الثلاثاء، 18 سبتمبر 2012

الدبلوماسية الشعبية والاتصال بالجماهير



الدبلوماسية الشعبية والاتصال بالجماهير

كتبها: أ.د. محمد البخاري: خبير إعلامي وأستاذ جامعي متقاعد، دكتوراه علوم سياسية DC اختصاص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. ودكتوراه فلسفة في الأدب Ph.D اختصاص: صحافة.


الدبلوماسية الشعبية هي جزء هام من العلاقات العامة اتسمت في المجتمعات البدائية بالمباشرة والبساطة، وأخذت تلك العلاقات بالتعقد مع التقدم الحضاري والاجتماعي، والمتغييرات التقنية والعلمية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية الجارية في العالم منذ نهاية ثمانينات القرن العشرين، وأدت إلى تداخل المصالح الدولية، بسبب سهولة الاتصال الذي أتاحته وسائل الاتصال الحديثة. مما زاد من أهمية دور وفاعلية الدبلوماسية الشعبية في العلاقات الدولية. وتعتبر الدبلوماسية الشعبية حلقة وصل بين مؤسسات المجتمع الواحد، وبين المجتمعات البشرية في مختلف أنحاء العالم، عن طريق تقديم خدمات معينة مبنية على الثقة المتبادلة، منطلقة من أهمية الفرد والشرائح الاجتماعية المختلفة، وقوة وتأثير الرأي العام في المجتمعات على مختلف المؤسسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وللدبلوماسية الشعبية (العلاقات العامة) تعريفين أساسيين هما:
التعريف المهني المتخصص: ويقصد به إقامة علاقات حسنة داخل المؤسسات وخارجها، مبنية على التفاهم والثقة المتبادلة. من خلال إبراز والاهتمام بالوظائف الأساسية التي تضطلع بها إدارة العلاقات العامة، في مؤسسة أو منظمة حكومية كانت أم خاصة، لتكون وظيفتها بذلك إدارية بحتة. وتبلور هذا التعريف مع ظهور جماعة من المتخصصين في العلاقات العامة مع بداية القرن العشرين، أمثال: إيفي لي، وإدوارد بيرنيز، وجون هيل. وتبع ذلك قيام جمعيات واتحادات علمية ومهنية ضمت متخصصين في العلاقات العامة في القارتين الأوروبية والأمريكية خلال أربعينات وخمسينات القرن العشرين. وساهمت تلك الجمعيات والمنظمات بدورها في زيادة تعريف العلاقات العامة، وساعدت على تحديد مهامها ووظائفها. وفي عام 1947 نشرت مجلة أخبار العلاقات العامة Public Relation News خلاصة لتعريف العلاقات العامة، أخذته من نتائج الاستقصاء الذي أجرته بين مشتركيها، والعاملين في مجالات العلاقات العامة، وجاء فيه أن: "العلاقات العامة: هي وظيفة إدارية تقوم بتقويم اتجاهات الجمهور وربط سياسات وأعمال فرد أو منشأة مع الصالح العام، وتنفيذ برنامج لكسب تأييد الجمهور وتفهمه". واعتبر إيفي لي أحد رواد العلاقات العامة في الولايات المتحدة الأمريكية، أن مهمتها مزدوجة، وتبدأ من دراسة اتجاهات الرأي العام، ونصح الشركات بتغيير خططها، وتعديل سياساتها لخدمة المصلحة العامة، ومن ثم إعلام الجمهور بما تقوم به الشركات من أعمال تهمهم وتخدم مصالحهم. أما إدوارد بيرنيز خبير العلاقات العامة الأمريكي، فاعتبر العلاقات العامة هي: محاولة لكسب تأييد الرأي العام لنشاط أو قضية ما أو حركة اجتماعية أو مؤسسة حكومية أو غير حكومية، عن طريق الإعلام والإقناع والتكيف، أي إيجاد التكيف والتكامل والتوافق بين مواقف مؤسسة معينة وسلوكها مع مواقف جماهيرها ورغباتهم، بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر. أما جمعية العلاقات العامة الأمريكية فقد عرفتها بأنها: نشاط تقوم به أية صناعة أو إتحاد أو هيئة أو مهنة، أو حكومة، أو أي منشأة أخرى في بناء وتدعيم علاقات سليمة منتجة بينها وبين فئة من الجمهور: كالعملاء والموظفين والمساهمين والجمهور بشكل عام، والعمل على تكييف أهداف المؤسسة مع الظروف المحيطة بها، وشرح أهدافها للمجتمع. وقدم معهد العلاقات العامة البريطاني، تعريف العلاقات العامة بأنها: الجهود الإدارية المرسومة، والمستمرة التي تهدف إقامة وتدعيم التفاهم المتبادل بين المنظمة وجمهورها. بينما جاء تعريف جمعية العلاقات العامة الفرنسية، بأن العلاقات العامة هي: طريقة للسلوك، وأسلوب للإعلام والاتصال، يهدفان إلى إقامة علاقات من الثقة، والمحافظة عليها، وتقوم هذه العلاقات على المعرفة والفهم المتبادلين، بين المنشأة المتمتعة بشخصية إعتبارية وتمارس وظائف وأنشطة محددة، وبين الجماهير الداخلية والخارجية التي تتأثر بتلك الأنشطة والخدمات. أما جمعية العلاقات العامة الدولية، فقد توصلت إلى تعريف العلاقات العامة بأنها: وظيفة الإدارة المستمرة والمخططة تسعى من خلالها المؤسسات والمنظمات الخاصة والعامة، إلى كسب التفاهم والتعاطف مع سياساتها وأنشطتها. وكسب المزيد من التعاون الخلاق، والأداء الفعال للمصالح المشتركة باستخدام الإعلام الشامل والمخطط.
التعريف الاجتماعي الشامل: وهو الاتجاه الاجتماعي للعلاقات العامة، الذي ظهر خلال ثلاثينات القرن العشرين، إثر الأزمة الاقتصادية التي عانى منها الاقتصاد العالمي عام 1929، وعرفه د. محمد البادي، بأنه: الاتجاه الاجتماعي للعلاقات العامة، كمهنة ذات طابع خاص، ويشمل كل ما يصدر عن المؤسسة من أعمال وتصرفات وقرارات، وكل ما يتصل بها من مظاهر واستعدادات وتكوينات مادية لأن ما يصدر عن المؤسسة أو يتصل بها له تأثيراته المعنوية على الجماهير التي ترتبط مصالحها بها، وهذه التأثيرات تعطي لهذه العناصر طبيعتها كأنشطة للعلاقات العامة، وتعطي أيضاً لاتجاهات العلاقات العامة صفتها الاجتماعية. وهو نشاط يشترك فيه كل أفراد المؤسسة من خلال تكوين علاقات عامة مرنة في سلوكهم واتصالاتهم ومعاملاتهم مع الجماهير داخل المؤسسة وخارجها. وأن لا يكون الهدف من النشاط السعي لتحقيق الربح فقط، بل إلى تقديم خدمات للمجتمع، عن طريق إنتاج سلع وخدمات جيدة ومتطورة تناسب الأذواق، وأداء الوظيفة المسندة إليهم بشكل جيد، مراعين الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تفرضها المسؤولية الاجتماعية في مشاركة المجتمع المحلي همومه وأفراحه وأحزانه، والعمل على تقليل الأضرار الناجمة عن نشاطاتهم والمحافظة على البيئة والعمل على النهوض بالمجتمع ثقافياً وعلمياً وحضارياً ومادياً. وعرف كانفيلد العلاقات العامة، بأنها: فلسفة اجتماعية لإدارة ترغب من خلال أنشطتها وسياساتها المعلنة للجمهور كسب ثقته وتفهمه. أما نولت فقد عرف العلاقات العامة، بأنها: مسؤولية إدارية تهدف لتكييف المنظمة مع بيئتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتهدف إلى تكييف البيئة المحيطة لخدمة المنظمة لتحقيق مصلحة الطرفين. وهو ما يظهر بوضوح في أن الربط بين المجتمع والسياسة والاقتصاد، وإعطاء الأولية للاقتصاد كان ولم يزل في موقع الأهمية منذ مطلع القرن العشرين وحتى الآن.
ومما سبق نستطيع استنتاج أن دور خبير العلاقات العامة ينحصر في: إقناع الإدارة العليا للقيام بالنشاطات التي تجعل الجمهور راضياً عن المؤسسة؛ وإقناع الجمهور بأن المؤسسة تستحق بالفعل تأييده ودعمه المعنوي والمادي. وأن دور العلاقات العامة ينحصر في: تبني مصلحة الجمهور والمصلحة العامة؛ ووضع السياسات الملائمة لها؛ والسعي لإيصال المعلومات عن نشاطات المؤسسة وسياساتها للجمهور؛ وخلق رأي عام مؤيد للمؤسسة، لدى الجمهور؛ وإيجاد مواقف محددة ومطلوبة اتجاه المؤسسة؛ وتقييم مواقف الرأي العام من قبل المتخصصين في العلاقات العامة؛ وإيصال المعلومات عن تلك المواقف لإدارة المؤسسة.
وتشمل نشاط العلاقات العامة (البلوماسية الشعبية) اليوم: المجال الحكومي الذي يهتم بـ: التوعية والإرشاد والإعلام في جميع المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية والدبلوماسية، للوصول إلى مساندة الجماهير لها؛ ومشاركة الجماهير معنوياً ومادياً في البرامج التنموية الشاملة التي تخطط لها الحكومة؛ وكسب الرأي العام للسياسات الحكومية الداخلية والخارجية؛ والتعرف على توجهات الرأي العام؛ وتقييم أداء الخدمات العامة لوظائفها المحددة، ومدى تلبيتها لرغبات الجمهور؛ والعمل على دحض الشائعات؛ والتصدي للحملات الإعلامية المضادة؛ وإبراز الحقائق عن طريق مصارحة الجماهير؛ والاهتمام بشؤون الموظفين الحكوميين.
وفي مجال المنظمات والهيئات الحكومية تهتم البلوماسية الشعبية بـ: التعريف بأهدافها وسياساتها، وتوثيق الصلة والتعاون بين المواطن والمنظمة أو الهيئة الحكومية للوصول إلى الهدف المطلوب؛ ودراسة مواقف الرأي العام، ونقل رغبات ومطالب الجماهير العريضة للمسؤولين، تمهيداً لإيجاد الحلول لها وتلبيتها وفق الظروف المتاحة؛ والاهتمام بشؤون العاملين في تلك المنظمات والهيئات الحكومية؛ والاتصال بالهيئات والمنظمات الحكومية المشابهة، لتحقيق أفضل صورة من التعاون بينها في الداخل والخارج؛ وإصدار المواد الإعلامية المطبوعة والمرئية والمسموعة، عن نشاطات المنظمة أو الهيئة الحكومية، وتبادلها وتوزيعها في الداخل والخارج؛ وتوثيق كل ما تنشره وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في الداخل والخارج؛ وتنظيم الزيارات الرسمية والخاصة. وهناك مجالات أخرى تشمل المؤسسات الاقتصادية والإنتاجية والخيرية، والمنظمات المهنية والسياسية وغيرها، ولا تختلف من حيث الجوهر عما تم تفصيله أعلاه.
ومن الملاحظ اليوم أن الدبلوماسية الشعبية تستخدم في القارة الأوروبية كوسيلة من وسائل تدعيم الوحدة الأوروبية، وزيادة التلاحم والتفاهم بين مختلف شعوب القارة الأوروبية. لأنه من المعروف أنه كلما زاد التقدم الثقافي والعلمي والتقني في أي دولة من دول العالم، زاد دور الدبلوماسية الشعبية فيها، وتوجهت تلك الدولة نحو تأسيس جمعيات وهيئات تعنى بالدبلوماسية الشعبية، وإلى تدعيم المؤسسات الحكومية بأقسام خاصة تعنى بهذا المجال الهام، يطلق عليها تسمية "أقسام العلاقات العامة". وقد تطورت الدبلوماسية الشعبية في الولايات المتحدة الأمريكية، حتى أصبحت تضاهي مثيلاتها في دول العالم الأخرى، وشهدت الدول الأوروبية كفرنسا وبريطانيا وبلجيكا وغيرها من دول العالم، تطوراً خاصاً لمفهوم الدبلوماسية الشعبية. لتصبح ممارسة الدبلوماسية الشعبية تحظى بمفهوم دولي يمارس فعلاً في العلاقات الدولية.
ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً: تتحمل وكالة الاستعلامات الأمريكية، التي أنشأت عام 1953، مسؤولية الدبلوماسية الشعبية الدولية، وغيرها من المسؤوليات، من أجل تحقيق أهداف السياسة الأمريكية، عن طريق شرح وتفسير ونشر السياسة الأمريكية، ومواجهة الدعاية المضادة الموجهة ضد الولايات المتحدة الأمريكية في العالم. ويقدم مدير الوكالة تقاريره عن سير العمل في الوكالة للرئيس الأمريكي مباشرة من خلال مجلس الأمن القومي. وفي بريطانيا جرى تأسيس  المعهد البريطاني للعلاقات العامة عام 1948 بهدف تجميع جهود ممارسي وظيفة العلاقات العامة (الدبلوماسية الشعبية) وصب الاهتمام على العلاقات العامة في أجهزة الدولة المركزية والمحلية، وفي القوات المسلحة البريطانية، والمؤسسات الاقتصادية والاستشارية. ويمارس ضباط الإعلام في البعثات الدبلوماسية البريطانية المعتمدة في مختلف دول العالم، وظيفة الدبلوماسية الشعبية الدولية من خلال وظيفتهم الإعلامية الأساسية. وفي فرنسا تطورت الدبلوماسية الشعبية كوظيفة هامة من وظائف المشروعات الاقتصادية والتجارية والصناعية، بعد إنشاء الجمعية الفرنسية للعلاقات العامة عام 1955 بهدف تطوير العلاقات العامة الفرنسية. وفي إيطاليا تزايد الاهتمام بالدبلوماسية الشعبية إثر إنشاء جمعية تطوير العلاقات العامة الإيطالية في روما عام 1954، ورافق ذلك تزايد اهتمام الشركات الإيطالية بوظيفة العلاقات العامة. وفي بلجيكا ظهر الاهتمام بالدبلوماسية الشعبية مع تأسيس جمعية العلاقات العامة عام 1953 لتطوير دور العلاقات العامة في بلجيكا. وفي مصر تضطلع الهيئة العامة للاستعلامات وهي هيئة حكومية تابعة لوزارة الإعلام المصرية بدورها "كجهاز للإعلام الرسمي والعلاقات العامة (الدبلوماسية الشعبية) للدولة"، ومنذ إنشائها عام 1954 قامت الهيئة العامة للاستعلامات بأدوار عديدة على الصعيدين الداخلي والخارجي لشرح سياسة الدولة في المجالات المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومواقفها إزاء مختلف القضايا. وفى الوقت الراهن تقوم الهيئة بعدد من المهام الأساسية منها: توفير تسهيلات للصحفيين والمراسلين الأجانب في مصر لأداء عملهم على أفضل مستوى ممكن لنقل صورة حقيقية عما يجرى في مصر إلى العالم؛ وتقديم صورة مصر إلى الرأي العام العالمي ونقل الحقائق عنها إلى وسائل الإعلام في مختلف أنحاء العالم. وكذلك عبر مكاتب الإعلام الملحقة بالسفارات المصرية في العديد من العواصم والمدن الكبرى؛ وتوفير مصدر للمعلومات الدقيقة والصحيحة والحديثة عن مصر في مختلف المجالات كالتاريخ والحقائق الأساسية عن النظام السياسي والسياسة الخارجية والثقافية والمجتمع والفنون والاقتصاد والسياحة وغيرها، وإتاحتها عبر موقع الهيئة على شبكة الانترنت باللغتين العربية والانجليزية لكل من يحتاج إليها في كل مكان من العالم، كما تصدر مطبوعات عن هذه الموضوعات باللغات المختلفة؛ وتقوم الهيئة العامة للاستعلامات أيضا بدور مهم في التثقيف السياسي والتوعية الاجتماعية للمواطنين وشرح السياسات الوطنية لهم والمساهمة في التوعية بالقضايا والمشكلات الوطنية (مثل قضايا زيادة السكان والبيئة) والقضايا المحلية والبيئية في المناطق الريفية والنائية في أنحاء مصر من خلال مراكز النيل للإعلام ومراكز الإعلام الداخلي؛ كما توفر الهيئة مركز معلومات يتابع الإعلام الدولي ويوفر معلومات صحيحة ودقيقة عن صورة مصر في الإعلام العالمي للمهتمين والمعنيين بذلك في أجهزة الدولة ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. وللهيئة مقر في ضاحية مدينة نصر بالعاصمة القاهرة، إضافة لمراكز الإعلام الداخلي التي تتبعها في جميع محافظات مصر ويعمل بالهيئة عدد كبير من الإعلاميين والفنيين والإداريين المدربين على استخدام تقنيات الاتصال والإعلام الحديثة في أداء مهامهم.
أما في أوزبكستان فقد بدأ الاهتمام الجدي بالدبلوماسية الشعبية الدولية بعد الاستقلال عام 1991، حيث تم في 8/11/1995 تأسيس وكالة أنباء JAHON التابعة لوزارة الخارجية: لتوزيع الأخبار الإيجابية عن سير الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في أوزبكستان؛ وتطوير الصلات مع وكالات الأنباء والمراكز الإعلامية الدولية؛ وتسريع عملية دخول الجمهورية إلى الساحة الإعلامية الدولية. وجمع  وتوزيع الأخبار داخل الجمهورية عن: الأوضاع السياسية والحقوقية وغيرها في الدول الأجنبية؛ ودراسة احتياجات السوق العالمية؛ ونشاطات المنظمات الدولية؛ ونشاطات كبريات المؤسسات والشركات الأجنبية المهتمة بالتعاون مع جمهورية أوزبكستان. وفي 21/11/1996 تم إحداث المركز الإعلامي في ديوان رئيس الجمهورية، لتعريف الرأي العام بالإصلاحات الديمقراطية الجارية في الجمهورية، والتجاوب مع التفاعلات الاجتماعية والسياسية المحلية والدولية، عبر شبكة الإنترنيت. إلى جانب المجلس الأوزبكستاني لجمعيات الصداقة والعلاقات الثقافية والتربوية مع الدول الأجنبية الذي يعرف بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية الجارية في أوزبكستان. وتعمل من خلاله جمعيات للصداقة مع الدول الأجنبية، من بينها جمعية الصداقة الأوزبكستانية المصرية التي يرأسها رئيس الجامعة الإسلامية بطشقند، لإقامة علاقات عبر الدبلوماسية الشعبية لحماية ورفع مستوى المصالح الأوزبكستانية على الساحة الدولية. وإيصال المتغييرات الواسعة الجارية في أوزبكستان لأوسع الجماهير. وينظم المجلس لقاءات ومؤتمرات مع الوزارات والإدارات، والمنظمات الاجتماعية والسياسية البارزة في أوزبكستان. وينظيم مختلف المؤتمرات واللقاءات والمعارض وغيرها في الدول الأجنبية، لإيصال معلومات إيجابية عن أوزبكستان إلى الدول الأجنبية وخاصة المهاجرين الأوزبك المقيمين فيها. ويحتفل بالأعياد القومية لأوزبكستان وغيرها من دول العالم وينظم زيارات لوفود أجنبية ويستقبل وفوداً من المنظمات الأجنبية، ويقيم علاقات مع الجاليات الأوزبكية المقيمة في الخارج ومع وسائل الإعلام الجماهيرية المحلية والأجنبية.
ومع انتشار مفهوم الدبلوماسية الشعبية (العلاقات العامة) في العالم سارعت مؤسسات التعليم العالي في مختلف دول العالم لافتتاح أقسام لتدريس مادة العلاقات العامة في جامعاتها ومعاهدها وكلياتها المتخصصة. وتعد العلاقات العامة الدولية اليوم وظيفة من وظائف المنظمات الدولية، ويمارسها في منظمة الأمم المتحدة، مكتب الإعلام في نيويورك من خلال العلاقات الخارجية والصحافة والمطبوعات والخدمات العامة، التي تعرض من خلالها المشاكل التي تواجه منظمة الأمم المتحدة، وخلق فهم أفضل لأهداف المنظمة. كما وتمارس مكاتب منظمة الأمم المتحدة في العالم الدبلوماسية الشعبية الدولية من خلال الاتصال بالمنظمات غير الحكومية في الدول المعتمدة فيها، في جميع المجالات الثقافية والفنية والعلمية والتعليم والصحة والعمل … الخ. وتوزيع الأفلام وبرامج الإذاعتين المسموعة والمرئية والمطبوعات، والإدلاء بالتصريحات الصحفية في إطار مساعيها لخلق فهم أفضل عن منظمة الأمم المتحدة.
وزاد من دور الدبلوماسية الشعبية الدولية دخول شبكات الكمبيوتر العالمية عالم الاتصال المعاصر، وزاد اهتمام الشركات متعددة الجنسية بالدبلوماسية الشعبية الدولية عبر شبكات الاتصال الدولية، واعتمادها عليها في العلاقات التجارية والمصرفية والنقل والتأمين وتبادل المعلومات على الصعيد الدولي. وتساعد الدبلوماسية الشعبية وسائل الإعلام الجماهيرية في الحصول على المعلومات والمواد الإعلامية مما يزيد من إمكانية انتشارها على الصعيد العالمي. ولعل منافذ وكالات الأنباء والصحف والمجلات والإذاعات المسموعة والمرئية والمراكز الإعلامية الدولية عبر شبكة الإنترنيت خير مثال على تحول العالم في مجال الاتصال والإعلام الجماهيري بالفعل إلى قرية كونية.
والدبلوماسية الشعبية الدولية كوظيفة لم تستثنى من وظائف السلك الدبلوماسي وأصبحت من المهام الأساسية للبعثات الدبلوماسية المعتمدة في الخارج وفق ما تسمح به إمكانيات كل دولة من دول العالم. ولعل النشاطات التي يقوم بها المركز الثقافي التابع للسفارة المصرية في طشقند منذ أواسط تسعينات القرن الماضي من أفضل الأمثلة العملية لنشاطات الدبلوماسية الشعبية الناجحة.
طشقند في 18/9/2010.

الأحد، 9 سبتمبر 2012

بخارى تحت القصف



بخارى تحت القصف

بقلم: أ.د. محمد البخاري. متقاعد، أستاذ جامعي سابق.
مدينة بخارى أذهلت العالم ولم تزل بمساجدها ومدارسها القديمة والرائعة التي بني معظمها منذ باكورة الفتح الإسلامي للمنطقة. واجتاحتها قطعات الجيش الأحمر البلشفي بعد حصار دام ومدمر يوم 2/9/1920.
وفي كتابه "من سينزيان إلى خورسان. تاريخ الهجرة من وسط آسيا خلال الأعوام 1917 وحتى 1934"، استعرض المؤرخ الطاجيكي كمال الدين عبد اللاييف، آخر أيام مدينة بخارى قبل سقوطها تحت الإحتلال في أيدي البلاشفة الروس.
ومن المعروف أن المراكز الثقافية في منطقة وسط آسيا كلها كانت في بداية القرن العاشر الميلادي مرتبطة بالمدينة المقدسة بخارى (بخارى شريف). ولم تكن شهرة هذه المدينة نابعة فقط من أنها عاصمة لأكبر دولة إسلامية في المنطقة وحسب، بل لأنها كانت رمزاً للدين الإسلامي العظيم المقدس لدى لكل مسلمي وسط وجنوب آسيا. وعلى إمتداد ألف سنة كانت بخارى القلب المفتوح للثقافة العربية والفارسية الإسلامية. وكان في المدينة آنذاك نحو 400 مدرسة إسلامية، والكثير من المساجد والأضرحة لعلماء مسلمين كبار، ومن بينها ضريح قثم بن العباس ابن عم الرسول العربي محمد (ص). وكان من أشهر مساجدها مسجد لابي حاووظ ديوان بيغي، ومسجد بولوي حافظ علي، حيث كان يجتمع في أيام الجمعة آنذاك نحو 4 آلاف مصلي مسلم. وعمل في عاصمة إمارة بخارى الإسلامية آنذاك نحو 4 ألاف عالم كانوا يدرسون تعاليم الدين الإسلامي والعلوم الحية لنحو 34 ألف طالب للعلم.
سعيد عالم خان وثورة بخارى

الثورة الروسية عام 1917 غيرت مصائر ملايين البشر في الغرب والشرق، حتى أنها طالت إمارة بخارى الإسلامية وحاكمها سعيد عالم خان وهو الحاكم العاشر والأخير من أسرة المانغيت التركية، التي حكمت بخارى شريف من عام 1746 وحتى عام 1920. وكان من الطبيعي أن يتلقى عالم خان خبر القضاء على حكم القياصرة في روسيا عام 1917 كإشارة واضحة للبلاء القادم نحو بلاده من الشمال يحمله البلاشفة الروس.
ورغم المحاولات التي قام بها الأمير سعيد عالم خان لتغيير الأوضاع لصالح حكمه، ومحاولاته إستخدام المصالح البريطانية المفروضة على الشرق آنذاك. لأنه كان من الواضح آنذاك أن البريطانيين يستطيعون فرض حل وسط على روسيا السوفييتية كبديل لوقف امتداد السلطة السوفييتية نحو الشرق.
وكانت الهم الرئيسي للأمير سعيد عالم خان آنذاك تجنب إثارة روسيا السوفييتية البلشفية في تلك الأوقات الصعبة، لكسب الوقت بانتظار نتائج الإتصالات الجارية بين موسكو ولندن والمتجهة نحو التوصل لحل وسط في المنطقة. ولهذا حاول الأمير الحد من الصراع، ووافق على طلبات سلطات روسيا السوفييتية البلشفية المحتلة في طشقند، وأرسل سفارة مفوضة فوق العادة لموسكو في تموز/يوليه، وقام بسحب طلبه بوقف دعمهم لحركة البخارية الشباب. (البخارية الشباب، حركة بورجوازية ديمقراطية قومية أسست على أراضي إمارة بخارى في بداية القرن العشرين).
وأدركت موسكو أنها على أبواب محادثات مع البريطانيين، ولا بد لها من كسب أوراق رابحة للمساومة عليها خلال المحادثات. وكانت إمارة بخارى الإسلامية على ما يبدوا غنيمة سائغة وسهلة، وإحتلالها يقوي من موقفهم الإستراتيجي في المنطقة حيال لندن قبل البدء بالمحادثات الشاملة.
وبعد فشل محاولات البلاشفة المتعاونين والمساندين لقطعات البخارية الشباب العسكرية للقضاء على حكومة أمير بخارى الإسلامية، سادت فترة من الهدوء بين بخارى وطشقند، وقام الجانبان خلالها بالإستعداد للمعركة الفاصلة. وفي الوقت الذي إنهمكت فيه حكومة إمارة بخارى الإسلامية بتعزيز قواتها المسلحة من كل الجوانب. قام رجال الدين الموالين للأمير بدعوة المسلمين للمشاركة في الغزوات (الجهاد). وفي شباط/فبراير عام 1920 قامت حكومة الأمير بإعلان حملة تعبئة عامة.
ووجد في ذلك الوقت ضباط سابقين من الجيش القيصري الروسي ومن المشاركين في "الحركة البيضاء" الروسية ملاذأ لهم عند أمير بخارى.
في الوقت الذي كانت فيه حكومة جمهورية تركستان السوفييتية البلشفية الخاضعة للإحتلال الروسي تحاول بشتى الطرق توحيد كل القوى المعادية للأمير، وهو ما استطاعت تحقيقه بالفعل. قوي جناح البخارية الشباب التابعين للبلاشفة برئاسة أبرز قادتهم فايز الله حجاييف إلى حد كبير حتى عام 1920. وفي آب/أغسطس من نفس العام انحازت العديد من مدن إمارة بخارى لصالح القيام بهجوم مسلح على إمارة بخارى والقيام بثورة مسلحة تلبية لدعوة حكومة تركستان السوفييتة البلشفية وبمؤازرتها، وهو السبب الشكلي الذي اعتمد عليه  الجيش البلشفي الأحمر لبدء عملياته العسكرية ضد إمارة بخارى.
وسرعان ما وصل القائد العسكري البلشفي الروسي ميخائيل فرونزة، إلى مقر قيادته في سمرقند بتاريخ 28/8/1920، لتنفيذ المهمة التي أسندها إليه لينين، وتروتسكي، لنشر السلطة السوفييتية البلشفية في إمارة بخارى المسلمة. ومن مقر قيادته في سمرقند قام بقيادة عمليات الجيش الأحمر البلشفي الروسي ضد إمارة بخارى المسلمة. وفي صباح الأحد 29/8/1920 بدأ الجيش الأحمر بقصف مدفعي مركز على مدينة بخارى من كاغان (منطقة سكنها الروس بالقرب من بخارى).
وعن تلك الفترة العصيبة من تاريخ بخارى كتب الملا محمد علي بلجواني الذي كان أحد شهود العيان للأحداث في عام 1920 كتاباً بعنوان "تاريخي نوفيعي" ضمنه ذكرياته وذكر فيه أن "القوى لم تكن متساوية. ففي الجانب الأول بنادق ومدافع قديمة، وفي الجانب الآخر قصف قامت به طائرات، ومدافع طويلة المدى، وقطارات مصفحة. وحلقت فوق المدينة إحدى عشرة طائرة، بثت الذعر والهلع في المدينة ودمرت الكثير من الآثار المعمارية. وكان الأمير في قصره سيتوراي موخي خوسا خارج المدينة، ومن هناك حاول تنظيم المقاومة والدفاع عن المدينة. وفي اليوم التالي حاصر الجنود البلاشفة الروس مدينة بخارى المشتعلة بالحرائق".
وذكر عبد الرؤوف فطرت في كتابه (جديدي، الخصم العنيد للأمير) لاحقاً أن الدفاع عن المدينة كان في أيدي عسكريين سيئي التنظيم. ولم يخرج الكثير من القادة العسكريين لساحة القتال رغم أنهم فضلوا البقاء إلى جانب الأمير، ولكنهم كانوا يعدون سراً العدة للهرب من الإمارة.
وفي اليوم التالي تجددت المعارك بقوة. واشتعلت الحرائق في الأسواق التجارية، وقتل تحت حطام المباني الكثير من البشر. وقدر بلجواني عدد القتلى من سكان المدينة في ذلك اليوم بنحو ألفي نسمة من السكان الآمنين والمدافعين عن المدينة. في الوقت الذي أعلن فيه سكولنيكوف مندوب اللجنة الحربية التركستانية البلشفية الروسية، أن خسائر الجيش الأحمر الروسي بلغت 600 قتيل وجريح خلال ثلاثة أيام من إجتياح مدينة بخارى.
روزي فيروق

وبقي يوم 1/9/1920 في ذاكرة سكان بخارى كـ"روزي فيروق" (يوم الوداع). لأنه في ذلك اليوم بدأت هجرة سكان بخارى هرباً من الإحتلال البلشفي الروسي. ومعارك ذلك اليوم درات بمركز مدينة بخارى. وكانت آخرها المحاولة الأخيرة التي قام بها بعض جنود بخارى بقيادة عبد الستار بيك توبشيبوشي لمقاومة الإحتلال بالقرب من مسجد لابي حاووظ رغم أنها لم تحقق أية نتائج عملية.
وكان والدي عبد الستار آنذاك أحد المشاركين في تلك المعركة قبل مغادرته للمدينة مع بعض جنوده بعد عدة أيام من سقوطها، وشهد الأعمال البربرية التي قام بها البلاشفة بحق علماء المدينة وسكانها الآمنين، وهاجر منها ليستقر بمدينة دمشق (شام شريف) التي توفي ودفن فيها مع مرافقه العسكري إسكندر في ستينات القرن الماضي. ولم أزل أذكر أحاديثه عن تلك المعركة وقوله أن الكثير من الضباط والجنود الروس كانوا يسكنون في الحي المجاور للمسجد، وهو الحي الوحيد الذي لم يطاله القصف الجوي والمدفعي البلشفي الروسي الذي استهدف المدينة طيلة عدة أيام، وأن الجنود الروس في الحي كانوا متنكرين بهيئة مهندسين وعمال قاموا بمد السكك الحديدية العابرة لآراضي إمارة بخارى آنذاك، وخرجوا في ذلك اليوم بملابسهم العسكرية وبكامل أسلحتهم وعتادهم العسكري لاحتلال المدينة من الداخل وجرت المعركة الفاصلة معهم بالقرب من المسجد ولكن دون جدوى.
وذكر أحد شهود العيان أن أمير بخارى عالم خان لدى سماعه لتقرير سقوط المدينة تنفس بعمق وقال: "هذا قدرنا. لا نستطيع فعل شيء، علينا الرحيل". واستقل مع عدد من المقربين منه ستة أو سبعة سيارات مكشوفة وغادروا المدينة.
وذكر بلجواني، أن "آلاف السكان (في ذلك اليوم) لم يتملكوا أنفسهم وبدأوا بالنواح والبكاء. وبدأت البنات والأمهات، والأبناء والآباء، دون خجل من بعضهم البعض بالصراخ: واه شريعتاه، واه دين الإسلام. وكانت الأحداث بمثابة صدمة عنيفة لهم. لأن سقوط المدينة، وخروج الأمير منها، إعتبره الكثير من السكان بمثابة ضربة موجهة ضد الدين الإسلامي.
وفي ذلك اليوم غادر آلاف الفرسان والمشاة من العسكريين والمدنيين المدينة أيضاً محتذين حذو حاكمهم. وبقي في المدينة القليل من جنود جيش بخارى سيئي التسليح والتدريب، ورغم مقاومتهم الباسلة والخسائر الكبيرة التي تحملوها لم يستطيعوا مقاومة الجيش الأحمر الروسي البلشفي المتفوق في العدة والسلاح والتدريب.
وأدى إجتياج الجيش الأحمر الروسي البلشفي للمدينة لإشعال حريق ضخم استمر لعدة أيام استمرت حتى يوم 6/9/1920. وأكد شهود عيان أنه نتيجة لهجمات الجيش الأحمر الروسي البلشفي على بخارى احترقت ودمرت ألف دكان (محل تجاري صغير)، و20 قصر، و29 مسجد، وثلاثة آلاف منزل سكني. وبالإضافة لمقر إقامة الأمير في أركا، احترق نحو 300 مبنى. حتى أن بلجواني، ذكر في كتابه أن "تاريخ بخارى لم يشهد أبداً مثل ما شهدته في تلك الأيام".
وحتى وثائق حزب البلاشفة تحدثت عن سعة الخراب والتدمير الذي أصاب مدينة بخارى أثناء الإجتياح البلشفي وأشارت إلى أن "بخارى عملياً وقعت تحت الإحتلال. سبقه إطلاق ملايين الأعيرة النارية، وآلاف طلقات المدفعية، المحشو أكثرها بمواد كيماوية، على المدينة. وعلى أثرها دمرت بخارى. ودمرت الآثار التاريخية. وألحقت أضرار كبيرة بالمساجد، وبعضها مما بقي سليماً تم تحويله بالكامل إلى معسكرات للجيش الأحمر البلشفي واصطبلات لخيولهم. ومع الحرائق بدأت السرقات، مما ترك أثر كبير على الجماهير الشعبية، ولكن الإدارة الجديدة للمدينة، لجنة بخارى البلشفية، وأعضائها دون تردد ذكروا في تقريرهم أن "البلاشفة ينهبون" بخارى.
وذكر شهود عيان من سكان بخارى والعديد من المشاركين في تلك الأحداث من الجيش الروسي الأحمر البلشفي أن كميات كبيرة من الذهب، والأشياء القيمة، والحلي، والقيم التاريخية، وحتى أدوات الطعام، والملابس نقلت من بخارى إلى طشقند، ومنها إلى بتروغراد.
في الوقت الذي أرسل فيه القائد العسكري البلشفي فرونزة برقية إلى لينين يخبره فيها عن الإنتصار الذي حققه في بخارى، وذكر فيها "تم اليوم إجتياح قلعة بخارى القديمة بجهود مشتركة من البخارية الحمر وقطعاتنا العسكرية. ووقع الموقع الأخير لشبح بخارى المخيف والشيطان الأسود. وترتفع الآن على ريغستان راية النصر الحمراء للثورة العالمية".
آخر أمراء بخارى

بعد مغادرة عالم خان لمدينة بخارى استقر خلال الفترة الممتدة من أيلول/سبتمبر وحتى شباط/فبرابر عام 1921 على أراضي شرق إمارة بخارى (جمهورية طاجكستان اليوم)، محاولاً تنظيم الضربة المعاكسة لمواجهة البلاشفة السوفييت. واستطاع الأمير سعيد عالم خان تجميع قوة عسكرية لا بأس بها من مناطق قولياب، وغيسار، ودوشنبة. وفي أواسط تشرين ثاني/نوفمبر عام 1920 تحركت قواته نحو الغرب واستردت بايسون، وديربيند، وشيرآباد. وحتى نهاية عام 1920 وبداية عام 1921 وصل تعداد قوات عالم خان العسكرية لنحو 10 آلاف رجل. وانضمت إليها قطعات إبراهيم بيك، المتمركزة بمنطقة لوكايا.
واستغل البلاشفة الروس الإتفاقية التي عقدت بين جمهورية بخارى تحت الإحتلال وجمهورية روسيا السوفييتية الفيدرالية الإشتراكية وقاموا بتنظيم حملة عسكرية قوامها من الفرسان ضد عالم خان حيث دمرت قواته وأجبرته على الفرار إلى أفغانستان.
وفي البداية توقف عالم خان بمنطقة خان آباد، وفي أيار/مايو عام 1921 وصل إلى كابول.
ونظراً لإرتباط ملك أفغانستان بمعاهدة مع جمهورية روسيا السوفييتية الفيدرالية الإشتراكية، فقد اضطر لمنح صفة أسير شرف لعالم خان وخصص له أموالاً سنوية لمصاريفه. وبقي ثلاثة من أبنائه على الأراضي الخاضعة للبلاشفة السوفييت، حيث قتل إثنين منهم: سلطان مراد، ورحيم، وتخلى ثالثهم شاه مراد علناً عن أبوه. وتوفي عالم خان في كابول.
المرجع:
-  كمال الدين عبد اللاييف، كيف استولى الجيش الأحمر على مدينة بخارى المقدسة في عام 1920. مركز آسيا 3/9/2012 نقلاً عن Asia-Plus 2/9/2012.

الجمعة، 7 سبتمبر 2012

النظم السياسية ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية



النظم السياسية ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية

لكل مجتمع من المجتمعات نظامه السياسي الخاص به، ويشمل كل نظام آليات معينة تهدف تحقيق وظائف السلطة السياسية كنظام اجتماعي متكامل. ومفهوم النظام السياسي هو من الأسس التي تعتمد عليها العلوم السياسة في دراستها لجميع أوجه الحياة السياسية وتمييزها عن غيرها من مكونات الحياة الاجتماعية في مجتمع معين، وتتفاعل تلك المكونات فيما بينها ضمن المحيط الذي تتفاعل داخله لتكوِّن نتيجة لتفاعلها علاقات معينة تربط بين البنى التي يتكون منها المجتمع الواحد.
والنظام السياسي عادة هو مجموعة من المكونات المتتالية تجري بينها تفاعلات تشترك فيها كلها عبر تفاعلها مع غيرها من المكونات التي تشكل تركيبة البنى الأساسية للمجتمع الواحد من اجتماعية واقتصادية وفكرية وثقافية وتشريعية. وتعتمد درجة اتساع أي نظام سياسي على مدى الحدود المشتركة ضمن الإطارات المتفق عليها سياسياً في نظام معين ملزم وواقعي وممكن التطبيق. ويشمل هذا النظام التشريعات التي تركز على مدى فعالية القوانين النافذة في حدود معينة، داخل نظام لا مركزي تطبق من خلاله تلك الحدود، والبرامج والقرارات المتخذة على مختلف المستويات والأصعدة.
والنظام السياسي بمفهومه الحديث أخذ بالتشكل في أواسط القرن العشرين، واعتبر تطوراُ منطقياً للعلوم السياسية، وضرورة منطقية لوصف الحياة السياسية ومواقف النظم السياسية ومقارنتها مع غيرها من النظم والمواقف. ولدراسة بعض نماذج النظم السياسية للوصول إلى تصور معين عن المواقف السياسية وآليات أداء الوظيفة السياسية للنظام قيد البحث.
ويعتبر الأمريكيان د. استون، وغ. ألموند من واضعي أسس نظرية النظم السياسية. ووضع الأمريكي د. استون، في أعماله (النظام السياسي 1953)، و(حدود التحليل السياسي 1965)، و(التحليل المنهجي للحياة السياسية 1965) مدخلاً لتحليل النظم السياسية، وتشمل: البرلمان والحكومة والإدارة المحلية والأحزاب السياسية والهيئات الاجتماعية. واعتبر استون أن النظام السياسي، هو نظام لآليات متطورة للضبط الذاتي التي تضبط التأثيرات الآتية من خارج النظام.
وتحتفظ النظم السياسية عادة بمداخل معينة تعبر عن نفسها من خلال الطرق والوسائل التي ينعكس من خلالها وتعبر عن نبضات التطور الاجتماعي، وتأتي تلك النبضات عادة على شكل مطالب اقتصادية واجتماعية معينة، يطالب بها البعض ويؤيدها أو لا يؤيدها البعض الآخر داخل تركيبة المجتمع الواحد. وتتشكل تلك المطالب عادة وتظهر من داخل الوسط الاجتماعي المحيط بدائرة السلطة الحكومية، أو من داخل النظام السياسي السائد في المجتمع.
وتعبر الشرائح الاجتماعية عن تأييدها للنظام السياسي عن طريق الالتزام بدفع الضرائب، وأداء الخدمة العسكرية الإلزامية، والتقيد بالقوانين النافذة، والمشاركة الإيجابية والتصويت في الانتخابات العامة، والتعاطف مع السلطات الحكومية وشعاراتها المطروحة على الرأي العام.
وبغض النظر عن وجود أو عدم وجود مطالب محددة لدى بعض الشرائح الاجتماعية فإن التأييد العام المعبر عنه من قبل أكثرية الشرائح الاجتماعية، يصبح جزء من كيان النظام السياسي الذي يلتزم بأخذ المطالب المطروحة بعين الاعتبار، بما يتفق ومصالح سائر التركيبة الاجتماعية، وتلتزم السلطة الحكومية باتخاذ إجراءات معينة لا تخل بالمصالح الوطنية العليا للدولة. كتلبية مطالب شريحة اجتماعية معينة بإعادة النظر بسلم الأجور المطبق انطلاقاً من حاجات تلك الشريحة الاجتماعية على ضوء مجريات الأحداث والتطور الاقتصادي والاجتماعي المحقق. ونتيجة لأداء النظم السياسية لوظيفتها يتحقق شكل للقرار أو الفعل سياسي.
وهذا القرار والفعل يؤثر بشكل معين على الوسط المحيط. والتأييد المقدم للنظام يرتفع في حال إذا كان هذا القرار والفعل يتفقان مع المنتظر والمطلوب من قبل الشرائح والجماعات السكانية الواسعة. ليتعزز استقرار النظام السياسي. وفي حال عدم تلبية القرار السياسي المنتظر أو المطلوب بالكامل أو جزئياً يمكن حدوث نتائج سلبية تؤدي إلى ظهور مطالب جديدة، يمكن أن تؤدي إلى أزمة جزئية أو كاملة للنظام السياسي. وفي هذه الحالة تتكاثر في المجتمع أوضاع تهدد استقرار النظام السياسي.
وتشغل المطالب مكانة هامة ضمن المعلومات المتنوعة الواردة للنظام والتي تظهر الخلفيات المنتظرة ومصالح الناس. وقسمها إستون إلى مطالب توزيعية تتعلق بالرواتب وأوقات العمل، وشروط الحصول على التعليم، والخدمات، ومطالب تنظيمية تتعلق بتوفير الأمن للمجتمع، والتحكم بالسوق... إلخ، ومطالب اتصالية تتعلق بتقديم معلومات سياسية، وإظهار القوة السياسية وغيرها.
النظام السياسي المنفتح: وتحت تأثير مجموعة كبيرة من التأثيرات الآتية من الوسط المحيط يتخذ النظام السياسي القائم قرارات لتحقيق الاستقرار الاجتماعي. وفي حال كانت تلك التأثيرات ضعيفة ولا يملك النظام السياسي عنها معلومات كافية يمكن لهذه التأثيرات أن تدفع النظام السياسي لاتخاذ قرار لمصلحة شريحة اجتماعية معينة وباتجاه واحد، مما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار والأوضاع الاجتماعية. وقد يكون التأثير قوياً ومغرقاً بالمعلومات مما يؤدي إلى اتخاذ قرارات خاطئة تؤدي إلى ردود فعل من خارج النظام السياسي، مبنية على طبيعة السلطة السياسية والمطالب الموجهة لها.
وتتكون ردود الفعل على القرارات السياسية، من توزيع السلطات والقيم على شكل تقبل السكان أو عدم تقبلهم لها. لأن القرارات السياسية هي شكل من أشكال توزيع السلطة للقيم. وخلافاً لإستون، يرى غ. ألموند أن للنظام السياسي تأثيرات متبادلة كثيرة، نابعة عن التصرفات، الحكومية وغير الحكومية، ومن الضروري دراستها. ويذكر أن أي نظام سياسي يملك تركيبته متعددة الوظائف الخاصة، وكل نظام سياسي يحقق أو يقوم بنفس الوظائف المختلطة بالمعنى الثقافي. والخاصية الهامة تكمن في تعدد وظائف النظام بغض النظر عن المبادئ المعلنة لتقسيم السلطة، لأن الكثير من الوظائف في مختلف النظم السياسية غير مجزأة. وعلى سبيل المثال: تدخل البرلمان في السياسة الحكومية المتبعة، والتدخل بنشاطات الحكومة والرئيس عن طريق إصدار القوانين وهو ما يحدث في مختلف دول العالم. والخلط السياسي يكمن في مفهوم أنه لا يوجد سلطة خالصة، لا إدارة رئاسية خالصة، ولا سلطة حكومية خالصة، ولا سلطة برلمانية خالصة.
ويتجاوز نموذج غ. ألموند بعض النقائص في نموذج د. إستون. ويراعي في نموذجه النواحي السيكولوجية الفردية للتأثيرات السياسية المتبادلة، والنبضات الآتية ليس من الخارج فقط، بل ومن الشريحة الحاكمة، ومن الحكومة. ويورد مثالاً عليها: "إقرار الكثير من المسائل المتعلقة بمصالح ومطالب المواطنين أو استخدام القوة ضد بعض الشرائح الاجتماعية، أو إتخاذ قرار لشن الحرب".
والحصول على المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار وفق غ. ألموند، يأتي من تسييس المجتمع وتعبئة السكان، وتحليل المصالح القائمة، ودراسة عملية تكامل المصالح، والاتصالات السياسية ضمن علاقات متبادلة بين مختلف القوى السياسية.
والمعلومات الصادرة عن السلطة هي وظائف تنبع من الأصول الموضوعية للنشاطات القانونية، وأداء السلطة التنفيذية لنشاطاتها الحكومة، وإعطائها الصبغة القانونية، وعن المعلومات الناتجة عن النشاطات العملية للحكومة من أجل تحقيق السياستين الداخلية والخارجية. وبهذا الشكل يرتبط أداء وظائف النظم السياسية بدراسة المواقف وحساب أبعادها وخصائصها، والقرار السياسي المطلوب لحل المشاكل المكتشفة.
وتركز هذه النماذج الانتباه للمصالح المتشابكة داخل النظم، وتضارب وتوافق حسابات تلك المصالح من قبل الأنظمة. وتميز تفاعل النظم السياسية المعاصرة مع برامجها المتنوعة. لأن النظام السياسي هو نظام شامل لإدارة المجتمع، مرتبط بالعلاقات السياسية التي تضبط العلاقات المتبادلة بين الجماعات الاجتماعية لتحقيق الاستقرار في المجتمع، والنظام الاجتماعي، واستخدام السلطات الحكومية.
ويسمح مدخل التحليل السياسي بـ:
أولاً: تقديم الحياة السياسية كنظام لتصرفات الناس، وتحديد آليات تأثير الفعاليات السياسية المؤثرة على طبيعة المؤسسات السياسية وهياكلها؛
وثانياً: إعطاء المفهوم السياسي ككيان موحد، وفتح المجالات لتحليل الطرق المتبعة للعمل المشترك مع الوسط المحيط، والأجزاء المكونة للطبيعة الاقتصادية والثقافية والتركيبة الاجتماعية؛
وثالثاً: أنها واحدة من أهم الوظائف السياسة الهادفة لتأمين الوحدة الوطنية، والحفاظ على لحمة التركيبة الاجتماعية، وعدم تجاوز المداخلات والاختلافات الكثيرة، وتنوع الاتجاهات في مراحل العمل.
ويمثل النظام السياسي وسائل للتكامل الاجتماعي، ويتضمن تأثيرات متبادلة للاختلافات الاجتماعية حول أداء وظيفة الأقسام الرئيسية للتركيبة الاجتماعية. ويعكس مفهوم النظم السياسية وحدة جهتين سياسيتين هما: المنظمات والنشاطات، أي الهياكل والأفعال.
وتأخذ أشكال التكامل مدخل منظم توفر إمكانية التحليل المقارن لمختلف وجوه مفهوم النظم السياسية من:
- أشكال الحياة السياسية؛
- وتحديد مقاييس متفق عليها لوصفها وتحليلها.
وتشكل النظم السياسية مرتبط بتشكل العلاقات السياسية بالتدريج إلى جانب ملامح العلاقات السياسية الحقيقية المتمثلة بـ:
أولاً: الارتباط المتبادل والثابت لمختلف عناصر الحياة السياسية. وإذا كان هذا الارتباط المتبادل غير موجود، يظهر وضع معاكس يهدد وحدة التنظيم، ويؤدي إلى تحلل النظام، ويصبح المجتمع غير قابل للتكامل؛
ثانياً: تنظيم العلاقات السياسية، مع توفير إمكانية تحقيق الاستقرار والتطور. ومعناها تحقيق النظام في المجتمع ليخدم الظروف اللازمة للإنتاج والتغييرات الهادفة في العلاقات الاجتماعية. لأن الحياة السياسية ما هي إلا ظاهرة نشيطة متجددة تغيب عنها عناصر انعدام النظام، ومخالفة العلاقات المتشكلة وأساليب ضبطها، لأن أي تطور مرتبط بأشكال مغايرة للاستقرار تؤدي إلى انخفاض مستوى التفاعلات السياسية والاجتماعية إلى الحد الذي يمكن معه ظهور تهديدات لأمن المواطنين.
وفي حال تقاعس السلطات الحكومية عن أداء وظيفتها فإنها ستفقد تأييد المواطنين حتماً، ليبدأ البحث عن بدائل، وكقاعدة عامة يتم العثور عليها. لأن الرد يأتي في ظروف صعبة، ويظهر شكلاً جديداً لنظام ليس أفضل من سابقه وقد يكون أكثر خطراً منه؛
ثالثاً: للنظم السياسية أساس ثقافي يتمثل بالقيم الجماعية، والشعارات السياسية، والقناعات، المتولدة لدى أعضاء الجماعات السياسية. ويعكس الوحدة وتكامل الأجواء السياسية الممكنة من خلال توفر علاقات معنوية معينة، يتمكن الناس من خلالها فهم بعضهم بعضاً.
وتظهر الخبرة التاريخية أن النظم السياسية، مهيأة للاستقرار لفترات طويلة ويتقاسم هذا الاستقرار أكثرية أعضاء المجتمع، وهي موجودة في النظم التربوية. ومن الأمثلة على ذلك: الثقافة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية التي تخدم قيم الحلم الأمريكي، والإيمان بارتباط النجاح الفردي بالجهود والإمكانيات الخاصة، وعلاقته ببلده المختار من قبل الله، وما توفره للإنسان من إمكانيات نادرة من أجل تحقيق الذات، وهو موضوع معروف ويمكن قراءته على شعار الدولة في الولايات المتحدة الأمريكية، نحن نؤمن بالله، أي الرابطة بين الإيمان بالله والسياسة؛
رابعاً: وللنظم السياسية استجابات مشتركة لكل العناصر وضمنها التأثيرات الخارجية. متمثلة بالفاعلية المشتركة، والتعاون الذي يوفر للنظم السياسية إمكانية تعبئة الموارد الضرورية بسرعة لحل المشاكل العامة المشتركة. وفي هذا المجال تعتمد مساعي الأجهزة الحكومية على مساهمة المواطنين، وتستخدم تأييد المنظمات السياسية والاجتماعية المتنوعة، والأحزاب للحصول على تأييد الرأي العام.
ومما سبق نرى أن فكرة المدخل الأسلوبي لتحليل الحياة السياسية يتلخص في دراسات:
- النظم السياسية في إطار النظم الأكثر اتساعاً؛
- والبنية التحتية للنظام وعناصره.
ويسمح هذا المدخل بتحديد المصطلحات، وتحديد مفاهيم النظريات السياسية وتحديد علاقاتها المشتركة. وارتباطات النظام السياسي المفتوح، وما يعانيه من تأثيرات متنوعة تعتمد على حقائق التأثيرات الداخلية والخارجية، تدرسها كلها العلوم السياسية.
والنظم السياسية المتنوعة تملك آليات مختلفة لمقاومة التأثيرات الخارجية، والأزمات الداخلية، والتفاعلات والتناقضات الناتجة عنها، ووجود النظم السياسية يعتمد على ضرورات تعديل السياسة، والنظم. ووجوب حصر الاهتمامات السياسية بالشخصيات والأحزاب عند ظهور الأزمات، وبطرق حصرها ضمن التفاعلات في المراحل المبكرة ليمكن ضبطها دون خسائر جدية.
هياكل النظم السياسية ووظائفها: للهيئات الدينية ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية دور في السياسة يحدده الباحثون في النظم السياسية بوظيفة تدخل في تركيبة النظم السياسية كهيآت، أو منظمات، أو مؤسسات، لها:
- معايير قانونية وأخلاقية، وتقاليد سياسية؛
- ووظيفية تأخذ أشكال واتجاهات النشاطات السياسية التي تمارسها، مع اختلافات في التفاعلات السياسية، وطرق وأساليب ممارستها للسلطة؛
- واتصالية تعمل على توحيد العلاقات، وتعدد أشكال الاتصال المتبادل، كالاتصالات بين الأحزاب والحكومات، وبين النظم السياسية والاقتصادية؛
- وأيديولوجية تتضمن الأفكار التي تتبناها.
ونصادف في المراجع العلمية، العربية والأجنبية، أربع مجموعات رئيسية لعناصر النظام السياسي هي:
1) المنظمات السياسية؛
2) والعلاقات السياسية؛
3) والقواعد السياسية الحقوقية والقانونية؛
4) والوعي والثقافة السياسية.
والعناصر الرئيسية للنظم السياسية في المجتمع وآلية أدائها الوظيفي ينعكس في دستور الدولة، وفي القوانين التي تضبط مبادئ تشكل ونشاطات أجهزة السلطات الحكومية، وحقوق وواجبات المنظمات والهيئات الاجتماعية والحكومية والحزبية والاقتصادية وغيرها.
وتعتبر المنظمات السياسية المكون الأكثر حيوية في النظام السياسي في المجتمع. وتتم من خلالها النشاطات السياسية بأشكال منظمة وعمل مشترك، وتنضوي تحت أهداف واحدة، وتضبطها قواعد خاصة، وحدوداً تصدرها الجماعات السياسية.
ويجري تحويل القوة الأيديولوجية والأخلاقية إلى مادية عن طريق تلك التنظيمات، لتصبح الأفكار قواعد للسلوك. وبذلك تصبح المنظمة السياسية أهم وسيلة لتشكيل الإرادة الموحدة. وفي هذه الحالة تقيم الجماهير علاقات سياسية في تلك الدولة أو غيرها، وفي حال غياب المنظمات السياسية اللازمة لتطور العلاقات السياسية، تأخذ دورها ووظائفها قوى أخرى كالجيش، أو التركيبات القبلية، أو الجماعات الدينية.
وتسمى عملية تحويل الأفكار إلى قواعد، والأساليب لتصرفات، ومبادئ لاستمرار المنظمات السياسية في الحياة السياسية الشكل القانوني للمؤسسات.
ومن خلال الشكل القانوني للمؤسسات يجري تأسيس منظمات سياسية في المجتمع. أما القطيعة ورفض الأفكار والتنظيمات فتولد عملية عكسية ضد الشكل القانوني للمؤسسات، وتتمثل بانهيار المنظمات السياسية، وازدياد الفجوة بين تصرفات الناس والأصول القانونية التي تضبطها.
ومن الواضح أن العلاقة عضوية بين السياسة والمؤسسات، والنشاطات السياسية متنوعة وتتم بأشكال منظمة، وانهيارها يؤثر سلباً على السياسة. لأن النظام السياسي في المجتمع هو عبارة عن تلاحم المنظمات والمؤسسات المعنية، لتقوم بوظائف معينة، ونتيجة لعملها المشترك تتحقق السلطة السياسية في المجتمع.
ويتشكل النظام السياسي من: الحكومة، والأحزاب والمنظمات والحركات الجماهيرية في المجتمع، ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، والهيئات الدينية. والحكومة والأحزاب هي منظمات سياسية، وهذا يعني أنهم بشكل مباشر يؤدون مهام السلطة السياسية بحجمها الكامل أو يسعون لأدائها، وجوهر نشاطهم يتجه نحو تحقيق السلطة أو الصراع من أجل السلطة. وترتبط المنظمات السياسية بشكل غير مباشر بعملية تحقيق السلطة السياسية، ولكن هذا ليس إلا واحداً من الاتجاهات الرئيسية لوظيفتهم. لأن النقابات المهنية، والمنظمات السياسية، ومنظمات الشباب تسهم في تحقيق السلطة السياسية إلى جانب الهيئات الرياضية، ومختلف التكتلات والحركات الاجتماعية. وتجري عملية تسييسهم جميعاً في مراحل معينة من حياة البلاد عن طريق دعم الهيئات الاجتماعية لمرشحين لعضوية البرلمان.
ووظيفة المنظمات السياسية تتمثل بالنشاطات المنظمة التي تعكسها وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التابعة لها، وتسهم في معترك الحياة السياسية في المجتمع.
وفي الإطار القانوني يتم قيد كل المنظمات السياسية، وتقوم الإدارات الحكومية بمراقبة وضبط نشاطها ضمن الإطار القانوني العام.
وتعمل وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية والهيآت الدينية في إطار النظام السياسي، بشكل متخصص جداً.
فوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية: هي مؤسسات معقدة تتألف من أجهزة وعناصر متعددة موجهة لإعلام السكان عما يجري داخل الدولة وما يجري حولها في العالم من أحداث وظواهر. ويطلق على وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية صفة السلطة الرابعة، إلى جانب السلطات الثلاثة الأخرى: التشريعية والتنفيذية والقضائية. وتوجه دورها السياسي كمؤسسات مستقلة لتنتج الخبر السياسي، وتشكيل الرأي العام، وتقوم بالتأثير على التفاعلات السياسية الجارية في المجتمع، وتوفر المصادر التربوية والثقافية السياسية لأوسع الشرائح السكانية.
وفي الظروف المعاصرة تحظى وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بتأثير فعال من خلال جملة حقائق تؤديها عبر وظيفتها الاجتماعية ومن خلال التوجه إلى ساحة إعلامية محددة.
وتنبع التوجهات الوظيفية من خلال مراعاة طبيعة الفئات العمرية، وطبيعة الحاجة المعنوية للساحات التي تتوجه إليها. ولهذا تعتبر خصوصية أوضاعها في النظام السياسي للمجتمع موجهة وتعتبر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية من أجهزة المؤسسات الحكومية، والمنظمات الاجتماعية الجماهيرية، والأحزاب السياسية.
وتتميز مضامين ووجهات نظر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية عن غيرها من مجالات العمل السياسي، لأنها تعمل من خلال ما خصصت من أجله تحديداً. ولتطوير الفكر السياسي الموجه لأوسع ساحة وتتناول المصالح الحياتية للجماهير.
وتوفر وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية عملية تكامل الإدارة الاجتماعية والسياسية، وتشترك في إعداد وإقرار القوانين، واتخاذ القرارات الحكومية والإدارية.
وتختار وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في مختلف النظم السياسية المعلومات دائماً بشكل دقيق. وتحاول إضفاء الشرعية على قرارات أجهزة السلطة السياسية وتراقب عملها بشتى الطرق المباشرة وغير المباشرة، وهو ما يساعدها على تعزيز الواقعية في عملها. لأن المعلومات الرسمية الآتية من الأعلى، كقاعدة تتضمن غموضاً يفرض ضرورة تنويع مصادر وقنوات المعلومات. أما سيل المعلومات الآتية من الأسفل، من خلال القنوات غير الرسمية، فتحمل حقائق عن آراء الجماهير في موضوع معين.
ويتم التوحيد بين المعلومات الآتية من الأعلى، والآتية من الأسفل من خلال وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. وكثيراً ما تعبر الحاجات السياسية عن نفسها على شكل ظواهر اجتماعية أو أوضاع نفسية معينة. ويأخذ هذا الوضع باعتباره وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، التي ترفع من مستوى الرأي العام أو على العكس تضعفه.
والسلطة تسعى دائماً لمراقبة وضبط أداء وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية. لأن من يسيطر على سير المعلومات، يمكنه التأثير على الرأي العام، ويملك القدرة على تحديد إجراءات يتم من خلالها توجيه تصرفات الجماهير.
ووسائل الإعلام الجماهيرية في النظم الديمقراطية تعمل بشكل مستقل، وتوزع معلومات مهمة في المجتمع بشكل واسع، وقد يكون لها طابع معارض نابع عن القوى السياسية القائمة.
وهناك الكثير من الأمثلة منها أنه عندما أثارت مقالات في الصحف فضائح سياسية أدت إلى خلق أزمات، وحتى إلى استقالة قادة سياسيين. أما في النظم الشمولية فتقوم وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بدور الرقيب على نشاطات الشخصيات الاجتماعية، والجماعات الاجتماعية وحتى الأفراد لصالح النظام القائم.
وعلاقة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بالدولة والحكومة، والقادة السياسيين والأحزاب متناقضة. لأنها تلعب دوراً مهماً في الحد من استغلال السلطة وقيام الأوساط الحاكمة بأعمال سياسية معينة، وفي فضح التجاوزات القانونية، والدفاع عن حقوق المواطنين من التصرفات الحكومية غير المسؤولة.
وتضطر الأجهزة الحكومية والقيادة السياسية لمنح وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية حرية واستقلالية معينة. كي لا تفقد الأجهزة الحكومية والقيادات السياسية ثقة السكان.
ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية من جهتها كقاعدة تعزز شخصيتها كمصدر للمعلومات الحكومية الموجهة للأوساط الاجتماعية ولأجهزة السلطة الحكومية.
وفي الوقت الحاضر تحولت وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية إلى مجالات تجارية، تمتع بحريات حصلت عليها من الدولة وخلصتها من الرقابة، وسمحت بتكتلها باتحادات إعلامية ضخمة.
ولكن بقيت لدى السلطة ولدى رجال الأعمال إمكانيات واسعة للتأثير والضغط على وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية عن طريق إعطاء المساعدات وتخصيص الإعلانات التجارية.
وهكذا بقيت وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية جزءاً هاماً في النظام السياسي، تؤثر إلى حد كبير على تطورات الحياة السياسية في المجتمع.
ويتضح دور الهيئات الدينية في النظم السياسية في العديد من دول العالم، وتقوم به المنظمات الدينية في المجتمع، بسبب التفاف المؤمنين حول الأفكار الدينية وأداءهم لعباداتهم الدينية الجماعة وخاصة في الأوقات العصيبة. والهيئات الدينية كالكنيسة في الدول الغربية تملك إدارة مركزية لها نظامها الخاص ومبادئها الأخلاقية والسلوكية الدينية، التي يخضع لها المؤمنين ورجال الدين على حد سواء.
وخلال قرون طويلة التقى الدين والسياسة ببعضهما البعض. ولكن درجة وطبيعة تأثير العامل الديني على السياسة كانت متفاوتة، لأن الدين كان ولم يزل موجوداً في التفاعلات السياسية والحركات الجماهيرية كجوهر وليس كظاهرة. وهذا يفسر جوهر العلاقة بين الدين والسياسة.
ويعتمد الدين على جماهيريته وكثرة أتباعه، وتكوينه لوعي الجماعات الدينية. وفي مراحل تاريخية معينة كان يشكل الوعي الجماهيري، بمناطق جغرافية واسعة من العالم، وكان الوعي الديني الأكثر انتشاراً بين الجماهير، وفي بعض الأحيان فاق كل أشكال الوعي الاجتماعي.
ولهذا عندما يدور الحديث عن الدين يبقى السؤال المطروح ما هو مدى تعرض الجماعات البشرية للفكر الديني. لأن السياسة أيضاً مرتبطة بجماعات غفيرة في أوساط السكان. ولأن الدين والسياسة ظاهرتان لم تختلطا في الحياة الاجتماعية، بل على العكس كانتا دائماً محددتان بقنوات تقليدية تتشابك من خلالها المفاهيم الدينية والسياسية.
وهنا يجب أن نشير إلى أنه يجري اليوم البحث عن حداثة أكثر، ودقة أكثر للعلاقة بين الدين والسياسة، علاقة تسمح بتعايش الدين والسياسة. وهذا البحث يحمل طبيعة متنوعة لأن المجددين من المسيحيين يسعون لتحرير المسيحية من بعض الأفكار الجامدة، آخذين بعين الاعتبار منجزات العلوم الحديثة. ليتمكنوا من مسايرة توجهات مختلف العبادات غير التقليدية، والوعي الديني للمحافظ على البيئة الاجتماعية.
وهناك إلى جانب المنظمات السياسية، في تركيبة النظام السياسي للمجتمع علاقات سياسية. يحددها العمل المشترك للجماعات الاجتماعية، والأفراد، والهيئات الاجتماعية من أجل بناء وإدارة المجتمع.
ويمكن تقسيم جوهرها الايجابي إلى مجموعات وهي:
المجموعة الأولى: وتتمثل بالعلاقة بين الطبقات، والجماعات الكبيرة في المجتمع، وبين القوميات والدول. والعلاقات بين الطبقات والجماعات، وداخل الطبقات، وبين القوميات التي تؤلف جوهر النظام السياسي وتنعكس في ممارسات المنظمات السياسية وعلاقاتها المتبادلة.
والمجموعة الثانية: وتتألف من العلاقات الشاقولية، التي تتراكم من خلال عمليات تحقيق السلطة السياسية، تحت تأثير أجهزة السلطة المركزية والمحلية والقيادات والإدارات والتفاعلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
والمجموعة الثالثة: وتتألف من العلاقات السياسية التي يمكن أن تتضمن علاقات تتراكم بين المنظمات والمؤسسات السياسية.
وتعتبر القواعد الحقوقية لممارسة السياسية العنصر الفاعل في النظم السياسية، وتتمثل بالدستور، والنظم الداخلية وبرامج الأحزاب السياسية، والتقاليد السياسية والإجراءات التي تضبط التفاعلات السياسية. وكلها تعتبر قاعدة أساسية، لأن الأنظمة السياسية تختلف عن بعضها البعض كالشمولية وسلطة الحزب الواحد، وتعددية الآراء السياسية، ومبادئ وقواعد الممارسات تختلف في النظم السياسية. والقواعد السياسية والقانونية الضابطة للعلاقات السياسية، تعطي شكلاً منظماً، يحدد ما هو مرغوب فيه وما هو غير مرغوب فيه، والممكن وغير الممكن من وجهة نظر النظم السياسية.
ومن خلال القواعد السياسية والتشريعية يتم الاعتراف الرسمي بالمصادر السياسية. ومن خلال قواعد أجهزة السلطة السياسية يجري الوصول للمجتمع ولأهداف الجماعات الاجتماعية، والأفراد. وتحدد نماذجهم الخاصة للتصرفات وأسباب القرارات السياسية المتخذة من قبل قيادات المشاركين في الحياة السياسية.
الخاتمة
وهكذا نرى أن الوعي السياسي والثقافة السياسية هما من ضمن العناصر المؤلفة للنظام السياسي في المجتمع. ويعتبران انعكاساً للمنافسات الاجتماعية والسياسية التي تصور التوجهات والقيم ومواقف وأحاسيس ومنطق تفكير المشاركين في الحياة السياسية، والذي يؤثر تأثيراً كبيراً على تصرفات حركتهم السياسية.
لهذا من المهم الأخذ بالمشاعر السياسية للجماهير بعين الاعتبار من خلال التفاعلات الجارية بين قيادة وإدارة المجتمع والمجتمع بحد ذاته، ووظائف النظم السياسية المتنوعة والمعقدة بسبب ظروف الحياة السياسية. وتتمثل في:
تحديد أهداف ومهام المجتمع؛
وإعداد برامج حياتيه تتفق مع مصالح الشرائح التي تدير المجتمع؛
وتعبئة إمكانيات المجتمع بما يتفق وتلك المصالح؛
ومتابعة توزيع القيم الاجتماعية.
وفي هذا المجال لابد من تحديد وتحليل الصدامات الجارية بين مصالح الجماعات الاجتماعية، لتحقيق الوحدة الاجتماعية بالكامل. لأن فقدان السيطرة عليها يحدد مصير النظام الاجتماعي، وتهدده بالأزمات. ويبعد المجتمع عن الالتفاف حول الأهداف والقيم الاجتماعية والسياسية.
وتحقيق هذه الوظيفة ممكن من خلال توفير إمكانيات متطورة للنظم السياسية لتجنب ظهور تناقضات داخل المجتمع، وتجنب الصراعات، وإزالة الإضرار الاجتماعية.
وتحقيق نوع من الرقابة على مجالات توزيع القيم الاجتماعية، التي تشمل الموارد المادية، والامتيازات السياسية، والثقافية، وإنجازاتها، للوصول إلى مختلف أشكال التعليم المستمر مدى الحياة وشغل أوقات الفراغ.
وطبعاً لا يجب أن يكون الضبط شاملاً، ولا يجب أن ينحدر إلى الجزئيات، لأن من لا يملك أشياء مشتركة يمكن توزيعها اجتماعياً، لا يمكنه الوصول للرفاهية الاجتماعية المطلوبة للجميع ولمختلف الشرائح والجماعات الاجتماعية داخل المجتمع الواحد.
====
تأليف: أ.د. محمد البخاري: دكتوراه في العلوم السياسية DC اختصاص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. ودكتوراه فلسفة في الأدب PhD اختصاص: صحافة. بروفيسور قسم العلاقات العامة، كلية الصحافة، جامعة ميرزة أولوغ بيك القومية الأوزبكية. 20/8/2012