الجمعة، 13 يوليو، 2012

دور الصحافة الدولية في عالمنا المعاصر



دور الصحافة الدولية في عالمنا المعاصر

تعمل المؤسسات الصحفية في كل دول العالم على نشر المبادئ والأفكار والمواقف والأخبار عن طريق وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية المختلفة )المقروءة والمسموعة والمرئية والإلكترونية) بغرض الإقناع والتأثير على الأفراد والجماعات داخل المجتمع. وعندما تخرج هذه المؤسسات عن نطاق المحلية وتجتاز وسائلها الحدود الجغرافية والسياسية المعترف بها للدولة، لنقل مبادئ وأفكار ومواقف وأخبار لمواطني دول أخرى، بهدف خلق نوع من الحوار الثقافي أو السيطرة الفكرية، متجاوزة الحواجز اللغوية، تأخذ هذه المؤسسات الصحفية ووسائل إتصالها وإعلامها صفة الإعلام الدولي.
والإعلام االدولي جزء لا يتجزأ من السياسة الخارجية للدول المستقلة ذات السيادة، ووسيلة فاعلة من الوسائل التي تحقق بعض أهداف السياسة الخارجية لكل دولة داخل المجتمع الدولي. لتخدم من خلالها المصلحة الوطنية العليا للدولة، وفقاً للحجم والوزن والدور الذي تتمتع به هذه الدولة أو تلك في المعادلات الدولية، وتأثيرها وتأثرها بالأحداث العالمية المستجدة كل يوم.
وخاصة عند نشوب أزمات سياسية أو إقتصادية أو عسكرية أو إضطرابات إجتماعية تطال تلك الدول، أو الدول المجاورة لها. أو تطال مناطق المصالح الحيوية للدول الكبرى في انحاء العالم. أو في حال حدوث كوارث طبيعية وأوبئة، أو أخطار تهدد البيئة والحياة على كوكب الأرض.
وللإعلام الدولي دوافع متعددة، تعتمد على المصالح السياسية والإقتصادية والعسكرية والإجتماعية والثقافية والإنسانية بما يتفق والسياسة الخارجية للدولة. وتنبع كلها من المصالح الوطنية العليا للدولة، وتعمل من خلال هذا المنظور على تعزيز التفاهم الدولي والحوار بين الأمم، الذي قد يؤدي إلى خلق تصور واضح للدول بعضها عن بعض، والتحول من النظام الثقافي القومي التقليدي المغلق، إلى نظام ثقافي منفتح يعزز التفاهم الدولي ويعمل على تطويره.
وكان لوسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية دوراً أساسياً في هذا التحول بعد التطور الهائل الذي حدث في تقنيات ألإتصال والمعلوماتية خلال القرن العشرين. وساعدت هذه التقنيات على إحداث تغيير ثقافي واجتماعي واضح، رغم تضارب المصالح الإقتصادية والسياسية والصراعات الأيديولوجية المؤثرة في القرار السياسي اللازم لأي تقارب أو حوار دولي.

وظائف الصحافة الدولية

من الأمور المميزة للبشر عن سائر المخلوقات الحية قدرتهم على الكلام والإعلام والإتصال فيما بينهم. فالإنسان يحتاج دائماً:
- لوسيلة يراقب من خلالها الظروف المحيطة به، وتحيطه علماً بالأخطار المحدقة به أو الفرص المتاحة له؛
- وسيلة تقوم بنشر الآراء والحقائق وتساعد الجماعات والأفراد على إتخاذ القرارات؛
- وسيلة تقوم بنشر القرارات التي تتخذها الجماعة على نطاق واسع؛
- وسيلة تقوم بنقل حكمة الأجيال السابقة والتطلعات السائدة في المجتمع إلى الأجيال الناشئة؛
- وسيلة ترفيه تنسي الفرد المعاناة والصعوبات التي يواجهها في حياته اليومية.
وعهدت القبائل البدائية بتلك المهام لأفراد. فقام بعضهم بوظيفة الحراس يحيطون القبيلة علماً بالأخطار المحيطة والفرص المتاحة، عندما تقترب قبيلة معادية من القبيلة الأولى. الأمر الذي يتطلب إستعداداً للدفاع عن الأرواح والأملاك. أو عندما يقترب من القبيلة قطيع من الحيوانات يمكن أن يصطادوا بعضها للطعام والزاد. فيكون هؤلاء الأفراد القائمون برصد الحياة من حول الجماعة أشبه بمراكز الإنذار المبكر في حالتي الخطر والأمان.
كذلك عهدت القبيلة إلى بعض الأفراد "مجلس القبيلة" بسلطة إتخاذ القرارات عن إحتياجات وأهداف وسياسات القبيلة الداخلية والخارجية، والتأكد من أن تلك القرارات ستنفذ. وكان لابد من وجود مراسلين يحملون الأوامر والمعلومات من مجلس القبيلة إلى أفراد القبيلة، أو نقل الرسائل والمعلومات إلى القبائل المجاورة.
وكفلت القبيلة كذلك لنفسها وسيلة تساعدها على الإحتفاظ بحكمتها وتراثها الثقافي للأجيال القادمة، ووسيلة وأسلوباً لنقل ذلك التراث الثقافي والحكمة إلى الأجيال القادمة، فقام الآباء والشيوخ بتعليم عادات القبيلة وتقاليدها للجيل الجديد، أو للأعضاء الجدد في القبيلة. وعلمت الأمهات بناتهن إعداد الطعام، وحياكة الملابس. وعلم الآباء أبناءهم فنون الحرب والصيد والقنص.
وتولى المغنون الذين ينشدون الأغاني المحببة، والراقصون الذين كانوا يؤدون الرقصات الدينية والفلكلورية في المناسبات المختلفة، والرواة الذين يحكون الحكايا والقصص عن أمجاد الآباء والأجداد، وماسلف من تاريخ القبيلة، وظيفة الترفيه ونقل التراث الثقافي والحكمة إلى الأجيال القادمة (Schramm: " Communication Development and the Development Process," in Lucian Pye (ed) Communication and Political Development. N. J.: Princeton University Press 1963).
وبالطبع لم تكن تلك هي جميع مهام الإتصال والإعلام في القبيلة القديمة، ولكنها كانت أهمها. ومن الغريب أن تلك المهام بقيت كما هي نفس مهام الإتصال والإعلام في المجتمعات الحديثة، ولكن بفارق أن تلك المهام أصبحت تؤدى اليوم بشكل جماهيري واسع جداً، وبأساليب وتقنيات حديثة ومتطورة وبعيدة المدى أحاطت بالكرة الأرضية برمتها وتعدتها إلى الفضاء الكوني. ومع ذلك فنحن مازلنا في حاجة إلى معلومات عن الظروف المحيطة بنا تصلنا اليوم بسرعة فائقة ودقة كبيرة عن طريق وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية الحديثة التي باتت تستخدم أحدث وسائل الإتصال المزودة بأحدث المعدات الإلكترونية والتجهيزات المتطورة باهظة التكاليف، وتساعدنا تلك المعلومات على إتخاذ القرارات وتنفيذها في الوقت المناسب.
أي أن مهام الإتصال والإعلام التي وجدت في المجتمعات القديمة هي نفسها الموجودة من حيث المبدأ في المجتمعات الحديثة، والفارق الوحيد أنها أصبحت متعددة ومتشعبة وأكثر دقة اليوم بفضل وسائل الإتصال الحديثة المتطورة التي لم تكن معروفة من قبل.
وأصبحت الدول حالياً أكثر من ذي قبل تشارك عن طريق ممثليها في التأثير على مجرى الحياة الإجتماعية في الداخل والخارج من خلال سياساتها الداخلية والخارجية مستعينة بوسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية، وغدت المصالح الوطنية العليا للدول أكثر تأثيراً في عملية إتخاذ القرارات على الصعيدين الداخلي والخارجي.
ودخلت وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية المعاصرة القرية والمدينة والتجمعات السكانية أينما كانت، وغدت نظاماً مفتوحاً أمام رياح قوى التغيير الآتية من الداخل والخارج، ومعنى هذا أن الوظائف القديمة للإتصال والإعلام إختلفت في درجتها وحجمها فقط وليس في نوعها. ولكن لماذا كل هذا الإهتمام بوسائل الإعلام الجماهيرية ؟
والجواب: أن تلك الوسائل أصبحت تصل إلى جمهور واسع غفير. ووسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية التي كانت يوماً ما تصل إلى جمهور محدود وبتأثير محدود، أصبحت اليوم تصل إلى سكان العالم أجمع تقريباً، وتؤثر على آراء الناس وتصرفاتهم وأسلوب حياتهم.
فالصحيفة والمجلة والكتاب التي كان يقرؤها في الماضي عدد محدود من الأفراد، يقرؤها اليوم ملايين البشر، مطبوعة أم منقولة عبر البريد الإلكتروني وشبكات الحاسب الإلكتروني (الكمبيوتر) المتطورة.
والبرنامج الإذاعي الذي كان يسمعه الناس في دائرة محدودة أصبحت تسمعه ملايين البشر في مناطق متباعدة من العالم.
وبرنامج الإذاعة المرئية الذي كان حكراً على منطقة جغرافية محدودة أصبح اليوم في متناول المشاهد في جميع قارات العالم عن طريق الأقمار الصناعية.
وشبكات الإنترنيت والبريد الإلكتروني والفاكس والتلكس حلت مكان المبرقات التلغرافية القديمة، مما جعل الناس يؤمنون بأن تلك الوسائل غدت قادرة على التأثير على المجتمع وتغييره بشكل أساسي ليس على الصعيد المحلي وحسب، بل وعلى صعيد العالم برمته. وبرز كإعلام دولي له مكانته وتأثيره ووظائفه (د. جهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الإعلام. دار الفكر العربي، القاهرة 1978. ص 356 -357. و Alan Hancock: Mass Communication (London, Longmans, 1966) pp. 1-4.).
وكما أشرنا مسبقاً للإعلام الدولي دوافعه الخاصة، وله وظائف محددة يؤديها تنفيذاً للدور الذي تفرده له السياسة الخارجية للدولة، وهي:
1- الإتصال بالأفراد والشرائح الإجتماعية والجماعات والكتل السياسية والمنظمات والهيآت داخل الدولة التي يمارس نشاطاته الإعلامية داخلها. وتتمثل بالحوار مع القوى المؤثرة في اتخاذ القرار السياسي من شخصيات وأحزاب وكتل برلمانية، سواء أكانت في السلطة أم في المعارضة على السواء، للوصول إلى الحد الأقصى من الفاعلية التي تخدم السياسة الخارجية للبلاد.
وتخضع عملية الإتصال هذه عادة لمعطيات هامة من حيث المواقف من القضايا المطروحة قيد الحوار، ومواقف السلطة والمعارضة منها، والخط السياسي الرسمي للدولة حيالها. وتتراوح  هذه المواقف عادة مابين المؤيد التام، والمؤيد، والحياد التام، والحياد، والمعارضة التامة، والمعارضة، والعداء التام، والعداوة.
ولهذا كان لابد من تحديد دقيق للموقف السياسي للدولة، والمواقف الأخرى، للعمل على كسب التأييد اللازم لصالح القضايا المطروحة للنقاش، والعمل على زحزحة المواقف السياسية المعلنة للدولة لصالح تلك القضايا. أو خلق مناخ ملائم للحوار الإيجابي على الأقل.
كما ويجب الأخذ بعين الإعتبار أيضاً طبيعة النظام السياسي السائد في تلك الدولة، ومدى ديمقراطية هذا النظام، وطرق اتخاذ القرارات السياسية في ظل النظام السياسي القائم، ومدى المشاركة الفعلية لكل القوى السياسية الموجودة في اتخاذ تلك القرارات.
لأن الإتصال بالجماهير الشعبية في أي دولة من دول العالم يتم من خلال تلك القوى التي تمثل النخبة المؤثرة:
أولاً: بين أصحاب الحق بإتخاذ القرارت؛
وثانياً: على  الجماهير الشعبية، التي هي بمثابة قوة ضاغطة على أصحاب حق اتخاذ القرار.
ومن هنا نفهم مدى أهمية إلمام خبراء الإعلام، والمخططون للحملات الإعلامية المحلية الدولية، بالنظم السياسية للبلدان المستهدفة والقوى المؤثرة فيها سلطة أم معارضة، ودور كل من تلك القوى في اتخاذ القرارات. لاستخدامها في التخطيط للحملات الإعلامية المؤيدة أوالمضادة، آخذين بعين الإعتبار الحقائق الإجتماعية والثقافية التي تساعد على نجاح الحملات الإعلامية الدولية.
2- الإتصال المباشر بالجماهير الشعبية، عن طريق وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية ومن خلال النشرات الإعلامية، والمؤتمرات الصحفية، والمقالات، وبرامج الإذاعتين المسموعة والمرئية، والعروض السينمائية والمسرحية، وأفلام الفيديو، والمعارض الإعلامية، وتشجيع السياحة وتبادل الزيارات، وغيرها من الوسائل التي تتيح أكبر قدر ممكن من الصلات المباشرة مع الجماهير، للوصول إلى تأثير إعلامي أفضل وأكثر فاعلية.
وتأخذ بعض الدول لتحقيق سياستها الخارجية إسلوب مخاطبة الجماعات المؤثرة فقط، توفيراً للنفقات التي تترتب من جراء إستخدام إسلوب الإتصال بالجماهير العريضة، وتوفيراً للوقت الذي يستغرق مدة أطول من الوقت اللازم عند مخاطبة قطاعات وشرائح إجتماعية متباينة من حيث المصالح والتطلعات ومستوى التعليم والثقافة والإتجاهات الفكرية. ومزاجية تلك الجماهير العريضة في متابعة القضايا المطروحة، المحصورة في بوتقة إهتمامات شريحة إجتماعية معينة فقط.
لأن إسلوب الإتصال الفعال بالجماهير الواسعة يحتاج أيضاً لإمكانيات كبيرة ووسائل متعددة، تفتقر إليها الدول الفقيرة والنامية، بينما نراها متوفرة لدى الدول الغنية القادرة من حيث الإمكانيات المادية والتقنية والخبرات الإعلامية، التي تمكنها من استخدام الأسلوبين في آن معاً.
3- كما يمثل الإعلام الدولي الدولة أو المنظمة اأو الهيئة لتي ينتمي إليها، سواء أكانت محلية أم إقليمية أم دولية أم متخصصة أم تجارية. كمكاتب الأمم المتحدة ومؤسساتها المتخصصة في العديد من دول العالم، ومكاتب منظمة الوحدة الإفريقية، والجامعة العربية، ومجلس تعاون الدول الخليجية العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، والأوبيك، والسوق الأوربية المشتركة، ورابطة الدول المستقلة، ومنظمة شنغهاي للتعاون، وغيرها من المنظمات الدولية والإقليمية.
ونحن عندما نرى اليوم الدول الغنية تستخدم كل تقنيات وسائل الإتصال الحديثة في خدمة حملاتها الإعلامية الدولية، ومن أبسط صورها قنوات الإذاعة المرئية الفضائية، بعد انتشار استعمال هوائيات إستقبال البث الإذاعي المرئي عن طريق الأقمار الصناعية في المنازل. وشيوع إستخدام شبكات الحاسب الآلي حتى من قبل الأفراد، ومن أهم هذه الشبكات، شبكة الـ"إنترنيت" العالمية التي تملكها وتديرها الولايات المتحدة الأمريكية، دون منافسة تذكرحتى الآن. نرى الدول النامية تتخبط بمشاكلها الإتصالية والإعلامية، وتعاني من الآثار المترتبة عن التطور التكنولوجي الحديث، والخلل الفاحش في التدفق الإعلامي الدولي أحادي الجانب والتوجه والتأثير (جواد مرقة: متخذو القرار الإعلامي العربي والمتوسطي والإفريقي. صحيفة الدستور الأردنية 1/7/1997).

مشاكل الصحافة الدولية

ورغم الجهود الحثيثة التي بذلتها وتبذلها الدول النامية والفقيرة حتى اليوم، للخروج من المأذق الإعلامي التي تعاني منه، نراها تتخبط بمشاكلها الإعلامية التي تزداد تشعباً وتعقيداً كل يوم، بسبب التطور العلمي والتكنولوجي الهائل في ميدان وسائل الإتصال الحديثة، ووسائل الإعلام الجماهيرية حتى على الصعيد الوطني، ومن أهم هذه المشاكل:
- الخلط بين الوظيفة الإعلامية الدولية، والوظيفة الإعلامية الإقليمية، والوظيفة الإعلامية المحلية، ومتطلبات كل من تلك الوظائف وخصائصها المتميزة.
- والخلط بين السياسات الداخلية والإقليمية والخارجية للدولة عند التخطيط للحملات الإعلامية الدولية، والإرتباك في تحديد الأولويات.
- وضعف أجهزة وتقنيات المؤسسات الإعلامية الوطنية، وإفتقارها للمعدات والتجهيزات المتطورة، والإمكانيات المالية اللازمة للحملات الإعلامية الدولية، أو إستخدامها للإعتمادات المالية المتاحة بشكل سيء، أو بشكل غير فعال في الأغراض المطلوبة، إضافة لسطحية المساعدات الخارجية التي تحصل عليها تلك الدول من الدول الغنية، والمنظمات الدولية المتخصصة.
- والنقص الفاضح في الكوادر الإعلامية المتخصصة بالإعلام المحلي والإقليمي والدولي، وندرة أصحاب التخصص الأكاديمي بينهم، مما يؤدي إلى:
- إختيار كوادر غير كفوءة للعمل الإعلامي الدولي، لإعتبارات سياسية في أكثر الأحيان، وهذا بدوره يؤدي إلى:
- غياب التنسيق بين المخطط والمنفذ وإجهزة المتابعة، في الحملات الإعلامية الدولية.
- وضعف الإلمام بخصائص الجمهور الإعلامي الأجنبي، وعدم وضع أسلوب إعلامي منطقي ملائم ومتطور قادر على إيصال مضمون الرسالة الإعلامية للجمهور المستهدف من الحملة الإعلامية الدولية.
- وغياب التعاون وحتى التنسيق بين المؤسسات الإعلامية، ومؤسسات التعليم العالي المتخصصة، ومؤسسات البحث العلمي، فيما يخص إعداد الكوادر الإعلامية الوطنية والبحوث العلمية التطبيقية، وخاصة فيما يتعلق بدراسة راجع الصدى الإعلامي وتأثير المادة الإعلامية، وفاعلية الخطط الإعلامية.
- والإكتفاء بالبحوث النظرية البحتة التي تتناول الجوانب الوصفية والتاريخية فقط، مبتعدة عن الدراسات التي تتناول جوهر التخطيط، وتحليل مضمون الرسالة الإعلامية، وتقدير راجع الصدى الإعلامي المخطط له وراجع الصدى الفعلي للمادة والوسيلة الإعلامية.

الصحافة الدولية والصراعات الدولية

يعاني عالم اليوم من صراعات سياسية ومنازعات عسكرية عديدة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية التي مازالت تهدد الأمن والإستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم منذ مدة تجاوزت النصف قرن وأدت إلى عدة حروب مدمرة منذ قيام دولة إسرائيل بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 181 عام 1947، الذي قضى بإنشاء دولتين عربية وعبرية على أرض فلسطين، التي كانت آنذاك تحت الإنتداب البريطاني.
وبدأت تلك الحروب بالحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام 1948 وانتهت  بإحتلال إسرائيل لقسم من الأراضي المخصصة للدولة العربية في فلسطين وإعلان الهدنة، واستمرت حتى العدوان الثلاثي الإنكليزي الفرنسي الإسرائيلي على مصر عام 1956 وانتهى بإنسحاب القوات المعتدية من الأراضي المصرية المحتلة ونشر قوات حفظ سلام دولية عليها. ثم العدوان الإسرائيلي على مصر والأردن وسورية عام 1967 الذي انتهى بإحتلال الجيش الإسرائيلي لشبه جزيرة سيناء المصرية وقطاع غزة الفلسطيني الذي كان تحت الإدارة المصرية آنذاك، وكامل الضفة الغربية لنهر الإردن الفلسطينية والتي كانت  آنذاك تحت الإدارة الأردنية، وهضبة الجولان السورية بعد إعلان وقف إطلاق النار.
والحرب العربية الإسرائيلية عام 1973 التي خاضتها مصر وسورية مدعومة من بعض جيوش الدول العربية لتحرير الأراضي العربية من الإحتلال الإسرائيلي، وانتهت بإحتلال إسرائيل لمزيد من الأراضي المصرية والسورية. لتعقبها المعركة السياسية من أجل تحقيق السلام في الشرق الأوسط، والتي تكللت بتوقيع أول معاهدة سلام بين إسرائيل والعرب، وهي المعاهدة الإسرائيلية المصرية المعروفة بمعاهدة كمب ديفيد، التي صمدت رغم الإجتياح الإسرائيلي للأراضي اللبنانية عام 1982 وإحتلالها المستمر لجزء من أراضيه.
وبدأت المسيرة السلمية الشاملة في الشرق الأوسط عام 1991 عندما إنعقد مؤتمر مدريد الدولي لحل قضية الشرق الأوسط بمشاركة جميع الأطراف المعنية، وأطراف دولية أخرى برعاية الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وما أعقبها من إتفاقيات سلام بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، ومعاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية، لتصطدم الجهود السلمية مرة أخرى بالتعنت الإسرائيلي الذي يحول دون التوصل لسلام عادل ودائم في الشرق الأوسط يقضي بالإنسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من الأراضي العربية المحتلة، وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
ومن بؤر الصراع الخطيرة الأخرى في العالم، الصراع الباكستاني الهندي على مقاطعة كشمير الحدودية المتنازع عليها بين الطرفين والتي تهدد بالإنفجار في أي وقت كان خاصة بعد سلسلة التجارب النووية التي نفذتها الدولتين في أيار/مايو 1998، معلنة عن مرحلة جديدة في إطار سباق التسلح الجاري في القارة الآسيوية.
والحرب الأهلية الدامية والمدمرة في أفغانستان، التي بدأت عام 1979 ضد التدخل العسكري السوفييتي في الشؤون الداخلية لأفغانستان، وتحولها بعد ذلك إلى حرب عرقية ودينية إثر إنسحاب القوات السوفييتية من أفغانستان، تلك الحرب التي تهدد أمن وإستقرار الدول المجاورة لها، وخاصة الدول المستقلة حديثاً بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي السابق، أوزبكستان وطاجكيستان وتركمانستان. ورغم قيام التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بغزو الأراضي الأفغانية والقضاء على حكومة طاليبان فيها بعد الهجمات الإرهابية التي جرت عام 2001 في الولايات المتحدة الأمريكية.
إضافة إلى مناطق التوتر الجديدة التي ظهرت بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي والمنظومة الإشتراكية، كالصراع في قره باغ بين أذربيجان وإرمينيا، والصراع في الشيشان بين الفيدرالية الروسية والمطالبين بإستقلال جمهورية إشكيريا، والصراع في أبخازيا المطالبة بالإستقلال عن جورجيا، والحرب الأهلية في طاجكستان، والصراع بين البوسنيين، والصرب، والكروات وألبان كوسوفو، فيما كان يعرف سابقاً بيوغسلافيا الإتحادية، والوضع الشاذ في ألبانبا عندما إنهارت وبسهولة، أجهزة وبنى الدولة العسكرية والسياسية.
والصراعات الكامنة الأخرى في الكوريتين الشمالية والجنوبية، والحرب الأهلية في الصومال وجنوب السودان، والخلافات الحدودية الإرتيرية اليمنية، والإرتيرية الإثيوبية، والوضع المتوتر في منطقة الخليج العربي بسبب الحرب العراقية الإيرانية المدمرة، والغزو العراقي للكويت وقيام التحالف الدولي بتحرير وطرد القوات العراقية من الكويت، ومن ثم غزو قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية العراق واحتلاله وإسقاط نظام الحكم القائم فيه حتى دون قرار من مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة.
والأحداث التي عصفت في تونس وليبيا ومصر واليمن ولم تزل تعصف في سورية ومالي، وغيرها من بؤر التوتر الكثيرة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ومعظمها من التركة الثقيلة للإستعمار الأوروبي الطويل في تلك المناطق.
وقد بينت السوابق التاريخية أن لكل صراع أبعاداً داخلية، وأبعاداً إقليمية، وأبعاداً دولية، وعناصر قوى يجب مراعاة التفاعل بينها، وتاثير هذا التفاعل على تطور الصراع بشكل عام، بقصد التعامل مع هذا الصراع ومعالجته بالشكل المناسب، وهذا لا يمنع وجود عناصر مشتركة  بين الصراعات المختلفة، يمكن الإستفادة منها عند معالجة تلك الصراعات أو التعامل معها (د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1990، ص18).
وتعتمد النتائج النهائية لأي صراع من الصراعات، على عناصر القوة المتوفرة لدى كل طرف من أطراف الصراع، وتضم هذه العناصر القوى العسكرية والمعلوماتية والتكنولوجية، والإمكانيات الإقتصادية والسياسية والتكنولوجية، والحالة المعنوية للقوى البشرية. كما وتعتمد على مسائل أخرى كعنصر المفاجأة، وتطوير الإستراتيجية والتكتيك، واللجوء إلى أساليب جديدة غير معروفة من قبل، مما تجعل عملية التنبؤ بنتائج الصراع صعبة جداً، وفي بعض الأحيان غير مجدية.
إضافة للإمكانيات الذاتية للأشخاص القائمين على إدارة الصراع، ومدى توفر المعلومات لديهم، والتقنيات والأدوات الحديثة التي يستخدمونها في الصراع. فصانع القرار في عملية الصراع يبني قراره على معطيات ملموسة أولاً، وعناصر غير ملموسة تشمل الخصائص النفسية والحالة المعنوية للخصم ثانياً.
وتقتضي معالجة الصراع الإعتماد على العقلانية وبعد النظر، واستبعاد العواطف والإنفعالات. لأن عملية معالجة أي صراع هي عملية معقدة وشاقة، ونابعة أساساً من عناصر القوة المشاركة فعلاً في الصراع من الجانبين، ومبنية على حسابات دقيقة وخطط موضوعية، ومستخدمة فعلاً من قبل طرفي الصراع.
وتتنوع أدوات الصراع، وفقاً لمقتضيات ظروف الصراع من اللجوء إلى القوة العسكرية تارة، وإلى القوة الإقتصادية تارة أخرى، أو إلى العمل السياسي والدبلوماسية الهادئة في حالات أخرى، أو قد يلجأ الجانبان المتصارعان إلى إستخدام القوة العسكرية، والإقتصادية، والسياسية، والدبلوماسية في آن معاً، مستخدمين المرونة في تكتيك إدارة الصراع وفقاً لطبيعة الظروف المتبدلة محلياً وإقليمياً ودولياً.
ويبقى دور وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية في عملية الصراع متمثلاً بتعبئة الرأي العام المحلي والعالمي حول وجهة النظر الرسمية للدول من الصراع الدائر، وشرحها، وتغطية أخبار أهم أحداثها تباعاً. وشرح وتحليل أبعاد هذا الصراع وأسبابه، مع مراعاة أن يأخذ خبراء الإعلام والصحفيون بعين الإعتبار، خصائص الجمهور الإعلامي المخاطب ثقافياً وسياسياً وتاريخياً، ومدى تعاطفه مع وجهة النظر الرسمية للدول المعنية في هذا الصراع، وإختيار اللغة المناسبة للرسالة الإعلامية لتصل إلى أقصى حد ممكن من التأثير والفاعلية.
لأن سلاح الإعلام في أي صراع كان ولم يزل لا يقل أهمية عن القوة العسكرية والإقتصادية، وهو الوسيلة الناجعة لرفع معنويات القوى البشرية في الدول المعنية، وتحطيم الروح المعنوية للخصم في الصراع الدائر، والإعلام الناجح هو السند القوي في الكفاح على الجبهة السياسية والعمل الدبلوماسي الهادئ والرصين والمنطقي.
طشقند في 11/7/2012
بروفيسور محمد البخاري 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق