الأحد، 5 أغسطس، 2012

بدايات الإستعمار الإسنيطاني والصراع الأوروبي الأمريكي للسيطرة على ثروات المشرق العربي


بدايات الاستعمار الاستيطاني والصراع الأوروبي الأمريكي للسيطرة على ثروات المشرق العربي

 5

(صفحات من تاريخ المشرق العربي في سياسة المصالح الخارجية للدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى)


مشاريع استيطانية عديدة وضعت للولايات العربية في الدولة العثمانية، وخططت بريطانيا لتهجير الفائض من سكان الهند إلى العراق (كوتلوف ل.ن.: تكون حركة التحرر الوطني في المشرق العربي (منتصف القرن التاسع عشر – 1908). ترجمة: سعيد أحمد. دمشق: منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1981. ص 29).
ومع بداية القرن التاسع عشر بدأ الاستيطان الاستعماري الألماني في فلسطين، وقام حوالي 2500 مستوطن يهودي ألماني ببناء مستعمرات زراعية في فلسطين (بيز أبرازوف ب.: الاستعمار والدعاية الاستعمارية في فلسطين في السنوات الأخيرة. س ي ب ب و، 1908، المجلد XIX. ص 546؛ روبين أرتور: سورية وفلسطين المعاصرتين. ترجمة من اللغة الألمانية المحرر  المسؤول: أ.و. زايدينمان. بطرس بورغ، 1919. ص 76)، وكانت إيذاناً ببداية الاستعمار الصهيوني لفلسطين (كوتلوف ل.ن.: تكون حركة التحرر الوطني في المشرق العربي (منتصف القرن التاسع عشر – 1908). ترجمة: سعيد أحمد. دمشق: منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1981. ص 29؛ وBein Alex. The History of Jewish Agricultural Settlement in Palestine, Jerusalem, (b.g.). p. 6-26).
وأشار الخبير الزراعي الألماني بمشاكل الاستيطان الألماني في سورية بقوله: "أن المشكلة الأهم بالنسبة لتطوير سورية هي المشكلة الاستيطانية. إذ لا فائدة من أية مشاريع لتحسين الاقتصاد إذا لم يكن هناك أناس قادرون على تنفيذها. وفعل الألمان الكثير دون شك من أجل نهضة البلاد الثقافية والترويج للاستيطان ولهم في هذا المجال فضل كبير. فهم الذين بينوا كيفية الاستيطان، ولكن ليس في وسع الألمان تقديم الأموال اللازمة من أجل الاستيطان الواسع المطلوب في سورية. وإذا أسقطنا من الاعتبار هجرة الشراكس المتوقعة مستقبلاً بحجوم صغيرة فقط، يبقى أن نلفت الانتباه إلى الحركة الصهيونية، التي يمكن أن يكون لها أهمية كبرى بالنسبة لبلاد خالية" (أوغاغين هوبيرت: مقالات عن الطبيعة والزراعة  في سورية وفلسطين. ترجمت من الألمانية إلى الروسية تحت إشراف بروتكيسا يو.د.، بطرسبورغ، 1918. ص 93).
وحتى بداية الحرب العالمية الأولى انتقلت ملكية 14 ألف هكتار من الأراضي المروية، و8 آلاف هكتار من الأراضي البعلية للمستوطنين اليهود الألمان، إلى جانب مساحات أخرى من الأراضي الزراعية التي انتقلت ملكيتها للبعثات الدينية الأجنبية والمواطنين الأجانب. وأدى شراء الأراضي من قبل المنظمات الصهيونية والألمانية إلى تحول عدد كبير من الفلاحين العرب إلى عمال زراعيين، أو محاصصين للملاك الجدد (روبين أرتور: سورية وفلسطين المعاصرتين. ترجمة من اللغة الألمانية المحرر  المسؤول: أ.و. زايدينمان. بطرس بورغ، 1919. ص 76 - 82).
وفي عام 1881 وضعت الدولة العثمانية صناعة استخراج الملح تحت سيطرة إدارة الديون العثمانية، وكان ذلك إيذاناً بسيطرة رأس المال الأجنبي على صناعة استخراج الثروات الباطنية في أراضي الولايات العراقية والسورية وخاصة النفط. وفي عام 1889 قامت بعثة جيولوجية سويسرية بالتنقيب عن النفط في لواء اسكندرونة، وخلال الفترة من عام 1912 وحتى عام 1913 قامت بعثة جيولوجية من شركة "سيربان إيكسبلوريشين كومباني ليمتد، لندن" البريطانية بالتنقيب في جنوب ولاية الشام، إضافة لعزم الشركة الأمريكية "ستاندارد أويل كومباني" التنقيب عن البترول في فلسطين. ومع نهاية القرن التاسع عشر حصل رجال الأعمال البريطانيين والألمان على امتيازات التنقيب واستخراج الفوسفات في منطقة السلط جنوب ولاية الشام، وانضمت إليهم شركة إيطالية عام 1911. في الوقت الذي كانت فيه المنظمات الصهيونية تبدي اهتماماً كبيراً بثروات البحر الميت (أوغاغين هوبيرت: مقالات عن الطبيعة والزراعة  في سورية وفلسطين. ترجمت من الألمانية إلى الروسية تحت إشراف بروتكيسا يو.د.، بطرسبورغ، 1918. ص 26؛ روبين أرتور: سورية وفلسطين المعاصرتين. ترجمة من اللغة الألمانية المحرر  المسؤول: أ.و. زايدينمان. بطرس بورغ، 1919. ص 119-121؛ وHimadeh Sa’id B.: (Editor). Economic Organization of Palestine, Beirut, 1938. p.59).
وفي تموز/يوليو 1904 منح الباب العالي بنك "دوتشه بانك" الألماني حق اختيار القطاعات النفطية في ولايتي الموصل وبغداد تمهيداً لحصوله على الامتيازات المطلوبة للتنقيب والاستخراج. ولكن سرعان ما بدأت الصراعات على حق التنقيب واستخراج النفط في الولايات العراقية، فدخلت حلبة الصراع شركات "رويال دوتش – شل" البريطانية، و"اتحاد النفط العثماني"، و"مجموعة دي أر سي التي تحول اسمها منذ عام 1909 إلى شركة "أنغلو بيرشين أويل كومباني". واللواء في البحرية الأمريكية تشيستر ممثل غرفة تجارة نيويورك، و"شركة التنمية العثمانية الأمريكية" التي تأسست عام 1910، و"ج. وايت كوربوريشين".
وبعد منافسات شديدة تأسست شركة "توركش بتروليوم كومباني" التي تقاسمت أسهمها الاحتكارات البترولية العالمية بمشاركة من رؤوس الأموال البريطانية والألمانية. ومنحت وزارة المالية العثمانية لهذا التجمع النفطي الدولي امتيازاً للتنقيب واستثمار النفط في ولايتي الموصل وبغداد بتاريخ 28/6/1914، إلا أن اندلاع الحرب العالمية الأولى عطل استثمار الثروات النفطية العراقية مؤقتاً (بروكس، مايكل: النفط والسياسة الخارجية. موسكو: 1949. ص 103-104؛ وغراسيموف و.: النفط العراقي. موسكو: 1969. ص 9-13).
واقتصرت الاستثمارات الصناعية الأجنبية على تجهيز الخامات الزراعية للتصدير، وخدمة وصيانة وسائل المواصلات والآليات والمعدات الزراعية المستوردة من الدول المستثمرة، بهدف منع أية إمكانية لقيام صناعة وطنية تنافس المنتجات الصناعية الأجنبية. وفي الولايات العراقية على سبيل المثال كانت الشركات الأجنبية تسيطر تماماً على ورشات تنظيف وتجهيز الصوف للتصدير، وورشات الصيانة التابعة للخط الحديدي، ولشركات النقل البحري والنهري.
أما في الولايات السورية فقد كانت الشركات الألمانية تملك ورشات لصيانة مضخات المياه، والمطاحن في عدد من المدن، وفي يافا مصنعاً لتجهيز المطاحن. وفي بيروت قام أحد المستثمرين الفرنسيين بتأسيس ورشة آلية لمعالجة شرانق الحرير عام 1840، تبعته الشركات الفرنسية، بتأسيس عدد من المؤسسات الصناعية لإنتاج الخيوط الحريرية تمهيداً لتصديرها إلى مصانع النسيج  في ليون، بالإضافة لاهتمام رأس المال الفرنسي بصناعة استخراج الزيوت النباتية. كما اهتمت المنظمات الصهيونية بإنشاء مؤسسات لإنتاج الزيوت النباتية والطيارة وأدوات الزينة والخمور في بلاد الشام (برتسكيس ب. د.: المركز القومي اليهودي في فلسطين. دراسة اجتماعية سياسية. بطرس بورغ: 1919. ص 20؛ وروبين أرتور: سورية وفلسطين المعاصرتين. ترجمة من اللغة الألمانية المحرر  المسؤول: أ.و. زايدينمان. بطرس بورغ، 1919. ص 123-150).
وفي مجال الخدمات ركزت الامتيازات الفرنسية والبلجيكية والألمانية على توظيف الأموال في إنشاء خطوط حافلات نقل الركاب الكهربائية في دمشق وبيروت، وإنشاء شبكة للكهرباء في دمشق، وإنشاء شبكة لتوزيع المياه في بيروت. وحتى مطلع القرن العشرين بلغ حجم الاستثمارات الفرنسية وحدها في الولايات السورية أكثر من مائتي مليون فرنك فرنسي (روبين أرتور: سورية وفلسطين المعاصرتين. ترجمة من اللغة الألمانية المحرر  المسؤول: أ.و. زايدينمان. بطرس بورغ، 1919. ص 309-311؛ ولينين ف.إ.: نهاية الحرب التركية الإيطالية. ج22، ص 67).
وأخذت ديون الدولة العثمانية بالتعاظم مع زيادة عمليات النهب المركز والمستمر من قبل الاستثمارات الأجنبية للاقتصاد العثماني. ولم تجد الحكومة العثمانية أمامها سوى أن تصدر مرسوم عام 1881 أعطى إدارة الديون العثمانية المؤلفة من ممثلي كلاً من بريطانيا وفرنسا والنمسا والمجر وإيطاليا، حق فرض وجمع الضرائب في الولايات العربية من الدولة العثمانية وهو ما جعل لعمليات النهب الأجنبي غطاء رسمياً عبر موازنة الدولة، وعلى سبيل المثال: مر عن طريق صندوق إدارة الديون العثمانية خلال السنة المالية 1909 و1910 واردات بلغت 7.4 مليون ليرة عثمانية، من أصل 25.1 مليون ليرة عثمانية الواردة للخزينة العامة للدولة، وضع منها تحت تصرف الدولة 1.3 مليون ليرة فقط، وحول باقي المبلغ وهو 6.1 مليون ليرة عثمانية لحسابات الدائنين في الخارج. هذا إن لم نتحدث عن النفقات التي دفعتها خزانة الدولة لتامين جهاز الإدارة الكبير لصندوق إدارة الديون العثمانية والبالغ عددهم أكثر من 5000 موظف (كوتلوف ل.ن.: تكون حركة التحرر الوطني في المشرق العربي (منتصف القرن التاسع عشر – 1908). ترجمة: سعيد أحمد. دمشق: منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، 1981. ص 34 - 35؛ ونوفيتشيف أ.د.: دراسات عن الاقتصاد التركي قبل الحرب العالمية الأولى. موسكو/ليننغراد: 1937. ص 197-200).
إضافة لسحب الأرباح الضخمة التي كانت تجنيها الشركات الأجنبية نتيجة لفرض الأسعار الاحتكارية على المواد الأولية التي تصدرها تلك الشركات، أو البضائع الأجنبية التي كانت تستوردها تلك الشركات، أو أسعار الخدمات التي كانت تقدمها تلك الشركات (كريمسكي أ.: الإسلام ومستقبله. ماضي الإسلام، والأوضاع المعاصرة للشعوب الإسلامية، وإمكانياتهم الفكرية، وعلاقاتهم مع الحضارة الأوروبية. موسكو: 1899. ص 107؛ وأخبار وزارة الخارجية. العدد 4/1914، ص 54. وأخبار القيادة العسكرية في القوقاز. العدد 19/1907. ص 6؛ وشولتسيه إ.: الصراع حول النفط الفارسي وبلاد الرافدين. موسكو: 1924. ص 61؛ وجيلتياكوف أ.: الصحافة في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في تركيا (1729-1908). موسكو: 1972. ص 280؛ وLangley, Kathleen M. The Industrialization of Iraq, Cambridge, Massachusets, 1961. P. 26).

طشقند 3/8/2012                   بروفيسور محمد البخاري


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق