الخميس، 5 سبتمبر، 2013

علي شير نوائي

علي شير نوائي


الشاعر والمفكر البارز، ورجل الدولة علي شير نوائي (1441-1501م)، اسمه الكامل: نظام الدين مير علي شير. كتب أشعاره بالاسم المستعار نوائي باللغة الشغتائية-اللغة الأوزبكية القديمة، واللغة الفارسية. ويعتبر من أكبر شخصيات الأدب الأوزبكي الذي يطلق عليه في الغرب الأدب الشغتائي. وبحق لا توجد شخصية مماثلة له في أداب الشعوب التركية.
سيرة حياته
في طفولته صادق حسين بايقره (1469-1506م) الذي حكم خراسان وماوراء النهر فيما بعد. وأشار معاصره المؤرخ خاندامير (1473 أو 1476-1534م) إلى أنه بدأ بكتابة الشعر وهو في سن العاشرة من عمره. وذكر الشاعر الأوزبكي المعروف لطفي (1369-1465م) أنه التقى أثناء حياته مع نوائي وهو طفلاً وأعطى مواهبه الشعرية تقييماً عالياً.
وتجول نوائي خلال حياته في مختلف دول الشرق الإسلامي، والتقى بالشخصيات الشهيرة في عصره، وطور مهاراته الشعرية. وخلال عامي 1464 و1465م أعد المعجبون بأشعار نوائي أول مجموعة شعرية له (ديوان)، وهو ما يثبت أنه كان شاعراً مشهوراً منذ ذلك الوقت. وفي عام 1469م نتيجة للحروب الداخلية التي دارت بين التيموريين اضطر نوائي للإبتعاد عن موطنه مدينة هيرات.
وفي عام 1469م احتل التيموري حسين بايقره مدينة هيرات وأصبح حاكماً لخراسان. لتبدأ مرحلة جديدة في حياة نوائي، ساهم خلالها بنشاط في الحياة السياسية لخراسان. وفي نفس العام عينه حاكم خراسان بمنصب حامل أختام الدولة (مهردار)، وفي عام 1472م عينه وزيراً. ومن خلال منصبه قدم نوائي مساعدات كبيرة لرجال الثقافة والأدب ومثقفي البلاد. وغدى مالكاً لممتلكات واسعة.
وخلال ثمانينات القرن الخامس عشر شيد نوائي على نفقته الخاصة العديد من المدارس في هيرات ومناطق البلاد الأخرى، بالإضافة لـ40 رباط (أماكن لتوقف المسافرين)، و17 مسجداً، و10 ملاجئ لإقامة الصوفيين (خانقة)، و9 حمامات، و9 جسور. وبالإضافة لذلك قام بأعمال كثيرة لصالح الشعب. والنشاطات الإيجابية هذه التي قام بها نوائي لصاح الشعب لم ترضي المحيطين بالحاكم في القصر، وسعوا لإفساد العلاقة القائمة بينه وبين حسين بايقره.
ونتيجة لذلك قام حسين بايقره بإعفاء نوائي من مناصبه وأرسله كحاكم إلى أسترآباد في عام 1487م، وبقي فيها لمدة عامين وبعدها سمح حسين بايقره له بالعودة إلى هيرات، وعرض عليه منصب حكومي، إلا أن نوائي رفض ذلك. وبغض النظر عن رفضه منحه حسين بايقره منصب المقرب من حضرة السلطان (مقربي حظرتي سلطاني)، ومن خلال هذا المنصب تمتع نوائي بحق المشاركة في جميع أعمال الدولة.
ومنذ ذلك الوقت بدأت مرحلة جديدة في حياة الشاعر نوائي، واهتم بالأعمال الإبداعية أكثر، وقام خلال تلك المرحلة بكتابة أهم مؤلفاته. وعاش وأبدع خلال سنوات عمره الأخيرة في ظل حكم التيموريين (1370-1506م). ولهذا امتازت مؤلفاته بالروح الإجتماعية، وتشبعت بالمشاكل التي واجهها عصره. وخلال السنوات الممتدة من عام 1490م وحتى عام 1501م كتب نوائي مؤلفاته العاطفية والإجتماعية والفلسفية والعلمية.
ووصل حجم مؤلفات علي شير نوائي إلى حد ضخم، وبلغت حجم ستة من مؤلفاته الشعرية نحو 60 ألف سطر شعري (ميسره). وخلال السنوات الممتدة من عام 1483م وحتى عام 1485م كتب مؤلفه الشهير "خمسة"، الذي ضم القصائد الشعرية: "خيرة الأبرار"، و"فرهاد وشيرين"، و"ليلى ومجنون"، و"سبعي سياري"، و"سدي إسكندري". وضع من خلالها أسساً لتقاليد كتابة الخماسيات الشعرية.

مجنون ليلى
وتعتبر "خمسة" التي كتبها نوائي باللغة التركية أول عمل بهذا الأسلوب الشعري. وأثبت أنه يمكن تأليف أعمال بهذا الحجم باللغة التركية. وفي الواقع كان نوائي يسعى لإثبات أنه من الممكن كتابة مؤلفات باللغة الشغتائية (اللغة الأوزبكية القديمة)، تتساوى من حيث القيمة مع مؤلفات الأدب الفارسي والطاجيكي، وهو ما أثبته فعلاً من خلال مؤلفه "خمسة".
وجرب نوائي مقدراته في جميع الفنون الأدبية الشائعة آنذاك في العالم الإسلامي، وأثبت أن له صوته وأسلوبه الخاص. وتجدر الإشارة إلى أنه كتب في الأدب الشرقي أكثر من 120 قصيدة شعرية تناولت موضوع "ليلى ومجنون" (وهي القصة التي تسرد مأساة قيس بن الملوح العامري الملقب بمجنون ليلى (24هـ 645م-68هـ 688م) وهو شاعر الغزل العربي من أهل نجد، عاش خلال فترة خلافة مروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان في القرن الأول الهجري ببادية العرب. ولم يكن مجنوناً وإنما لقب بذلك لهيامه في حب ليلى العامرية التي نشأ معها وعشقها، ورفض أهلها تزويجها له، فهام على وجهه ينشد الأشعار ويتغنى بحبه العذري، ويتنقل بين الشام ونجد والحجاز إلى أن مات في العراء وحيداً).
وألف نوائي قصيدة تناولت هذا الموضوع ووصف فيها الحب العذري بين ليلى والمجنون بأسلوبه الخاص. وسعى نوائي من خلالها إلى وصف تلك المشاعر الإنسانية إلشبيهة بوصف حب المتصوفين. وأظهر نوائي وجهات نظره الصوفية أيضاً في قصائده الشعرية "فرهاد وشيرين"، و"خيرة الأبرار"، وطور مواضيعه الصوفية في قصائده الشعرية إلى المستوى الفلسفي الشامل.
وفي نفس الوقت تناول نوائي في قصائده القضايا الإنسانية الصعبة من وجهة نظر إنسانية. وذكر  أ. قيوموف في دراسته "سدي إسكندري" التي صدرت في طشقند عام 1980م أن نوائي في قصيدتيه "سبعي سياري"، و"سدي إسكندري" في مؤلفه "خمسة" أفرد المكانة الأولى للقضايا المرتبطة بالحكام. وكما هو معروف كان نوائي قريباً من بلاط التيموريين وحاول التأثير على الحاكم صديقه حسين بايقره. ولهذا عبر نوائي في قصيدتيه آنفتي الذكر عن أفكار وجهها إلى حسين بايقره وتضمنت: أن السلام لا يدوم، وأن كرسي الحكم السلطاني لا يدوم ؛ وأن على الحاكم واجبات حيال شعبه... وتميز أسلوب نوائي من ضمن تقاليد كتابة الخماسيات الشعرية في قصيدته "خمسة" بطبيعة إجتماعية وسياسية وبالفرادة. وأعطاها عبد الرحمن جامعي (1414-1492م) بعد قرائته لـ"خمسة" تقييماً عالياً.
ومن حيث الأهمية الإجتماعية والأدبية لـ"خمسة" تمتع نوائي بمكانة عالية في آسيا الوسطى، ونسخ الكثيرون "خمسة"، وفي الوقت الراهن هناك في أوزبكستان نسخ كثيرة من "خمسة" أو بعض قصائدها. ويحتفظ معهد أبو ريحان بيروني للإستشراق التابع لأكاديمية العلوم بجمهورية أوزبكستان اليوم في خزائن مخطوطاته بـ 166 مخطوطة نسخت خلال القرون الـ15 والـ20، تضمنت كل قصائد "خمسة" أو بعض قصائدها، منها 84 مخطوطة تضمنت كل قصائد "خمسة". ويثبت سعة انتشار وكثرة نسخ "خمسة" أنها حظيت بمكانة خاصة في الحياة الفكرية بآسيا الوسطى.
وكتب نوائي خلال حياته عدداً كبيراً من الأشعار الغنائية. وفي عام 1498م أنهى العمل في مجموعته الشعرية التي ضمت كل أشعاره، وأنجز العمل في أربع دواوين جمعت أشعاره تحت اسم "خزائن المعاني". وبلغ مجموع أسطر المجموعة الشعرية 50 ألف سطر. واستخدم نوائي لكتابة أشعاره 16 إسلوباً من الأساليب الشعرية الـ 21 المعروفة في الأساليب الأدبية في الشرق الإسلامي.
وجمع نوائي أشعاره التي كتبها باللغة الفارسية في مجموعات أطلق عليها اسم "ديواني فاني"، رغبة منه بالتساوي مع الشعراء الفارسيين. ومن قراءة مجموعة الأشعار التي كتبها بأسلوب الغزل في "ديواني فاني" والتي يصل عددها إلى 3150 قطعة شعرية، يمكن التأكيد على أن نوائي كان يتمتع بمكانة هامة ولو من حيث عدد أبياته الشعرية. وبالإضافة لذلك جمع قصائده الشعرية التي كتبها باللغة الفارسية في ديوانين شعريين أطلق عليهما أسماء: "ستة ضرورية" و"فصولي أربعة".
وأسهم علي شير نوائي بأشعاره في رفع مستوى الأدب الأوزبكي (الشغتائي) إلى مستوى أعلى. وتضمنت أشعاره العاطفية جملة من المواضيع وأساليب متنوعة تتفوق كثيراً على الأدب الأوزبكي الذي كتب قبله. وفي أشعاره العاطفية مثل قصائده كان يعبر عن أهمية المسائل الصوفية في الحياة والإيمان. وأول أشعار دينية نشرت له كانت: "رباعي" و"مناجات".
وكانت "نسائم المحبة" أول نص كامل ينشر لشعره الصوفي، وتضمن معلومات عن 750 شيخاً صوفياً. كما كتب نوائي مؤلفات علمية باللغتين الفارسية والتركية، ومن بينها: "محاكمة اللغتين" (1499م)؛ وفي نظرية الأدب "مجالس النفائس"، وفي نظرية العروض "ميزان الوزن"، وفي نظرية أسلوب معمة الـ"مفردات".
وبالإضافة لذلك كتب نوائي مؤلفات تناولت مواضيع تاريخية منها "تاريخ ملوك العجم"، و"تاريخ الأنبياء والحكماء". جمعها في رسالته الأدبية ديوان "منشآت". وفي أسلوب المذكرات كتب: وصف عن حياة عبد الرحمن جامعي "خمسة المتخيرين" (1494م)، و"حالة سعيد حسن أرداشير"، و"حالة بهلوان محمود". وكان مؤلفه "محبوب القلوب" (1500م) آخر عمل كتبه نوائي، وعرض فيه آخر أرائه الإجتماعية والسياسية.

المقبرة التي دفن فيها في هيرات
وكما نرى، أن تراث نوائي كان متنوعاً من حيث المواضيع والأساليب. ومؤلفاته خدمت منذ القرن الـ15 الميلادي وحتى اليوم تطوير الأدب الأوزبكي. وتعتبر مؤلفاته مادة للدراسة ومصدراً للإلهام عبر القرون.
بحث كتبه: أ.د. محمد البخاري
يوم الخميس 5/9/2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق