الجمعة، 13 سبتمبر، 2013

الأديب يوسف خاص حاجب البالاساغوني

الأديب يوسف خاص حاجب البالاساغوني
يوسف خاص حاجب البالاساغوني أديب من وسط آسيا، ولد عام 1015 أو 1018م، وعاش خلال القرن الـ11 في الدولة الفره خانية. وحصل في بداية حياته على تعليم جيد تذوق من خلاله الروح البشرية وعبر عنها في كتاباته. وهو فيلسوف، وعالم موسوعي، وشاعر بارز، نظم الشعر  وامتلك كل خفايا الشعر والتراث الشعبي التركي.
سيرة حياته


ولد يوسف خاص حاجب البالاساغوني بمدينة بالاساغون عاصمة الدولة القره خانية. وأتم قصيدته "كوتادغو بيليغ" ("معرفة النعمة" أو "علم السعادة") في سن الـ 50، وأهداها لحاكم قشقار، الذي منحه لقب "خاص حاجب" أي وزير في الديوان الملكي.
ووصلت قصيدة يوسف خاص حاجب "كوتادغو بيليغ" إلينا من خلال ثلاثة مخطوطات، وهي:
1 . مخطوطة فيينا، التي صنفت وفق موقع تواجدها، أو مخطوطة هيرات وفق المكان الذي نسخت فيه. اكتشفت المخطوطة واقتنيت من مكتبة العالم النمساوي يوسف فون هامر-بورغشاليم في اسطنبول عام 1796م وسلمت للمكتبة الملكية في فيينا. والمخطوطة مكتوبة بالحروف اليوغورية وتنقصها جملة من البيوت الشعرية.
2 . ومخطوطة القاهرة. المكتوبة بالخط العربي، التي اكتشفها العالم الألماني ب.موريتس عام 1896م في مكتبة الخديوي بالقاهرة والذي كان حينها مديراً لها. والنسخة ناقصة، وتفتقر للعديد من الأبيات الشعرية.
3 . ومخطوطة نمنغان. وهي أكثر إكتمالاً من المخطوطات المعروفة. ومكتوبة بالخط العربي، واكتشفتها العالم الأوزبكي أ.ز.وليدوف، عام 1913م بمدينة نمنغان. ويحتفظ بها معهد أبو ريحان البيروني للدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم في جمهورية أوزبكستان.
وهناك العديد من الترجمات والطبعات الأخرى لقصيدة "كوتادغو بيليغ"، ولا سيما باللغات التركية والأويغور والألمانية والأذربيجانية وغيرها من اللغات. وباللغة الأوزبكية الحديثة التي ترجمها ك.كريموف، عام 1971م.
وتحتوي قصيدة "كوتادغو بيليغ" على 6520 بيتاً شعرياً، قسمت إلى 85 فصلاً؛ وبالإضافة لذلك، للقصيدة ثلاثة ملاحق تحتوي على 124 بيتاً شعرياً، قسمت إلى ثلاثة فصول. وكتب الجزء الرئيسي منها على شكل مقاطع مثنى عروضي بقياس "المثنى المتقارب"، وكتب الملحق الأول بالمتقارب بالكامل.

ومن حيث التوجه الأخلاقي لقصيدة يوسف خاص حاجب البالاساغوني "كوتادغو بيليغ"، نرى أنها عمل فلسفي، تناول المؤلف فيها معنى وقيمة الحياة البشرية، التي حددت مسؤوليات ومعايير السلوك في المجتمع. واحتوت النقاط الهامة في القصيدة على ما يكفي من الانتقادات الداعية لتغيير المجتمع نحو الأفضل.
والفكرة الرئيسية في قصيدة "كوتادغو بيليغ" تدعو لأربعة مسلمات أعرب الكاتب عنها بواسطة أبطالها، وهي:
1 . إبداع القانون الصحيح، الذي يعتبر كيونتوغدي (ومعناها المترجم "أشرقت الشمس").
2 . السعادة، وجسدها بصورة الوزير العادل (ترجمتها "القمر الكامل").
3 . العقل، ويجسده ابن الوزير أوغديولميش (وترجمتها "فضل العقل").
4 . المستقبل، أي الحياة بعد القبر. وجسد هذا المفهوم شقيق الوزير أودغورميش (ترجمتها "الصحوة").
وبني موضوع القصيدة على المحادثات التي جرت بين الأبطال بعضهم البعض، ورسائلهم، التي تناولت مختلف الموضوعات كـ: حتمية الموت، وضرورة التفكير في المستقبل، والحياة الأبدية، و الأخلاق. وسبق الفصل التمهيدي، قيام المؤلف وفقا للتقاليد الموروثة بشكر الله (جل)، ونبي المسلمين (ص) و الخلفاء الصالحين الأربعة الذين ورثوا السلطة بعد وفاة النبي (ص). ومن ثم انتقل للتغني بالربيع، و غنى الحاكم تاوغاتش-بوغرا-قره خاني"النشيد الوطني". وبعد ذلك تحدث يوسف خاص حاجب عن المجرات السبعة، وعن علامات الأبراج الاثنى عشرة، وتحدث عن قيم الناس، وفضل اللغة. ومن البيت الشعري الـ 398 فقط تحدث المؤلف عن الشخصية الرئيسية في القصيدة وهي حاكم (إيليك) كيونتوغدي.
والمحتوى الرئيسي لـ"كوتادغو بيليغ" تضمن: الإعجاب بحكمة إيليكا الذي قرر أيتولدي التوجه لخدمته. مظهراً مقدراته المتميزة في المعرفة، ليحصل من إيليكا على منصب وزير.
والمحادثات كثيرة ومتنوعة المواضيع وجرت بين إيليكا والوزير. مع استمرارهما بمناقشة مفاهيم: السعادة، والعدالة، وحديثهما عن مزايا اللغة وفوائد الحديث.
وفي سن الشيخوخة اتخذ أيتولدي قرراً بالتقاعد، وقدم لإيليكا ابنه أوغديولميش، وهكذا شغل الابن منصب الوزير مكان والده، وبعد ذلك قدم لنا مؤلف القصيدة المحادثات التي أجراها إيليكا معه مع تنوع مواضيعها. وتناولت جوهر العقل، والصفات الحميدة للبيك، وما ينبغي أن يقوم به مختلف الموظفين في البلاط، والعلاقة الواجب اتباعها مع الخدم.
وبناء على نصيحة أوغديولميش دعى إيليكا إلى القصر أدغورميش. وتتحدث الفصول الختامية للقصيدة عن محادثات ومراسلات إيليكا وأوغديولميش مع أدغورميش. وجملة القضايا التي ناقشوها وتنوعها الكبير.
وآراء يوسف البالاساغوني الاجتماعية والسياسية، جاءت وفقاً لمحتويات القصيدة، تحت تأثير الإسلام والشريعة الإسلامية التي تتحكم بالمواقف القانونية والمعنوية والأخلاقية للمسلمين. وبين مؤلف القصيدة كيف كان ينبغي أن يكون الحكام، والناس العاديين أيضاً؛ وما هي الصفات الشخصية التي ينبغي أن يمتلكوها.
وعلى هذا الشكل، قدم مؤلف القصيدة في قصيدته، جملة من المطالب لقائد المجتمع: كأن يكون متعلماً، وأن يهتم بشؤون الناس، وأن يعرف جيداً الأداب والفنون، وغيرها.
وتتكامل قصيدة "كوتادغو بيليغ" في الكثير. وجاءت على مستوى عال وكاف للعلاقات الاجتماعية في المجتمع، وتمتعت بأهمية واسعة في العلاقات الثقافة بين البشر، والثقافية بشكل عام، وعلى وجه الخصوص، وافتراض وجود مفاهيم أخلاقية وأسس لتربية الجيل الصاعد. مما يمكن من افتراض أن مثل هذه الأعمال الضخمة كانت في ذلك الوقت بمستوى فني عال ولم تكن وحيدة. وعلى ما يبدو، أنه كانت هناك تقاليد شعرية متطورة، وكان يوسف خاص حاجب البالاساغوني أحد أفضل ممثليها في الشعر.
بحث كتبه أ.د. محمد البخاري
طشقند 13/9/2013

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق