الأحد، 31 أغسطس، 2014

من نوادر الحاج نصر الدين أفندي


من نوادر الحاج نصر الدين أفندي
(جحا بلاد ما وراء النهر)

إحترام العباءة


الجار الغني دعى نصر الدين أفندي إلى حفلة عرس، وجاء نصر الدين أفندي ملبياً الدعوة من عمله مباشرة، يلبس عباءة قديمة ممزقة، فما كان من خدم الغني إلا أن منعوه من تخطي عتبة البيت.
- وصرخوا بوجهه قائلين: لا شيء لك هنا ! ألا تخجل، نرى أن كل جائع أصبح يأتي إلى هنا !
فما كان من نصر الدين أفندي إلا أن توجه مسرعاً إلى بيته، ولبس عباءة جديدة، ولف رأسه بعمامة بيضاء، وعاد مرة أخرى إلى العرس.
وفي هذه المرة استقبله خدم الغني بسعادة وترحاب، وأجلسوه في أفضل الأماكن، وأحضروا له كل أنواع الضيافة.
قائلين له: تفضل كل هذا... تفضل تذوق ذاك...
فما كان من نصر الدين أفندي، إلا أن وضع نهاية كمه في الطعام.
قائلاً: تفضلي ياعباءتي...
فتعجب الغني، وسأله:
ماذا تعني بتصرفك هذا يا نصر الدين أفندي ؟
فأجابه نصر الدين أفندي: إذا كان كل هذا الإحترام للعباءة، فلتتمتع عبائتي بحسن الضيافة !

أقل بمرتين

سئل نصر الدين أفندي:
لماذا تتحدث قليلاً وتسمع كثيراً ؟
فأجاب، كم لسان عندي ؟
فأجابوه، لسان واحد.
كم أذن عندي ؟
أذنين اثنتين.
والآن احكموا بأنفسكم: على الإنسان أن يتحدث أقل بمرتين مما يسمع.

الأعمى


تجول الوالي العظيم ذات مرة في شوارع سمرقند، وشاهد أعمى، يطلب حسنة.
فسأله الحاكم: ما اسمك ؟
أجابه الأعمى بهدوء: أهلي في يوم ميلادي أسموني سعيد.
فضحك الحاكم المتعالي، وقال:
يا الله، وكيف يمكن أن يكون الأعمى سعيداً ؟
عندها صرخ نصر الدين أفندي أمام الوالي البصير، قائلاً:
يا الله، هل أقول لكم من الأعمى ؟
فسأله الوالي: من ؟
أجابه نصر الدين أفندي: الأعمى هو ذلك الذي يسخر من الأعمى المسكين.

الآيات الكريمة

الملا نصر الدين أفندي عندما كان تلميذاً في المدرسة، سرقت محفظته وفيها نقوده، فسار غاضباً مكتئباً. حتى أن صاحب المدرسة وبخه، قائلاً:
إيه، أفندي، أنت تتحمل كامل مسؤولية ما حصل ! وكان عليك أن تكتب بعض الآيات المقدسة من القرآن الكريم وتضعها في محفظتك. وكان هذا يمكن أن يوقظ ضمير الحرامي و...
فقاطعه نصر الدين أفندي، قائلاً: كيف ؟ والقرآن الكريم نفسه كان في المحفظة!

الحمار البطيئ والحصان السريع


في سن متقدمة تزوج الوالي من فتاة جميلة جداً تسكن في قرية آغاليك، الواقعة على بعد فرسخ واحد من سمرقند. وسرعان ما طلبت المرأة الشابة من زوجها الذهاب لضيافة أهلها، وعندما اشتاق الوالي لزوجته كثيراً، دعى نصر الدين أفندي إليه وأمره:
إذهب إلى آغاليك وأحضر لي زوجتي من هناك.
فقال نصر الدين أفندي: أمرك مطاعاً يامولاي.
وبعد يوم كامل عاد نصر الدين أفندي مع زوجة الحاكم.
فقال الحاكم بغضب: لا، لا، كان لا يجب أن أرسلك أنت العجوز، وعلى حمارك البطيء أيضاً.
ومر الوقت، وذهبت زوجة الوالي مرة أخرى إلى آغاليك. وبعد فراغ صبر الوالي أرسل هذه المرة وراءها أحد قواده العسكريين الشباب على صهوة حصان سريع. ومر يوم، ويومان، وبعد أسبوع كامل وصلت الزوجة بصحبة القائد الشاب إلى سمرقند.
فما كان من الوالي إلا أن توجه إلى نصر الدين أفندي قالاً:
إيه، يا نصر الدين أفندي حمارك بطيء، ولكنه كان أكثر صدقاً من أسرع حصان.
فهمس نصر الدين أفندي في أذنه: كان عليك أن تعرف، من ترسل وراءها.

الحمار المنجم


أصيب نصر الدين أفندي ذات مرة بملل من عمله منجماً، لأن هذا العمل كان خطيراً جداً. ويمكن أن يوقعه في شر أعماله.
 وفي أحد الأيام أخذ نصر الدين أفندي حماره إلى قاعة القصر حتى قدمي الوالي مباشرة، وقال:
يا مولاي العظيم خدمتكم منجماً لسنين طويلة، وأطلب الآن أن تعفوني من هذا العمل.
فقال له الوالي: حسناً ولكن لماذا أحضرت حمارك القذر إلى هنا، ليسير على الممرات المفروشة بالسجاد ؟
أجابه نصر الدين أفندي: ستعرف الآن. ولكن أولاً لي طلب بسيط منكم، اسمحوا لي بتقديم نائبي.
فأجابه الوالي: حسناً، حسناً، قدم لنا نائبك.
فقال نصر الدين أفندي: هذا نائبي، مشيراً إلى الحمار.
فأجابه الوالي: ولكن، كيف يمكن للحمار هذا المخلوف الضعيف. أن ينجم ؟
رد نصر الدين أفندي، قائلاً: نائبي له أذنان طويلتان، ويسمع الأسئلة الغبية، ويمكنه الإجابة عليها. ولكن، ما العمل إذا كان الجميع لا يفهمون نهيقه، وأعتقد أن ذلك ليس بمصيبة كبيرة.
ضحك الوالي وأعفى نصر الدين أفندي من ممارسة التنجيم.

المراوغ المخدوع


في حي نصر الدين أفندي عاش إنسان يحب التباهي. وكان يتباهى دائماً بقوله:
أنا مراوغ. ولا يمكن أن يخدعني أحد أبداً !
وذات مرة سأله نصر الدين أفندي:
إيه، أأنت الذي يفخر بأنه لا يستطيع خداعه أحد ؟
أجاب المتباهي بفخر: نعم. هذا أنا.
فقال له نصر الدين أفندي: قف هنا قليلاً سأحضر لك إنساناً يمكنه خداعك، لتذكره مدى حياتك ! وغادر.
انتظر المتباهي طويلاً. وفي النهاية جاء إليه صديقه وسأله:
لماذا تقف هنا تحت الشمس المحرقة ؟
أجابه المتباهي: آه، نعم، نعم، وعدني أفندي بأن يحضر لي شخصاً يمكنه أن يخدعني. وها أنا ذا أنتظره.
فقال له صديقه: إيه، أيها الأحمق ! نصر الدين أفندي بالفعل قد خدعك !

انهيار الحكم

تباهى نصر الدين أفندي ذات مرة، قائلاً:
أنا أعرف لغة الطيور جيداً !
وسمع الوالي ذلك فدعاه لمصاحبته إلى الصيد.
وأثناء عبورهم مدينة أصابها الخراب. سمع صوت البوم.
فسأله الحاكم: ماذا يقول ملك الخراب ؟
فأجاب نصر الدين افندي، البوم يقول: "إذا كان الوالي سيستمر بحكم الدولة هكذا، فستكون البلاد ملكاً لي قريباً".

ثمار تلك الشجرة

قرأ نصر الدين أفندي كتاب "عالم الحيوان المدهش"، وعندما وصل إلى سطر كتب فيه: "في الأماكن الصعبة التي لم تصلها قدم الإنسان، تنمو شجرة مدهشة. ثمارها تشبه الناس كثيراً. وفي الليل تنزل هذه الثمار من على الأغصان إلى الأرض، وعند الصباح تعود مرة أخرى إلى أماكنها وتتدلى كالثمار. ولكن هذه الثمار كانت تختلف عن البشر العاديين، بالغباء التام".
عندها، صرخ نصر الدين أفندي، وبصوت مرتفع، قائلاً:
آه، هذا يعني أن والي مدينتنا من ثمار تلك الشجرة ! ولكن كيف سقط علينا في هذه المدينة ؟ فأنا لا أفهم!

كم ثمن الخروف


ذهب نصر الدين أفندي إلى السوق ليبيع خروفه.
وهناك سأله الناس: هل تطلب ثمناً غاليا بخروفك يا أفندي ؟
أجاب نصر الدين أفندي: اشتريته بخمس تنغات (تنغة، عملة كانت مستعملة في تلك الأزمان)، وأفكر ببيعه بست تنغات. ويمكن أن أعثر على إنسان يدفع لي سبع تنغات. وفي الحقيقة الخروف يساوي ثمانية تنغات كاملة. وإذا أردتم شراءه سأبيعه لكم بعشرين تنغا، وأعتقد أنكم ستضيفون تنغة آخرى..

كيف علم الحمار القراءة


دعى الوالي نصر الدين أفندي إليه، وأشار إلى حمار يقف في ساحة القصر وقال له:
أكلفك بتعليم صاحب الآذان الطويلة هذا القراءة ! وأعطاه 200 تنغا من الخزنة.
وركب نصر الدين أفندي الحمار وتوجه إلى بيته. حيث عاش شهرين متتاليين مع أسرته برفاهية، ولم يبخل على نفسه وعليهم بشيء.
وفي اليوم المحدد جاء نصر الدين أفندي إلى القصر ممتطياً الحمار وتوجه إلى حيث يجلس الوالي.
فأمر الوالي بدعوة كل علماء سمرقند. ليشاهدوا الحمار وهو يقرأ.
اجتمع العلماء في صالة الحكم. حتى أن الفضول دفع بالوزير، والقادة العسكريين، والنبلاء للحضور.
وأدخل نصر الدين أفندي الحمار إلى صالة الحكم، ووضع على الأرض أمامه كتاباً. وأخذ الحمار يتصفح كل صفحات الكتاب بلسانه بسرعة وعندما وصل إلى النهاية نهق بأعلى صوته.
فانحنى نصر الدين أمام الوالي وسأله:
هل أنتم مسرورين يا مولاي ؟
وعبر الوالي عن إرتياحه، وأصدر أمراً بإعطاء نصر الدين أفندي 200 تنغا ذهبية أخرى.
وسأل الوالي نصر الدين أفندي: كيف استطعت تعليم حيوان لا يستطيع الكلام القراءة ؟
أجاب نصر الدين أفندي: سأتحدث إن أعطاني مولاي الأمان.
فرد الوالي: عليك الأمان !
وبدأ نصر الدين أفندي الحديث، قائلاً:
نثرت بين صفحات الكتاب شعير، ووضعت الكتاب في المخلاة أمام الحمار. وعندما شعر برائحة الشعير الذكية، بدأ بالبحث عن الطعام، وقلب الصفحات صفحة صفحة، وجمع الشعير بلسانه، وعندما انتهى نهق يطلب المزيد.
وكما ترى يا صاحب العظمة، أنا أعلم أي حمار القراءة، مهما كان غبياً، وهذا أمر ممكن بالكامل.

كيف قسم الحمار

أصاب المرض والورم أذن نصر الدين أفندي. وذهب إلى القاضي لقضاء بعض حاجاته، فاستقبله القاضي بسخرية، قائلاً:
أهلاً وسهلاً أفندي ! ما الذي حدث لأذنك ؟ هل أخذتها من الحمار ؟
فأجابه نصر الدين أفندي، في الحقيقة يا فضيلة القاضي عندما قسم الله الحمار، أعطاك رأسه، وأعطاني أذنه.

لا تستعجل !

مزاج الوالي كان سيئاً جداً. وأراد التخلص من حاله تلك، فدعى إليه كل المنجمين، وأعطى كل واحد منهم، الواحد تلو الآخر نفس السؤال:
كم سنة بقي لي أن أعيش في هذه الدنيا ؟
وأمر الوالي بقطع رؤوسهم الواحد تلو الآخر، مهما كانت إجابة المنجم: "عشر سنوات"، "عشرين سنة"، "ثلاثين سنة".
ونفس الشيء حدث للمنجم الذي شارك رفاقه المحكوم عليهم، ولكنه قال: يا والينا العظيم، ستعيشون مائة سنة.
فقال له الوالي: قطعت رؤوس أولئك المنجمين لأنهم خفضوا مدة حياتي جداً، ولكنك أنت رغبت بخداعي عن طريق التملق.
وبعدها وقع اختيار الوالي على نصر الدين أفندي.
وقال الوالي الغاضب لنصر الدين أفندي: إيه، أيها الحكيم، أنت كنت في وقت من الأوقات بين المنجمين أيضاً. كم بقي لي أن أعيش في هذه الحياة ؟ فأنا الوالي وحاكمكم.
فما كان من نصر الدين أفندي إلا أن اقترب من كرسي الوالي بهدوء، وركع على ركبتيه قائلاً:
بالأمس يامولاي رصدت النجوم، وراقبت حركة كواكبكم.
فسأله الوالي: وماذا رأيت ؟
فأجاب ياصاحب العظمة رأيت أنكم ستموتون بعد يوم واحد من وفاتي. ولهذا أرى ألا تستعجلون بقطع رأسي.

لحية المسلم


في يوم مشرق جميل حلق نصر الدين أفندي لحيته. لأنها على ما يبدوا كانت تزعجه أو لأنه أراد أن يبدوا أكثر شباباً.
وعندما وصل إلى المسجد، عرضه الإمام للسخرية أمام الجميع، وانتقده في خطبته بشدة، وقال:
نبينا صلى الله عليه وسلم، أطلق لحيته، والمسلمون الحقيقيون يطلقون لحاهم..
استمع، نصر الدين أفندي، واستمع، وصرخ بعدها بصوت مرتفع:
اسمع أيها الخطيب، عندي جدي لحيته أطول من لحيتك. فهل يعني أنه مسلم مؤمن أكثر منك ؟

أعدها أ.د. محمد البخاري بتاريخ 24/8/2014 بتصرف عما نشرته دار "الفنون التشكيلية" للنشر بموسكو عام 1976. الرسومات للفنان التشكيلي أ. ميليخوف. طبعت في ورشة كالينين للطباعة الحائزة على وسام الراية الحمراء، بـ "اتحاد صناعة الطباعة" في مدينة كالينين. التابع للجنة الحكومية لشؤون النشر والطباعة وتجارة الكتب بمجلس وزراء إتحاد الجمهوريات السوفييتية الإشتراكية.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق