الجمعة، 24 أغسطس، 2012

نظرية الصحافة والتنمية



نظرية الصحافة والتنمية

ومع اختلاف الظروف في العالم النامي، وخاصة في الدول التي ظهرت إلى الوجود في منتصف القرن العشرين، واختلفت عن الدول المتقدمة من حيث الإمكانيات المادية والاجتماعية، كان لابد من نموذج إعلامي لهذه الدول يختلف عن النظريات التقليدية، يناسب الأوضاع القائمة في المجتمعات النامية، وظهرت نظرية الصحافة والتنمية في ثمانينات القرن الماضي، وقامت على الأفكار والآراء التي وردت في تقرير لجنة واك برايل حول مشكلات الاتصال في العالم الثالث.
وخرجت هذه النظرية عن نطاق بعدي الرقابة والحرية كأساس لتصنيف أنظمة الاتصال والإعلام الجماهيرية، فالأوضاع المتشابهة في دول العالم الثالث تحد من إمكانية تطبيق نظريات الإعلام التي أشرنا إليها سابقاً، لغياب العوامل الأساسية للاتصال والإعلام الجماهيري كالمهارات المهنية والمواد الثقافية والجمهور المتاح.
والمبادئ والأفكار التي تضمنتها نظرية الصحافة والتنمية تعتبر مهمة ومفيدة لدول العالم النامي، لأنها تعارض التبعية وسياسة الهيمنة الخارجية. وهذه المبادئ تعمل على:
- تأكيد الهوية الوطنية والسيادة القومية والخصوصية الثقافية للمجتمعات.
وعلى الرغم من أن هذه النظرية لا تسمح إلا بقدر قليل من الديمقراطية، حسب الظروف السائدة، إلا أنها في نفس الوقت، تفرض التعاون وتدعو إلى تضافر الجهود بين مختلف القطاعات الاجتماعية لتحقيق أهداف التنمية، وتكتسب النظرية الصحافة والتنمية وجودها المستقل من نظريات الإعلام الأخرى ومن اعترافها وقبولها للتنمية الشاملة والتغيير الاجتماعي.
وتتلخص أفكار هذه النظرية في التالي:
- أن وسائل الاتصال والإعلام يجب أن تقبل تنفيذ مهام التنمية بما يتفق مع السياسة الوطنية القائمة؛
- وأن حرية وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية يجب أن تخضع للقيود التي تفرضها أولويات التنمية والاحتياجات الاقتصادية للمجتمع؛
- ويجب أن تعطي وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الأولوية للثقافة الوطنية واللغة الوطنية في المضمون الإعلامي؛
- وأن وسائل الاتصال والإعلام مدعوة لإعطاء أولوية فيما تقدمه من أفكار ومعلومات للدول النامية الأخرى القريبة جغرافيا وسياسيا وثقافيا؛
- وأن الصحفيين والإعلاميين العاملين في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية لهم الحرية في جمع وتوزيع المعلومات والأخبار؛
- وأن للدولة الحق في مراقبة وتنفيذ أنشطة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية واستخدام الرقابة خدمة لأهداف التنمية.
وعرف ليونارد سوسمان صحافة التنمية بأنها صحافة يركز الصحفيون الموضوعيون فيها على أخبار الأحدث والتطورات في مجالات التنمية الأمر الذي يؤدي إلى نجاح التنمية الاقتصادية وتحقيق الوحدة الوطنية في الدول النامية.
وأشار ناريندر أجاروالا إلى أن صحافة التنمية تفرض على الصحفي تفحص وتقييم ما يكتبه بعين ناقدة، ومدى ارتباط مشروع التنمية بالحاجات المحلية والقومية، وتفحص الاختلافات بين الخطة وتطبيقها، والاختلاف بين آثارها الاجتماعية الفعلية وتصريحات المسئولين، والتناقض بين الاستخدام الحكومي للصحافة في خدمة التنمية، وبين الدور الرقابي للصحافة في ظل السيطرة الحكومية وتراجع النقد وتحول أخبار التنمية إلى دعاية سياسية للحكومة وقيادتها.
وتتلخص وجهة النظر هذه في مهام وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في عملية التنمية بالتالي:
- تشكيل اتجاهات الشعب وتنمية هويته الوطنية؛
- ومساعدة المواطنين على إدراك أن الدولة قامت بالفعل بأداء التزاماتها على الوجه الأكمل؛
- وأن الحكومة تنتهج سياسات هادفة للمساعدة على تحقيق التنمية الوطنية؛
- وتشجيع المواطنين على الثقة بالمؤسسات والهيئات والسياسات الحكومية مما يضفي الشرعية على السلطة السياسية ويدعم مركزها؛
- والإسهام في تحقيق التكامل السياسي والاجتماعي من خلال تجنب الصراعات السياسية والاجتماعية وإحباط أصوات التشرذم والتفرقة والتخفيف من التناقضات في القيم والاتجاهات بين الجماعات الاجتماعية المتباينة؛
- والمساعدة على الاستقرار والوحدة الوطنية وتغليب المصالح الوطنية على المصالح الذاتية؛
- وإبراز الإيجابيات وتجاهل السلبيات وتقليل حجم النقد إلى حجمه الأدنى.
ومن هنا تبرز مشكلة سوء استخدام صحافة التنمية في إطار الاحتكار الحكومي لوسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية، حيث تتحول طاقاتها لخدمة هدف تدعيم مركز السلطة السياسية وتصبح أهداف التنمية الوطنية ذات أهمية ضئيلة، وتتحول حرية الصحافة كما أشار جراهام مايتون إلى نوع من الترف الفكري من وجهة نظر المتحمسين لمفهوم صحافة التنمية، وأوضح فاروق أبو زيد أن بعض الدول العربية ادعت ضرورة توجيه وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية لخدمة التنمية والقضايا القومية انتهى الأمر فيها إلى توظيف الصحف لتدعيم النظم السياسية الحاكمة والترويج لأفكارها والدفاع عن سياساتها وأن نظرية صحافة التنمية لم تلبي واقع أنظمة الاتصال والإعلام الجماهيري في دول العالم الثالث، الأمر الذي يؤكد ضرورة صياغة نظريات جديدة ينتجها مفكرو العالم الثالث، لتخاطب الواقع في الدول النامية بمفاهيمه وتعقيداته.
===
تأليف: أ.د. محمد البخاري: دكتوراه في العلوم السياسية DC اختصاص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. ودكتوراه فلسفة في الأدب Ph.D اختصاص: صحافة. بروفيسور قسم العلاقات العامة، كلية الصحافة، جامعة ميرزة أولوغ بيك القومية الأوزبكية. 21/8/2012



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق