Studies in Journalism for Latin America؛ - ومركز دراسات الإعلام الجماهيري في جامعة داكار بالسنغال، لتدريب الكوادر الصحفية الإفريقية الناطقة بالفرنسية، The Center for Studies in Mass Communication Sciences and Techniques؛ - ومعهد الإعلام الجماهيري في جامعة مانيلا بالفلبين؛ - ومعهد الإعلام في بيروت بلبنان؛ - ومعهد الإعلام في أنقرة بتركيا؛ - ومعهد الإعلام في نيودلهي، بالهند.
ونتيجة لجهود منظمة اليونيسكو تم تأسيس: - المنظمة الدولية لبحوث الإعلام الجماهيري، في عام 1957، The International Association for Mass Communication Research ؛ - والمجلس الدولي للفيلم والتلفزيون في عام 1959، The International Council for film and Television؛ - ومعهد دراسة الأفلام في أمريكا اللاتينية بمكسيكو سيتي عام 1958م، The Education film Institute for Latin America؛ - وجمعية جنوب وشرق آسيا للمدرسين في مجال الصحافة عام 1961م، The South and East Asia Association for Journalism Educators؛ - وإتحاد وكالات الأنباء الإفريقية عام 1963؛ - وفي عام 1959 قام المجلس الإقتصادي والإجتماعي التابع لمنظمة الأمم المتحدة، بدعوة منظمة اليونيسكو لدراسة المساعدات المقدمة للدول المتخلفة في المجال الإعلامي (د. جميل أحمد خضر: العلاقات العامة. دار المسيرة، عمان 1998. ص 26. و- Bettran Canfield, Public Relations Principles, Cases and Problems, 5 th Ed. Honewood ILL., Richard Irwin, Inc., Illinois, 1968, p. 4).
ومن منتصف ستينات القرن العشرين، بدأت منظمة اليونيسكو بصب إهتمامها نحو استخدام وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية في المجالات التعليمية، وأقرت عام 1964 لهذا الغرض برنامجاً مدته ست سنوات في السنيغال، وجه نحو استخدام الوسائل السمعية والبصرية وغيرها من الوسائل في مجال تعليم الكبار. وشجعت على استخدام الأفلام والوسائل الإلكترونية الحديثة في التعليم.
ولم تزل منظمة اليونيسكو تتابع جهودها لزيادة فعالية مساعداتها لمختلف دول العالم المحتاجة للمساعدة في مجال الإعلام، وتشارك في المؤتمرات واللقاءآت الدولية الخاصة بوسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية، والإتصال عبر الأقمار الصناعية، وتدعوا دائماً لإستخدام الأقمار الصناعية لأغراض التعليم ونشر المعلومات العلمية والثقافية. وبعد إنهيار المنظومة الإشتراكية والإتحاد السوفييتي السابق، برزت مشكلات جديدة أمام منظمة اليونيسكو، في مجال تقديم المساعدة للدول المستقلة حديثاً، لتحديث أطرها الإعلامية، وللولوج في عالم الأسرة الإعلامية الدولية، بشكل يضمن التدفق الحر للمعلومات، ويدعم حرية الإعلام في تلك الدول.
وتظل اليونيسكو، المنظمة الحكومية الرئيسية في العالم، التي يمكن أن تسهم بدور فعال في تهيئة أفضل الشروط لمتابعة الحوار الثقافي بين الحضارات في القرن الحادي والعشرين، على ضوء ما تفرضه ثورة الإتصال والمعلومات، التي لابد وأن تؤدي في النهاية إلى مزيد من العولمة، التي قد تؤدي إلى نجاح دول الشمال المتطورة التي تحتكر اليوم أحدث وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية في العالم، في فرض نوع من الهيمنة السياسية والثقافية والإقتصادية، ترجح كفة سيطرتها ونموذها الثقافي والحضاري، وتجعل من الثقافات القومية، ثقافات مغلوب على أمرها، لا طائل لها، ولا صوت لها للدفاع عن نفسها، وعن بقائها واستمرارها في الحياة على الأرض.

العلاقات العامة الدولية (الدبلوماسية الشعبية) كوظيفة للتبادل الإعلامي الدولي

العلاقات في المجتمعات البدائية كانت تتسم بالمباشرة والبساطة، وأخذت تلك العلاقات بالتعقد مع التقدم الحضاري والإجتماعي. وأدت التغييرات التقنية والعلمية والإقتصادية والسياسية والإجتماعية في العالم، وخاصة مع نهاية ثمانينات القرن العشرين، إلى تداخل المصالح الدولية، بسبب سهولة الإتصال التي اتاحتها وسائل الإتصال الحديثة. مما زاد من أهمية دور وفاعلية العلاقات العامة في العلاقات الدولية.
وتعتبر العلاقات العامة حلقة وصل بين مؤسسات المجتمع الواحد، وبين المجتمعات الأخرى. عن طريق تقديم خدمات معينة لها مبنية على الثقة المتبادلة، وإنطلاقاً من أهمية الفرد والشرائح الإجتماعية المختلفة، وقوة وتأثير الرأي العام في المجتمعات على مختلف المؤسسات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية. وللعلاقات العامة تعريفين أساسيين، هما:
- التعريف المهني المتخصص: ويقصد به إقامة علاقات حسنة في المؤسسات داخلياً وبين المؤسسات خارجياً، مبنية على التفاهم والثقة المتبادلة. من خلال إبراز والإهتمام بالوظائف الأساسية التي تضطلع بها إدارة العلاقات العامة، في مؤسسة أو منظمة حكومية  كانت أم خاصة، لتكون وظيفتها بذلك إدارية بحتة؛ وتبلور هذا التعريف مع ظهور جماعة من المتخصصين في العلاقات العامة مع بداية القرن العشرين، أمثال إيفي لي، وإدوارد بيرنيز، وجون هيل. وتبع ذلك قيام جمعيات واتحادات علمية ومهنية ضمت المتخصصين في العلاقات العامة في القارتين الأوروبية والأمريكية، خلال أربعينات وخمسينات القرن العشرين. وساهمت تلك الجمعيات والمنظمات بدورها في زيادة تعريف العلاقات العامة، وساعدت على تحديد مهامها ووظائفها. وفي عام 1947 نشرت مجلة أخبار العلاقات العامة Public Relation News خلاصة لتعريف العلاقات العامة، أخذته من نتائج الإستقصاء الذي أجرته بين مشتركيها، والعاملين في مجال العلاقات العامة. جاء فيها أن: "العلاقات العامة: هي وظيفة الإدارة التي تقوم بتقويم اتجاهات الجمهور وربط سياسات وأعمال فرد أو منشأة مع الصالح العام، وتنفيذ برنامج لكسب تأييد الجمهور وتفهمه". بينما اعتبر إيفي لي أحد رواد العلاقات العامة في الولايات المتحدة الأمريكية، أن مهمتها مزدوجة، وتبدأ من دراسة إتجاهات الرأي العام، ونصح المؤسسات بتغيير خططها، وتعديل سياساتها لخدمة المصالح العامة، ثم إعلام الجمهور بما تقوم به المؤسسات من أعمال تهمهم وتخدم مصالحهم (د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 184. و- Bertrand R. Canfield, International public Relations, in International Communication, op. cit., pp. 384-385).
أما إدوارد بيرنيز خبير العلاقات العامة الأمريكي، فاعتبر العلاقات العامة: محاولة لكسب تأييد الرأي العام لنشاط أو قضية أو حركة أو مؤسسة، عن طريق الإتصال والإعلام والإقناع والتكيف. أي إيجاد التكيف والتكامل والتوافق بين مواقف مؤسسة معينة وسلوكها، مع مواقف جماهيرها ورغباتهم، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر. أما جمعية العلاقات العامة الأمريكية فقد عرفتها بأنها: نشاط أي صناعة أو إتحاد أو هيئة أو مهنة أو حكومة أو أي منشأة أخرى، في بناء وتدعيم علاقات سليمة منتجة بينها وبين فئة من الجمهور: كالعملاء والموظفين والمساهمين والجمهور بشكل عام، والعمل على تكييف أهداف المؤسسة مع الظروف المحيطة بها، وشرح أهدافها للمجتمع. وعرف معهد العلاقات العامة البريطاني، العلاقات العامة بأنها: الجهود الإدارية المرسومة، والمستمرة التي تهدف إلى إقامة وتدعيم التفاهم المتبادل بين المنظمة وجمهورها. وجاء تعريف جمعية العلاقات العامة الفرنسية، بأن العلاقات العامة هي: طريقة للسلوك، وأسلوب للإتصال والإعلام ، يهدفان إلى إقامة علاقات مفعمة بالثقة، والمحافظة عليها. وتقوم هذه العلاقات على المعرفة والفهم المتبادلين، بين المنشأة ذات الشخصية الإعتبارية، وتمارس وظائف وأنشطة، وبين الجماهير الداخلية والخارجية التي تتأثر بتلك الأنشطة والخدمات. وعرفت جمعية العلاقات العامة الدولية، العلاقات العامة بأنها: وظيفة الإدارة المستمرة والمخططة، التي تسعى بها المؤسسات والمنظمات الخاصة والعامة، إلى كسب التفاهم والتعاطف مع سياساتها وأنشطتها. وكسب المزيد من التعاون الخلاق، والأداء الفعال للمصالح المشتركة، باستخدام الإعلام الشامل والمخطط (وسائل الإعلام الجماهيرية في جمهورية أوزبكستان. وكالة أنباء "جهان"، طشقند 1997. ص 81-86).
- التعريف الإجتماعي الشامل: وهو الإتجاه الإجتماعي للعلاقات العامة، الذي ظهر خلال ثلاثينات القرن العشرين، إثر الأزمة الإقتصادية التي عانى منها الإقتصاد العالمي عام 1929، وعرفه د. محمد البادي، بأنه: الإتجاه الإجتماعي للعلاقات العامة، كمهنة ذات طابع خاص، ويشمل كل ما يصدر عن المؤسسة من أعمال وتصرفات وقرارات، وكل ما يتصل بها من مظاهر واستعدادات وتكوينات مادية. لأن ما يصدر عن المؤسسة أو يتصل بها له تأثيراته، المعنوية على الجماهير، التي ترتبط مصالحها بها. وهذه التأثيرات هي التي تعطي لهذه العناصر طبيعتها، كأنشطة للعلاقات العامة، وهي أيضاً التي تعطي لاتجاه العلاقات العامة صفتها الإجتماعية (د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 185. وIbid., p. 385.).
وهو نشاط يشترك فيه كل أفراد المؤسسة من خلال تكوين علاقات عامة مرنة في سلوكهم واتصالاتهم ومعاملاتهم مع الجماهير داخل المؤسسة وخارجها. وأن لا يكون الهدف من النشاط السعي لتحقيق الربح فقط، بل إلى تقديم خدمات للمجتمع، عن طريق إنتاج سلع وخدمات جيدة ومتطورة تناسب الأذواق، وأداء الوظيفة المسندة إليهم بشكل جيد، مراعين الظروف الإقتصادية والإجتماعية، التي تفرضها المسؤولية الإجتماعية، في مشاركة المجتمع المحلي همومه وأفراحه وأحزانه، والعمل على تقليل الأضرار الناجمة عن نشاطاتهم، والمحافظة على البيئة، والعمل على النهوض بالمجتمع ثقافياً وعلمياً وحضارياً ومادياً. وعرف كانفيلد العلاقات العامة، بأنها: الفلسفة الإجتماعية للإدارة، التي ترغب من خلال أنشطتها وسياساتها المعلنة للجمهور كسب ثقته وتفهمه (د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 187. و- Roland L. Kramer, International Advertising Media, International Communication. Op. cit., pp. 346-349). أما نولت فقد عرف العلاقات العامة، بأنها: مسؤولية الإدارة التي تهدف إلى تكييف المنظمة مع بيئتها الإجتماعية والسياسية والإقتصادية تماماً. كما تهدف إلى تكييف البيئة المحيطة لخدمة المنظمة لتحقيق مصلحة الطرفين.
ومما سبق نستطيع إستنتاج أن دور خبير العلاقات العامة ينحصر في: - إقناع الإدارة العليا للقيام بالنشاطات التي تجعل الجمهور راضياً عن المؤسسة؛ - وإقناع الجمهور بأن المؤسسة تستحق بالفعل تأييده ودعمه المعنوي والمادي. وأن دور العلاقات العامة ينحصر في: تبني مصلحة الجمهور والمصلحة العامة؛ - ووضع السياسات الملائمة لها؛ - والسعي لإيصال المعلومات عن نشاطات المؤسسة وسياساتها للجمهور؛ - وخلق رأي عام مؤيد للمؤسسة، لدى الجمهور؛ - وإنشاء مواقف محددة ومطلوبة اتجاه المؤسسة؛ - وتقييم مواقف الرأي العام من قبل المتخصصين في العلاقات العامة؛ - وإيصال المعلومات عن تلك المواقف لإدارة المؤسسة. بينما يشمل نشاط العلاقات العامة اليوم:
في المجال الحكومي: - التوعية والإرشاد والإعلام، في جميع المجالات الإقتصادية والسياسية والإجتماعية والثقافية والدبلوماسية، للوصول إلى مساندة الجماهير لها، ومشاركتهم المعنوية والمادية في البرامج التنموية الشاملة التي تخطط لهاالحكومة؛ - وكسب الرأي العام للسياسات الحكومية الداخلية والخارجية؛ - والتعرف على توجهات الرأي العام، وتقييم الخدمات العامة لوظائفها المحددة، ومدى تلبيتها لرغبات الجمهور؛ - والعمل على دحض الشائعات، والتصدي للحملات الإعلامية المضادة، وإبراز الحقائق عن طريق مصارحة الجماهير؛ - والإهتمام بشؤون الوظفين والمستخدمين الحكوميين.
في مجال المنظمات والهيئات الحكومية: - التعريف بأهدافها وسياساتها، وتوثيق الصلة والتعاون بين المواطن والمنظمة أو الهيئة الحكومية للوصول إلى الهدف المطلوب؛ - ودراسة مواقف الرأي العام، ونقل رغبات ومطالب الجماهير للمسؤولين فيها، تمهيداً لإيجاد الحلول لهل، وتلبيتها وفق الظروف المتاحة؛ - والإهتمام بشؤون العاملين في تلك المنظمات والهيئات الحكومية؛ - والإتصال بالهيئات والمنظمات الحكومية المشابهة، لتحقيق أفضل صورة من التعاون بينها في الداخل والخارج؛ - وإصدار المواد الإعلامية المطبوعة والمرئية والمسموعة، عن نشاطات المنظمة أو الهيئة الحكومية، وتبادلها وتوزيعها في الداخل والخارج؛ - وتوثيق كل ما ينشر في وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية وغيرها من الوسائل في الداخل والخارج؛ - وتنظيم الزيارات الرسمية والخاصة. كما وهناك مجالات أخرى كالمؤسسات الإقتصادية والإنتاجية والخيرية، والمنظمات المهنية والسياسية وغيرها، ولا تختلف من حيث نشاطات العلاقات العامة عما تم تفصيله أعلاه.
ومن الملاحظ اليوم أن العلاقات العامة "الدبلوماسية الشعبية" في القارة الأوروبية، تستخدم كوسيلة من وسائل تدعيم الوحدة الأوروبية، وزيادة التلاحم والتفاهم بين مختلف شعوب القارة الأوروبية. لأنه من المعروف أنه كلما زاد التقدم الثقافي والعلمي والتقني في أي دولة من دول العالم، زاد دور الدبلوماسية الشعبية فيها، وتوجهت تلك الدولة نحو تأسيس جمعيات وهيئات تعنى بالعلاقات العامة، وإلى تدعيم المؤسسات الحكومية بأقسام خاصة تعنى بهذا المجال الهام، يطلق عليها تسمية " أقسام العلاقات العامة". وقد تطورت العلاقات العامة في الولايات المتحدة الأمريكية، حتى أصبحت تضاهي مثيلاتها في دول العالم الأخرى، وشهدت الدول الأوروبية كفرنسا وبريطانيا وبلجيكا وغيرها من دول العالم، تطوراً خاصاً لمفهوم العلاقات العامة. ليصبح ممارسة العلاقات ذو مفهوم دولي ويمارس فعلاً في العلاقات الدولية.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً: تتحمل وكالة الإستعلامات الأمريكية، التي تم إنشاؤها عام 1953، مسؤولية العلاقات العامة الدولية، وغيرها من المسؤوليات، من أجل تحقيق أهداف السياسة الأمريكية، عن طريق شرح وتفسير ونشر تلك السياسة، ومواجهة الدعاية المضادة الموجهة ضد سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم. ويقدم مدير الوكالة تقاريره عن سير العمل في الوكالة للرئيس الأمريكي مباشرة، من خلال مجلس الأمن القومي (د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 188. وGordon E. Miracle, Client’s International Advertising Policies and Procedures, International Communication, op. cit., pp. 366-374).
وفي بريطانيا تم في عام 1948 تأسيس المعهد البريطاني للعلاقات العامة، بهدف تجميع جهود ممارسي وظيفة العلاقات العامة في بريطانيا. ويصب إهتمامه على العلاقات العامة في أجهزة الدولة المركزية والمحلية، وفي القوات المسلحة البريطانية، والمؤسسات الإقتصادية والإستشارية. كما ويمارس ضباط الإعلام في البعثات الدبلوماسية البريطانية المعتمدة في دول العالم، وظيفة العلاقات العامة الدولية من خلال وظيفتهم الإعلامية الأساسية. وفي فرنسا تطورت العلاقات العامة كوظيفة هامة من وظائف المشروعات الإقتصادية والتجارية والصناعية، بعد إنشاء الجمعية الفرنسة للعلاقات العامة عام 1955، بهدف تطوير العلاقات العامة الفرنسية. بينما تزايد الإهتمام بالعلاقات العامة، في إيطاليا إثر إنشاء جمعية تطوير العلاقات العامة الإيطالية في روما عام 1954، ورافق ذلك تزايد إهتمام الشركات الإيطالية بوظيفة العلاقات العامة. وفي بلجيكا ظهر الإهتمام بالعلاقات العامة مع تأسيس جمعية العلاقات العامة عام 1953، لتطوير دور العلاقات العامة في بلجيكا.
أما في أوزبكستان، فقد بدأ الإهتمام الجدي بالعلاقات العامة الدولية بعد الإستقلال عام 1991، حيث تم في 8/11/1995 تأسيس وكالة أنباء "جهان" التابعة لوزارة الخارجية: - لتوزيع الأخبار الإيجابية عن سير الإصلاحات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية في أوزبكستان؛ - ووتطوير الصلات مع وكالات الأنباء والمراكز الإعلامية الدولية؛ - وتسريع عملية دخول الجمهورية للساحة الإعلامية الدولية؛ - وجمع  وتوزيع الأخبار داخل الجمهورية عن: - الأوضاع السياسية والحقوقية وغيرها في الدول الأجنبية؛ - واحتياجات السوق العالمية؛ - ونشاطات المنظمات الدولية؛ - وكبريات المؤسسات والشركات الأجنبية المهتمة بالتعاون مع جمهورية أوزبكستان. وفي 21/11 1996 تم إحداث المركز الإعلامي التابع لجهاز رئيس الجمهورية، لتعريف الرأي العام بالإصلاحات الديمقراطية الجارية في الجمهورية، والتجاوب مع التفاعلات الإجتماعية والسياسية المحلية والدولية، عبر شبكة الإنترنيت (وسائل الإعلام الجماهيرية في جمهورية أوزبكستان. وكالة أنباء "جهان"، طشقند 1997. ص 81-86). والمجلس الأوزبكي لجمعيات الصداقة والعلاقات الثقافية والتربوية مع الدول الأجنبية الذي تأسس في عام 1997 كهيئة تطوعية غير حكومية لتنسيق العلاقات مع الهيئات الأجنبية غير الحكومية من ضمن الدبلوماسية الشعبية.
ومع إنتشار مفهوم العلاقات العامة في العالم، سارعت مؤسسات التعليم العالي في مختلف دول العالم لافتتاح أقسام العلاقات العامة في معاهدها وكلياتها المتخصصة، وتدريس هذه المادة للدارسين فيها.
وتعد العلاقات العامة الدولية اليوم وظيفة من وظائف المنظمات الدولية، ويمارسها في منظمة الأمم المتحدة، مكتب الإعلام في نيويورك من خلال العلاقات الخارجية والصحافة والمطبوعات والخدمات العامة، التي يعرض من خلالها المشاكل التي تواجه منظمة الأمم المتحدة، وخلق فهم أفضل لأهداف المنظمة (د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 188). كما تمارس  مكاتب منظمة الأمم المتحدة في العالم، العلاقات العامة الدولية من خلال الإتصال بالمنظمات غير الحكومية في الدول المعتمدة فيها، في جميع المجالات الثقافية والفنية والعلمية والتعليم والصحة والعمل إلخ، وتوزع الأفلام والبرامج الإذاعية المسموعة والمرئية والمطبوعات، وتدلي بالتصريحات الصحفية في إطار مساعيها لحلق تفهم أفضل عن منظمة الأمم المتحدة.
ومما زاد من دور العلاقات العامة الدولية، دخول شبكات الكمبيوتر العالمية، عالم الإتصال والإعلام المعاصر، واهتمام الشركات متعددة الجنسية بالعلاقات العامة الدولية عبر شبكات الإتصال الدولية، واعتمادها عليها في العلاقات التجارية والمصرفية والنقل والتأمين، وتبادل المعلومات على الصعيد الدولي. وقد ساعدت العلاقات العامة وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية في الحصول على المعلومات والمواد الإعلامية، وزادت من إمكانية إنتشارها على الصعيد العالمي. ولعل منافذ وكالات الأنباء والصحف والمجلات والإذاعات المسموعة والمرئية، والمراكز الإعلامية الدولية عبر شبكة الإنترنيت، خير مثال على تحول العالم في المجال الإعلامي بالفعل إلى قرية كونية. ولم تستثنى العلاقات العامة الدولية، كوظيفة من وظائف السلك الدبلوماسي، حيث أصبحت من المهام الأساسية للبعثات الدبلوماسية المعتمدة في الخارج، بما تسمح به إمكانيات كل دولة من دول العالم.
الإعلان والتبادل الإعلامي الدولي

يعتمد الإعلان الدولي على أسس يسعى من خلالها إلى خلق المناخ الملائم لترويج السلع والبضائع والخدمات والأفكار. ومهمته الأولى الوصول إلى الأسواق الخارجية والجمهور الإعلامي الأجنبي. ولكن يجب التنبيه إلى أن أساليب الإعلان المحلي تختلف تماماً عن أساليب الإعلان الدولي، بسبب تباين خصائص مستقبل الرسالة الإعلانية في الخارج عنها في الداخل.
والإعلان الدولي يجب أن يراعي بدقة الخصائص المحلية لكل منطقة جغرافية وثقافية يتوجه إليها في العالم. بحيث لا يتعرض بالسوء لمشاعر ومقدسات أي شعب من شعوب العالم، سواء في النصوص أم في الصور الإعلانية. كما ويجب مراعاة المعاني التي ترمز إليها الألوان عند شعوب العالم المختلفة، فاللون الأبيض هو لون الحداد، واللون الأزرق هو رمز لقلة السعادة لدى الصينيين. واللون الأسود هو لون الحداد لدى شعوب الشرق الأوسط، واللون الأحمر هو رمزالسعادة لدى شعوب القارة الإفريقية والشرقين الأدنى والأوسط.
كما ويجب تجنب استخدام الرموز الدينية المقدسة لمختلف الأديان في الإعلان الدولي، كالهلال لدى المسلمين، والصليب المقدس لدى المسيحيين، ونجمة داوود السداسية لدى اليهود، والبقرة المقدسة لدى الهندوس، وغيرها من الرموز الدينية المقدسة لدى شعوب العالم، كي لا ينقلب الإعلان الدولي رأساً على عقب، ويأتي بنتائج عكسية غير الأهداف التي صدر من أجلها (د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 196. وليدل هارت: الإستراتيجية وتاريخها في العالم. ترجمة: الهيثم الأيوبي. دار الطليعة، بيروت 1967. ص 408-409. وأندريه بوفر: مدخل إلى الإستراتيجية العسكرية. ترجمة: الهيثم الأيوبي. دار الطليعة، بيروت 1968. ص 45-46).
ويجب التنويه أيضاً إلى ضرورة الإنتباه إلى الخصائص اللغوية عند ترجمة النصوص الإعلانية الدولية، من لغة إلى أخرى. وقدر الإمكان محاولة أن يتضمن النص المترجم، نفس المعاني التي يحملها النص الأصلي، حتى ولو تطلب الأمر إجراء بعض التعديلات على كلمات النص الأصلي، من أجل مراعات الخصائص الثقافية واللغوية لكل شعب من شعوب العالم. كما هي الحال مثلاً للناطقين بالإنجليزية التي تختلف عنها في أمريكا وأستراليا، والعامية السائدة في كل منطقة من مناطق انتشار اللغة الإنجليزية.
والإعلان الدولي ظهر في البداية على صفحات الصحف والمجلات المنتشرة دولياً، خدمة للمنتجين والتجار وأصحاب المهن الذين أرادوا من خلال إعلاناتهم في الصحف والمجلات إختصار الطريق إلى المستهلكين والأسواق التجارية في العالم. وتطور استخدام الإعلان الدولي فيما بعد ليشمل الإعلان على شاشات السينما، ومن خلال البرامج الإعلانية الإذاعية المسموعة والمرئية. وبالتدريج أصبحت المعارض والأسواق التجارية من أهم منابر الإعلان الدولي لأنها أفسحت المجال واسعاً ليس أمام الإعلان فقط، بل ووفرت الفرصة ليلتقي من خلالها المنتج والمستهلك وجهاً لوجه حول نماذج من السلع المنتجة أو الخدمات المعروضة أمام المستهلك. وهو الدور الذي تلعبه اليوم أيضاً شبكات الحاسب الآلي الدولية التي ألغت المسافة والزمن الذان يفصلان بين المعلن والمستهلك.
وشهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين، تطوراً ملحوظاً في مجال الإعلان الدولي وأساليبه، عندما أصبح يستخدم قنوات الإتصال الحديثة، وشبكات الحاسب الآلي العالمية، التي وفرت الفرصة الذهبية للمعلن والمستهلك لإجراء حوار بينهما عن بعد، وعقد الصفقات التجارية، وإبرام العقود ومتابعة تنفيذها خلال دقائق فقط، بعد أن كانت في السابق تتطلب فترة زمنية طويلة ومشقة وعناء. وهذا بدوره ساعد على تطوير أساليب وطرق الإعلان الدولي وزاد من فاعليته.
ولم يقف التطور الهائل لوسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية عند هذا الحد، بل ساعد على إنتشار الثقافات المختلفة، وتقريبها من بعضها البعض، من خلال الحوار الثقافي العالمي المفتوح عبر وسائل الإتصال والإعلام الدولية الحديثة. مما ساعد على خلق قيم إنسانية مشتركة بين مختلف الشعوب، رافقتها عادات إستهلاكية مشتركة، سهلت للإعلان الطريق للوصول إلى أهدافه المرجوة. وأدخلت أفكاراً قريبة يمكن ترجمتها بسهولة ويسر من لغة إلى لغة أخرى دون صعوبة تذكر (د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 198. و- B.E. Goetz, Management, Planning and control, Mc Grow-Hill Book Co., 1949. - J. Argenti, Corporate Planning, A practical Guide Edinburgh, G. Allen).
ومع ذلك فلم تزل الحاجة ماسة وملحة لمتابعة دراسة تأثير الإعلان الدولي، والتخطيط له من قبل الحكومات والمنظمات الدولية، بهدف حماية الثقافات الوطنية في الدول الأقل تطوراً والدول النامية والدول الفقيرة من إحتواء ثقافات الدول المتطورة والغنية لها، وبالتالي إندثارها إلى اللاعودة. كذلك بهدف حماية الأجيال الصاعدة من الإنحراف عن الخط القويم للمجتمع الذين ينتمون إليه، وحماية المستهلكين بصورة عامة من الإعلانات المنحرفة والمضللة، وتوخي الدقة عند اختيار وكالات الإعلان الدولية، وتسجيلها في المنظمات الحكومية الدولية، والزامها بمراعات الخصائص الثقافية المحلية للمناطق التي يتوجه إليها الإعلان الدولي.
ولابد من أن تتحمل الحكومات، والمنظمات الدولية، ووكالات الإعلان الدولي، المسؤولية الإنسانية بصورة مشتركة، أمام البشرية جمعاء، لأن المعلن لا يهمه سوى: - تصريف بضاعته أو خدماته؛ - والتأثير على منافسيه في السوق الإستهلاكية الدولية. ولهذا نعتقد أن للدراسة الدقيقة لمشاكل الإعلان الدولي فائدة للجميع، دون أن تقتصر الفائدة على المعلن ووكالة الإعلان فقط. خاصة في العصر الراهن، عصر العولمة، بعد أن أصبح للمستهلك دوراً يلعبه ويضغط من خلاله عبر وسائل الإتصال والإعلام الحديثة على المنتج، والمعلن، ووكالة الإعلان، وحتى على وسيلة الإتصال الناقلة لمضمون الإعلان الدولي. ويدخل ضمن هذا الإطار التخطيط السليم للإعلان وللإعلام والحملات الإعلامية الدولية.
التخطيط والحملات الإعلامية الدولية
أحدث التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل في مجال وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية، تغييرات جوهرية في العلاقات الدولية. أثرت بدورها على دور الدولة التي كانت تحتكر في السابق السياسة الدولية. وأضعفت من دورها، عندما تخلت الدولة عن بعض وظائفها لمؤسسات أخرى في المجتمع. ولم يعد هناك مجال للتحدث عن السيادة الإعلامية للدولة، أو التحكم شبه الكامل أو شبه المطلق بعملية التدفق الإعلامي إلى داخل وخارج الدول خلال العقود الإخيرة من القرن العشرين. وأصبح أشبه بالمستحيل السيطرة التامة على نوع وكمية المعلومات التي تتدفق إلى عقول الناس، بعد ظهور شبكة شبكات المعلومات العالمية "الإنترنيت" وغيرها من قنوات وتقنيات الإتصال والإعلام الحديثة.
وقد ساهمت شبكات الإتصال والإعلام الجماهيرية الحديثة إلى حد كبير في تخطي حاجزي الزمان والمكان. بعد أن أصبح عدد هائل من الأشخاص مرتبطين فيما بينهم، من خلال أجهزة الكمبيوتر الشخصية المرتبطة بشبكة إتصال عالمية عبر الأقمار الصناعية. مما زاد من تفاعل المجتمع الدولي، وأصبحت عملية التبادل الإعلامي الدولية أكثر يسراً وسهولة، مما زاد من أهمية تخطيط العمل الإعلامي، والتنسيق بين جهود مختلف الجهات على الساحتين المحلية والدولية.
ويعتبر تخطيط العمل الإعلامي من أساسيات التبادل الإعلامي الدولي، ويتم من خلاله تحديد الأهداف العامة للخطة الإعلامية التي يجب أن تراعي السياستين الداخلية والخارجية للدولة، وحشد الإمكانيات المادية والتقنية والبشرية وتصنيفها، وتحديد الوسائل والفترة الزمنية اللازمة لتنفيذها، مع المراعات الدقيقة للتكاليف الإقتصادية، والجدوى الإقتصادية والسياسية للخطة الإعلامية.
ولتخطيط العمل الإعلامي إطارين أساسيين، هما: - الإطار النظري للخطة الإعلامية، ويشمل: - الأهداف المحددة، والغايات الواضحة، والعناصر؛ - والأهداف المرنة، التي لا تحتوي على درجة كبيرة من التحديد ويمكن تطويرها وتكييفها مع الظروف أثناء التطبيق العملي.
وتشمل عملية التخطيط بشكل عام: - مشاكل إختيار الوسائل لتحقيق أهداف الخطة الإعلامية من بين البدائل المتعددة؛ - ومشاكل التدابير والإجراءآت اللازمة لتحقيق أهداف الخطة؛ - ومشاكل التطبيق والتنفيذ الفعلي، للوصول إلى أهداف الخطة المرسومة. كما هو موضح على الشكل التالي: - الأهداف؛ - الأهداف محددة؛ - الأهداف المرنة؛ - الوسائل؛ - مشكلات الخيارات والتدابير والتنفيذ (د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 193. ود. محمد محمود الإمام: التخطيط من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية. معهد الدراسات العربية العالية. جامعة الدول العربية، 1962. ص 21-22. وعمر الجويلي: العلاقات الدولية في عصر المعلومات. مجلة السياسة الدولية، العدد 123/يناير 1996. ص 83-101). وعند وضع أي خطة إعلامية لابد من تحديد إطارها العام من أرقام ومؤشرات، ليتم معالجتها مع المشاكل المحتملة عند التنفيذ الفعلي للخطة المرسومة. وبعد الإنتهاء من تحديد الإطار العام للخطة الإعلامية، تبدأ عملية تحديد الإطار التفصيلي للخطة الإعلامية، عن طريق دراسة تفاصيل الخطة، وتحويل الأهداف العامة، إلى أهداف تفصيلية، مع تحديد الوسائل إنطلاقاً من الإمكانيات المتاحة، والمدة الزمنية اللازمة للتنفيذ بدقة.
وكما هو متعارف عليه من الناحية الزمنية للخطة الإعلامية، فهناك خططاً: - سنوية؛ - وخططاً متوسطة الأمد، تتراوح عادة ما بين الأربع والسبع سنين، ولكنها في أكثر الحالات هي خطط خمسية، أي لمدة خمس سنوات؛ - وخطط طويلة الأمد، وهي الخطط التي تزيد عن السبع سنوات (د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 195. و- Habil Erhart Knauthe, Industrialization, Planning, financing in Developing Countries, Wdition Leipzig, German Democratic Republic, 1970. P. 27). وعادة ما تقسم الخطط متوسطة المدى، والخطط طويلة المدى إلى خطط سنوية متكاملة، للإستفادة من إمكانية التجربة، وإجراء الإصلاحات على الخطط للسنوات اللاحقة لزيادة فاعليتها. وفقاً لمعطيات تنفيذ خطط السنوات السابقة. والمتعارف عليه أيضاً في الخطط الإعلامية تقسيم الخطط السنوية إلى خطط ربع سنوية، يطلق عليها عادة في وسائل الإتصال والإعلام المسموعة والمرئية تسمية الدورة الإذاعية أو التلفزيونية، وهكذا. وهنا يجب على المخططون الإعلاميون أن يدركوا دائماً، أن تخطيط العمل الإعلامي الدولي، هو شكل من أشكال التخطيط السياسي، ويدخل في إطار العلاقات الدولية ولتحقيق أهداف السياستين الداخلية والخارجية للدولة، اللتان لا يجوز تخطيهما أبداً.
كما ويجب على المخططين الإعلاميين إدراك أن ضمان التنفيذ الناجح لأي خطة كانت مرتبط بمدى تحديد الأساليب الممكنة والملائمة لتحقيق الأهداف الموضوعة إنطلاقاً من الإمكانيات الفعلية والمتاحة. وأن الأهداف الواقعية والواضحة تسهل عملية التنفيذ وبالتالي الوصول للأهداف المرتقبة. ومن عوامل النجاح الأخرى، التقدير السليم للوسائل والإمكانيات والغايات، وبقدر ما تكون متناسقة، وتكون الغايات متوافقة مع الإمكانيات، بقدر ما يكون التنفيذ أكثر نجاحاً. ولا بد من دراسة صلاحية الأهداف، من وجهة نظر إحتمالات تحقيقها من خلال الإمكانيات المتاحة، وتقييم احتمالات تحقيق الهدف مع متغيرات الإمكانيات المتاحة، والذي يمكن من خلال دراسة: - الإحتياجات اللازمة؛ - ومقارنة الإحتياجات والإمكانيات المتاحة؛ - وتحديد الهدف؛ - وتحديد الإمكانيات المتاحة؛ - وتقييم صلاحية الهدف (د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 196. وليدل هارت: الإستراتيجية وتاريخها في العالم. ترجمة: الهيثم الأيوبي. دار الطليعة، بيروت 1967. ص 408-409. وأندريه بوفر: مدخل إلى الإستراتيجية العسكرية. ترجمة: الهيثم الأيوبي. دار الطليعة، بيروت 1968. ص 45-46).
وبعد الإنتهاء من دراسة صلاحية الأهداف، يتم الإنتقال إلى عملية إختيار الأساليب من خلال البدائل المتاحة، وبعد دراسة تلك البدائل من كافة الجوانب، يتم إختيار الأساليب الناجعة والملائمة من بين تلك البدائل، تمهيداً للإنتقال إلى المرحلة التالية، وهي وضع تفاصيل الخطة الإعلامية. والتي يجب أن تراعى فيها الخطوات التالية: - تحديد أهداف الخطة؛ - وتحديد مضمون الرسائل الإعلامية؛ - وتحديد مجالات التنفيذ؛ - وتحديد أساليب التنفيذ؛ - وتحديد مستقبل الرسالة الإعلامية؛ - وتحديد الإمكانيات المادية والبشرية؛ - وتحديد المدة الزمنية؛ - وتحديد المسؤول عن التنفيذ؛ - وتحديد المسؤول عن متابعة التنفيذ؛ - وضع نظام لمتابعة التنفيذ؛ - وضع نظام لتقييم الفاعلية (د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990. ص 198. وB.E. Goetz, Management, Planning and control, Mc Grow-Hill Book Co., 1949. - J. Argenti, Corporate Planning, A practical Guide Edinburgh, G. Allen).
وعلى المخططين الإعلاميين أن يأخذوا في إعتبارهم: - قوة وإمكانيات الإعلام المضاد، ومحاولة الإحتفاظ بزمام المبادرة قدر الإمكان؛ - وأن يبنوا خططهم على قدر كبير من المعلومات عن المستهدفين في الخطة الإعلامية الدولية؛ - والإستعانة بفريق عمل من المتخصصين في مجالات التخطيط، وخبراء في الإقتصاد والسياسة الخارجية، والعلاقات الدولية، والتبادل الإعلامي الدولي، ووسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية الدولية، والنظم السياسية، وتكنولوجيا وسائل الإتصال الدولية، وغيرها من التخصصات حسبما تقتضي الظروف؛ - توخي نتائج الخطط السابقة، والتجارب المحلية والإقليمية والعالمية في موضوع الخطة الإعلامية التي يعدونها؛ - الأخذ بآراء الممارسين للعمل الإعلامي الدولي فعلاً، لأنه في ملاحظاتهم الكثير مما يمكن أن يفيد في نجاح تنفيذ الخطة الإعلامية، ووصولها لأهدافها المرسومة.
الإطار التطبيقي للخطة الإعلامية: ويأتي تلبية للمبادئ والأهداف التي تضمنتها خطة العمل الإعلامي الدولي، ومن أهم مبادئه التنسيق بين الأجهزة والوسائل المختلفة، للوصول إلى أفضل تنفيذ للخطة الإعلامية، وأعلى درجة من الفاعلية. من خلال المعادلة التالية: { من يخاطب من ؟ } فالدبلوماسية الرسمية المعتمدة في الخارج، والدبلوماسية الشعبية (العلاقات العامة الدولية)، والزيارات الرسمية والشخصية والإطلاعية والسياحية، والمعارض والمهرجانات الثقافية والفنية والرياضية، واللقاءآت والمؤتمرات الدولية، ووسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية وغيرها، تعتبر من كلها من وسائل تنفيذ الخطة الإعلامية. من خلال مخاطبتها للقطاعات المستهدفة في الخطة الإعلامية الدولية، والتي يمكن أن تكون: - قيادات حاكمة؛ - وقيادات وأعضاء في البرلمان، والمعارضة البرلمانية؛ - وقيادات الأحزاب السياسية، سواء أكانت داخل السلطة أم في صفوف المعارضة؛ - وقيادات المنظمات الجماهيرية والمهنية والإجتماعية؛ - وقيادات إعلامية؛ - ورجال أعمال؛ - وأقليات أو تجمعات دينية، أو عرقية، أو ثقافية، أو قومية؛ - والجاليات المقيمة في الخارج؛ - وهيئات ثقافية، ودينية؛ - والمشاركين في المهرجانات الثقافية والفنية؛ - والمشاركين في اللقاءآت الرياضية؛ - والمشاركين في المؤتمرات واللقاءآت السياسية والإقتصادية والعلمية الدولية؛ - وزوار المعارض الإقتصادية والتجارية والصناعية والسياحية والإعلامية والفنية الدولية؛ - والجماهير العريضة من خلال وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية.
ومن خلال متابعة مراحل تنفيذ الخطة الإعلامية الدولية، من المفيد جداً دراسة المتغيرات على الساحة التي ينشطون فيها. وتشمل: - الوجود الإعلامي الصديق والمحايد والمضاد في تلك الساحة؛ - ومجال التأثير الإعلامي على الفئات والقطاعات المستهدفة، من خلال المفاهيم المتكونة مسبقاً لديها؛ - وتزويد الجهات المسؤولة بالمعلومات عن تنفيذ مراحل الخطة الإعلامية الدولية.
ومتابعة تلك المعلومات تباعاً، من أجل: - المساعدة على تحديد المجموعات والفئات والقطاعات التي يجب مخاطبتها أكثر من غيرها؛ - وتكييف القواعد التي يجب أن يلتزم بها كل المشاركين في تنفيذ الخطة الإعلامية الدولية؛ - وإعداد المواد الإعلامية الرئيسية من معلومات وأخبار وملفات إعلامية تفيد في إنجاح تنفيذ الخطة الإعلامية الدولية، وتساعد على الوصول لأقصى قدر ممكن من الفاعلية والتأثير.
طشقند في 22/7/2012                بروفيسور محمد البخاري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق