الاثنين، 7 يوليو، 2014

العالم والطبيب أبو علي بن سينا


العالم والطبيب أبو علي بن سينا


أبو علي بن سينا
أبو علي حسين بن عبد الله بن سينا، هو فيلسوف، وطبيب، وعالم بارز، عاش في وسط آسيا، وإيران، وكان طبيباً ووزيراً لدى العديد من الحكام. واشتهرت أطروحاته بشكل كبير في الشرق والغرب على حد سواء، وكتابه "القانون في الطب" كان بمثابة موسوعة شملت نظريات الطب القديمة، وجمعت خبرات الأطباء اليونان، والرومان، والهنود، في القرون الوسطى، وظل مرجعاً هاماً للأطباء في العالم طيلة قرون عدة.
وبعد وفاته بنحو مائة عام قام المتعصبون الدينيون في بغداد بإحراق كتب ابن سينا في الفلسفة، ولكن الذي حدث بعد اختراع آلة الطباعة في أوروبا أن طبعت كمية ضخمة من كتاب "القانون في الطب" بأجزاءه الخمسة، مباشرة بعد طباعة الكتاب المقدس.
وابن سينا ولد في قرية أفشانا الصغيرة بالقرب من مدينة بخارى. وأشار في سيرة حياته إلى أن: "أبي من بلخ، انتقل منها إلى بخارى أيام حكم الساماني نوح بن منصور ليشتغل في ديوان الرسائل آنذاك. كما شغل إدارة مركز خارمايسان، القريب من مدينة بخارى. وهناك اختار زوجة له فتاة من أفشانا، القريبة من خارمايسان، اسمها سيتارا "نجمة". وهناك ولدت أنا، ومن بعدي ولد أخي".
ورغم انتساب ابن سينا إلى سكان وسط آسيا، إلا أنه كان يتحدث بلغة داري-الفارسية. و كتب رباعياته القصيرة "راحة الروح" بهذه اللغة...".
وأشار ابن سينا في سيرة حياته إلى أن: والدي أحب اسم حسين. وقرر تسمية أول طفل من أطفاله حسين، وكما جرت العادة في البيوت النبيلة آنذاك كان يعطى للإبن كنية واسم نبيلين. "ابتسم عبد الله وقال من المؤكد أنه لأبني سيكون ابن. ولتخليص ابني حسين من العناء، سأعطي ابنه المستقبلي اسم علي. وستكون كنيته أبو علي". ولم يكن عبد الله يعلم، أن تعهده هذا كان عبثياً، وأنه لن يكون لابنه ابن، وحتى لن تكون له أسرة. وأن حسين سيتجول كل حياته من مدينة إلى مدينة أخرى على طرق القوافل، وسينتقل من قصر حاكم إلى قصر حاكم، وسيختار من الطريق بيت له، وسيكون الرحالة من أقرب المقربين له.
وحسين الصغير كان طفلاً فضولياً. والكلمة المفضلة عنده كانت "لماذا؟"، والأكثر استعمالا ضمن مفرداته اللغوية. وعندما بلغ الخامسة من عمره انتقلت الأسرة إلى مدينة بخارى. وألتحق الصبي بالمدرسة الإبتدائية الإسلامية ودرس فيها حتى بلغ سن العاشرة من عمره. "يطلق في ما وراء النهر تسمية "مكتب" على المدرسة حتى الآن، أما اسم مدرسة فكان يطلق على مؤسسات التعليم العالي حتى وقت متأخر من القرون الوسطى".
وحسين كان أصغر تلميذ بين التلاميذ الخمسة عشرة عند خطيب عبيد. وكان التلاميذ آنذاك يقرأون أجزاء القرآن الكريم والسور باللغة العربية. وأكثرهم كانوا يفهمون اللغة العربية بصعوبة. ولكن حسين سرعان ما بدأ بتوجيه الأسئلة لمعلمه، وكان جواب المعلم على كل أسئلته واحد: "إدرس القرآن الكريم. ففيه الجواب على كل أسئلتك". وفي نفس الوقت كان درس القواعد، وعلم البلاغة، واللغة العربية، لدى معلمين آخرين.
وذات مرة قال حسين الصغير للمعلم: "أنا حفظت القرآن الكريم. والآن أستطيع توجيه الأسئلة ؟" فغضب منه المعلم، وقال له: "خلال سنوات طويلة يدرس القرآن الكريم، وقليل من المسلمين يحفظونه عن ظهر قلب، لتمنح لهم الصفة الفخرية، حافظ". وبسرعة رد الفتى "يعني أنا حافظ !". وخضع حسين لإمتحان أسمع خلاله كل سور القرآن الكريم، دون أن ينسى أية كلمة. حتى أن خطيب عبيد لم يكن يعرف القرآن مثله. لينهى حسين بذلك دراسته في المكتب.
وهكذا أنهى حسين المدرسة الإبتدائية في سن العاشرة من عمره أي في عام 990م. وكان دائماً يذهل الجميع بذاكرته القوية، وتعليقاته على نصوص كاملة من القرآن الكريم، وكان الجميع معجبين بمعرفته المتميزة للأدب العربي. وهكذا حصل ابن سينا على لقب "شيخ" منذ ذلك الوقت. وأشار في سيرته الذاتية إلى ذلك: "حتى سن العاشرة درست القرآن الكريم والآداب والعلوم بنجاح أذهل الجميع".
ولوحظت مواهب الطفل المتميزة مبكراً، وما أن بلغ العاشرة من عمره حتى أخرجه أبوه من المدرسة الإبتدائية، ليتابع تعليمه على يد المعلمين الذين كانوا يزورونه في البيت. ودرس ابن سينا الرياضيات، والفيزياء، والمنطق، والفقه القانوني، وعلوم الفلك، والفلسفة، والجغرافيا، والطب، بتعمق ولكنه درس الطب بتركيز خاص. لأن المعارف الطبية آنذاك، والطب الشعبي كانت تحظى بأكثر اهتماماته.
وساعت الظروف الأسروية على تنشئة الفتى روحياً. فوالد ابن سينا كان إنساناً متعلماً غنياً، ومن المقريبين إلى حركة الإسماعيليين (خصوم المذهب السني الإسلامي)، الذين جعلوه تابعاً لهم. ولو أن ابن سينا عملياً لم يكن تابعاً للإسماعيليين، ولكنه على ما يبدوا أنه كان مهتماً بالمضامين التي دعوا إليها. ومن الممكن القول أن ابن سينا أخذ عن الإسماعيليين انتقاداته الدينية.
وكان أبو عبد الله الناتيلي من أتباع حركة الإسماعيليين، أول معلم درس ابن سينا الفلسفة، والرياضيات. وكانت دراسته ناجحة جداً حتى أن التلميذ سبق معلمه، وكان يضع معلمه في طريق مسدودة أكثر من مرة. وأشار ابن سينا في سيرته الذاتية إلى واحدة من تلك الحوادث: "قدمت له تحليل لتعريف لم يسمع به من قبل. تعجب مني وبعد ذلك نصح أبي قدر استطاعته بأن لا يشغلني بأي شيئ غير العلوم...
وذكر ابن سينا في سيرته الذاتية، هذا ما حصل مع كتاب اقليدس أيضاً: درست خمسة أو ست نظريات بمساعدة المعلم، والبقية درستهم بشكل مستقل. وسرعان ما ظهر أن المعلم لم يعد باستطاعته تعليمي. فقال: "إدرس بمفردك، وحل النظريات، وبعد ذلك تعال إلي وأرني النتائج التي توصلت إليها. ومنذ ذلك الوقت بدأت بدراسة الكتب بشكل مستقل، وبدى واضحاً أثناء ذلك أن المعلم يجهل الكثير من المسائل، وكان يدرسها مني".
واهتمام ابن سينا بالطب المبكر، شغل حيزاً كبيراً من مجالات اهتماماته. ولم يمض 12 عاماً على مولده حتى نصحه الطبيب والفيلسوف المشهور آنذاك أبو صلاح المسيحي بدراسة الطب. وذكر ابن سينا في سيرته الذاتية: "بعد ذلك توجهت لدراسة علوم الطبابة، وبدأت بقراءة كتب هذه العلوم. والعلوم الطبية ليست من العلوم الصعبة، وطبعاً نجحت فيها، وخلال فترة قصيرة أصبح أطباء ذلك الوقت المشهورين يأتون إلي من أجل المشورة. وكنت أزور المرضى، والتشخيص فتح آفاق طريق الخبرات أمامي نحو أبواب الشفاء، حتى أنه لا يمكني وصفها. ولم يتجاوز وقتها سني الـ 16 عاماً".
ودرس حسين تفاصيل علم الطب تحت إشراف أبو المنصور قمري، الطبيب المشهور في بخارى آنذاك، ومؤلف جملة من المؤلفات العلمية. واستمرت دراسته لدى قمري لفترة قصيرة، وسرعان ما بدأ ابن سينا الإهتمام بتطبيقاته الشخصية، وبلغت شهرته في المعالجة الشفاء حداً أنه دعي على إثرها إلى القصر لمعالجة المرض الشديد الذي عانى منه أمير بخارى آنذاك نوح بن منصور.
وذكر ابن سينا تلك الذكريات في سيرته الذاتية مشيراً إلى أنه: "ذات مرة أصيب الأمير بمرض شديد، حتى أن الأطباء لم يستطيعوا تشخيص مرضه. واسمي كان معروف لهم. فحدثوا الأمير عني وطلبوا دعوتي. وحضرت وشاركتهم بالمعالجة وكنت متميزاً بخدمته".
وكان المرض الذي عانى منه أمير بخارى مجهولاً، وكذلك الطريقة التي عالجه بها ابن سينا كانت أيضاً مجهولة، ولكن المعالجة ساعدت نوح بن منصور أمير بخارى للاستمرار في الحكم سنة أخرى. ونتيجة لعلاجه للأمير تمكن ابن سينا من الوصول لمحتويات خزانة كتب السامانيين الشهيرة، مكتبة بخارى، التي كانت آنذاك من أضخم وأشهر مجموعات الكتب. حتى أن ابن سينا اعتبر عمله في مكتبة بخاري من أهم مراحل تطور أعماله الإبداعية. وآنذاك أنهى تعليمه وبدأ طريقه المستقل في الحياة.
واستخدم ابن سينا مكتبة السامانيين لعدة سنوات. وأثناء عمله في مكتبة بخارى جاءته فكرة كتابة مؤلف جامع عن الطب، يمكن من خلاله العثور على أسماء الأمراض وأعراضها، والجمع بين كيفية ظهورها وطرق الشفاء منها. ولهذا الهدف جمع مجموعة من الملاحظات الضرورية اقتبسها من مختلف الكتب، والملخصات، وقام بدراستها بشكل دائم. وهكذا بدأت عملية تحضير مواد كتاب "القانون في الطب"، المؤلف الأساسي الذي عمل ابن سينا على تأليفه سنوات طويلة.
وفي عام 999م توفي والده عبد الله بن حسن، ووقع على عاتق ابن سينا واجب رعاية أقرباءه المقربين. ولكن السلطات كانت تتعامل بحذر كبير مع أسرة الإسماعيلي السابق، ولم تكن أوضاع ابن سينا مستقرة، بل وحتى كانت خطرة، لهذا قرر الإنتقال إلى غورغانج عاصمة خوارزم.
وحتى وفاته لم يستطع حسين العودة إلى موطنه، وتجول في الغربة من مدينة إلى أخرى. وأقام لدى حكام: خوارزم، وأبيويرد، ونيشابور، وتوس، وغورغان، وريا، وحمدان، وأصفهان، وزار الكثير من المدن والقرى. وتعرض للحرمان أكثر من مرة، وكان دائماً يصعد إلى قمة السلطة ويسقط منها، وكان وزيراً عظيماً، وأحياناً زج به في السجن، وجرب حياة الرفاهية، والفقر، ولكنه لم يتوقف يوماً واحداً عن متابعة أعماله العلمية الإبداعية.
وابن سينا لم يكن مهتماً بما يحيط به بسبب ظروف عمله والمناصب التي شغلها، لأن المعرفة كانت الفكرة الأساسية والهدف من حياته. وكانت أملاكه تسرق دائماً، وحتى أن مكتبته دمرت، وضاعت معها:
- مخطوطات الأجزاء العشرين للموسوعة الفلسفية "الإنصاف".
- ومخطوطات "القانون في الطب".
- ومخطوطة كتاب "ملك الكتب" لمؤسس ورئيس مستشفى بغداد علي بن عباس. وهو من المؤلفات التي سقبت كتاب "القانون في الطب".
- ومخطوطة كتاب أبو بكر الرازي "الكتاب الشامل في الطب" المؤلف من 30 جزءاً.


مخطوطة القانون في الطب
وعندما عمل ابن سينا على تأليف كتابه "القانون في الطب" كان هدفه تجنب أخطاء الذين سبقوه ونجح في ذلك، والف أضخم موسوعة طبية في التاريخ. و"القانون في الطب"، يعتبر من أفضل الكتب في تاريخ الطب. وعملياً هو موسوعة طبية كاملة، تناولت كل ما يتعلق بصحة وأمراض الإنسان بالكامل (في حدود معرفة ذلك الوقت).

النسخة اللاتينية من القانون في الطب
ويتألف "القانون في الطب" من نحو 200 صفحة مطبوعة، ترجمت في القرن الثاني عشر من اللغة العربية إلى اللغة اللاتينية، وبيعت منها الكثير من النسخ المخطوطة. وبعد أختراع آلة الطباعة، كان "القانون في الطب" من أوائل الكتب التي طبعت، ونافست من حيث عدد الإصدارات حتى الكتاب المقدس. وصدر النص اللاتيني من "القانون في الطب" للمرة الأولى عام 1473م، بينما صدر مطبوعاً باللغة العربية عام 1543م.


النسخة العربية من القانون في الطب
ولا يعرف التاريخ الدقيق للانتهاء من كتابة "القانون في الطب"، ولكن من المتوقع أنه كان في عام 1020م. وكتاب "القانون في الطب" هو عمل واسع، يتألف من 5 كتب. وكانت الصيدلة، وعلم الصيدلة محاولة لتوحيد كمية كبيرة من المواد التجريبية في نظام يربطها مع الملاحظات السريرية. والأدوية المقترحة في "القانون في الطب" متنوعة جداً، والكثير منها دخل في وقت لاحق في علم الصيدلة.
والنواحي التنظيمية والمنطقية لـ"القانون في الطب" كإنجاز كبير أشار إليها حتى خصوم ابن سينا. وكان سبب نجاح "القانون في الطب" الوضوح، والإقناع، والكمال في وصف الأشكال السريرية للأمراض، والدقة في الاحتياجات العلاجية والتغذية. وهذه الخصائص أعطت وبسرعة شهرة كبيرة لكتاب "القانون في الطب" استمرت حتى وقتنا الراهن، وحفظت للمؤلف الشهرة العالمية و"التفوق المطلق طيلة خمسة قرون في جميع أنحاء العالم الطبي في القرون الوسطى".


ابن سينا
وتوفي أبو علي حسين بن سينا، بتاريخ 24/6/1037م. ودفن في خاماران بالقرب أسوار المدينة، ولكن بعد 8 أشهر نقلت رفاته إلى أصفهان ودفن في ضريح علاء الدولة.
- والكتاب الأول، كان أول كتاب تناول الطب النظري بشكل تفصيلي. وقسم الكتاب إلى أربعة أجزاء. دار الحديث في:
الجزء الأول عن الطب آنذاك؛
وفي الجزء الثاني عن الأمراض؛
وفي الجزء الثالث عن الحفاظ على الصحة؛
وفي الجزء الرابع عن طرق المعالجة.
- والكتاب الثاني تضمن وصفاً للأدوية "البسيطة"، وتناول العالم ابن سينا فيه: الأدوية، وتأثيرها، وطبيعتها، وتجاربها. ووفق التسلسل الأبجدي أورد 811 مادة من مصادر نباتية، وحيوانية، ومعدنية، مع الإشارة إلى تاثيرها، وطرق استعمالها، وطرق جمعها، وتصنيعها، وحفظها.
- والكتاب الثالث، وهو أوسعها، وخصص لعلم الأمراض والعلاج، وتضمن وصفاً تفصيلياً لبعض الأمراض ومعالجتها. وزود كل قسم بمقدمة تشريحية وطبيعية.
- والكتاب الرابع، خصص للجراحة، ومعالجة الخلوع والكسور، ومعلومات عامة عن الحمى (والأزمات خلال المرض). وجرى الحديث فيه عن الأورام، والإلتهابات القيحية للأنسجة تحت الجلدية، وعن الأمراض المعدية. والمسائل الرئيسية عن دراسات السموم آنذاك.
- والكتاب الخامس، تضمن وصفاً للأدوية "الصعبة"، وأشهر السموم آنذاك ومضادات السموم.


بحث أعده أ.د. محمد البخاري في طشقند يوم 6/7/2014 بتصرف نقلاً عن الرابط (باللغة الروسية): http://people.ziyonet.uz/ru/person/view/abu_ali_ibn_sino



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق