الأربعاء، 7 أكتوبر، 2015

مجمع المعبد البوذي فايازتيبه في أوزبكستان


مجمع المعبد البوذي فايازتيبه في أوزبكستان


تعتبر أوزبكستان مهداً من أقدم المهود الحضارية في العالم، حيث أكتشفت فيها عبر نحو مائة عام من أعمال التنقيب والأبحاث الأثرية مراكز ملموسة للحضارات: البكتيرية، والخوارزمية، والسغديانية، لا تقل أهميتها عن غيرها من المراكز الثقافية العالمية المعروفة حتى اليوم من حيث التطور الحضاري.
ومنذ القدم كانت أراضي أوزبكستان المعاصرة المكان الذي تقاطعت فيه طرق القوافل، وكانت مهداً تعايشت فيه مختلف الأديان بسلام ووئام لفترات سحيقة القدم، ومن بينها: الزردشتية، والبوذية، والمانوية. واليوم وفي أقصى المناطق الجنوبية من أوزبكستان، بولاية سورخانداريا، اكتشفت بقايا مجمعات أثرية تضم معابد بوذية ومن بينها مجمعات: توي تيبه، وقره تيبه، وفايازتيبه، وأيراتام الذي يتمتع بشهرة كببرة حتى خارج أوزبكستان.
واكتشف المنقب عن الاثار ل. ألباوم أثناء أعمال التنقيب التي أجراها في مجمع فايازتيبه عام 1963 بالقرب من قمة قره تيبه في مركز مدينة ترمذ القديمة على معبد بوذي. والجدير بالذكر أن تسمية فايازتيبه أطلقت على الموقع الأثري تخليداً لذكرى العالم والمنقب عن الاثار الأوزبكي المعروف ر. فايازف، الذي قدم مساعدات كبيرة للمنقبين عن الآثار أثناء قيامهم بالتنقيب عن الآثار هناك.


وفي هذا الموقع الأثري تم العثور على قطع نقدية لأباطرة كوشانيين سمحت بتحديد الفترة التاريخية لإنشاء مشيدات هذا الموقع والتي تعود للفترة الممتدة من القرن الأول قبل الميلاد وحتى القرن السادس بعد الميلاد.
ويتميز مجمع معبد فايازتيبه بغناه بالنقوش والتماثيل التي بقيت بحالة جيدة. ويضم 19 مبنى منفصل، ومحاريب عميقة في الجدران التي تربط بينها أغطية واسعة. بالإضافة لوجود جرن بوذي منفصل، أثار إهتماماً كبيراً لدي الباحثين.
والمبنى يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام منفصلة عن بعضها البعض:
- قسم يضم المبنى السكني مع أبنية مساعدة؛
- وقسم آخر على شكل مطعم ومطبخ؛
- والقسم الثالث مخصص لأداء الشعائر الدينية.
وزود المجمع بالمياه من نهر أموداريا عن طريق أنبوب ببلغ طوله 2,5 كيلو متر لنقل المياه.
ويعتبر مجمع فايازتيبه من آثار العبادة البوذية على أراضي وسط آسيا، ويتمتع بقيمة أثرية كبيرة كواحد من المشيدات الأثرية البوذية القليلة التي حافظت على طبيعيتها الغنية، وعلى جدرانها المزينة بالنقوش والزخارف. وجدران على طول المعبد مغطاة بنقوش وزخارف، تشمل نقوش لمختلف أشكال بوذا. كما زينت حواجز المعبد بخطوط ونقوش معبرة، تضمن أحدها صورتين لبوذا، وحولها شخصيات نسائية. وعلى الجدران المواجه نقشت صوراً لحاملي الهدايا وهم يرتدون ملابس كوشانية. وتتمتع نقوش رسوم بوذا في فيازتيبه بأهمية خاصة لأنها تعتبر من أقدم النقوش التي بقيت حتى اليوم وتعود للقرن الأول قبل الميلاد.

كما وتجدر الإشارة إلى أن اللقيات الأثرية التي عثر عليها منقبي الآثار في مجمع فايازتيبه. تضم تمثالاً لبوذا، وهو جالس تحت الشجرة المقدسة "بودخي"، وإلى جانبيه يقف كاهنين. والتمثال مصنوع من الحجر الكلسي المغطى بالذهب. ويعتبر هذا التمثال أحد المعروضات القيمة في متحف تاريخ أوزبكستان اليوم.
وبالقرب من المعبد اكتشف جرن بإرتفاع 10 أمتار. وداخله جرن أصغر بارتفاع ثلاثة أمتار. ويرجع عمر هذه اللقيات إلى القرن الأول قبل الميلاد. وإلى جانبها عثر العلماء والمنقبون عن الآثار خلال عمليات التنقيب في فايازتيبه على الكثير من اللقيات الهامة، تضم: تماثيل للآلهة المحلية، والحكام والأباطرة، وبوذيين، وكهنة، وعلمانيين، يسيرون وهم منحنون أمام بوذا.
وأكدت التنقيبات الأثرية على أن مجمع فايازتيبه يمثل كل المراحل التي تصور بوذا، بدأ من الرمزية وإنتهاءاً باللوحات الشخصية التعبيرية.
ومن المعروف تاريخياً أن الجيوش الساسانية إجتاحت أراضي ترمذ في القرن الثالث قبل الميلاد، ونتيجة لذلك الإجتياح دمرت الكثير من المعابد البوذية، ومن ضمنها مجمع فيازتيبه. واظهرت التنقيبات الأثرية المبنى وهو مدمر بشدة، تغطيه طبقات سميكة من الرمال والغبار.
وأثاء المراحل الأخيرة لأعمال التنقيب الأثري الكبيرة التي جرت في مجمع فايازتيبه، أكتشفت لقيات أثرية قيمة علمياً خلال سنوات إستقلال جمهورية أوزبكستان، وتجري دراستها في الوقت الراهن. وخلال السنوات الأخيرة تعمل في الموقع البعثة الأثرية الأوزبكية اليابانية المشتركة بإدارة عضو أكاديمية العلوم الأوزبكستانية إ. ريتفيلادزة، والبروفيسور الياباني المشهور ك. كاتو بشكل مثمر.
واليوم تؤخذ الأهمية التاريخية والأثرية لدراسة العصر البوذي بعين الإعتبار في أوزبكستان، لهذا الغرض خصصت وزارة الشؤون الثقافية والرياضة بجمهورية أوزبكستان، وومنظمة اليونيسكو، والصندوق الياباني "تراست"، منحاً مالية لترميم وإعادة بناء موقع فايازتيبه. وبانتهاء أعمال الترميم وإعادة البناء التي جرت خلال الفترة الممتدة من عام 2004 وحتى عام 2006 تحول مجمع المعبد البوذي فايازتيبه إلى متحف تحت قبة السماء وجرى فتحه مرة أخرى أمام الزوار ليطلعوا على آثاره العريقة.
*****
بحث أعده أ.د. محمد البخاري، في طشقند بتاريخ 7/10/2015 بتصرف نقلاً عن مقالة: ش. صاديقوف. الآثار التاريخية والثقافية في أوزبكستان: مجمع المعبد البوذي فايازتيبه. // طشقند: وكالة أنباء Jahon، 28/9/2015

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق