الأحد، 14 مايو، 2017

نظريات الصحافة




نظريات الصحافة




يتضمن البحث: نظريات الصحافة؛ المستويات الإعلامية؛ المستوى المعلوماتي؛ المستوى الإقناعي؛ المستوى التعبيري؛ نظرية السلطة المطلقة؛ مدخل لنظرية السلطة المطلقة؛ أسس نظرية السلطة المطلقة؛ الصحافة والسلطة المطلقة؛ الرقابة وسيطرة الأجهزة المسؤولة على الصحافة؛ التاريخ الطويل للإيديولوجية السياسية لنظرية السلطة المطلقة؛ نظرية الصحافة الحرة؛ مبادئ النظرية الحرة؛ إيديولوجية نظرية الصحافة الحرة؛ نظرية الصحافة الحرة ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية؛ النظرية الاشتراكية للصحافة؛ التيارات الاشتراكية؛ الاشتراكية الإنتاجية؛ الاشتراكية التعاونية؛ الاشتراكية العلمية؛ دعائم النظرية الاشتراكية للصحافة؛ نظرية المسؤولية الاجتماعية؛ نظرية المسؤولية العالمية للصحافة؛ نظرية المشاركة الديمقراطية؛ مصطلح المشاركة الديمقراطية؛ أفكار نظرية المشاركة الديمقراطية؛ النظرية التنموية؛ أفكار النظرية التنموية؛ نظرية التبعية الإعلامية؛ أنظمة الاتصال والإعلام في العالم الثالث؛ نظريات الإعلام والتجربة الإعلامية العربية.



بحث كتبه: أ.د. محمد البخاري: دكتوراه علوم في العلوم السياسية DC اختصاص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. ودكتوراه فلسفة في الأدب PhD اختصاص: صحافة. بروفيسور قسم العلاقات العامة، كلية الصحافة، جامعة ميرزة أولوغ بيك القومية الأوزبكية سابقاً حالياً متقاعد.





على المتخصص في العلاقات العامة تفهم نظريات الإعلام لأن القصد من نظريات الإعلام هو خلاصات ما توصل إليه الباحثين في مجالات الاتصال والإعلام الجماهيرية ومن بينها كتاب نظريات الصحافة الأربع الذي ألفه لبيترسون، وشرام ووضعا فيه أسس العلاقة المتبادلة بين نظريات الإعلام وفلسفة الإعلام لأنه هناك علاقة متبادلة بين نظريات الإعلام وفلسفة الإعلام، ففلسفة الإعلام تبحث العلاقة الجدلية بين الإعلام وتطبيقاته في المجتمع، أي تحليل التفاعل بين الإعلام كعلم وبين ممارساته الفعلية في الواقع الاجتماعي، ورأى منظري نظريات الإعلام أنها جزء من فلسفة الإعلام لأن فلسفة الإعلام هي أعم واشمل من النظريات، لأن استخدام تعبير نظريات الإعلام كان في مجمله انعكاسا للحديث عن الأيديولوجيات والمعتقدات الاجتماعية والاقتصادية، والحديث عن أصول منابع العملية الإعلامية المؤلفة من:

- مرسل؛

- ومستقبل؛

- ووسيلة.

وترتبط نظريات الإعلام بالسياسات الإعلامية في المجتمع، ومدى التحكم بالوسيلة الإعلامية من النواحي السياسية، وفرص الرقابة عليها وعلى مضامينها التي تنشر أو تذاع من خلالها، ليبرز سؤال هل تسيطر الحكومة فعلاً على وسائل الإعلام ؟ أم أن لها مطلق الحرية في التحرك ؟ أم التقيد بالقواعد التي تحددها القوانين النافذة ؟. خاصة وأن مجموعة العوامل التي تشترك في تأسيس منطق النظرية العلمية في المجالات الإنسانية والحياتية المختلفة، في حقيقتها نابعة من بيئة الإنسان ومجموعة المنبهات والاستجابات التي تتكون وفقاً لها.

واستطاع الإنسان تشخيص تلك العوامل البيئية والاجتماعية والنفسية بعد أن عرف اللغة ومفرداتها، لأن اللغة في شكلها الأول وبطبيعتها البسيطة البدائية كانت ضرورية لحياة الجماعة وأساساً لتكوين علاقات بين الإنسان وأخيه الإنسان، وبمرور الزمن تطورت اللغة لتصبح ذاكرة للمجتمع ومكنت الإنسان من تنسيق جهوده وتوحيدها في مجرى مشترك عام وجعلت الكتابة تداول الخبرة ممكناً بين الأفراد والأجيال والمجتمعات. واللغة بهذا المعنى الواسع أصبحت أداة اتصال رئيسية بين بني البشر، كما أنها في الجانب الثاني أصبحت أداة فكر وأداة لتبادل الآراء والأفكار بين الناس.

ومعروف أن المطبعة جاءت لتفتح الطريق أمام الثورة الصناعية بعد أن مهدت لها الثورة العلمية، وما أن دخل القرن العشرين حتى صار العالم يعيش ثورة شاملة في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. وانحسرت المسافات الجغرافية أمام القدرات التكنولوجية لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. ومن أجل تسخير هذه القدرات وتوظيفها لخدمة المعلومات وتبادلها بين المجتمعات أخضعتها الحكومات والدول إلى نظرياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. مما دفع علماء الاتصال والإعلام الجماهيري لوضع نظريات إعلامية مستنتجة من تلك النظريات السياسية الأوسع وتطبيقاتها العملية في المجتمعات المختلفة من رأسمالية واشتراكية وهجينة وخاصة وغيرها.

ولا غرابة في أن يكون لإعلام الدول النامية قولٌ في هذا المجال لاسيما وأنها ابتليت بالأوضاع التي فرضتها عليها السياسات الاستعمارية، وما تعانيه من شدة الخلافات السياسية التي انعكست بالنتيجة على فعالياتها الإعلامية. ورغم دخول العالم القرن الحادي والعشرين، وعصر المعلوماتية ووسائل الاتصال المتطورة فإننا نلاحظ استمرار تخبط الدول النامية في مشاكلها الإعلامية والاتصالية التي ازدادت صعوبة وتعقيداً.

وبقي الإعلام ظلاً للسياسة في الحركة الاتصالية اليومية لتطبيق المناهج السياسية والاقتصادية والفكرية والتربوية والتعليمية والثقافية، في هذا البلد أو ذاك.

وارتباط وعي الإنسان بهذه العوامل والتكوينات الاجتماعية وبتقديره للظروف الموضوعية والذاتية التي تحيط به، والتي ترتبط ارتباطاً مباشراً بلغته القومية، لاسيما وأن اللغة هي التعبير عن تقديرنا للواقع الموضوعي، وقد ظهر الوعي واللغة في مرحلة محددة من التطور الاجتماعي للبشرية، ليتمكن بنو البشر من التواصل والاتصال ببعضهم البعض.

واللغة تمنح الإنسان بالإضافة إلى وراثته البيولوجية فرصة للاستثمار الأمثل للثقافة والمعرفة. وقد أتاح العلم الحديث للغة ممكنات ووسائل متعددة للتعبير عن دقائق الأحكام الفعلية في صورها النظرية والتطبيقية لمختلف الحاجات الإنسانية.

ونظراً لتعدد خصوصيات تلك الحاجات الإنسانية وأساليب إشباعها من الوجهة الاتصالية والإعلامية فقد عمد رجال الإعلام إلى إتباع النظرية المناسبة لهم في خطابهم الإعلامي والاتصالي لتجسيد المستويات الإعلامية الوظيفية المطلوبة، وهي:

- المستوى المعلوماتي: الذي يتوسل باللغة لتوصيل المعلومات إلى المتلقي بأسلوب مباشر وبصياغة واضحة ودقيقة؛

- والمستوى الإقناعي: والذي يقصد به إقناع المتلقي ودعوته إلى الالتزام الأولي ومن ثم تبني المضمون المطروح أو الفكرة المقصودة أو الرأي المراد إيصاله ومن ثم تدعيمه عن طريق خلق القناعات لدى الشرائح الاجتماعية؛

- والمستوى التعبيري: الذي يدخل ضمن باب فن الأدب المستخدم في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية السمعية والمرئية والمقروءة لاسيما المستندة منها على استعمال الصورة المتحركة أو الثابتة.

ومن النظريات الإعلامية السائدة في العالم:

نظرية السلطة المطلقة

والسلطة المطلقة هي من أنظمة الحكم المستبدة وتتمثل في حكم الإمبراطور المستبد أو الديكتاتور غير المؤمن بالحرية أو الديمقراطية ولا يسمح بمشاركة الشعب في الحكم على الإطلاق، وتستند السلطة باعتبارها نظاماً من أنظمة الحكم على فكرة (الحق الإلهي) وعلى الفكرة القائلة في أوروبا خلال القرون الوسطى (بأن الحاكم هو ظل الله وخليفته في الأرض).

مدخل لنظرية السلطة المطلقة: من المتفق عليه أن تاريخ ولادة الإعلام المطبوع كان في عام 1450م، وتشير المصادر إلى أنه رافق تاريخ ظهور الطباعة، وكان الإعلام المطبوع خاضعاً للسلطة، ومقدار هذا الخضوع مرتبط بطبيعة المجتمع الذي يتواجد فيه، فإما أن يكون المجتمع خاضع للسلطة المطلقة، أو أن الفلسفة التي تحكم هذا المجتمع تدعو إلى ذلك.

وقد شهد العالم من هذه الفلسفات شتى الأنواع وعلى سبيل المثال: سيطرة الكنيسة ورجال الدين في المجتمع الأوروبي، التي جعلت للنظام السائد مجتمعاً خاضعاً للسلطة المطلقة، تحتل فيه الدولة درجة أعلى من الفرد في سلم القيم الاجتماعية ولا يستطيع الفرد في مثل هذه المجتمعات أن يحقق أهدافه أو ينمي قدراته وملكاته إلا عن طريق خضوعه للدولة خضوع الخانع الذليل. وأن يكون أسمى تفكير عنده التفكير التابعي الذي يلغي الوعي والإدراك الشخصي. حيث يشغل رجال قليلون في دولة السلطة المطلقة مراكز القيادة، ويتمتعون بسلطات مطلقة، وعلى الآخرين الطاعة والخنوع لها ولا وجود للتمثيل الشعبي في مثل هذه الدول.

والحقيقة أن مجتمع السلطة المطلقة اعتمد على التفويض الإلهي المزعوم أو على الإدعاء العنصري في المجتمع، الذي يقول بوجود عرق معين يعتبر نفسه أعلى من الأعراق الأخرى ويتمتع بحكمة أكثر من غيره، وباختصار تمثلت الحقيقة في قدرة القائد أو عرق دون الأعراق الأخرى على تقدير الظروف وتفهم المخاطر وتشخيص إمكانيات تخطيها. واعتبرت الحقيقة في هذا المجتمع حكراً لهذا العرق الذي يعتبر نفسه حكيماً، ويرى أن من حقه توجيه المجتمع كيفما يشاء، أي أن الحقيقة تتمركز في مراكز القوة والسلطة، ومن غير المهم في هذه الحالة البحث عن مصدر الحقيقة التي تستمد منها الدولة المتسلطة فلسفتها وسياستها. إذ أنها مقصورة على فئة محدودة من الناس، ولا يحق لأي فرد من الأفراد البحث عنها، لأن من أهداف الدولة المتسلطة الحفاظ على وحدة الفكر والعمل حسب اجتهادات السلطة، لإبقاء المجتمع في حالة معينة كما تشاء.

وتمثل تجربة هتلر وفرانكو وموسوليني التجارب الأوروبية المعاصرة لهذه النظرية، وفي ظلها عبر هتلر عن رؤيته الأساسية للصحافة بقوله: "أنه ليس المطلوب من الصحافة أن تنشر على الناس اختلاف الآراء بين أعضاء الحكومة، لقد تخلصنا من مفهوم الحرية السياسية الذي يذهب إلى القول بأن لكل فرد الحق في أن يقول ما يشاء". ومن الأفكار المهمة في هذه النظرية أن الشخص الذي يعمل في الصحافة أو وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، يعمل بها كامتياز منحه إياه الزعيم المطلق، ويتعين أن يكون ملتزما أمام الحكومة والزعامة المطلقة.

أسس نظرية السلطة المطلقة:

مذهب الحق الإلهي: وترجع هذه النظرية إلى أقدم عصور التاريخ، وهي النظرية التي اعتمد عليها الأباطرة في الحكم وتوارثها النبلاء للاحتفاظ بأوضاعهم ومراكزهم وامتيازاتهم في السياسة والحكم. وجاء الإسلام ليلغي هذه النظرية في الحكم لتحل مكانه الشورى والشرعة الإلهية. ويرجع سيادة هذه الفلسفة أو النظرة إلى الإمبراطوريات الشرقية والغربية على حد سواء ما عدا بعض الاختلافات الجزئية الطفيفة التي تحدث بين كل حاكم وآخر في ممارسة السلطة على المجتمع، إذ لا ينكر أن بعضهم كان يؤمن بالحق والفضيلة وتبادل الرأي والمشورة، كما كان نقيضه يمارس الاستبداد والقسوة تحت تعبير أو فلسفة ظل الله وخليفته في الأرض، وخضعت أوروبا لهذا الحكم خلال العصور الوسطى وتحولت العامة إلى عبيد أقنان خاضعين بصورة مطلقة لهذا الحكم أو ذاك.

الصحافة والسلطة المطلقة: ولم تستطع الصحافة وأساليبها من تغيير شيء في نظرية السلطة المطلقة، بل إن سطوة هذه النظرية ازدادت وظلت تمارس تسلطاً جوهرياً على الصحافة وعلاقتها بالمجتمع ووظيفتها الإعلامية التي مارستها تحت سيطرة الحكم المطلق، ودأبت السلطة المطلقة على تعزيز نظريتها للحفاظ على سلطاتها المطلقة وأخذت تحيط نفسها، بالعقلاء والحكماء وأصحاب الامتيازات الفكرية القادرين على إدراك أهداف الدولة في السيطرة على المجتمع والمحافظة على الاستقرار، وأخذت تمنحهم المناصب المرموقة في المجتمع وعملوا كمستشارين للقادة والحكام واحتكروا كل الحقائق الفكرية لأنفسهم مسخرين فلسفاتهم وأفكارهم لخدمة الطبقة المسيطرة على جهاز الدولة التي أعطتهم حق مخاطبة المجتمع كألسنة للحكام تتصل بالجماهير عن طريق وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المتاحة، ومنها الصحافة المطبوعة التي حظروا عليها كل الآراء التي توقظ الشعب من سباته العميق، للإبقاء على الأوضاع القائمة.

وارتبطت هذه النظرية في العصر الحديث ارتباطاً وثيقاً بأنظمة الحكم الشيوعية في المعسكر الذي قاده الاتحاد السوفييتي حتى سقوطه، والفاشية، والنازية، كالنظام الهتلري في ألمانيا النازية، ونظام موسوليني الفاشي في إيطاليا الفاشية، ونظام فرانكو الفاشي في إسبانيا والبرتغال، حيث سيطرت الدولة المستبدة سيطرة تامة على أجهزة ووسائل الإعلام الجماهيرية وفرضت عليها تعبئة الشعب تعبئة عدوانية خدمة للأهداف التوسعية التي رسمتها لنفسها وتسببت في قيام الحرب العالمية الثانية التي أزهقت أرواح ملايين البشر.

الرقابة وسيطرة الأجهزة المسؤولة على الصحافة: وتعتبر الرقابة من الركائز الهامة في نظرية السلطة المطلقة. ويمكن أن نرجع تاريخها إلى الرقابة في العصور الوسطى في أوروبا عندما كانت الكنيسة الرومانية في أوج قوتها، وكانت مصدراً للتفويض الإلهي واستطاعت أن تسيطر في بلاد كثيرة على الرأي العام وعلى حرية التعبير لعدة قرون وسيطرت واستفادت من اختراع الطباعة، إلى أن قامت الحكومات بالسيطرة على الوسيلة الإعلامية الجديدة.

وكانت السيطرة عن طريق منح التراخيص للطابعين والناشرين ومن ثم التحكم بممارسي المهنة بشكل عام، وكان الترخيص آنذاك يعتبر امتيازاً يلزم الناشر بطبع وتوزيع ما يرغبه الحاكم. غير أن هذا الأسلوب لم يجدي نفعاً، مما أدى إلى فرض الرقابة المسبقة وفحص جميع الأصول المخطوطة من قبل ممثلي الحكومة قبل الطبع والنشر لإصدار الترخيص بالطبع، بقصد السيطرة على ما تنشره الصحف ودور النشر بشكل محكم.

وأخضعت الحكومات الاستبدادية عملية الاتصال بالجماهير لقيود وعقبات ومعوقات كثيرة جعلت الطريق مفتوحاً أمام الدولة فقط، وأغلقته في وجه الأفراد لاغيه بذلك أي نوع من أنواع حرية الإعلام بحجة تحقيق أمن وسلامة الدولة، وبهذه الذريعة ألغت كل الحريات، وهو ما استقت منه الفلسفات الديكتاتورية والشيوعية والفاشية والعنصرية كل المبررات لإهدار حقوق الإنسان.

التاريخ الطويل للإيديولوجية السياسية لنظرية السلطة المطلقة: يرى أفلاطون أن تقسيم السلطة بالتساوي داخل الدولة يعتبر بداية لتفكك وانهيار تلك الدول، وكانت حجة أفلاطون في ذلك أنه مادام الإنسان يتحكم بغرائزه وشهواته عن طريق العقل، فإنه يتحتم على الحكام في الدولة بالمقابل أن يمنعوا المصالح المادية والعواطف الأنانية للجماهير من أن تسيطر على المجتمع.

وأكد أكثر الفلاسفة في العصور اللاحقة على قوة السلطة كميكافيلي الذي دعى إلى إخضاع كل شيء لأمن الدولة. وبرروا الأعمال اللا أخلاقية التي مارسها القادة السياسيون، والرقابة الصارمة على الحوار والمناقشة، وعلى نشر المعلومات في المجتمع، معتبرين أن لها ما يبررها مادامت تخدم مصالح الدولة وسلطة الحاكم، أي أن الغاية تبرر الوسيلة.

أما جورج هيجل الذي لقب بأبو الشيوعية والفاشية الحديثة، فقد أعطى فلسفة السلطة المطلقة لمساتها النهائية حين قال: "الدولة هي روح الأخلاق وهي الإرادة وهي العقل، والدولة كحكم أو سلطة، تعتبر هدفاً في حد ذاته وبالتالي فهي تتمتع بأكبر قدر من الحقوق وهي فوق المواطنين والأفراد". وهكذا فرضت نظرية السلطة المطلقة وجوهاً فكرية صارمة تنبع من الإسهام الفكري للحكماء شريطة أن تخدم نظرياتهم في المجتمع الذي تسهر عليه الدولة بالرعاية والإرشاد واليقظة والرقابة.

وهو ما صاغه الفلاسفة الأقدمون أمثال: سقراط، وأفلاطون، وأرسطو من نظريات فلسفية تخدم السلطة الاستبدادية، بدليل أن أفلاطون خلع صفة المثالية على الشكل الارستقراطي للدولة معتقداً أن طبيعة الإنسان واهتماماته المادية وعواطفه الأنانية تتسبب في تدهور الحكم من الارستقراطية إلى الديمقراطية، أي إلى التفتت والانحلال. واعتبر أن الدولة لا تجد الأمان إلا في أيدي الحكماء من رجالها، ورجال القانون من أنصارها، وأصحاب المثل الأخلاقية العليا الني يتم فرضها على كل عناصر التركيبة الاجتماعية، ليظلوا على الطريق القويم الذي رسموه لهم معتبراً أن هذه الصفوة من البشر تجعل العقل يسيطر على عواطف القلب وغرائز الجسم.

نظرية الصحافة الحرة

وسميت هذه النظرية بنظرية الصحافة الحرة كونها تؤمن بالفرد أساساً، وتعتبر أن الفرد يولد وهو مزود بحقوق طبيعية، وتؤمن وتفترض أن الفرد كائن عقلاني وأخلاقي وأن أخلاقيته تحدد له ما يجب المحافظة عليه دون قانون، أي تمتعه بالحرية المطلقة في حياته، وآرائه، والدعوة إلى العيش الكريم دون أي تدخل من السلطة، ويرى أصحاب هذه النظرية أن الفرد أسمى من الحكومة، ومن الدولة، وأن الدولة هي وسيلة فقط، أو واسطة يمارس من خلالها الفرد نشاطه، وحين تقف الدولة في وجهه عليه محاربة تلك القوة التي تمنع تحقيق أهدافه التي يرغب الوصول إليها.

وقد ولدت هذه النظرية من صلب نظرية السلطة المطلقة، والاستبداد العبودي للإنسان المتمثلة بسلطة الكنيسة وطبقات معينة في المجتمع. وعانت بنتيجتها طبقات اجتماعية أخرى من الاضطهاد السياسي والاقتصادي والنفسي وحتى الديني، وكان الظلم المتمثل بنظام الأقنان من أقسى أنواع الظلم البشري، ولذلك تمتع النظام الحر أو الليبرالي في بعض التسميات، بمسحة سحرية وكأنها تمنح الفرد ومن ثم المجتمع بكامله الديمقراطية الليبرالية والتقدم بمعايير ذلك الزمن.

مبادئ النظرية الحرة: وتعتمد النظرية الحرة على مبدأين أساسيين هما:

- مبدأ الفردية؛

- ومبدأ المنافسة.

ويرتبط هذان المبدآن ارتباطاً وثيقاً بالنظريات الاقتصادية والسياسية. ويعتبران أن مبدأ الفردية أو الحرية الفردية هي من المبادئ الواضحة في مفهوم النظرية الحرة ويرتكزان أساساً على حرية النشاط الفردي في المجالات الاقتصادية والسياسية، كرد فعل لما ظل سائداً لقرون طويلة من اضطهاد للفرد من قبل الإقطاع وناضل الرواد الأوائل لهذه النظرية من أجل أن تظل الحكومات بمنأى عن التدخل في شؤون الأفراد ونشاطاتهم الاقتصادية والفكرية وفي شؤون وسائل الاتصال والإعلام.

إيديولوجية نظرية الصحافة الحرة: كان ظهور نظرية الصحافة الحرة نتيجة للتطورات الفكرية والأحداث السياسية والاجتماعية التي مر بها المجتمع الأوروبي، ومن أهم تلك الأحداث في التاريخ الأوروبي الحديث:

- اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789م التي أعلنت حقوق الإنسان وطرحت مبادئ كان لها تأثير كبير في التاريخ الإنساني، وسمحت للفرد بالتحرر ومزاولة نشاطاته الاقتصادية والفكرية دون أي نوع من أنواع التدخل من جانب الدولة.

واعتبرت الدولة مسؤولة عن وظائف محددة هي:

- المحافظة على القضاء والأمن في الداخل؛

- والدفاع عن الوطن ضد أي اعتداء خارجي؛

- واحترام حقوق المواطن في التفكير والعمل الاقتصادي والاجتماعي والفكري والسياسي.

وساعد ظهور نظرية الحرية على ظهور الديمقراطيات الرأسمالية، ومن ثم ظهور الاحتكارات بأوسع معانيها. وحقق مفهوم نظرية الحرية انتصارات كبيرة على صعيد المجتمع الأوروبي وعلى صعيد الفرد فتوسع التعليم الذي لم يكن متيسراً كما هو معروف الآن قياساً بما تحقق بعد زوال العهد الإقطاعي الاستبدادي، ومنح حق الانتخاب لأكثرية المواطنين ومنها حق الفرد في ممارسة نشاطاته الاجتماعية، والتنافس للحصول على أكبر قدر ممكن من الربح المادي، وزيادة الإنتاج مما حقق للمجتمعات الرفاهية والتقدم.

وظهر مفهوم الحرية بادئ الأمر في أوساط الطبقة الوسطى في المجتمع الأوروبي، التي طالبت بالحرية، وضمان حقوق الأكثرية في المجتمع. وتجلى هذا الأمر بالوضوح عندما تبنت الحركات السياسية مبدأ المناشدة بالحرية.

وكان لظهور الفيلسوف جون لوك أثراً كبيراً على تطوير نظرية الحرية، عندما قال: أن الشعب هو مصدر السلطات، وفسر هذا القول بأن الشعب يمكنه أن يسحب السلطة متى شعر بأن الحكومة لا تعمل لصالحه.

وجاء جون ملتون عام 1644م ليقول: أن الحقيقة لا تضمن لنفسها البقاء إلا إذا أتيحت لها الفرصة لأن تتقابل وجهاً لوجه مع غيرها من الحقائق في طرح كامل وبحرية تامة.

بينما رأى جون راسكين: أن كل إنسان يسعى لتنوير الآخرين لا إلى تضليلهم، ومن حقه أن ينشر كل ما يدور في عقله وما يختلج ضميره سواء أكان في الموضوعات الحكومية أم في الموضوعات الخاصة.

أما جون ستيوارت فقال: أن من حق الفرد الناضج في المجتمع أن يفكر ويتصرف كما يشاء مادام لا يؤذي أحداً بتفكيره أو تصرفه. وما دام هذا التفكير والتصرف يؤديان إلى منفعة الآخرين.

وانتشرت هذه الطروحات الفلسفية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وكانت ترمي في الأساس إلى:

- تطبيق الحرية بمعناها الواسع؛

- واحترام الإنسانية وحفظ قيمة الفرد؛

- وضمان مستقبل الفرد؛

- وتحقيق الرفاهية والسعادة للمجتمع.

ولم تجد تلك المبادئ طريقها إلى التطبيق العملي إلا في العقود الأخيرة من القرن العشرين في ظل هيمنة الدول الصناعية المتقدمة وسيطرتها على الاقتصاد ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.

نظرية الصحافة الحرة ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية: لكل نظرية من النظريات شكل معين ومفاهيم معينة تسيطر من خلالها على أساليب وأنماط الاتصال والإعلام الجماهيري. وتنبع فلسفة الإعلام عادة من فلسفة الدولة، فالإعلام في نظرية السلطة المطلقة هو إعلام استبدادي استعاضي، أي أن الدولة كما ذكرنا تحل محل الشعب عن طريق كتابها وألسنتها الناطقة باسمها، ولا تسمح إطلاقاً إلا بما يراعي مصالحها وتوجهاتها. إضافة لفرضها رقابة قسرية على وسائل الاتصال ووسائل الإعلام الجماهيرية.

وقد أدى ظهور نظرية الحرية إلى صراع تمثل بين المفهوم الغربي للحرية، والمفهوم السوفييتي للحرية، إبان الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي الغربي الديمقراطي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والشرقي الشيوعي بقيادة الإتحاد السوفييتي والخلاف المطروح كان: أيّ المفهومين أصدق أو أقرب أو أنفع للفرد والمجتمع ؟ فكلا الجانبي كانا يتهمان بعضهما البعض باضطهاد الإنسان واستغلاله وكل منهما كان يطرح أسلوبه وأفكاره وفلسفته بين الجماهير ويروج لها بين الشعوب.

وقد سَخِرَ الماركسيون من الحرية النظرية التي عرفها العالم الغربي عندما أعلن ستالين: "إنه لا معنى مطلقاً للحرية بالنسبة للمتعطل عن العمل، ولا معنى للحرية بالنسبة للجائع فإن الحرية لا توجد إلا عندما يختفي الاستغلال والتسول والخوف أو يختفي شبح البطالة من المجتمع اختفاء تاماً". وهذا كلام واضح لا يحتاج إلى تعليق. فالسخرية تبدو رافضة تماماً لهذه النظرية.

بينما أعلن الغربيون أن صحافتهم تتمتع بالحرية المطلقة وأن الصحافة السوفييتية تنوء تحت وطأة السلطة المطلقة، وأنها تخضع كل الخضوع للرقابة الحكومية أو رقابة الحزب الواحد.

بينما أعلن السوفيت أن صحافتهم غير مأجورة كالصحافة الأمريكية التي اتهموها بأنها مأجورة، وأن الصحافة السوفييتية ليست خاضعة لسيطرة رأس المال والاحتكار كما هو الحال في الغرب.

ووصفت الصحافة الأمريكية نفسها بأنها صحافة الخبر وأنها تساير في ذلك التطور الصحفي في البلاد المتقدمة وأنها قادرة على نشر الأخبار بسرعة فائقة، وأنها أقدر من سواها على تسلية القارئ وإمتاعه وتزويده بالمعلومات النافعة.

وردت الصحافة السوفييتية بأن السبق الصحفي في الأخبار وتسلية القراء لا يعتبران جزءاً من الخدمة العامة التي تقدمها الصحافة الرشيدة للشعب كون خبر التسلية والترفيه كثيراً ما يكون منافياً للشرف الصحفي وفق المفهوم السوفييتي.

وعلى العموم فإن الغرب وضع الحرية في المرتبة الأولى والمسؤولية في المرتبة الثانية، بينما السوفييت قبل الانفتاح الغورباتشوفي في ثمانينات القرن العشرين كانوا يضعون المسؤولية أمام الحزب الشيوعي أولاً والحرية بعد ذلك. وتغيرت الظروف والطروحات بعد انهيار المنظومة الاشتراكية والإتحاد السوفييتي السابق، ولاحت تباشير الانفتاح على المفهوم الغربي للحرية والديمقراطية في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية للدول المستقلة التي قامت على أنقاض الإتحاد السوفييتي السابق، وأنقاض المنظومة الاشتراكية السابقة التي كان يقودها، وراحت تلك الدول تبحث عن مكان لها في النظام العالمي الجديد، منفتحة على العالم بعد سنوات طويلة من العزلة والمواجهة.

النظرية الاشتراكية للصحافة

ظهر مفهوم النظرية الاشتراكية في أوروبا مع بداية عام 1830م واستمر في تطوره حتى عام 1948 وخلال هذه الفترة الطويلة التي دامت أكثر من قرن ظهر الكثير من المفاهيم والمذاهب الفلسفية والأفكار السياسية المكملة لمفهوم الاشتراكية وكان أولها ما ظهر في فرنسا إبان الثورة الفرنسية التي اعتمدت على المنشور والمطبوع في نشر أفكارها.

وظهر مصطلح الاشتراكية بمعناه السياسي الحديث الدال على نظام اجتماعي واقتصادي في الصحافة لأول مرة عندما نشرت صحيفة كلوب عام 1832م مقالة عنها كتبها بيير ليرو أحد أتباع مدرسة سان سيمون الفلسفية. وأطلق مصطلح الاشتراكية للتعبير عن الفلسفة الاجتماعية الإصلاحية التي آمن بها أتباع هذه المدرسة المؤمنة بالنظرة الإنسانية إلى الطبقات المعدمة. وسرعان ما اتسع مدلول الاشتراكية بفضل فورييه، وبرودون، ولويس بلان، لتعبر عن التطلع إلى نوع جديد من النظم الاجتماعية.

التيارات الاشتراكية: وتبلورت في أوروبا ثلاثة تيارات اشتراكية هي تيارات تمثل خلاصة الصراع الإنساني ضد الاحتكار الرأسمالي وفق المفهوم الاشتراكي، وهي:

- الاشتراكية الإنتاجية: التي تتبنى مشاريع تنمية الثروة القومية، وإطلاق طاقات رأس المال في المشروعات الإقليمية والعالمية. داعية الناس القادرين على الإنتاج والبذل. وفق مفهوم الكل منتج دون تدخل من الدولة، تاركين الأمر للتجار والصناعيين والمثقفين والعلماء والفنيين لتحقيق الكفاية، وتزعم هذه المدرسة الفيلسوف سان سيمون وأتباعه.

- والاشتراكية التعاونية: وتزعم هذا الاتجاه في إنكلترا الفيلسوف ورجل الصناعة روبيرت أوين، وفي فرنسا شارل فورييه، واعتبر أوين أن حل المشكلة يتوقف على خلق النموذج الاشتراكي الإنساني الذي سيجذب أصحاب النوايا الطيبة من الأغنياء ورجال المال والصناعة، وأعطى المثال بنفسه عندما أقام مستعمرة اشتراكية على أساس المساواة المطلقة والمشاركة في الجهود والأرباح، وانتفاء الأسلوب الرأسمالي الاستغلالي في التعامل.

- والاشتراكية العلمية: الذي صاغ نظريتها الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية كارل ماركس، بعد استيعابه العلمي للفلسفة الجدلية لهيجل، ومذهب آدم سميث للاقتصاد الحر، والدراسات الفلسفية الاجتماعية لسان سيمون وتلاميذه.

دعائم النظرية الاشتراكية للصحافة: تقوم النظرية الاشتراكية للإعلام على دعائم أساسية هي:

- ملكية الشعب لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية؛

- وربط مؤسسات ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بالمجتمع الاشتراكي، ربطاً وثيقاً؛

- وتحديد دور إيجابي يلتزم به جميع العاملين في الميدان الإعلامي.

وبهذا الوضع وتطبيقاً لهذه الأفكار فإن الصحافة التي تؤمن بهذه الفلسفة هي صحافة واقعية لا عناية لها إلا بالموضوع أو الموضوعية الأكاديمية، لذلك فهي تؤمن بالواقع الملموس من المكاسب التي تحصل عليها الطبقة الكادحة. وتضع المسؤولية العامة اتجاه الطبقة أولاً والحرية ثانياً.

وعلى هذا الأساس أصبح للحرية الصحفية في النظام الاشتراكي معنى مخالفاً تماماً لمعناها في النظام الرأسمالي، ووفقاً لمصالح الطبقة الكادحة فإن النظام الإعلامي الاشتراكي يؤمن:

- بحرية القول؛

- وحرية الاجتماع بما في ذلك الاجتماعات الشعبية؛

- وحرية التجمع أو المواكبة أو التظاهر لتحقيق غرض معين.

ولم يعد في الإمكان الحديث عن نظرية إعلامية اشتراكية بعد انهيار المنظومة الاشتراكية والإتحاد السوفييتي السابق، وتفكك الجمهوريات السوفييتية إلى جمهوريات مستقلة ذات سيادة واستقلال وطني، وتحول أغلبية دول المنظومة الاشتراكية إلى أنظمة ديمقراطية لها أساليبها السياسية والإعلامية الخاصة بها وعلاقاتها الدولية المبنية على مفاهيم جديدة بل أن بعض الجمهوريات الجديدة تلك أخذت تعمل على تكييف نظريات الإعلام الغربية مع ممارساتها الإعلامية الفعلية.

نظرية المسؤولية الاجتماعية

ولدت هذه النظرية نتيجة للمعاناة التي سببتها النظريات السابقة، وقد يكون أيضاً بسبب تأثير نتائج الحرب العالمية الثانية ووجد المفكرون في المبادئ والوظائف والصيغ الجديدة انعكاساً للنظرية الليبرالية، وأعتبر القرن العشرين الميدان التطبيقي لأفكار هذه النظرية في المجتمع والدولة وكان أمثل تطبيق لأفكار هذه النظرية الولايات المتحدة الأمريكية التي طبقت فيها ومن ثم أخذت بالانتشار في بقية أنحاء العالم.

وتوجهت أفكار ومبادئ هذه النظرية بالنقد لأفكار النظرية الليبرالية (نظرية الحرية). ومن أهم المبادئ التي تقوم عليها هذه النظرية:

- إعطاء الحقيقة إلى الفرد ولا يحق التستر عليها ولا يجوز تزويد الفرد بمعلومات كاذبة أو ناقصة؛

- وممارسة النقد البناء والقبول بأي فكرة أو طرح جديد من قبل الفرد وتقبل مناقشة ذلك الفرد، لتصحيح الخطأ إن وجد بأسلوب ديمقراطي بناء هادف وهادئ؛

- ونشر أهداف المجتمع وخططه التربوية والتعليمية والاقتصادية. فالإعلام يهدف إلى خدمة المجتمع ويبشره بالرفاهية واحترام حقوق الفرد السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية؛

- وإتاحة الفرصة للفرد للحصول على المعلومة التي يستفيد منها أو يريد أن يتعلمها أو يضيفها إلى حصيلة مستواه الثقافي والسياسي من خلال فكر الدولة أو فكره الشخصي.

- وتتلخص الوظائف العامة لنظرية المسؤولية الاجتماعية بخدمة النظام السياسي المتفق عليه من قبل الأغلبية الساحقة للشعب؛

- وإعلام الرأي العام وإعلاء ممارسة حكم الشعب لنفسه؛

- وحماية حقوق الأفراد في المجتمع، وحقوق الدولة لخدمة المجتمع باحترام النظام العام، واحترام حق الاتصال والإعلام؛

- وخدمة النظام من خلال إبراز الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية؛

- وتقديم البرامج المتوازنة الخاصة بالتسلية والترفيه للفرد من خلال ذلك القسط من الحرية الممنوحة من الدولة بما يحقق راحة الجميع؛

- والتركيز على مبدأ تحقيق الاكتفاء الذاتي.

ولقد وجهت هذه النظرية بعض أوجه النقد للنظرية الليبرالية (الحرية) وتمثل هذا النقد في:

- أن الصحافة لم تؤد دورها الصحيح في عرض وجهات النظر المختلفة للأفكار المطروحة في المجتمع.

بينما تؤمن نظرية المسؤولية الاجتماعية بضرورة إعطاء الحقيقة ووجهات النظر المختلفة كلها دون مراوغة أو تضليل للفرد وإنما منحه حقيقة الفكر المطروح من خلال وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية؛

- وأن نظرية الحرية الليبرالية تهدف إلى إثارة الأحاسيس والمشاعر في المجتمع. ولذلك فإنها لا تعطي الحقيقة كلها بل تجزئها وأحياناً تحرفها، بشكل يؤدي إلى خداع المجتمع  في النهاية، وقد يساند الفرد ممارسات تلك الدولة أو تلك دون أن يعرف توجهها الصحيح، ولكنه يكتشف بعد فوات الأوان أنه كان مخدوعاً.

- بينما تخالف نظرية المسؤولية الاجتماعية هذا الرأي وتؤكد على ضرورة ممارسة حرية إعلام المواطن بالخبر والحدث ومنحه حق منافسة الدولة والآخرين بشكل يؤدي إلى العمل والتعاون والتقدم.

- وتتحمل وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بقدر من المسؤولية في ممارسة البناء والنمو الاجتماعي على أساس الالتزام بحقوق الآخرين.

فالحرية تنطوي على قدر كبير من المسؤولية الاجتماعية ولهذا فالحرية ليست حقاً طبيعياً يعطى دون مقابل، بل حقاً مشروطاً بمسؤوليات يمارسها الإنسان اتجاه نفسه واتجاه المجتمع. ولا حق لأحد بالاعتداء على حريات الآخرين. أي أن الحكومة والشعب يعطيان وسائل الاتصال والإعلام حقهما في حرية التعبير، ولكن في نفس الوقت يمكن أن تفقد هذا الحق فيما لو أسيء استعماله، ولا يمكن عزل المجتمع ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية والدولة عن بعضهم البعض لأن التمتع بالحقيقة وحرية الرأي أمران ضروريان للأطراف الثلاثة:

- الدولة؛

- والمجتمع؛

- ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.

والغاية واضحة، وتبدأ عملية تفكير الفرد فور تسلمه للخبر، فيناقشه مع نفسه أولاً، ومن ثم مع السياسة المعلنة للدولة ووسيلة الاتصال أو الإعلام الجماهيرية المنتمية لتلك الدولة مخالفة أم مؤيدة لرأي وفكر الحكم في الدولة. وبذلك يصبح الفرد متمتعاً بالحرية الحقيقية والقدرة على التعبير عن رأيه وأفكاره ومفاهيمه ومواقفه إلا أن هذا لا ينفي وجود الرقابة الموضوعية على النشر إذ أن الرقابة موجودة ولا تسمح بنشر أي شيء يتعارض وتوجه خدمة الجماهير العريضة، ولا يهم الرقابة الآراء المتعلقة بالأفراد كأفراد، لأنها تضع مصلحة المجتمع فوق كل المصالح، وتحترم المصلحة الجماعية للمجتمع.

نظرية المسؤولية العالمية للصحافة

وتهدف نظرية المسؤولية العالمية، إلى:

- ربط أجهزة الاتصال والإعلام الجماهيرية والعاملين فيها بقضية الإنسان في كل مكان؛

- ورفع مسؤولية الاتصال والإعلام الجماهيري إلى مستوى القضايا العالمية التي تحتاج إلى كلمة الحق المنزهة عن الهوى، وإلى الموضوعية التي تفتقر لها أجهزة الاتصال والإعلام الجماهيرية في المجتمعات المختلفة؛

- وتحقيق المساهمة الإيجابية لأجهزة الاتصال والإعلام الجماهيرية في معركة الوجود الإنساني نفسه؛

- ونبذ ومحاربة التهديدات الإنسانية المصيرية والمتمثلة في الحرب النووية والاحتكارات والمصالح الدولية.

وأهداف وغايات هذه النظرية بالأساس تنبثق من مفهوم خدمة المجتمع الإنساني ككل وهذه النظرية تعتبر امتداداً للنظريات الإعلامية السابقة ولكنها قد تكون أكثر شمولاً منها كونها تنطلق من وإلى المجتمع الإنساني الأشمل. دون تحديد لجنس هذا المجتمع لأنها ترفض الأفكار العنصرية والعرقية والدينية وتعمل على خدمة الإنسان من كل جوانب حياته، وتؤمن بتوفير الحرية الكاملة والكافية التي تمكن الإنسان من إبداء رأيه وأفكاره، من خلال وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المتاحة.

وتتلخص فلسفة هذه النظرية بالعبارة التالية: (حب الإنسان للإنسان). ومهما تكن الاختلافات بين الإنسان والإنسان الآخر، فإن شعار هذه النظرية يؤكد على التآخي، ودعوتها الصريحة تتسم بالبساطة والوضوح فقد استندت إلى حقيقة موضوعية في ارتباط الإنسان بالإنسان الآخر، من حيث الحضارة، والمصالح، والتاريخ، والجغرافيا، والثقافة، والديانات، وكل ذلك يستدعي من الإنسان أن يحب لأخيه الإنسان ما يحب لنفسه في العالم الإنساني الواسع الفسيح الأرجاء.

وقد تختلف أو لا تختلف الغاية من الأهداف التي تتضمنها هذه النظرية إلا أن الغاية الأساسية تركز على تكييف طبيعة الصراع الإنساني لتحقيق الغاية الأسمى، غير أن هذه النظرية لا يمكن تحقيقها ما لم يظهر من بين دعاتها أفراداً مخلصون لمبادئ الإنسانية عموماً، لأن الذاتية كنزعة إنسانية فردية تقود بعض المنظرين والسياسيين المتزعمين لحركة المجتمع أو المتزعمين لحركته الفلسفية والفكرية إلى ضيق الأفق.

والإخلاص هنا يرتكز على مبادئ الإنسانية جمعاء، وليس على المبادئ الذاتية التي تضلل الناس المتطلعين إلى السلام والحرية ومحاربة كل وسائل الاتصال والإعلام الرأسمالية التي تعمل على استلاب حياة الناس واستلاب رغيف الخبز الذي يعيشون عليه.

وتعتبر أن الإنسان المتطلع إلى مبادئ المسؤولية العالمية بحق، هو ذلك الإنسان المنادي بالحرية الحقيقية وبمفهومها الحقيقي، ومعناها المناهض للوسائل المتخلفة التي تعمل على تفكيك وتجزئة شعوب العالم من خلال النزاعات الدينية، والتوسعية، والعبودية الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، التي في النهاية تحطم الإنسان في كل مكان.

لذلك ومع توسع الثورة المعلوماتية والتكنولوجية وخضوع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية للاحتكارات أو لفئات حاكمة والسير في ركابها وعدم ارتباطها بالمجتمع وتسخير قدراتها لخدمة قضاياه، فإن تطبيق هذه النظرية العالمية يحتاج إلى أولئك الرجال الذين يستطيعون تخطي الحواجز الإقليمية والارتفاع فوق الصراعات والمصالح الشخصية والمحلية والإقليمية، والنظر إلى الإنسان كإنسان في كل مكان.

وجرت محاولات فردية كالمحاولة التي قام بها الفيلسوف البريطاني برتراند راسل، وعارض فيها الحرب الفيتنامية، وجهود بعض الكتاب الأحرار في مقاومة الاحتلال والحروب والتفرقة العنصرية.

ولكن الذي يحدث هنا وهناك لم تواته القوة المؤثرة بعد، ولا زالت تلك النظرية بعيدة عن الرواج أو التأثير، ونجد أن الكثير من المحاولات الإعلامية والسياسية العالمية لمناصرة حقوق الشعوب المضطهدة وقضاياها العادلة، وفضح المخططات التوسعية والعنصرية في العالم، دون المستوى المطلوب.

ونرى أن الأمم المتحدة معنية في إعادة النظر في جميع الممارسات الاتصالية والإعلامية الجماهيرية الدولية المستندة على مبدأ حق امتلاك التكنولوجيا، الذي يعني حق احتكار المعلومات فالقضايا الإنسانية وحقوق الشعوب المهضومة جميعها تمثل جوهر عملية الاتصال والإعلام الإنساني الموالي للحب والسلام والوئام بين شعوب العالم على أساس الاحترام المتبادل وتبادل المنافع والمصالح الإنسانية.

نظرية المشاركة الديمقراطية

وتعد هذه النظرية من أحدث النظريات الإعلامية وأصعبها تحديداً، فقد برزت هذه النظرية من واقع الخبرة العملية كاتجاه إيجابي نحو ضرورة وجود أشكال جديدة في تنظيم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، فالنظرية قامت كرد فعل مضاد للطابع التجاري والاحتكاري لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المملوكة ملكية خاصة، كما أن هذه النظرية قامت رداً على مركزية مؤسسات الإذاعة العامة، التي قامت على معيار المسؤولية الاجتماعية، وتنتشر بشكل خاص في الدول الرأسمالية.

والدول الأوروبية التي اختارت نظام الإذاعة العامة، بديلاً عن النموذج التجاري الأمريكي كانت تتوقع قدرة الإذاعة العامة على تحسين الأوضاع الاجتماعية والممارسة العاجلة للاتصال والإعلام الجماهيري، ولكن الممارسة الفعلية لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية أدت إلى حالة من الإحباط وخيبة الأمل بسبب التوجه النخبوي لبعض المؤسسات الإذاعية المسموعة والمرئية، واستجابتها للضغوط السياسية والاقتصادية ولمراكز القوى في المجتمع، كالأحزاب السياسية ورجال المال ورجال الفكر.

ويعبر مصطلح المشاركة الديمقراطية عن معنى التحرر من نظام الأحزاب والنظام البرلماني الديمقراطي في المجتمعات الغربية، الذي أصبح مسيطرا على الساحة ومتجاهلاً للأقليات والقوى الضعيفة في تلك المجتمعات، وتنطوي هذه النظرية على أفكار معادية لنظرية المجتمع الجماهيري، الذي يتسم بالتنظيم المعقد والمركزية الشديدة، والذي فشل في توفير فرص عاجلة للأفراد والأقليات في التعبير عن اهتماماتها ومشكلاتها.

وترى هذه النظرية أن نظرية الصحافة الحرة فاشلة بسبب خضوعها لاعتبارات السوق التي تجردها أو تفرغها من محتواها، وترى أن نظرية المسؤولية الاجتماعية غير ملائمة بسبب ارتباطها بمركزية الدولة، ومن منظور نظرية المشاركة الديمقراطية أن التنظيم الذاتي لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية لم يمنع ظهور مؤسسات اتصال وإعلام جماهيري تمارس سيطرتها من مراكز القوة في المجتمعات، وفشلت في مهمتها وهي تلبية الاحتياجات الناشئة من الخبرة اليومية للمواطنين أو المتلقين لما تقدمه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية.

وهكذا فإن النقطة الأساسية في هذه النظرية تكمن في احتياجات ومصالح وآمال الجماهير التي تستقبل ما تنشره وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، وركزت هذه النظرية على اختيار وتقديم المعلومات المناسبة، وحق المواطن في استخدام وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية من أجل التفاعل والمشاركة على نطاق صغير في منطقته ومجتمعه، ورفضت هذه النظرية المركزية أو سيطرة الحكومة على وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، ولكنها شجعت التعددية والمحلية والتفاعل بين المرسل والمستقبل والاتصال الأفقي الذي يشمل كل مستويات المجتمع.

ووسائل الإعلام التي تقوم في ظل هذه النظرية ستهتم بالحياة الاجتماعية أكثر وتخضع للسيطرة المباشرة لجمهورها، وتعتبر فرصة للمشاركة على أسس يحددها الجمهور بدلا من المسيطرين عليها.

وتتلخص أفكار نظرية المشاركة الديمقراطية في التالي:

- أن للمواطن الفرد والجماعات والأقليات حق الوصول إلى وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية واستخدامها، والحق في أن تخدمهم طبقا للاحتياجات التي يحددونها؛

- وأن تنظيم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية ومضامينها يجب أن لا تخضع للسيطرة الوطنية المركزية؛

- وأن سبب وجود وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية أصلا هو خدمة الجماهير وليس من أجل المؤسسات التي تسيطر على تلك الوسائل أو العاملين فيها؛

- وأن الجماعات والمنظمات والتجمعات المحلية ينبغي أن يكون لها وسائل اتصالها الإعلامية الجماهيرية الخاصة بها؛

- وأن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الصغيرة والمتسمة بالتفاعل والمشاركة أفضل من وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية المهنية الضخمة التي ينصب مضمونها في اتجاه واحد؛

- وأن الاتصال أهم من أن يترك للإعلاميين أو الصحفيين.

النظرية التنموية

ومع اختلاف الظروف في العالم النامي، وخاصة في الدول التي ظهرت إلى الوجود في منتصف القرن العشرين، واختلفت عن الدول المتقدمة من حيث الإمكانيات المادية والاجتماعية، كان لابد من نموذج إعلامي لهذه الدول يختلف عن النظريات التقليدية التي استعرضناها، ويناسب الأوضاع القائمة في المجتمعات النامية، وظهرت النظرية التنموية في ثمانينات القرن الماضي، وقامت على الأفكار والآراء التي وردت في تقرير لجنة واك برايل حول مشكلات الاتصال في العالم الثالث.

وخرجت هذه النظرية عن نطاق بعدي الرقابة والحرية كأساس لتصنيف أنظمة الاتصال والإعلام الجماهيرية، فالأوضاع المتشابهة في دول العالم الثالث تحد من إمكانية تطبيق نظريات الإعلام التي أشرنا إليها سابقاً، لغياب العوامل الأساسية للاتصال والإعلام كالمهارات المهنية والمواد الثقافية والجمهور المتاح.

والمبادئ والأفكار التي تضمنتها النظرية التنموية تعتبر مهمة ومفيدة لدول العالم النامي، لأنها تعارض التبعية وسياسة الهيمنة الخارجية. وهذه المبادئ تعمل على:

- تأكيد الهوية الوطنية والسيادة القومية والخصوصية الثقافية للمجتمعات.

وعلى الرغم من أن هذه النظرية لا تسمح إلا بقدر قليل من الديمقراطية، حسب الظروف السائدة، إلا أنها في نفس الوقت، تفرض التعاون وتدعو إلى تضافر الجهود بين مختلف القطاعات الاجتماعية لتحقيق الأهداف التنموية، وتكتسب النظرية التنموية وجودها المستقل من نظريات الإعلام الأخرى ومن اعترافها وقبولها للتنمية الشاملة والتغيير الاجتماعي.

وتتلخص أفكار النظرية التنموية في التالي:

- أن وسائل الاتصال والإعلام يجب أن تقبل تنفيذ المهام التنموية بما يتفق مع السياسة الوطنية القائمة؛

- وأن حرية وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية يجب أن تخضع للقيود التي تفرضها الأولويات التنموية والاحتياجات الاقتصادية للمجتمع؛

- ويجب أن تعطي وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الأولوية للثقافة الوطنية واللغة الوطنية في المضمون الإعلامي؛

- وأن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية مدعوة لإعطاء أولوية فيما تقدمه من أفكار ومعلومات للدول النامية الأخرى القريبة جغرافيا وسياسيا وثقافياً؛

- وأن الصحفيين والإعلاميين العاملين في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية لهم الحرية في جمع وتوزيع المعلومات والأخبار؛

- وأن للدولة الحق في مراقبة وتنفيذ أنشطة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية واستخدام الرقابة خدمة للأهداف التنموية.

وعرف ليونارد سوسمان صحافة التنمية بأنها الصحافة التي يركز الصحفيون الموضوعيون فيها على أخبار الأحدث والتطورات في المجالات التنموية الأمر الذي يؤدي إلى نجاح التنمية الاقتصادية وتحقيق الوحدة الوطنية في الدول النامية.

وأشار ناريندر أجاروالا إلى أن صحافة التنمية تفرض على الصحفي تفحص وتقييم ما يكتبه بعين ناقدة، ومدى ارتباط المشروع التنموي بالحاجات المحلية والقومية وتفحص الاختلافات بين الخطة وتطبيقها، والاختلاف بين آثارها الاجتماعية الفعلية وتصريحات المسئولين، بتناقض بين الاستخدام الحكومي للصحافة في خدمة التنمية، وبين الدور الرقابي للصحافة في ظل السيطرة الحكومية وتراجع النقد وتحول أخبار التنمية إلى دعاية سياسية للحكومة وقيادتها.

وتتلخص وجهة النظر هذه في مهام وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في عملية التنمية بالتالي:

- تشكيل اتجاهات الشعب وتنمية هويته الوطنية؛

- ومساعدة المواطنين على إدراك أن الدولة قامت بالفعل بأداء التزاماتها على الوجه الأكمل؛

- وأن الحكومة تنتهج سياسات هادفة للمساعدة على تحقيق التنمية الوطنية؛

- وتشجيع المواطنين على الثقة بالمؤسسات والهيئات والسياسات الحكومية مما يضفي الشرعية على السلطة السياسية ويدعم مركزها؛

- والإسهام في تحقيق التكامل السياسي والاجتماعي من خلال تجنب الصراعات السياسية والاجتماعية، وإحباط الأصوات الداعية للتشرذم والتفرقة، والتخفيف من التناقضات في القيم والاتجاهات بين الجماعات الاجتماعية المتباينة؛

- والمساعدة على الاستقرار والوحدة الوطنية وتغليب المصالح الوطنية على المصالح الذاتية؛

- وإبراز الإيجابيات وتجاهل السلبيات وتقليل حجم النقد إلى حجمه الأدنى.

ومن هنا تبرز مشكلة سوء استخدام صحافة التنمية في إطار الاحتكار الحكومي للصحف، حيث تتحول طاقات الصحف لخدمة هدف تدعيم مركز السلطة السياسية وتصبح أهداف التنمية الوطنية ذات أهمية ضئيلة، وتتحول حرية الصحافة كما أشار جراهام مايتون إلى نوع من الترف الفكري من وجهة نظر المتحمسين لمفهوم صحافة التنمية، وأوضح فاروق أبو زيد أن بعض الدول العربية التي ادعت ضرورة توجيه الصحافة لخدمة التنمية والقضايا القومية انتهى الأمر فيها إلى توظيف الصحف لتدعيم النظم السياسية الحاكمة، والترويج لأفكارها والدفاع عن سياساتها، وأن النظرية التنموية لم تلبي واقع الأنظمة الاتصالية في دول العالم الثالث، الأمر الذي يؤكد ضرورة صياغة نظريات جديدة ينتجها مفكرو العالم الثالث، لتخاطب الواقع في الدول النامية بمفاهيمه وتعقيداته.

نظرية التبعية الإعلامية

وظهرت نظرية التبعية الإعلامية في دول أمريكا اللاتينية في حقبة ما بعد الاستقلال كرد فعل لإخفاق نظريات التحديث الغربية في تفسير أسباب تخلف الدول النامية، وتتلخص في أن ما تقدمه الدول الصناعية من تكنولوجيا للاتصال والإعلام الجماهيري، وأنظمة وممارسات مهنية إعلامية ومواد وبرامج إعلامية لاستهلاكها في الدول النامية يعمل على صنع وتعميق التبعية الإعلامية لهذه الدول، وزيادة اعتمادها على الدول الصناعية المتقدمة.

ومن أهم منظري هذه النظرية شيلر، وماتللارات، وبويد باريت، اللذين قالوا: أن التكنولوجيا والأنظمة والممارسات الإعلامية المنقولة من دول العالم المتقدم تعمل على تشويه البنيات الثقافية في دول العالم النامي، وتسهم في إحداث سلبيات عديدة منها:

- خلق ثقافة مهجنة؛

- وتغريب ثقافي؛

- وغزو ثقافي.

وفي هذا الإطار جاءت جهود منظمة اليونسكو لتسهم في تقديم منظور نقدي يتميز بالشمول والموضوعية في محاولة لتجاوز الرؤى الجزئية التي تسعى إلى سيادة الرؤية الغربية (دول الشمال) في الاتصال والإعلام الجماهيري وتجاهل وإغفال حقوق الاتصال والإعلام الجماهيري لشعوب الدول النامية (دول الجنوب).

وحرصت لجنة ماكبرايد على طرح تصور شامل يتضمن رؤية ومطالب دول الجنوب في مجال الاتصال والإعلام أبرزها في تقرير اللجنة وهي:

- ضرورة المبادرة لتطوير المفهوم التقليدي السائد عن سياسات الاتصال الجماهيري؛

- والعمل على تغيير الهياكل الاتصالية الجماهيرية السائدة؛

- والأخذ بالنظام المفتوح للاتصال الجماهيري الذي يتيح إشراك الجماهير في عملية الاتصال الجماهيرية.

وكشفت النظرة المتعمقة لتجارب العالم الثالث لنا حقيقة الدور الذي تقوم به بعض وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في تشكيل اتجاهات الرأي العام بصورة خادعة ومضللة ومستهدفة في الأساس، ولإضفاء الشرعية على السياسات الاستبدادية للسلطات الحاكمة، واعتمادها على تكنولوجيا الاتصال والمعلوماتية التي تتحكم فيها الشركات متعددة الجنسيات، والقوى المحلية المتمتعة بالنفوذ السياسي والاقتصادي.

لنفهم أن نظرية التبعية الإعلامية أعطت اهتماماً كبيراً للأبعاد الثقافية والتاريخية والدولية في تفسيرها للعلاقة القائمة بين وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية والسلطات السياسية ودورها في إطار التبعية الإعلامية والغزو الثقافي. ولو أنه يمكن أن يؤخذ عليها مبالغتها في تقدير أهمية المتغيرات الخارجية وتأثيرها على الأنظمة والسياسات الاتصالية لدول العالم الثالث، وهو ما يقلل من أهمية المتغيرات الداخلية، بالرغم مما تمثله الضغوط الدولية من أهمية، إلا أن صياغة السياسات الإعلامية تبقى مسؤولية وطنية في المقام الأول ويفترض أن تعكس الإرادة الشعبية وتصون الشخصية الثقافية الوطنية.

ورغم ذلك فنظرية التبعية الإعلامية بحاجة لجهود كبيرة ومراجعتها على ضوء المتغيرات الدولية التي برزت في أواخر ثمانينيات القرن الماضي ابتداءً من انهيار الشيوعية والمعسكر الاشتراكي الدائر في فلكها وسقوط القطبية الثنائية، مروراً بالنظام العالمي الجديد وعولمة الاقتصاد والسياسة والثورة التكنولوجية في عالم الاتصال، وعولمة الثقافة والدفع نحو صراع الحضارات.

خاصة وأن أنظمة الاتصال والإعلام في العالم الثالث تقوم على:

- نظام إعلامي تسيطر عليه الدولة في إطار مفهومي التنمية والوحدة الوطنية، والرقابة فيه على المضمون الإعلامي صارمة؛

- ونظام إعلامي موجه من الدولة وظيفته الأساسية تعبئة الجماهير من أجل التنمية وتدعيم الوحدة الوطنية لتحل المسؤولية الوطنية محل المسؤولية الاجتماعية؛

- ونظام إعلامي مستقل تتمتع فيه الصحافة بقدر من الحرية بعيداً عن التدخل المباشر للحكومة وتستطيع الصحافة في ظله أن تظهر استقلالية في مواجهة الضغوط الحكومية.

ويعتبر هذا التصنيف أكثر مرونة في تصنيف الأنظمة الإعلامية في العالم الثالث، لأنه من الصعب إخضاعها لتصنيفات جامدة نظراً لما تتضمنه من تناقضات وتعقيدات كثيرة.

نظريات الإعلام والتجربة الإعلامية العربية

للصحافة العربية موروث لا تحسد عليه بحكم نشأتها في أحضان السلطة، واستمرار تطبيق الكثير مما خلفه الاستعمار من قيود وممارسات معادية لحرية الصحافة وقد أنعكس هذا الموروث بشكل واضح في التشريعات والسياسات والممارسات لدرجة تطابقت فيها الأنظمة الصحفية والأنظمة السياسية، والتعامل مع ما ينشر في معظم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية العربية، وكأنه يمثل وجهات نظر رسمية للحكومات العربية، وقامت بعض الدراسات الإعلامية العربية بدراسة:

- قوانين المطبوعات والصحافة العربية؛

- والعلاقة بين الصحافة والسلطة السياسية؛

- وتطور الصحافة العربية، خلال مرحلتي الاستعمار وما بعد الاستقلال.

ومن تلك الدراسات، الدراسة التي قام بها فاروق أبو زيد للأنظمة الصحفية العربية، معتمداً على تحليل مضمون 16 قانون للمطبوعات نافذة في بعض البلدان العربية، وخلص إلى أنه نظام صحفي سلطوي، ويشكل الاتجاه الغالب للأنظمة الصحفية العربية، ولا يوجد نظام صحفي عربي نقي، لأنه تتداخل في تلك القوانين خصائص الأنظمة الليبرالية، والسلطوية، والاشتراكية، نتيجة للخلط القائم في النظم: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، في المجتمعات العربية.

وفي محاولة لتطبيق نظريات الصحافة الغربية على واقع الصحافة العربية توصلت الدكتورة عواطف عبد الرحمن إلى أن هناك الكثير من أوجه الشبه بين النظرية السلطوية وممارسات الصحافة العربية، على الرغم من وجود بعض التشابه بين النظرية الاشتراكية وبين الأوضاع الإعلامية العربية، إلا أنها ترى أنه من العسير إن لم يكن من المستحيل تعميم هذه النظرية.

أما النظرية الليبرالية فأنها لا تصلح للتطبيق على الصحافة العربية ولا تتلاءم مع الواقع السياسي والاقتصادي العربي الراهن حيث تسود الأمية والفقر والتخلف الاجتماعي مع شيوع الأنظمة الأوتوقراطية المتسلطة.

وأوضح حماد إبراهيم أن النظام الصحفي السلطوي هو النظام السائد في الوطن العربي، حيث يبرز احتكار النشاط الإعلامي من قبل السلطة السياسية، وأن أغلب وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية العربية لا تتسع إلا لوجهات النظر الرسمية والارتفاع بمكانة صانع القرار المركزي والترويج لسياسات السلطة والتشكيك في الخصوم أو المعارضين السياسيين وتشويه صورتهم أمام الرأي العام.

وفي دراسة لدور وسائل الاتصال الجماهيرية في صنع القرارات في الوطن العربي انتهى بسيوني حماده إلى أنه هناك فجوة حقيقية بين النظامين السياسي والاتصالي والإعلامي الجماهيري، وأن هذه الفجوة لا تلغي التبعية، وأرجع هذه الفجوة إلى ميل النظم الاتصالية والإعلامية الجماهيرية العربية للإثارة والمبالغة وعدم القدرة على التعبير عن الرأي العام، وغياب المعلومات الموثوقة من السلطة السياسية وعدم اهتمام صانعي القرار بقراءة ما تنشره وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، والنظر إلى الاستجابة لمطالب نظم الاتصال والإعلام الجماهيرية على أنه ضعف من السلطة السياسية.

لنخلص بأن أزمة حرية الاتصال والإعلام الجماهيرية في الوطن العربي لا تنفصل عن أزمة الديمقراطية حيث تسود الأنظمة السلطوية التي تضع كل السلطات في يد رئيس الدولة، وغياب دور التنظيمات السياسية الشعبية والديمقراطية في إطار عدم التوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وتحول معظم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية العربية إلى أجهزة حكومية مهمتها الدعاية لأنظمة الحكم، وتعبئة الجماهير وحشدها لتأييد سياساتها وممارساتها.

ورغم ما شهدته بعض الدول العربية من تحول إلى نظام التعددية السياسية والصحفية إلا أن الأنظمة الصحفية في تلك الدول لم تتحرر حتى الآن من تراث النظرية السلطوية، حيث تهيمن الحكومة على الصحف المركزية الرسمية، وتمارس أشكالاً مختلفة من التنظيم والسيطرة، مثل التحكم في تراخيص إصدار الصحف وتعيين رؤساء التحرير، وتوجيه السياسات الإعلامية والتحكم في تدفق المعلومات والإعلانات، علاوة على القيود القانونية التي تجيز مراقبة الصحف ومصادرتها وتعطيلها وحبس الصحفيين إذا تجاوزوا حق النقد الحدود المرسومة له.

ومن الطبيعي أن تسود أنظمة صحفية سلطوية في تلك الدول ذات أنظمة الحكم الأوتوقراطية، ومن غير المقبول أن تستمر المفاهيم الإعلامية السلطوية في تلك الدول ولا بد أن تأخذ بالتعددية وتبنى مفاهيم الاتصال والإعلامية الحديثة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق