الأحد، 8 يوليو، 2012

تطور وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية

تطور وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية
الحديث عن دور وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية ضمن عملية التبادل المعلوماتي الدولي، في حياة الأمم المعاصرة، وفي ظل النظام الدولي الراهن أصبح من أكثر الموضوعات إثارة للإهتمام، نظراً للإمكانيات الهائلة القائمة والمحتملة للتبادل المعلوماتي الدولي على ضوء التطور الهائل في وسائل الإتصال عن بعد الإلكترونية. التي تنبأ لها البروفيسور الياباني يونيجي ماسودا: أن يتمكن الإنسان في نهاية القرن الحالي (العشرين) من الحصول على أية معلومات يريدها بمنتهى السرعة واليسر والسهولة.
وهو ما حدث فعلاً من خلال شبكات الحاسب الآلي (الكمبيوتر) العالمية، وقنوات الإذاعتين المسموعة والمرئية الفضائية، ووسائل الإتصال الأخرى من تلكس وفاكس وبريد إلكتروني... إلخ. والتي أصبحت تستخدمها فعلاً وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية الدولية  لمخاطبة العقول أينما كانـت، ومهما تباينت، وبأية لغة يفهمها الإنسان المعاصر الذي تميز الآن بسعة الأفق والمعرفة، بفضل المعلومات التي وضعتها بين يديه وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية أينما كان.
كما وسمحت تقنيات الإتصال الحديثة للتدفق المعلوماتي الدولي أن يكون تبادلاً إعلامياً دولياً، تسيطر فيه الدول المتطورة بفضل إمكانياتها المادية والعلمية والتقنية. ولو أن أية دولة أو أية جماعة مهما كان حجمها وإمكانياتها تستطيع ولوج عالم التبادل المعلوماتي الدولي بالحرف والصوت والصورة دون عوائق تذكر.
وقد إلتفتت الدول والتجمعات الدولية لهذه القضية اليوم، بعد أن تجلت لها حقيقة الثورة المعلوماتية خلال العقود الماضية، واتجهت نحو التركيز على أهداف ووظائف التبادل المعلوماتي الدولي، وردم الهوة بين الدول المتطورة والغنية، والدول الأقل تطوراً والمتخلفة والفقيرة.
وأصبح المدخل لدراسة مشاكل الإتصال والتبادل المعلوماتي الدولي، هو تدارس قضايا الإعلام والإتصال، والسعي لإقرار نظام عالمي جديد للتبادل المعلوماتي الدولي، يهدف أساساً للحد من إختلال التوازن بين الدول المتقدمة والدول النامية. ويجعل من التبادل المعلوماتي الدولي المفتوح مجالاً للحوار بين الأمم والثقافات، لا للسيطرة كما يرغب البعض في عالمنا المعاصر.
خاصة بعد أن أحدثت الثورة المعلوماتية الناتجة عن التطور العلمي والتقني الهائل لوسائل الإتصال الجماهيرية، تغييرات جوهرية داخل المجتمعات في مختلف الدول، بفارق سجل فيه نسب التطور في كل مجتمع من مجتمعات الدول المتطورة والأقل تطوراً والدول النامية في العالم.
والدولة وكما كانت الحال منذ القدم هي العنصر الأساسي في العلاقات الدولية، رغم التأثر الواضح الذي بدرت ظواهره تزداد وضوحاً كل يوم، من خلال تأثير وسائل الإتصال الجماهيرية المتطورة في عملية التبادل المعلوماتي الدولي.
ورغم ذلك تظل الدولة دون سواها العنصر الرئيسي في وضع وتنظيم وضبط آليات العلاقات الدولية ومن ضمنها عملية التبادل المعلوماتي الدولي. خاصة وأن مفهوم قوة الدولة على الساحة الدولية، كان ولم يزل مرتبطاً منذ البداية بقوة وتماسك الدولة من الداخل، الذي تعززه وسائل الإعلام الجماهيرية الوطنية من خلال تأثيرها على الجمهور المستهدف وتكوينها للرأي العام.
ومما لاشك فيه اليوم أن ثورة وسائل الإتصال الحديثة، وما نتج عنها من إمتداد وإنتشار لوسائل الإعلام الجماهيرية بأشكالها التقليدية والحديثة، قد تركت بصماتها على دور الدولة الذي بدأ يضعف في مجتمع عصر التدفق الحر للمعلومات عبر تقنيات الإتصال الحديثة من الجانبين. ولم يعد بالإمكان التحدث اليوم عن السيادة الإعلامية ضمن الحدود السياسية للدولة، وعن التحكم بعملية التدفق المعلوماتي لداخل وخارج تلك الحدود، وبالتالي الإنفراد بتشكيل عقول مواطني الدول بما يضمن الولاء التام للدولة، بنفس الطريقة التي كانت مطروحةً به قبل إنهيار المنظومة الشيوعية وعلى رأسها الإتحاد السوفييتي السابق. والأمثلة على ذلك كثيرة بدأ من الإتحاد السوفييتي السابق، ومروراً بيوغسلافيا، وألبانيا، والعراق، وأفغانستان، ولبنان، وأوكرانيا، وجورجيا، وقرغيزيا، وتونس، ومصر، وليبيا، واليمن، وسوريا، وغيرها من دول العالم.
خاصة وأن تأثير الثورة المعلوماتية شمل سلباً الدولة بكل مكوناتها من حدود سياسية معترف بها، وشعب وحكومة. وأصبحت السيطرة على عملية التدفق المعلوماتي شبه مستحيلة بعد أن تحولت المعلومات إلى عناصر غير ملموسة وغير مرئية يسهل تنقلها واختراقها لأي حدود سياسية أو جغرافية كانت، مهما بلغت نوعية وكمية ودرجة إجراءآت الحماية ضد إختراق التدفق المعلوماتي الدولي الحديث.
ولا أحد ينكر الدور الذي لعبته الصحافة المطبوعة في بلورة الشخصية القومية للأمم، عندما وفرت للشعوب إمكانية المشاركة في عنصري الزمان والمكان عن طريق اشتراك أبناء الشعب الواحد في قراءة صحيفة تتحدث بنفس اللغة، وتحمل على صفحاتها نفس الزوايا والأبواب وتصدر في مكان وزمن محدد، مما دعم الشعور القومي لدى هذه الشعوب.
أما اليوم فقد تقلص البعد الجغرافي، وزال الفاصل الزمني، وأصبحت تقنيات الإتصال الحديثة تقفز من فوق الحواجز وتخترقها. وما كان مستحيلاً في عالم الإتصال بالأمس، أصبح اليوم واقعاً ملموساً، وكأن مصدر المعلومات والقائم بالإتصال والجمهور الإعلامي مهما باعدت المسافة الجغرافية بينهم، داخل ساحة إعلامية واحدة تعجز الدول عن التحكم بها، مما ترك بدوره أثاراً بالغة على الشعور الوطني والتماسك الإجتماعي، والولاء للدولة من قبل المواطنين المنتمين للدول المعرضة للإختراق الإعلامي الدائم.
الصحافة المطبوعة:
وتعد الصحف المطبوعة من أقدم وسائل الإتصال والإعلام في العالم على الإطلاق، وسبقت منافستيها الإذاعتين المسموعة والمرئية لعدة قرون. وللصحف المطبوعة خصائص تميزها عن سواها من وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية، فالصحيفة المطبوعة لا تسطيع نقل الأخبار بتلك السرعة التي تنقلها بها الإذاعة المسموعة، ولا يمكنها نقل وتقريب الواقع كما تفعله الإذاعة المرئية، ولكنها تقوم بذلك بشكل متميز جعل من الصحيفة المطبوعة جزءاً لايتجزأ من حياة الفرد المتعلم في كل أنحاء العالم.
وتعود بداية ظهور الصحف المطبوعة بشكلها المعاصر إلى عام 1454م عندما تم اختراع الطباعة عن طريق صف الحروف (د. جيهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الإعلام. دار الفكر العربي، القاهرة 1978. ص ص 365 - 366. ود. شمس الدين الرفاعي: تاريخ الصحافة السورية، ج1، العهد العثماني. دار المعارف بمصر، القاهرة 1969. ص ص 17-24. ود. أحمد جاد الله شلبي: تاريخ التربية الإسلامية. مطبعة دار الكتب، القاهرة. ص 150 وما بعدها. ود. خليل صابات: تاريخ الطباعة في الشرق العربي. ص 34 وما بعدها. وجرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية، ج4 . مطبعة دار الهلال. ص 11. و - William L: Rivers and Wilbur Schramm, Responsibility Mass   Communication. New York, Harper & Row, 1969. p. 6)، وخدم هذا الإختراع المركز الرئيسي للسلطة في العالم المسيحي آنذاك، والمتمثل بسلطة الكنيسة. بينما تأخر إستخدام هذه الوسيلة الحديثة في طباعة الكتب والنصوص لعدة قرون في العالم الإسلامي بسبب التحريم الديني.
وخدمت المطابع الكنيسة في نشر مواضيع تهم الدين والدنيا، وأصبحت من عوامل الإصلاح الديني في العالم المسيحي خلال الفترة الممتدة ما بين القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين. ونشرت المطابع روائع كتب القرون الوسطى، وكتب عصر النهضة بنسخ كثيرة، ووضعتها بمتناول الجميع بعد أن كانت حبيسة خزائن الكتب. ونقلت أخبار التجارة والإقتصاد للتجار في كل مكان. ولعل المنشورات مجهولة المصدر والهوية، التي لعبت دوراً كبيراً إبان الثورتين الفرنسية والأمريكية، من أبلغ الأمثلة على الدور الهام الذي لعبته الطباعة في تغيير العلاقات الإنسانية في المجتمع الإنساني المعاصر.
ولعبت الصحف المطبوعة بالتدريج دور حارس الديموقراطية، بإتاحتها الفرصة للمرشح والناخب بالتعرف على بعضهما البعض دون إتصال مباشر، بل عن طريق إنتقال الأفكار المنشورة على صفحاتها. وأصبحت الصحف المطبوعة من الوسائل الهامة التي يعتمد عليها التعليم في مختلف مراحله، وساعدت الصحف من خلال الإعلانات التي تنشرها على تصريف قدر هائل من السلع المنتجة في المصانع، وإيجاد فرص العمل، وتوفير الأيدي العاملة للباحثين عنها (W. Schramm: One Day In the Wold's Press. pp. 3 – 6؛ - Harry Goldstein: " Reading and Listenning Comprehension at Various Controlled Rates "  N.Y.: Teachers College, Columbia University Bureau of Publications, 1940).
ومع مطلع القرن العشرين جاءت الثورة الصناعية للصحف المطبوعة بالمطبعة البخارية أولاً، ومن ثم بالمطبعة الكهربائية، مما ساعد على خفض تكاليف طباعتها، وأجور الإعلان على صفحاتها وزيادة عدد نسخها، مما ساعدها على الإنتشار الواسع وتحولها إلى وسيلة إتصال جماهيرية، رخيصة الثمن توزع أعداداً ضخمة من النسخ، يعتمد عليها لنشر إعلانات مربحة للمنتج والناشر في آن معاً.
وفي الربع الأخير من القرن العشرين أدى ظهور ومن ثم إنتشار الصحافة الإلكترونية لظهور منافس جديد وقوي للصحف المطبوعة، ولو أن معظم صحف العالم أصبحت تملك صفحاتها الإلكترونية في الشبكة العنكبوتية العالمية "الإنترنيت" الأمر الذي حولها إلى واقع تواصلي وشكل من اشكال التواصل الإجتماعي المفتوح دون عوائق تذكر.
ومن الميزات الهامة الأخرى التي تنفرد بها المادة المطبوعة عن غيرها من وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية، أنها تسمح للقارئ بالتكيف مع الظروف ومطالعتها في الوقت الملائم له، وإعادة القراءة كلما أراد. إضافة إلى أنها من أفضل الوسائل لمخاطبة الجماعات والشرائح الإجتماعية الصغيرة والمتخصصة.
الصحافة المسموعة:
تعتبر الإذاعة المسموعة من أفضل وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية قدرة على الوصول للمستمعين في أي مكان بسهولة ويسر، متخطية الحواجز الجغرافية والأمية الأبجدية، لأنها تستطيع مخاطبة الجميع دون تمييز وبغض النظر عن فوارق السن ومستوى التعليم، ولا تحتاج لظروف وأوضاع خاصة للإستماع كما هي الحال بالنسبة للإذاعة المرئية. حتى أنها أصبحت في بعض المجتمعات المتقدمة نوعاً من أنواع وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية التي يتعامل معها الإنسان دون إهتمام أو تركيز، كمصدر للترفيه أكثر من أنها مصدراً للمعلومات يحتاج معها للتركيز والإهتمام (P. Lazarsfeld: Radio and the printed Page. ( N.Y.: Duell Sloan and Pearce, 1940; - Lazarsfeld et al: The People's Choice, McPHee, New strategies for Recearch in the Mass Media  N.Y.: Bureau of Applied Social Research, Columbia University 1953.; - Leo Bogart: the Age of Television. N.Y.: Frederick Ungar, 1956.
ويصعب اليومً تحديد أصل الإختراعات العلمية التي أدت إلى ظهور الإذاعة المسموعة، التي تعتبر اليوم واحدة من أهم وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية. ففي الفترة من 1890 إلى 1894 إكتشف برافلي المبادئ الأساسية للمبرق اللاسلكي، ونجحت تجارب ماركوني خلال الفترة من 1894 وحتى 1899 بإرسال أول برقية لاسلكية عبر بحر المانش (رولان كايرول: الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية. ترجمة: مرشلي محمد. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر 1984، ص81).
وتطورت الأبحاث العلمية بعد ذلك، حتى إستطاع المهندس الفرنسي رايموند برايار، وزميله الدكتور البلجيكي روبير فولدا سميث، من إرسال وإستقبال بث إذاعي عن بعد عدة كيلو مترات عام 1914، وتوقفت التجارب بعد ذلك بسبب الحرب العالمية الأولى، إلى أن عادت مرة أخرى إلى دائرة الإهتمام بعد إنتهاء الحرب مباشرة.
وبدأت أول البرامج الإذاعية المسموعة اليومية المنظمة بالبث من ديتروا نيوز في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1920، وتبعتها بريطانيا التي نظم فيها دايلي مايل أول برنامج إذاعي مسموع في نفس العام. أما فرنسا فقد نجح الجنرال فيري بإرسال أولى البرامج الإذاعية المسموعة في عام 1921.
وتعتبر عشرينات القرن العشرين فترة هامة في حياة هذا الإختراع الهام، الذي أخذ بالتطور والتوسع السريع. ورافقه في عام 1925 إختراع البيك آب الكهربائي، وفي عام 1934 إختراع التسجيل على الإسطوانات المرنة، وفي عام 1945 إختراع آلة تسجيل الصوت، وتمكن الأمريكيان براتان وباردن عام 1948 من إختراع المذياع، الذي إنتشر في الأوساط الشعبية إعتباراً من عام 1950 وتبعه في عام 1958 إختراع إسطوانة التسجيل الستيريو التي نقلت البث الإذاعي المسموع معها إلى مرحلة جديدة (نفس المصدر السابق. ص 81 - 85).
الصحافة الإذاعية المرئية:
أولى التجارب لإختراع طريقة لإرسال صور ثابتة باللونين الأسود والأبيض عن بعد أجريت في منتصف القرن التاسع عشر، وتطور هذا الإختراع حتى إستطاع الألماني دي كورن من إختراع الفوتوتلغرافيا عام 1905، وجاء بعده الفرنسي إدوارد بلين، الذي طور الإختراع الأول وأطلق عليه إسم البيلينوغراف عام 1907. وإستمرت هذه التجارب بالتطور باستخدام وسائل ميكانيكية أولاً ومن ثم إذاعية كهربائية، حتى توصل كلاً من الإنجليزي جون لوجي بيارد والأمريكي س. ف. جنكيس إلى وسيلة إرسال إستعملا فيها  إسطوانة دورانية مثقوبة عام 1923.
وتكللت التجارب التي جرت خلال ثلاثينات القرن العشرين بالنجاح، وبدأ مركز أليكساندر بلاس البريطاني للإذاعة المرئية بالبث الإذاعي المرئي لمدة ساعتين يومياً عام 1936، وتبعه المركز الفرنسي في لاتوريفال ببث برامج إذاعية مرئية يومية عام 1938، وتبعتهما الولايات المتحدة الأمريكية في العام التالي ببث إذاعي مرئي استهدف جمهوراً كبيراً. وأخرت الحرب العالمية الثانية البداية الفعلية لإنتشار البث الإذاعي المرئي للجمهور العريض حتى إنتهاء الحرب العالمية الثانية (1945 – 1946).
وفي خمسينات القرن العشرين بدأ الإنتقال التدريجي من نظام البث الإذاعي المرئي باللونين الأسود والأبيض إلى نظام البث الإذاعي المرئي الملون، وتبعه الإنتشار العاصف للبث الإذاعي المرئي بواسطة الدارات المغلقة، ومحطات التقوية الأرضية، إلى أن إنتقل بث الإذاعة المرئية لآستخدام الأقمار الصناعية مع تطور غزو الإنسان للفضاء الكوني الذي بدأ في عام 1957 عندما أطلق الإتحاد السوفييتي أول قمر صناعي للدوران حول كوكب الأرض.
ومع الوقت لوحظ أن للإذاعة المرئية فاعلية فريدة لأنها وسيلة من الوسائل التي تعتمد على حاستي السمع والبصر في آن معاً. ولوحظ أنها تستحوذ على الإهتمام الكامل للجمهور المتلقي، أكثر من أية وسيلة إعلامية أخرى، وخاصة أوساط الأطفال واليافعين. وكشفت بعض الدراسات أن الصغار والكبار على حد سواء يميلون إلى تقبل كل ما تقدمه الإذاعة المرئية دون مناقشة، لأنهم يعتبرونه واقعي ويترسخ في أذهانهم بصورة أفضل (د. جيهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الإعلام. دار الفكر العربي، القاهرة 1978. ص 368 - 369. و H. Blumer: Movies and Conduct. ( N.Y.: the Macmillan Company 1933); - W. Charters: Motion Pictures and Youth. (N. Y.: Macmillan 1933); - Doob, Propaganda: Its Psychology and Technique. N.Y.: Henry, Holt and Company 1935).
والإختلاف بين الإذاعتين المرئية والمسموعة، أن الإذاعة المرئية تحتاج لحاستي السمع والبصر وانتباه لا يستطيع المتفرج معه أن يفعل شيئاً آخر أثناء المشاهدة، في حين أن المستمع للإذاعة المسموعة يستطيع أثناء إستماعه أن يقرأ ويمشي ويعمل ويقود سيارته، أو أن يستلقي مغمضاً عينيه سارحاً في خياله.
ومن المزايا التي تتميز بها الإذاعة المرئية عن سواها من وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية:
- أنها أقرب للإتصال المباشر، وتجمع بين الصورة والصوت والحركة واللون، وتتفوق عن الإتصال المباشر لقدرتها على الخداع البصري وتكبر الأشياء الصغيرة، وتحريك الأشياء الثابتة.
- وأنها تنقل الأحداث فور حدوثها، وبفارق زمني طفيف.
- وأنها تسمح بأساليب متعددة لتقديم موادة الدعاية والإعلان، مما يضاعف من تأثيرها على الجمهور المتلقي.
- وأنها أصبحت وسيلة قوية بين وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية بعد أن دخلت كل بيت، ووفرت لها الأقمار الصناعية المنتشرة في الفضاء الكوني إنتشاراً عالمياً، مما زاد من فاعلية عملية التبادل الإعلامي والثقافي العالمي، وغدت وسيلة من وسائل التقارب بين الشعوب.
وهكذا نرى كيف تغير وضع الإنسان الذي عاش قديماً في مجتمعات صغيرة، محدودة العدد، معزولة عن بعضها البعض، يصعب الإتصال فيما بينها. ليأتي القرن العشرين ليغير الوضع تماماً لسببين أساسيين نلخصهما بالتالي:
- نشوب الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، والحرب العالمية الثانية (1939 - 19945)، وما تمخض عنهما من إنتقال للقوات العسكرية عبر الدول والقارات. وهذا بحد ذاته ساعد على تطوير وسائل الإتصال والمواصلات البرية والبحرية والجوية، ومعها تطورت الطرق البرية والمائية والسكك الحديدية والموانئ البحرية والجوية.
- وإنتشار وسائل الإتصال الحديثة، من أجهزة البرق والهاتف والإذاعة وبعدها أجهزة التلكس التي سرعان ما حلت محلها أجهزة الفاكس والحاسبات إلكترونية (كمبيوتر) التي أتاحت الفرصة لتبادل رسائل البريد الإلكتروني الصوتية والمرئية مباشرة ودون عوائق تذكر.
حتى أن الحاسبات إلكترونية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياة وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية، وغدت الصحف والمجلات والإذاعتين المسموعة والمرئية تستخدمها لتحقيق التواصل الواسع مع جمهورها.
وتمكنت الحاسبات الإلكترونية إلى جانب الإذاعتين المسموعة والمرئية من إحداث تغييرات جذرية على تصورات الجماهير في جميع أنحاء العالم، واتسع أفق الأفراد وإطارهم الدلالي بشكل لم يسبق له نظير، بحيث لم يعد في الإمكان بعد الآن عزل الناس عقلياً أو سيكولوجياً عن بعضهم البعض. لأن ما يحدث في أي بقعة من بقاع العالم، يترك آثاره على جميع الأجزاء الأخرى في العالم. حتى غدا عالم اليوم بمثابة قرية الأمس. بعد أن إتسعت تصورات الفرد التقليدي القديم عن واقعه والتي كانت تتسم بالبساطة، وأصبح عليه أن يجاهد حتى يفهم ما تحمله الأخبار التي تغمره بها وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية يومياً عن أحوال الشعوب والأمم الأخرى المختلفة بألوانها وعقائدها ومقدساتها.
وخرجت وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية بالتدريج عن إطارها المحلي لتصبح أداة إتصال وتواصل بين شعوب مختلف الأمم، وغدت تلعب دوراً مرسوماً ومحدداً لها في إطار العلاقات الدولية، وعملية التبادل الإعلامي الدولي. ودخلت ضمن الأدوات والوسائل التي تحقق من خلالها مختلف الدول والمنظمات الدولية والإقليمية والمحلية بعضاً من سياساتها الخارجية وعلاقاتها الدولية المعلنة وغير المعلنة.
حتى أن وسائل المعلوماتية والإتصال عن بعد المتطورة غدت سلاحاً لا يقل خطورة عن أسلحة الدمار الشامل بعد استخدامه لتوجيه الأسلحة المدمرة الذكية التي غدت تستخدمها الدول المتطورة اليوم فعلاً في حروبها الحديثة، وما حدث في يوغسلافيا وأفغانستان والعراق وليبيا،  وما يحدث اليوم على الساحة الدولية خير مثال عليها ولا تحتاج لأي تعليق.
طشقند في 8/7/2012
بروفيسور محمد البخاري 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق