السبت، 18 مايو، 2013

دور الهيئات الدينية والاجتماعية في النظم السياسية


دور الهيئات الدينية والاجتماعية في النظم السياسية 18 من كتابي "التبادل الإعلامي في ظروف العلاقات الدولية المعاصرة".
18
دور الهيئات الدينية والاجتماعية في النظم السياسية
وللهيئات الدينية والاجتماعية دور هام في النظم السياسية، وفي ما تطرحه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، لأن النظم السياسية بالنسبة للمتخصصين في العلوم السياسية ما هي إلا: منظمات ومؤسسات سياسية لها معايير قانونية وأخلاقية وتقاليد سياسية تلتزم بها في نشاطاتها المختلفة؛ ولها وظائف تشمل ممارسات سياسية تؤدي إلى تفاعلات سياسية مختلفة وطرق وأساليب في ممارسة السلطة والحكم؛ وتستخدم وسائل للاتصال وتبادل المعلومات مع الهيئات والمنظمات والأحزاب والحكومات. وتشمل تلك الاتصالات الأوجه السياسية والفكرية والثقافية والاقتصادية. وتلتقي معظم المراجع العلمية العربية والأجنبية بالإشارة إلى وجود أربع مجموعات تكوِّن العناصر الأساسية لأي نظام سياسي تشمل: المؤسسات السياسية؛ والعلاقات السياسية؛ والقواعد القانونية التي يستمد منها النظام السياسي شرعيته؛ ومدى الوعي والثقافة السياسية. والنظم السياسية تستمد عناصر أداء وظائفها الاجتماعية الأساسية من الدستور والقوانين النافذة التي تضبط مبادئ نشاطات أجهزة السلطة الحكومية من حقوق وواجبات تتمتع بها الأجهزة الحكومية والمنظمات والمؤسسات الحزبية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها من عناصر المجتمع المدني. ويعني تجاوز النظم السياسية للدستور والقوانين النافذة إلغاء لشرعيتها.
والمؤسسات السياسية، هي جزء أكثر حيوية في النظام السياسي. لأن أي شكل من أشكال النشاطات السياسية يتم من خلال الأشكال المنظمة للعمل المشترك، والإنضواء تحت أهداف واحدة وقواعد خاصة، وحدوداً مشتركة إتفقت عليها جماعة معينة، ويعود الفضل للتنظيمات السياسية في تحقيق تحول القوة الأيديولوجية والأخلاقية إلى قوة ملموسة في المجتمع، من خلال الأفكار التي تصبح فيما بعد قواعد للسلوك العام، وبالتالي تتحول المنظمة إلى أهم وسيلة لتشكيل الإرادة الموحدة للتنظيم المعني، وعندما تعجز الجماهير في الدولة عن إقامة علاقات سياسية واضحة، وتفتقر إلى أي نوع من أنواع العلاقات السياسية، وتفشل في تطوير مؤسساتها السياسية، ليحل محلها الجيش أو العشيرة أو القبلية أو الهيئة الدينية لتقوم بالدور المطلوب من المؤسسات والمؤسسات السياسية، وتعتمد شرعية المؤسسات السياسية على الشكل القانوني الذي تحصل عليه ويميزها عن غيرها من المؤسسات الاجتماعية ويساعدها على تحويل الأفكار والقواعد إلى أساليب تتصرف من خلالها كمؤسسة سياسية في المجتمع المدني. وانعدام الشكل القانوني يؤدي إلى إنهيار تلك المؤسسات وشرذمة الأفراد المنتمين إليها مما يؤثر سلباً على التفاعلات السياسية الجارية في المجتمع.
والنظام السياسي في المجتمع عبارة عن تلاحم المنظمات والمؤسسات والهيئات التي تقوم بوظائف محددة بشكل مشترك لتحقيق السلطة السياسية في المجتمع. ويتضمن النظام السياسي: أجهزة السلطة الحكومية؛ والأحزاب السياسية والمنظمات والهيئات الدينية والحركات الجماهيرية؛ ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية الفاعلة في المجتمع. وتعتبر الحكومات والأحزاب الحاكمة منظمات سياسية، وهذا يعني أنها تؤدي وظيفة السلطة السياسية بحجمها الكامل، وهو ما تسعى إليه الأحزاب السياسية من خارج السلطة، عبر الصراع الذي تخوضه من أجل الوصول إلى السلطة. بينما تعمل المؤسسات المهنية والاجتماعية: كالنقابات ومنظمات الشباب والنوادي الرياضية والاتحادات المهنية والجمعيات للوصول إلى السلطة السياسية، عن طريق وظيفة غير مباشرة تتمثل بدعم مرشحين في الانتخابات الجارية للحصول على مقاعد برلمانية مؤيدة لمصالحها. وتعبر المؤسسات السياسية والمهنية والاجتماعية عن تطلعاتها وأهدافها من خلال وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التابعة لها وتسهم من خلالها في دفع عملية التفاعلات السياسية في المجتمع، إنطلاقاً من الإطار القانوني الذي تم من خلاله تسجيل تلك المؤسسات وفقاً للأصول المتبعة لدى الأجهزة الحكومية وهو ما يعني وجود نوع من المتابعة أو الرقابة الحكومية على نشاطاتها.
وتتمتع وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بمكانة خاصة في النظام السياسي لأن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية هي مؤسسات معقدة تلعب دوراً هاماً ضمن التفاعلات السياسية الجارية في المجتمع من خلال تركيزها على نشر المعلومات وإعلام الشرائح الاجتماعية عما يجري من أحداث وظواهر في الدولة وخارجها في دول العالم. وتعتبر وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية في بعض الدول سلطة رابعة إلى جانب السلطات الدستورية الثلاثة الأخرى وهي: السلطة التشريعية؛ والسلطة التنفيذية؛ والسلطة القضائية. وتتمتع بإستقلال نسبي في صياغة الخبر السياسي لتشكيل رأي عام مؤثر بشكل مباشر في التفاعلات السياسية داخل المجتمع المعني من خلال توفيرها خدمات تربوية وثقافية وسياسية لأوسع الشرائح الاجتماعية.
ولوسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية في عصرنا الراهن جملة من التأثيرات الهامة على عمليات التفاعلات السياسية والاجتماعية الجارية في مختلف المجتمعات، فهي مؤسسات إعلامية تتبع أو تدور في فلك الحكومات أو الهيئات الاجتماعية أو المنظمات المهنية أو الشعبية أو الأحزاب السياسية. وأصبحت وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تعمل ضمن ساحة إعلامية باتت مفتوحة، بعد التطور الهائل الذي حصل في مجال وسائل الاتصال العالمية ووفرت فرص الإطلاع على المواد الإعلامية الموجهة لشرائح اجتماعية معينة ولتحقيق وظائف معينة حيثما تتواجد تلك الشرائح، والمشاركة في الحوار الدائر بين المؤسسات الإعلامية والساحة الإعلامية بشكل مباشر عبر شبكات الانترنيت الدولية، وهو ما يعتبر تفاعلاً جديداً يضاف إلى جملة التفاعلات الجارية على الساحة الإنسانية ولم تكن متوفرة قبل الربع الأخير من القرن الماضي، ودخول عالم اليوم عصر العولمة الإعلامية.
ولوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية وجهات نظرها الخاصة في إطار التفاعلات السياسية الجارية في المجتمع، وهي من خلال إهتمامها بمصالح الشرائح الاجتماعية المختلفة التي تتوجه إليها وتعمل على تفعيل تكامل التفاعلات السياسية بين الإدارة الحكومية والشرائح الإجتماعية، وتعمل على تكوين وجهات نظر معينة من القرارات الحكومية والقوانين، من خلال مساهمتها في صياغتها ونشر مشروعاتها وإدارة المناقشات الدائرة حولها بمشاركة أوسع الشرائح الاجتماعية. وتختار وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية في مختلف النظم السياسية بشكل دقيق المعلومات اللازمة لنشرها عن قرارات أجهزة السلطة السياسية، وتراقب مدى التقيد بها بمختلف الطرق المباشرة وغير المباشرة. وكقاعدة عامة تتضمن المعلومات الواردة من البنية الفوقية في هرم السلطة السياسية جملة من الإبهامات تسبب مصاعب معينة للقنوات الإعلامية القائمة بالإتصال عند التعامل معها، ومع سيل المعلومات المتدفق من البنية التحتية في هرم السلطة السياسية عبر مختلف قنوات الاتصال وتعبر عن رأي الجماهير الواسعة حول الموضوع المثار للمناقشة.
ومعروف أن الصلة بين البنية الفوقية والبنية التحتية في هرم السلطة السياسية تتم من خلال وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، ومن خلالها يتم التعبير عن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعكس الحالة النفسية للرأي العام الذي تؤثر فيه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بشكل مباشر سلباً وإيجاباً. وتسعى السلطات السياسية دائماً لممارسة الرقابة لضبط ممارسات وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بشتى الطرق، بعد أن أصبح من الواضح أن من يسيطر على التدفق المعلوماتي يؤثر في عملية تكوين الرأي العام والوعي وتوجيه ردود الأفعال الجماهيرية الواسعة في المجتمع المستهدف، وقد تؤدي الحملات الإعلامية المعارضة في النظم الديمقراطية إلى إثارة فضائح وأزمات سياسية، وحتى إلى استقالة بعض القادة السياسيين. أما في النظم السياسية الشمولية فعلى العكس من ذلك تماماً لأن وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية تمارس دور الرقيب على نشاطات الشخصيات الاجتماعية البارزة والجماعات بمختلف إتجاهاتها وحتى بعض الأفراد، وتشن هجمات مركزة ضدها لصالح النظام الشمولي الذي تتبع له.
وتبقى علاقة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية بالدولة والأجهزة الحكومية وبالقادة السياسيين والأحزاب والجماعات التي يمثلونها متناقضة إلى حد كبير، ومع ذلك فإنها تلعب دوراً مهماً في فضح تجاوزات أجهزة السلطة لصلاحياتها، وفضح أي اختراقات للقانون قد تحدث، وتدافع عن مصالح الجماهير أمام التصرفات غير المسؤولة من قبل البعض في أجهزة الحكم، وفي نفس الوقت تبقى الأجهزة الحكومية والقيادات السياسية مضطرة للتعامل الإيجابي مع وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية ومنحها قدراً من الاستقلالية وحرية التصرف كي لا تفقد ثقة الجماهير، وتستغل وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية تلك الحرية لتعزيز شخصيتها كمصدر هام للمعلومات لأجهزة السلطة الحكومية وللشرائح الاجتماعية في آن معاً.
ومع تحول وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية إلى اتحادات تجارية همها الأول تحقيق الربح ولو على حساب المصلحة العامة من خلال الحرية التي أصبحت تتمتع بها، وانعدام الرقابة الحكومية تقريباً على ما تنشره، برز نوع جديد وفعال للتأثير على وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية يتمثل بسلاح المعونات المالية وحجب أو تخصيص الإعلانات التجارية التي تعتبر من المصادر الأساسية لتمويل وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية في عالم اليوم، ومع ذلك تبقى وسائل الإتصال والإعلام الجماهيرية العامل الهام في عمليات التفاعلات السياسية الجارية في المجتمع وتسهم إلى حد كبير في تطور الحياة السياسية فيه.
وهنا يجب أن لا ننسى الدور الهام الذي تلعبه المنظمات والهيئات الدينية ورجال الدين في عملية التفاعلات السياسية الجارية ضمن المجتمع من خلال الأفكار والمبادئ الأخلاقية والسلوكية التي يطرحونها وتؤثر مباشرة في الطبيعة الإنسانية وبالقناعات السياسية السائدة في المجتمع، وهذا التأثير القائم منذ أقدم العصور يفسر التشابك الحاصل في إطار الثقافة بين الدين والسياسة والاقتصاد دائماً وأن الغاية منه ضبط السلوك الفردي منذ الولادة من خلال التربية في البيت وفي الحياة اليومية والمهنية، وأثناء تلقي التعليم المدرسي والعالي، ومن خلال النشاطات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وهو ما يفسر أسباب استغلال بعض القوى السياسية للمشاعر الدينية لدى الجماهير الواسعة لتحقيق مكاسب معينة. ويستخدم السياسيون الأفكار الدينية في جميع المجالات السياسية الداخلية والخارجية للوصول إلى أهداف معينة والمحافظة عليها قدر الإمكان ضمن القواسم المشتركة التي تربط المجتمع الواحد والمجتمعات التي تشترك بإتباع دين أو مذهب واحد، وكثيراً ما يتم إقحام الأفكار الدينية في المقولات السياسية لمواجهة النفوذ المتصاعد لرجال الدين أو حركات دينية معينة حتى ولو كانت تلك المقولات موجهة ضد مصالح الجماهير العريضة المنتمية لدين معين.
وهنا تبرز أهمية دراسة: علاقات التأثير المتبادل بين الدين والسياسة؛ وعلاقة الأديان ببعضها البعض، خاصة في المجتمعات متعددة الأديان والمذاهب بشكل دائم؛ ودراسة علاقة الدين بالهيئات والمنظمات والجماعات التي تدخل في إطار نظام سياسي معين وتشترك في إدارة المجتمع. وتشمل تلك الدراسات عادة دراسة: العلاقات بين الطبقات والشرائح الاجتماعية الكبيرة التي يتشكل منها المجتمع؛ والعلاقة بين الثقافات والقوميات والدول؛ والعلاقة بين القيادات وأجهزة السلطة الحكومية المركزية والإدارة السياسية بمختلف مستوياتها؛ والتفاعلات الناتجة عن تلك القيادات اجتماعياً وسياسياً وثقافياً؛ والعلاقة القائمة بين المؤسسات والمنظمات السياسية والاجتماعية. وتأخذ هذه الدراسات في إعتباراتها: الأسس الدستورية والقانونية التي يتم من خلالها تنظيم العلاقات وتقاليد العمل السياسي؛ والمكونات الداخلية للمنظمات والهيئات الاجتماعية؛ وبرامج الأحزاب والحركات السياسية والقواعد التي يتم من خلالها الحصول على شرعية العمل السياسي والاجتماعي وتضبط التفاعلات الجارية بينها؛ ومدى تأثير تلك التفاعلات على عملية تشكيل الوعي والسلوك العام الذي يتفق وتلك الأهداف والمبادئ التي تسيّر المجتمع.
كما وتظهر هذه الدراسات مدى الوعي والثقافة السياسية التي تتمتع بها الطبقات والشرائح الاجتماعية المقصودة من الدراسة، والتي من خلالها يجري التنافس الاقتصادي والاجتماعي والسياسي مع السلطات الإدارية في المجتمع ومدى مراعاة تلك السلطات لمشاعر الجماهير. وتأخذ باعتبارها النظام الذي يضبط التفاعلات السياسية في أي مجتمع ويؤدي وظائف معينة منها: تحديد أهداف المجتمع؛ وإعداد البرامج الحياتية التي تتفق ومصالح الشرائح التي تدير المجتمع؛ وتعبئة إمكانيات المجتمع بما يتفق مع تلك المصالح؛ وتوزيع القيم الاقتصادية التي تتصادم فيها مصالح الجماعات والشرائح الاجتماعية، ولكنها توفر وحدة المجتمع، وتمكن من السيطرة على الحياة السياسية لدى تلك الشرائح والطبقات الاجتماعية، تجنباً للوقوع في أزمات؛ وتؤدي إلى التفاف المجتمع حول تلك الأهداف والقيم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ومن المتفق عليه أن هذه الوظائف ممكنة التحقيق في حال توفر تطور معين في النظام السياسي السائد في المجتمع. يؤدي إلى تجنب ظهور تناقضات إجتماعية تؤدي إلى نشوب صراعات وقلاقل إجتماعية ناتجة عن الخلل في توزيع الموارد الاقتصادية والامتيازات السياسية والثقافية والتعليمية والخدمات بين جميع الطبقات والشرائح التي يتشكل منها المجتمع المعني.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق