الأحد، 2 فبراير، 2014

المفكر البخاري الكبير أحمد دانيش


المفكر البخاري الكبير أحمد دانيش


ولد أحمد دانيش بقرية سوغوت في تومان شفريكان بإمارة بخارى عام 1827م. وكان أحمد يكتب مؤلفاته تحت الاسم المستعار دانيش، وتعني "المعرفة"؛ وكان له لقباً آخر هو "الرأس الكبير"، أطلق عليه ليس لكبر حجم رأسه، بل لذكائه الحاد.
وأحمد دانيش ولد في أسرة الملا (رجل دين) مير ناصر. ومنذ طفولته المبكرة أظهر مواهب كبيرة، وميولاً نحو الشعر والرسم. وتعلم أسس اللغة العربية، وقرأ الكثير من الصفحات التاريخية، وكتب الشعر، وزين مخطوطاته بالمنمنمات قبل التحاقه بالمدرسة. وعندما انتقلت الأسرة إلى بخارى التحق للدراسة في المدرسة (المدرسة في تلك الأيام كانت تعادل الجامعة اليوم، والمدرسة تسمى في أوزبكستان حتى اليوم، مكتب). وسرعان ما اشتهر في الأوساط البخارية في تلك السنوات كخطاط، ورسام منمنمات، ورسام خرائط، ماهر.
وفي أواسط خمسينات القرن الـ 19 خدم أحمد دانيش في قصر الأمير نصر الله (1827م-1860م).  وسرعان ما ذاعت شهرته كعالم وأديب موهوب. وعينه الأمير نصر الله أميناً للسر في سفارته التي أرسلها إلى سانت بطرسبورغ لإقامة علاقات صداقة مع روسيا في عام 1857م. وتركت لديه إطلاعاته على العلوم، والتكنولوجيا، والثقافة، الروسية انطباعات كبيرة، وسرعان ما أدت إلى تغييرات جذرية في تصوراته عن بنية المجتمع والدولة.
وجاءت رحلة دانيش إلى روسيا ضمن سفارة بخارى الثانية خلال عامي 1869م و1870م، لتزيد من غناه المعرفي وتزويده بانطباعات وملاحظات وأفكار جديدة. وبعد عودته من رحلته الثالثة إلى سانت بطرسبورغ عام 1874م كتب دانيش مقالات، ضمنها إصلاحات ضخمة في بنية الدولة، وقدمها للأمير. ولكن الأمير  وحاشيته، تخوفوا من مقترحات دانيش الشجاعة، وأجبروه على مغادرة البلاط، وفي مسعى للحد من تأثيره، عين قاضياً في غوزار، إحدى مناطق الإمارة. حيث اشتغل دانيش بعيداً عن بخارى بالأعمال الإبداعية.
وخلال الأعوام الممتدة من عام 1880م وحتى عام 1889م أنهى مؤلفه الرئيسي "أحداث نادرة". وضمنه قصصاً أخلاقية، وفلسفية، وجمالية، وأورد فيه ملاحظاته التي سجلها أثناء الطريق في رحلاته إلى روسيا، وتضمنت، انعكاسات للأفكار التنويرية. وكان للكلمات التي كتبها دانيش كعالم، وأديب، وشخصية إجتماعية بارزة تأثيرها في بخارى، وتكريماً له ألفت قصائد قدمته كأكبر العلماء ومن الأدباء البارزين. وعندما تسلم سعيد عبد الأحد خان (1885م - 1910م) السلطة في الإمارة اضطر لاستدعاء دانيش إلى بخارى، ومن أجل إظهار كرمه على رجولة هذا العالم، عينه أميناً لمكتبة أحدى المدارس الشهيرة. ولكن هذا "الكرم" لم يستطع شراء دانيش، وبقي حتى نهاية حياته ناقداً صلباً للإمارة.
وفي مؤلفه الأخير الذي لم ينهيه، واصطلح على تسميته الآن "مقالات تاريخية"، سعى دانيش لكشف المشاكل الرئيسية في إدارة الدولة.
وفي مؤلفه: "نوادر الوقائع" (1870م - 1889م)، وخاصة في فصوله "حق الأطفال على والديهم"، و"تربية الأطفال"، و"أسس الحياة الزوجية"، انتقد أحمد دانيش بشدة وبصدق نظام التعليم، والحقوق، والاقتصاد، في الدولة.
ورغم وعي دانيش لضرورة التغيير الذي سبق عصره. وتقديمه لفكرة الحد من حقوق السلطة المطلقة للأسر الحاكمة، عن طريق إنشاء جهاز إستشاري يشبه البرلمانات الأوروبية، ودعوته لتأسيس وزارات، وضبط عمل أجهزة الإدارة في المناطق. فإنه لم يستطع التخلص من تأثير الأشكال التقليدية لإدارة الدولة، التي أعدها الحكام المسلمون، خلال قرون عديدة وفق الشريعة الإسلامية.
وتأثير أحمد دانيش كان كبيراً على تطور الفكر الإجتماعي والسياسي التقدمي لشعوب وسط آسيا في نهاية القرن الـ 19 وبداية القرن الـ 20، وعلى تطور الأدب الواقعي. وحتى أن صدر الدين عيني، عاش "ثورة روحية" بعد تعرفه على أعمال دانيش، وأطلق عليه "نجمة الصباح الساطعة من الآفاق المظلمة لإمارة بخارى".
واقترح دانيش إعادة كتابة تاريخ وسط آسيا من خلال المبادئ الصحيحة لإدارة أبرز الحكام، وأطلق عليهم مجددي القرون. وكتب: "الأمير تيمور كوراكاني كان مجدداً في القرن الثامن الهجري. وبعده في كل دولة إسلامية ظهر مجددون: وعلى سبيل المثال: برز السلطان حسين ميرزه بايقاره في القرن التاسع الهجري في هيرات؛ والأمير عبد الله خان مع بداية الألف سنة هجرية في بخارى؛ وفي القرن الحادي عشر الهجري سعيد صبحانقولي خان؛ وفي القرن الثاني عشر هجري المرحوم الأمير معصوم، أي الأمير شاه مراد. وفي نفس الوقت كان مع هؤلاء المجددين علماء متميزين بالمعارف العلمية، وأسهموا بتقدم دول ما وراء النهر".
توفي أحمد دانيش عام 1897م بمدينة بخارى. ومع الأسف خربت المقبرة التي دفن فيها خلال سنوات الحكم السوفييتي.

بحث أعده أ.د. محمد البخاري، في طشقند، بتاريخ 2/2/2014 بتصرف نقلاً عن المصدر الإلكتروني: http://www.ziyonet.uz/ru/people/ahmad-danish/

هناك تعليقان (2):

  1. معلومات قيمة جدا ، ولم اكن اعرف هذا العالم،، جزاك الله كل الخير،، ونرجو ان تعرفنا بغيره من العلماء الاوزبكية والبخارية . وفاء البخاري

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً وفاء خانم، وإن شاء الله مستمر في نشر أبحاث عن علماء ماوراء النهر وأوزبكستان المعاصرة. أجمل تحية

      حذف