السبت، 18 فبراير، 2017

إسهام العالم الإسلامي في تطوير الحضارة الحديثة (الجزء 3)


طشقند: 18/2/2017 ترجمها وأعدها للنشر أ.د. محمد البخاري. تحت عنوان "إسهام العالم الإسلامي في تطوير الحضارة الحديثة (3)" نشرت وكالة أنباء "Jahon" يوم 17/2/2017 مقالة أشارت فيها إلى:


تحت هذا العنوان تركز وكالة أنباء "Jahon" الإنتباء إلى سلسلة من المقالات، المكرسة لرئاسة بلادنا لمجلس وزراء الشؤون الأجنبية بمنظمة التعاون الإسلامي. وكما سبق واعلن جرت بهذه المناسبة في طشقند خلال يومي 18 19/10/2016 الدورة الـ 43 لمجلس وزراء الشؤون الأجنبية بمنظمة التعاون الإسلامي، تحت شعار "التعليم والتنوير الطريق نحو السلام والتشييد". وهذا الشعار يعتبر كدعوة لتقديم الأفكار التي تشهد على الأهمية الأبدية لمساعي الأكثرية الساحقة لشعوب العالم الإسلامي نحو تطبيقها.
وعلى مر القرون جذب أتباع الدين الإسلامي، ومن ضمنهم في ما وراء النهر، حركة هذا الشعار نحو العلوم الإنسانية، والعلوم الطبيعية. وبفضل جهودهم توصلت الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة في تطورها.
وكوكبة من العلماء العظام والموسوعيين المنحدرين من هذه المنطقة، لا يمكن تقديمها دون كوكب العلوم محمود بن محمد بن عمر التشاغميني الخوارزمي (القرنين الـ 12 وال 13 الميلادي)، والذي حصل على شهرة واسعة بفضل إبداعاته الغنية. وأعماله مثلها، مثل غيره من علماء القرون الوسطى لم تقتصر على مجال واحد. والتعرف على ما أنتجت ريشته يشهد على أنها أحاطت باتجاهات علمية مثل: الفلك، والرياضيات، والطب، والجيوديسيا، والجغرافيا، والفلسفة، وغيرها من العلوم. وانتشرت بشكل واسع في الغرب والشرق. ولكن حياته الخاصة بقيت قليلة الدراسة.


ووفقاً للمعلومات الضئيلة التي وصلت إلينا، أنه ولد في قرية تشاغمين، الواقعة بالقرب من عاصمة شاهات دولة خوارزم مدينة غورغانج (غورغانتش، جورجان، أورغينيتش). وخلال القرنين الـ11 والـ 12 كانت خوارزم من المراكز العلمية المعترف بها، وهو ما لم يستطع دون التأثير على تشكيل تصورات الفتى محمود.
وبعد حصوله على التعليم الإبتدائي في خوارزم، توجه إلى سمرقند للإستمرار في إغناء معارفه. وفيها شملت مجالات إهتماماته العلوم الدقيقة الواسعة.
وإسهام محمود التشاغميني في تطويرها تقاس بالدرجة الأولى باكتشافانه في علم الفلك. وكتاب العالم "الملخص في الهيئة" يعتبر موسوعة تشمل ليس دراسة المجرات الفلكية فقط، بل وغيرها من المجالات. ويتألف من مقدمة، ويتحدث عن العناصر والفضاء، وكتابين "عن المجالات السماوية" و"عن الأرض". وفي الأول منها كتب العالم عن الفضاء الهائل لمدارات الكواكب. وفيه تناول ولأول مرة بالتفصيل نظام التنسيق الذي فيه أساس مراقبة المستوى الأفقي.
والقيمة العلمية لهذا العمل هي في أنه أوجد إنعكاساً لإنجازات ونجاحات مفكري الشرق، وجزئياً في وسط آسيا، وجاء كنتيجة لأبحاث المدرسة اليونانية في علم الفلك. وتقسم مجموعات التشاغميني إلى ما يشبه الأبحاث الخيالية في مجال العالم المحيط بنا، والأجرام السماوية، وكسوف الشمس والقمر، وطول النهار والليل، وغيرها من المسائل. وبرأيه "يمكن إعتبار الشمس المركز الذي يشع على الكواكب". وجملة من الكواكب ومنها القمر لاتعتبر مصدراً للنور. بل تحصل على النور من الشمس لتنير الأرض، ولهذا اعتبر العلماء أن الشمس هي مركز الأجرام السماوية.
وتجدر الإشارة إلى أن التشاغميني أعار إهتماماً كبيراً لمسائل استخدام الرياضيات لحل المسائل الفلكية. ونتيجة لأعماله المثمرة أعدت أسس علم المثلثات الكروية، والمفاهيم الأساسية التي أوجدت إنعكاساً لها في مؤلفه "الملخص في الهيئة".
والتشاغميني هو مؤلف الكثير من الأعمال الأخرى، ومن بينها "عن مكانة الرقم 9 في الرياضيات" و"تعليق على الطرق الرياضية لتقسيم الميراث" وغيرها من الأعمال. وتضمنت إثتنين من مؤلفاته الأخيرة موقف العالم مما يتعلق بدراساته الرياضية وإستخدامها العملي، والنظر في جوانب قضايا مسائل الرياضيات غير المعروفة أو قليلة المعرفة.
وتشير المصادر إلى أن مؤلفات محمود بن محمد جرى تناولها في التعليقات التفصيلية للعلماء المشهورين المحفوظة حتى أيامنا هذه، أمثال: علي بن محمد بن علي حسين جورجاني، وقاضي زادة رومي، ومير سعيد شريف. كما أستخدمت أعمال التشاغميني في علم الفلك، والرياضيات، والطب، آنذاك للتدريس في مدرسة ميرزة ألوغ بيك في سمرقند بالقرن الـ 15.
وإعجاب خاص لدى السياح الذين يزورون أوزبكستان ويتعرفون على سمرقند تثيره النشاطات العلمية والسياسية لحفيد شخصية الدولة العظيم، والقائد الإسطوري والمنور الأمير تيمور، محمد طرقي المعروف باسم ميرزه ألوغ بيك (1394 م- 1449 م).

الذي ولد أثناء حملات جده المجيد على مدينة سلطانية في فارس، وميرزه ألوغ بيك الشاب هو الإبن الأصغر من بين أبناء شاه روح، وعين في سن الـ 17 حاكماً لما وراء النهر وتركستان. ومما ميزه عن جده أنه لم يهتم بالحملات العسكرية. بل كان تأثيراً كبيراً عليه من قبل علماء الرياضيات وعلم الفلك في القصر، أمثال: مولانا أحمد وقاضي زادة رومي، ولهذا أظهر قدرات إستثنائية في العلوم الطبيعية، التي تمتعت بأهمية خاصة في حياته المستقبلية. ووفقاً لمعلومات معاصريه حتى سن الـ 20 كان ألوغ بيك في عداد العلماء الكبار في وقته، وحاز على شخصية كبيرة في الأوساط العلمية. وأعار إهتماماته الأساسية نحو تطوير التعليم والتنوير. ولهذا الغرض بدأ بتأسيس المدارس في سمرقند، وبخارى، وغيجدوفان، ودعى إليها نحو 100 عالم في مجالات: الآداب، والتاريخ، وخط اليد، والفنون التشكيلية، والعمارة، والرياضيات، وعلم الفلك. وبهذا وضع أساساً قوياً لتعليم الأجيال اللاحقة وإزدهار الأراضي التي عهدت إليه.


وخلال السنوات الممتدة من عام 1424م وحتى عام 1429م كان ألوغ بيك بالكامل منشغلاً بتشييد المرصد الفلكي في سمرقند. والنشاطات العلمية التي بدأت فيه اشتغلت بأبحاث هامة وقع عليها مستقبل أسس الإنجازات التاريخية في ذلك العصر، ورفعت من مستوى الفكر العلمي في المنطقة إلى أعلى مستوى. وجزئياً بفضل هذه البدايات في عام 1444م وبعد 30 عاماً من العمل المتحمس والمراقبات الفلكية لمجموعة من العلماء برئاسة ألوغ بيك وضع كاتالوغ نجوم السماء، والشهير بـ"زيجي ألوغ بيك" أو "زيجي جديدي غوراغاني". وتضمن معلومات عن 1018 نجماً موزعة على 38 برجاً. وبرأي المتخصصين، أن أعمال ألوغ بيك هي أكثر دقة وكمالاً مقارنة مع غيرها من الكتالوكات المشابهة في ذلك الوقت. وجرت ترجمتها إلى اللاتينية واستخدمت كمصدر أساسي في المراصد الفلكية الأوروبية.
وإلى جانب ذلك ترجع لريشة ألوغ بيك "مقالة عن تحديد جيب درجة واحدة" في الرياضيات، ومقالة "رسالة أولوغ بيك" في علم الفلك (نسخة وحيدة محفوظة في مكتبة جامعة علي غارخ الهندية) ومؤلف في التاريخ "تاريخي أربع أولوس".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق