الأحد، 9 سبتمبر، 2012

بخارى تحت القصف



بخارى تحت القصف

بقلم: أ.د. محمد البخاري. متقاعد، أستاذ جامعي سابق.
مدينة بخارى أذهلت العالم ولم تزل بمساجدها ومدارسها القديمة والرائعة التي بني معظمها منذ باكورة الفتح الإسلامي للمنطقة. واجتاحتها قطعات الجيش الأحمر البلشفي بعد حصار دام ومدمر يوم 2/9/1920.
وفي كتابه "من سينزيان إلى خورسان. تاريخ الهجرة من وسط آسيا خلال الأعوام 1917 وحتى 1934"، استعرض المؤرخ الطاجيكي كمال الدين عبد اللاييف، آخر أيام مدينة بخارى قبل سقوطها تحت الإحتلال في أيدي البلاشفة الروس.
ومن المعروف أن المراكز الثقافية في منطقة وسط آسيا كلها كانت في بداية القرن العاشر الميلادي مرتبطة بالمدينة المقدسة بخارى (بخارى شريف). ولم تكن شهرة هذه المدينة نابعة فقط من أنها عاصمة لأكبر دولة إسلامية في المنطقة وحسب، بل لأنها كانت رمزاً للدين الإسلامي العظيم المقدس لدى لكل مسلمي وسط وجنوب آسيا. وعلى إمتداد ألف سنة كانت بخارى القلب المفتوح للثقافة العربية والفارسية الإسلامية. وكان في المدينة آنذاك نحو 400 مدرسة إسلامية، والكثير من المساجد والأضرحة لعلماء مسلمين كبار، ومن بينها ضريح قثم بن العباس ابن عم الرسول العربي محمد (ص). وكان من أشهر مساجدها مسجد لابي حاووظ ديوان بيغي، ومسجد بولوي حافظ علي، حيث كان يجتمع في أيام الجمعة آنذاك نحو 4 آلاف مصلي مسلم. وعمل في عاصمة إمارة بخارى الإسلامية آنذاك نحو 4 ألاف عالم كانوا يدرسون تعاليم الدين الإسلامي والعلوم الحية لنحو 34 ألف طالب للعلم.
سعيد عالم خان وثورة بخارى

الثورة الروسية عام 1917 غيرت مصائر ملايين البشر في الغرب والشرق، حتى أنها طالت إمارة بخارى الإسلامية وحاكمها سعيد عالم خان وهو الحاكم العاشر والأخير من أسرة المانغيت التركية، التي حكمت بخارى شريف من عام 1746 وحتى عام 1920. وكان من الطبيعي أن يتلقى عالم خان خبر القضاء على حكم القياصرة في روسيا عام 1917 كإشارة واضحة للبلاء القادم نحو بلاده من الشمال يحمله البلاشفة الروس.
ورغم المحاولات التي قام بها الأمير سعيد عالم خان لتغيير الأوضاع لصالح حكمه، ومحاولاته إستخدام المصالح البريطانية المفروضة على الشرق آنذاك. لأنه كان من الواضح آنذاك أن البريطانيين يستطيعون فرض حل وسط على روسيا السوفييتية كبديل لوقف امتداد السلطة السوفييتية نحو الشرق.
وكانت الهم الرئيسي للأمير سعيد عالم خان آنذاك تجنب إثارة روسيا السوفييتية البلشفية في تلك الأوقات الصعبة، لكسب الوقت بانتظار نتائج الإتصالات الجارية بين موسكو ولندن والمتجهة نحو التوصل لحل وسط في المنطقة. ولهذا حاول الأمير الحد من الصراع، ووافق على طلبات سلطات روسيا السوفييتية البلشفية المحتلة في طشقند، وأرسل سفارة مفوضة فوق العادة لموسكو في تموز/يوليه، وقام بسحب طلبه بوقف دعمهم لحركة البخارية الشباب. (البخارية الشباب، حركة بورجوازية ديمقراطية قومية أسست على أراضي إمارة بخارى في بداية القرن العشرين).
وأدركت موسكو أنها على أبواب محادثات مع البريطانيين، ولا بد لها من كسب أوراق رابحة للمساومة عليها خلال المحادثات. وكانت إمارة بخارى الإسلامية على ما يبدوا غنيمة سائغة وسهلة، وإحتلالها يقوي من موقفهم الإستراتيجي في المنطقة حيال لندن قبل البدء بالمحادثات الشاملة.
وبعد فشل محاولات البلاشفة المتعاونين والمساندين لقطعات البخارية الشباب العسكرية للقضاء على حكومة أمير بخارى الإسلامية، سادت فترة من الهدوء بين بخارى وطشقند، وقام الجانبان خلالها بالإستعداد للمعركة الفاصلة. وفي الوقت الذي إنهمكت فيه حكومة إمارة بخارى الإسلامية بتعزيز قواتها المسلحة من كل الجوانب. قام رجال الدين الموالين للأمير بدعوة المسلمين للمشاركة في الغزوات (الجهاد). وفي شباط/فبراير عام 1920 قامت حكومة الأمير بإعلان حملة تعبئة عامة.
ووجد في ذلك الوقت ضباط سابقين من الجيش القيصري الروسي ومن المشاركين في "الحركة البيضاء" الروسية ملاذأ لهم عند أمير بخارى.
في الوقت الذي كانت فيه حكومة جمهورية تركستان السوفييتية البلشفية الخاضعة للإحتلال الروسي تحاول بشتى الطرق توحيد كل القوى المعادية للأمير، وهو ما استطاعت تحقيقه بالفعل. قوي جناح البخارية الشباب التابعين للبلاشفة برئاسة أبرز قادتهم فايز الله حجاييف إلى حد كبير حتى عام 1920. وفي آب/أغسطس من نفس العام انحازت العديد من مدن إمارة بخارى لصالح القيام بهجوم مسلح على إمارة بخارى والقيام بثورة مسلحة تلبية لدعوة حكومة تركستان السوفييتة البلشفية وبمؤازرتها، وهو السبب الشكلي الذي اعتمد عليه  الجيش البلشفي الأحمر لبدء عملياته العسكرية ضد إمارة بخارى.
وسرعان ما وصل القائد العسكري البلشفي الروسي ميخائيل فرونزة، إلى مقر قيادته في سمرقند بتاريخ 28/8/1920، لتنفيذ المهمة التي أسندها إليه لينين، وتروتسكي، لنشر السلطة السوفييتية البلشفية في إمارة بخارى المسلمة. ومن مقر قيادته في سمرقند قام بقيادة عمليات الجيش الأحمر البلشفي الروسي ضد إمارة بخارى المسلمة. وفي صباح الأحد 29/8/1920 بدأ الجيش الأحمر بقصف مدفعي مركز على مدينة بخارى من كاغان (منطقة سكنها الروس بالقرب من بخارى).
وعن تلك الفترة العصيبة من تاريخ بخارى كتب الملا محمد علي بلجواني الذي كان أحد شهود العيان للأحداث في عام 1920 كتاباً بعنوان "تاريخي نوفيعي" ضمنه ذكرياته وذكر فيه أن "القوى لم تكن متساوية. ففي الجانب الأول بنادق ومدافع قديمة، وفي الجانب الآخر قصف قامت به طائرات، ومدافع طويلة المدى، وقطارات مصفحة. وحلقت فوق المدينة إحدى عشرة طائرة، بثت الذعر والهلع في المدينة ودمرت الكثير من الآثار المعمارية. وكان الأمير في قصره سيتوراي موخي خوسا خارج المدينة، ومن هناك حاول تنظيم المقاومة والدفاع عن المدينة. وفي اليوم التالي حاصر الجنود البلاشفة الروس مدينة بخارى المشتعلة بالحرائق".
وذكر عبد الرؤوف فطرت في كتابه (جديدي، الخصم العنيد للأمير) لاحقاً أن الدفاع عن المدينة كان في أيدي عسكريين سيئي التنظيم. ولم يخرج الكثير من القادة العسكريين لساحة القتال رغم أنهم فضلوا البقاء إلى جانب الأمير، ولكنهم كانوا يعدون سراً العدة للهرب من الإمارة.
وفي اليوم التالي تجددت المعارك بقوة. واشتعلت الحرائق في الأسواق التجارية، وقتل تحت حطام المباني الكثير من البشر. وقدر بلجواني عدد القتلى من سكان المدينة في ذلك اليوم بنحو ألفي نسمة من السكان الآمنين والمدافعين عن المدينة. في الوقت الذي أعلن فيه سكولنيكوف مندوب اللجنة الحربية التركستانية البلشفية الروسية، أن خسائر الجيش الأحمر الروسي بلغت 600 قتيل وجريح خلال ثلاثة أيام من إجتياح مدينة بخارى.
روزي فيروق

وبقي يوم 1/9/1920 في ذاكرة سكان بخارى كـ"روزي فيروق" (يوم الوداع). لأنه في ذلك اليوم بدأت هجرة سكان بخارى هرباً من الإحتلال البلشفي الروسي. ومعارك ذلك اليوم درات بمركز مدينة بخارى. وكانت آخرها المحاولة الأخيرة التي قام بها بعض جنود بخارى بقيادة عبد الستار بيك توبشيبوشي لمقاومة الإحتلال بالقرب من مسجد لابي حاووظ رغم أنها لم تحقق أية نتائج عملية.
وكان والدي عبد الستار آنذاك أحد المشاركين في تلك المعركة قبل مغادرته للمدينة مع بعض جنوده بعد عدة أيام من سقوطها، وشهد الأعمال البربرية التي قام بها البلاشفة بحق علماء المدينة وسكانها الآمنين، وهاجر منها ليستقر بمدينة دمشق (شام شريف) التي توفي ودفن فيها مع مرافقه العسكري إسكندر في ستينات القرن الماضي. ولم أزل أذكر أحاديثه عن تلك المعركة وقوله أن الكثير من الضباط والجنود الروس كانوا يسكنون في الحي المجاور للمسجد، وهو الحي الوحيد الذي لم يطاله القصف الجوي والمدفعي البلشفي الروسي الذي استهدف المدينة طيلة عدة أيام، وأن الجنود الروس في الحي كانوا متنكرين بهيئة مهندسين وعمال قاموا بمد السكك الحديدية العابرة لآراضي إمارة بخارى آنذاك، وخرجوا في ذلك اليوم بملابسهم العسكرية وبكامل أسلحتهم وعتادهم العسكري لاحتلال المدينة من الداخل وجرت المعركة الفاصلة معهم بالقرب من المسجد ولكن دون جدوى.
وذكر أحد شهود العيان أن أمير بخارى عالم خان لدى سماعه لتقرير سقوط المدينة تنفس بعمق وقال: "هذا قدرنا. لا نستطيع فعل شيء، علينا الرحيل". واستقل مع عدد من المقربين منه ستة أو سبعة سيارات مكشوفة وغادروا المدينة.
وذكر بلجواني، أن "آلاف السكان (في ذلك اليوم) لم يتملكوا أنفسهم وبدأوا بالنواح والبكاء. وبدأت البنات والأمهات، والأبناء والآباء، دون خجل من بعضهم البعض بالصراخ: واه شريعتاه، واه دين الإسلام. وكانت الأحداث بمثابة صدمة عنيفة لهم. لأن سقوط المدينة، وخروج الأمير منها، إعتبره الكثير من السكان بمثابة ضربة موجهة ضد الدين الإسلامي.
وفي ذلك اليوم غادر آلاف الفرسان والمشاة من العسكريين والمدنيين المدينة أيضاً محتذين حذو حاكمهم. وبقي في المدينة القليل من جنود جيش بخارى سيئي التسليح والتدريب، ورغم مقاومتهم الباسلة والخسائر الكبيرة التي تحملوها لم يستطيعوا مقاومة الجيش الأحمر الروسي البلشفي المتفوق في العدة والسلاح والتدريب.
وأدى إجتياج الجيش الأحمر الروسي البلشفي للمدينة لإشعال حريق ضخم استمر لعدة أيام استمرت حتى يوم 6/9/1920. وأكد شهود عيان أنه نتيجة لهجمات الجيش الأحمر الروسي البلشفي على بخارى احترقت ودمرت ألف دكان (محل تجاري صغير)، و20 قصر، و29 مسجد، وثلاثة آلاف منزل سكني. وبالإضافة لمقر إقامة الأمير في أركا، احترق نحو 300 مبنى. حتى أن بلجواني، ذكر في كتابه أن "تاريخ بخارى لم يشهد أبداً مثل ما شهدته في تلك الأيام".
وحتى وثائق حزب البلاشفة تحدثت عن سعة الخراب والتدمير الذي أصاب مدينة بخارى أثناء الإجتياح البلشفي وأشارت إلى أن "بخارى عملياً وقعت تحت الإحتلال. سبقه إطلاق ملايين الأعيرة النارية، وآلاف طلقات المدفعية، المحشو أكثرها بمواد كيماوية، على المدينة. وعلى أثرها دمرت بخارى. ودمرت الآثار التاريخية. وألحقت أضرار كبيرة بالمساجد، وبعضها مما بقي سليماً تم تحويله بالكامل إلى معسكرات للجيش الأحمر البلشفي واصطبلات لخيولهم. ومع الحرائق بدأت السرقات، مما ترك أثر كبير على الجماهير الشعبية، ولكن الإدارة الجديدة للمدينة، لجنة بخارى البلشفية، وأعضائها دون تردد ذكروا في تقريرهم أن "البلاشفة ينهبون" بخارى.
وذكر شهود عيان من سكان بخارى والعديد من المشاركين في تلك الأحداث من الجيش الروسي الأحمر البلشفي أن كميات كبيرة من الذهب، والأشياء القيمة، والحلي، والقيم التاريخية، وحتى أدوات الطعام، والملابس نقلت من بخارى إلى طشقند، ومنها إلى بتروغراد.
في الوقت الذي أرسل فيه القائد العسكري البلشفي فرونزة برقية إلى لينين يخبره فيها عن الإنتصار الذي حققه في بخارى، وذكر فيها "تم اليوم إجتياح قلعة بخارى القديمة بجهود مشتركة من البخارية الحمر وقطعاتنا العسكرية. ووقع الموقع الأخير لشبح بخارى المخيف والشيطان الأسود. وترتفع الآن على ريغستان راية النصر الحمراء للثورة العالمية".
آخر أمراء بخارى

بعد مغادرة عالم خان لمدينة بخارى استقر خلال الفترة الممتدة من أيلول/سبتمبر وحتى شباط/فبرابر عام 1921 على أراضي شرق إمارة بخارى (جمهورية طاجكستان اليوم)، محاولاً تنظيم الضربة المعاكسة لمواجهة البلاشفة السوفييت. واستطاع الأمير سعيد عالم خان تجميع قوة عسكرية لا بأس بها من مناطق قولياب، وغيسار، ودوشنبة. وفي أواسط تشرين ثاني/نوفمبر عام 1920 تحركت قواته نحو الغرب واستردت بايسون، وديربيند، وشيرآباد. وحتى نهاية عام 1920 وبداية عام 1921 وصل تعداد قوات عالم خان العسكرية لنحو 10 آلاف رجل. وانضمت إليها قطعات إبراهيم بيك، المتمركزة بمنطقة لوكايا.
واستغل البلاشفة الروس الإتفاقية التي عقدت بين جمهورية بخارى تحت الإحتلال وجمهورية روسيا السوفييتية الفيدرالية الإشتراكية وقاموا بتنظيم حملة عسكرية قوامها من الفرسان ضد عالم خان حيث دمرت قواته وأجبرته على الفرار إلى أفغانستان.
وفي البداية توقف عالم خان بمنطقة خان آباد، وفي أيار/مايو عام 1921 وصل إلى كابول.
ونظراً لإرتباط ملك أفغانستان بمعاهدة مع جمهورية روسيا السوفييتية الفيدرالية الإشتراكية، فقد اضطر لمنح صفة أسير شرف لعالم خان وخصص له أموالاً سنوية لمصاريفه. وبقي ثلاثة من أبنائه على الأراضي الخاضعة للبلاشفة السوفييت، حيث قتل إثنين منهم: سلطان مراد، ورحيم، وتخلى ثالثهم شاه مراد علناً عن أبوه. وتوفي عالم خان في كابول.
المرجع:
-  كمال الدين عبد اللاييف، كيف استولى الجيش الأحمر على مدينة بخارى المقدسة في عام 1920. مركز آسيا 3/9/2012 نقلاً عن Asia-Plus 2/9/2012.

هناك تعليقان (2):