الأحد، 2 نوفمبر، 2014

- نظرية مارشال ماكلوهان

- نظرية مارشال ماكلوهان. نظريات الإعلام والاتصال الجماهيري. يتناول هذا البحث بالإضافة للمقدمة، مفاهيم الاتصال، وتعريف الإعلام، وعملية الاتصال وعناصرها، ووظائف وسائل الإعلام، ونظريات الاتصال وتطورها، ونظرية مارشال ماكلوهان، والاتجاه الجديد للاتصال، والقائم بالاتصال ونظرية (حارس البوابة)، ودراسات القائمين بالاتصال والنخبة الإجتماعية، وتكنولوجيا وسائل الأعلام وتأثيرها على المجتمعات، نظرية (مارشال ماكلوهان)، والاتصال الشفهي، والاتصال الكتابي، والاتصال الكتابي المطبوع، والعودة للاتصال الشفهي، ونظريات الصحافة الدولية: نظرية السلطة المطلقة، ونظرية الصحافة الحرة، والنظرية الاشتراكية للصحافة، ونظرية المسؤولية الاجتماعية، ونظرية المسؤولية العالمية للصحافة، والخاتمة، وقائمة بالمراجع.
6- نظرية مارشال ماكلوهان
لم تزل نظرية مارشال ماكلوهان التي ظهرت قبل أكثر من أربعة عقود، وحتى اليوم من أكثر النظريات الإعلامية انتشاراً ووضوحاً في الربط بين الرسالة الإعلامية، والوسيلة الإعلامية، من خلال تأكيدها على أهمية الوسيلة في تحديد نوعية الاتصال وتأثيره، إذ يرى ماكلوهان، أن الوسيلة هي الرسالة، وأوضح أنه لا يمكن النظر إلى مضمون وسائل الأعلام بشكل مستقل عن تقنيات وسائل الإعلام والموضوعات والجمهور الذي يوجه المضمون إليه، وأشار إلى أنهما يؤثران على ما تورده تلك الوسائل، رغم أنه من طبيعة وسائل الإعلام التي يتصل بها الإنسان، أنها تشكل المجتمعات أكثر ما يشكلها مضمون الاتصال.
وبين ماكلوهان أن وسائل الأعلام التي يستخدمها المجتمع أو يضطر لاستخدامها تحدد طبيعة المجتمع وكيفية معالجته لمشاكله، وأن أية وسيلة، تعتبر امتداداً لحواس الإنسان، وتشكل الظروف التي تؤثر على الأسلوب الذي يفكر به الناس ويتلقون المعلومات وفقاً له. وعرض ماكلوهان أربعة مراحل تعكس برأيه التاريخ الإنساني، وهي: أ) المرحلة الشفوية: أي مرحلة ما قبل التعليم، أو المرحلة القبلية. ب) مرحلة الكتابة والنسخ: التي ظهرت في اليونان القديمة واستمرت لنحو ألفي عام. ت) عصر الطباعة: واستمر من عام 1500 وحتى عام 1900 تقريبا. ث) عصر وسائل الإعلام الإلكترونية: وبدأ عام 1900 تقريباً ولم يزل مستمراً حتى الوقت الراهن. وأن طبيعة وسائل الأعلام المستخدمة في كل مرحلة من المراحل تساعد على تشكيل المجتمع أكثر مما يساعد مضمون تلك الوسائل على تشكيله. وأهم ما جاء في نظرية ماكلوهان عن وسائل الاتصال، أنه قسم الوسائل إلى: - وسائل باردة؛ -  ووسائل ساخنة.
ويقصد بالوسائل الباردة تلك التي تتطلب من المستقبل جهدا إيجابياً للمشاركة والمعايشة والاندماج معها، أما الوسائل الساخنة، فهي الوسائل الجاهزة ومحددة الأبعاد نهائياً، وهي لا تحتاج من المشاهد أو المستمع إلى أي جهد يبذله للمشاركة أو المعايشة، فالكتابة والهاتف والإذاعة المرئية هي وسائل باردة، أما الطباعة والإذاعة المسموعة والسينما فهي وسائل ساخنة. وإذا لم يكن بوسع المرء أن يتفق مع كل ما جاء به ماكلوهان من أفكار فقد سماها اختبارات أكثر منها نظريات، وإذا لم تكن الوسيلة هي الرسالة، فمن الواضح أنها أخطر من مجرد أداة لزيادة عدد الجمهور الإعلامي من قراء ومستمعين ومشاهدين، وإذا كان من الصعب أيجاد دليل قوى يثبت هذه الأفكار أو يرفضها، وعلى الأقل تجعلنا نتساءل عما إذا كان لوسائل الأعلام القدرة على تغيير الإنسان أم لا.
وأشار ماكلوهان في نفس الوقت إلى أن وسائل الأعلام الإلكترونية ساعدت على انكماش الكرة الأرضية وتقلصها من حيث الزمان والمكان، حتى سميت بالقرية العالمية (Global Village)، وورافقها زيادة في الوعي الإنساني وبالمسؤولية إلى حدود قصوى، ورآى أن هذه الحالة الجديدة أدت إلى ما يمكن تسميته بعصر القلق، لأن ثورة الاتصال الإلكترونية الفورية الجديدة أجبرت الأفراد على التعمق بالالتزام والمشاركة، وبغض النظر عن وجهات النظر التي يتبناها الأفراد، فإن وجهة النظر الخاصة الجزئية مهما كان مقصدها لن تتغير في عصر الكهرباء وآليات الإلكترونيات الفورية، وربما يكون هذا الرأي وغيره يمثابة أرضية نبع منها مفهوم العولمة الذي أخذ بالإنتشار خلال السنوات الأخيرة، وأطلق عليه أحد الباحثين الذين سبقوا ماكلوهان مصطلح لحظنة التواصل الحضاري والإعلامي.
وإلى جانب ذلك تعرضت أفكار ماكلوهان في السنوات الأخيرة إلى إنتقاد وتعديل وتشكيك من قبل بعض الباحثين، وفي هذا الصدد رأى ريتشارد بلاك، أن القرية العالمية، التي زعم ماكلوهان بوجودها، لم يعد لها وجود حقيقي في المجتمعات المعاصرة. وأوضح: "أن التطور التقني الذي استند إليه ماكلوهان عند وصفة للقرية العالمية استمر مع مزيد من التطور وأدى إلى ضحض القرية العالمية وحولها إلى بقايا ذكريات، فالعالم الآن هو أقرب إلى ما يكون بناء ضخم يضم عشرات الشقق السكنية التي يقيم فيها أناس كثيرون، ولكن كل منهم يعيش في عزلة عن الآخر، ولا يعرف شيئا عن أحوال جيرانه الذين يقيمون معه في نفس البناء".
وهذا التطور يمكن أن يوصف بأنه تحول من التجميع إلى التفتيت أو اللامركزية، حيث أتاحت تقنيات الاتصال الحديثة، من: أقمار صناعية، وحاسبات إلكترونية، ووصلات مايكروويف، وألياف ضوئية، وكم هائل من خدمات الاتصال الحديثة خلال العقود الماضية، كالإذاعة المرئية التفاعلية عبر الكابلات، والإذاعة المرئية منخفضة القوة، وكاسيت الفيديو، والفيديو ديسك، وأجهزة تسجيل الموسيقى المتطورة، وخدمات الفديوتكس، والتليكس، والاتصال المباشر عن طريق قواعد البيانات والهواتف المحمولة والبريد الإلكتروني، التي اندمجت كلها فيما يعرف بشبكة الاتصالات العالمية "الإنترنت"، غدت كلها وسائل للتخاطب بين الأفراد تلبي حاجاتهم ورغباتهم الشخصية، ونتج عن هذه التقنيات الجديدة تقلص أعداد الجماهير التي تشاهد وتستفيد من خدمات برامج الشبكات الرئيسية للإذاعتين المسموعة والمرئية التي تعمل على نظام بث الأثير التقليدي.
وظل الاتجاه الرئيسي لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية، لما قبل نحو عقدين من الزمن، يميل إلى دمج الجماهير (Massification) عن طريق نقل الرسائل الإعلامية نفسها إلى قطاعات جماهيرية واسعة، أي توحيد الرسائل الإعلامية مع الحفاظ على تعددية الجماهير المستقبلة للرسائل الإعلامية.
7- الاتجاه الجديد للاتصال
وبدأ الاتجاه الجديد للاتصال وتدفق المعلومات على الصعيد العالمي، بالإتجاه نحو اللامركزية في الاتصال، بمعنى تقديم رسائل متعددة تلائم الأفراد أو الجماعات الصغيرة المتخصصة، وهذه اللامركزية في الرسائل اتخذت شكلين: الشكل الأول: يتحكم فيه المرسل؛ والشكل الثاني: يتحكم فيه المستقبل. وكل منهما يمكن إتاحته عن طريق ربط الحاسبات الإلكترونية لتوفر خدمات مختلفة من خدمات الاتصال وتبادل المعلومات، وتبدأ من نقل صفحات الصحافة المطبوعة إلى نقل النصوص المكتوبة، وتمتد لتشمل شكل من أشكال برامج الإذاعة المرئية والأفلام السينمائية، مع إمكانية نقل هذه المعلومات إلى مسافات بعيدة، وبسرعة فائقة، عن طريق استخدام الكابلات، وعن طريق الأقمار الصناعية.
ورأى الباحث الفن توفلر: أن البنية الإلكترونية الأساسية في البلدان المتقدمة اقتصادياً تتميز بستة سمات تمثل مفاتيح المستقبل، وهي: أ) التفاعلية (Interactivity)؛ ب) قابلية التحرك أو الحركة (Mobility)؛ ت) قابلية التحويل (Convertibility)؛ ث) التوصيل (Connectivity)؛ ج) الشيوع والانتشار (Ubiquity)؛ ح) العولمة (Globalization). وأوضح توفلر أن الآثار التجانسية لوسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية كانت في ذروة قوتها عندما لم تكن هناك سوى قنوات قليلة ووسائل اتصال وإعلام قليلة، وقلة في فرص الإختيار المتاحة أمام المستمعين والمشاهدين، أما في المستقبل فالوضع سينعكس ليسود محتوى كل برنامج على حدى، وقد يكون جيداً أو رديئاً إلا أن الأهم يبقى المحتوى الجديد ويتميز بوجود التنوع المطلق. لأن التحول من فرص الاختيار الأقل إلى الفرص الأكثر تعددية في مجال الاتصال والإعلام لن تحمل مدلولات ثقافية وحسب، بل وستحمل مدلولات سياسية أيضاً، حيث ستتمكن حكومات الدول التي تملك تقنيات متقدمة مستقبلا لتوجه سيل هائل من الرسائل الإعلامية المتعددة والمتناقضة والمتخصصة، الثقافية منها أو السياسية أو التجارية إلى شعوبها، بدلا من رسالة واحدة كانت ترددها شبكات الاتصال والإعلام الضخمة القليلة بصوت واحد.
وسياستي تعبئة المجتمع، وهندسة القبول، أصبحتا أصعب بكثير الآن في محيط وسائل الإعلام الجديدة، واتساع مجال الخيار الإعلامي أمام المستمعين والمشاهدين، وهذا بحد ذاته هو نوع من الديمقراطية التي غدت تشكل مشكلة للسياسيين الذين كانوا يقدمون لأتباعهم محيطًا لا خيار فيه. ويمكن القول أن التطورات التقنية الكبيرة في مجال الاتصالات الجماهيرية، وتعدد قنوات الاتصال والمعلوماتية أدى إلى ما يمكن تسميته بعصر الشاشة، لأن الوسائل المطبوعة والمقروءة والمسموعة والمرئية أصبحت مندمجة في شاشة الإذاعة المرئية أو الحاسوب الآلي (الكمبيوتر) الشخصي، واصبح المتلقي يستطيع قراءة كتاب أو صحيفة أو مجلة، ومشاهدة مسرحية أو فلم أو خطاب سياسي، على هذه الشاشة، وفي اغلب الأحيان بصورة فردية، كما أنه أصبح بإمكانه إلى حد كبير الاختيار في الوقت نفسه من بين بدائل عديدة متاحة أمامه. والاتجاهات الحالية والمستقبلية لتطور وسائل الاتصال تفترض نمو واحدة من ثلاثة تصورات لأوضاع الاتصال خلال القرن الحادي والعشرين، وتشمل:
1- تكريس اللامركزية في الإرسال والاستقبال: ويبنى هذا التصور على ظهور خدمات اتصال جديدة، توجه عبرها رسائل متخصصة تلبي الميول والنزعات الفريدة، مثل تلقي بث الإذاعة المرئية التفاعلية عبر الكابلات، والفيديو ديسك، وكاسيت الفيديو. لأنه هناك إقبال متزايد للأفراد لامتلاك هذه الوسائل والاستعاضة بها عن الاتصال المباشر مع أفراد آخرين، وتتمثل مظاهر التفتت في الفئات المستقبلة، بميل الأفراد نحو العزلة، كما أن وسائل الاتصال الجديدة منحت الأفراد القدرة على خلق بيئة اتصال تناسبهم، وادى ظهور الوسائل والتقنيات الجديدة إلى تناقص المعرفة التي يتم الحصول عليها عادة عن طريق التعرض العشوائي لمواد وسائل الاتصال، وتراجع الاتصال التفاعلي بين الجماعات والطبقات ليحل محلة اتصال متزايد داخل جماعة أو فئة واحدة.
2- تكريس الهيمنة والاندماج في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية: ويقوم هذا التصور على اتجاه وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية نحو التركيز في كيانات ضخمة وملكيات مشتركة ومتعددة الجنسيات، وهناك أسباب عديدة لزيادة الاتجاه نحو الهيمنة والاندماج منها: - قوانين الضرائب؛ - والحاجة إلى خبرات ضخمة والرغبة في تحقيق الاستقرار المالي؛ - والوقاية من مخاطر المستقبل؛ - والقضاء على الشركات المنافسة.
3- التوافق بين التقنيات القديمة والحديثة: ويستند هذا التوافق على تقدم التقنيات الجديدة التي تسد جوانب النقص الحاصل في التقنيات القديمة، ويلبي التوافق الحاجات الفردية، ولا يهمل الإحساس بالمشاركة العامة والأهداف القومية، في إطار عملية مستمرة من المحاورة العقلية والمناظرات المفيدة التي تتيح تبادل الخبرات وتدعم ديمقراطية المعلومات.
8- القائم بالاتصال ونظرية (حارس البوابة)
 دراسات القائم بالاتصال (المرسل): أصبحت المؤسسات الإعلامية في القرن الحادي والعشرين عبارة عن شبكات اتصال ضخمة تتصارع داخلها المصالح، لأن كل مؤسسة في حد ذاتها عبارة عن نظام معقد للسلطة والنفوذ والمراكز الإجتماعية والسياسية والاقتصادية، وحينما ندرس مثلاً ما يحدث داخل الصحيفة أو محطة الإذاعة المسموعة أو محطة الإذاعة المرئية فإننا نشعر بالدهشة من تعقد وتشابك الأعمال داخلها. ففي داخل تلك المؤسسات الإعلامية تتخذ يومياً، بل وفي كل دقيقة، قرارات مهمة وخطيرة. ونظراً لأهمية تلك القرارات للجماهير يجب أن نعرف الأسلوب الذي يتم بمقتضاه اتخاذ تلك القرارات، والمراكز أو المناصب التي تنفذ تلك القرارات فعلاً، وطبيعة القائم بالاتصال، والنواحي التي تؤثر على اختيار المادة الإعلامية، وقيم ومستويات القائمين بالاتصال.
والواقع أنه من الصعب تفسير سبب إهمال الباحثين حتى وقت قريب دراسة ما يحدث داخل مؤسسات الإعلام الجماهيرية، ودراسة القائمين بالاتصال. ومع ذلك علينا أن نعترف عند تحديد تأثير الرسالة الإعلامية، بأن القائم بالاتصال لا يقل أهمية عن أهمية مضمون الرسالة الإعلامية نفسها. ومعنى هذا ليس أن الباحثين لم يكتبوا عن قدامى الأعلاميين، بل لأن واقع تاريخ الصحافة حافل بسير أعلام الصحافة. كما تقوم مؤسسات التعليم العالي عادة بتدريس ما يحدث داخل الصحيفة أو أسلوب عملها لطلبة الصحافة. والذي نقصده هنا هو القيام بتحليل طبيعة وسائل الأعلام الجماهيرية كمؤسسات لها وظائف اجتماعية، ودراسة دور ومركز العاملين في الصحيفة، وأعني الصحفيين، والظروف أو العوامل التي تؤثر على اختيار مضامين الصحف. فالأخبار هي ما يصنعه الصحفيون، ولكن كيف يصنع أولئك الصحفيون الأخبار ؟!.. وما هي الالتزامات المهنية أو الأخلاقية، التي يفرضها الصحفي على نفسه ؟ وما هي طبيعة السيطرة البيروقراطية التي تفرض نفسها على الصحفي في المؤسسة التي يعمل فيها ؟ والواقع أن أول دراسة تناولت بالشرح قطاع القائمين بالاتصال بالمعنى الذي نقصده، هي دراسة روستن التي ظهرت في الولايات المتحدة تحت عنوان (مراسلي واشنطن) سنة 1937، وتعتبر هذه الدراسة، دراسة كلاسيكية تناولت سيكولوجية المراسل الصحفي. كما نشرت مجلة "الصحافة" ربع السنوية التي تصدر في ولاية أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1941 دراسة مهمة عن العاملين بصحيفة (ملواكي وكان من الممكن أن تفتح هذه الدراسة الباب للقيام بتنظيم دراسات مماثلة تتناول مؤسسات الاتصال والإعلام الجماهيرية الأخرى، ولكن الذي حدث أنه مضت فترة طويلة دون أن تظهر أبحاث تتناول بالدراسة القائمين بالاتصال ومؤسساتهم، إلى أن قام الباحث الأمريكي ديفيد مانج وايت بنشر دراسته (حارس البوابة وانتقاء الأخبار) التي أعطت دفعة قوية للأبحاث في هذا المجال المهم.
ويرجع الفضل في هذا لعالم النفس النمساوي الأصل الأمريكي الجنسية كرت لوين، الذي طوير ما أصبح يعرف بنظرية (حارس البوابة) في الإعلام، وتعتبر دراسات لوين من أفضل الدراسات المنهجية في مجال حارس البوابة. وذكر لوين: أن المادة الإعلامية على طول الرحلة التي تقطعها حتى تصل إلى الجمهور الإعلامي تمر بنقاط أو (بوابات) يتم فيها اتخاذ قرارات حول ما يدخل وما يخرج من المواد الإعلامية، وأنه كلما طالت المراحل التي تقطعها الأخبار حتى تظهر في وسيلة الإعلام الجماهيرية، ازدادت المواقع التي يصبح متاحاً فيها لسلطة فرد أو عدة أفراد تقرير ما إذا كانت المادة الإعلامية ستنتقل بنفس الشكل أو بعد إدخال بعض التغييرات عليها، لهذا يصبح نفوذ من يديرون هذه البوابات والقواعد التي تطبق عليها، والشخصيات التي تملك بحكم وظيفتها سلطة التقرير، كبيراً جداً في انتقال المواد الإعلامية. ودراسة (حارس البوابة) في الواقع هي دراسة تجريبية منتظمة لسلوك الأفراد الذين يسيطرون في نقاط مختلفة، على مصير المواد الإعلامية والمضامين الإخبارية.
ولكن من هم حراس البوابة (GEET KEEPARS) ؟.. والجواب أنهم من الصحفيين الذين يقومون بجمع الأنباء، ولهذا هم مصدر الأنباء التي يزودون بها صحفيين آخرين، وهم أفراد من الجمهور الإعلامي يؤثرون على إدراك واهتمامات أفراد آخرين من خلال المواد الإعلامية، وكلهم حراساً للبوابة، في نقطة ما، أو في مرحلة ما من المراحل التي تقطعها المواد الإعلامية.
وفي خمسينيات القرن الماضي أُجرت مجموعة من الباحثين الأمريكيين منهم: وارن بريد جاد (Breed وروى كارتر (Carter)، وستارك (Stark)، وجيبر (Gieber)، وروبرت جاد (Judd ووايت (White)، وكن مكرورى (Macrorie) وغيرهم، سلسلة دراسات هامة ركزت على الجوانب الأساسية لوظيفة (حارس البوابة) دون أن استخدام هذا المصطلح بالضرورة، وقدمت تلك الدراسات تحليلاً وظيفياً لأساليب السيطرة أو التحكم في العمليات الجارية بغرفة إعداد الأخبار، والتناقض في إدراك دور ومركز ووضع العاملين بالصحيفة ومصادر أخبارهم، والعوامل التي تؤثر على اختيار المحررين، وعلى طريقة عرضهم للأخبار.
وفي عام 1951 نشر الباحث الأمريكي شارلي ميتشل دراسة عن حجرة الأخبار في الإذاعة المسموعة والأفراد الذين يعملون فيها، ونشر الباحث سابين دراسة عن كتّاب الافتتاحات في ولاية أوريغون. وقدم لورنس دراسة عن محرري ولاية كنساس. ولخص الباحث الأمريكي ولتر جيبر في مقالته (الأخبار هي ما يجعلها الصحفيون أخباراً) نتائج الأبحاث الأساسية التي أُجريت على حارس البوابة، كما قام في عام 1956 بدراسة شملت محرري الأنباء الخارجية في 16 صحيفة يومية بولاية وسكونسن، تستقبل أنباءها من وكالة أسوشيتدبرس فقط. وأوضحت دراسات جيبر أن المحرر إذا كان يختار عينة معينة مما يصله من أنباء فيمكن القول: أنه قد وفق في أداء عمله. وأضاف أنه يمكن من خلال متابعة الأسلوب الذي يتبعه المحرر ليختار أنباء فترة لا تزيد عن أيام قليلة، فيمكننا أن نتنبأ بما قد يختاره في يوم آخر، وكان العامل المشترك بين جميع محرري الأنباء الذين تابعهم جيبر، أن الضغوط التي يفرضها الواقع البيروقراطي للعمل في غرفة الأخبار تعتبر من أقوى العوامل تأثيراً، لأن محرر الأنباء الخارجية في عملة يأخذ دائماً بعين الإعتبار الضغوط الميكانيكية أكثر مما يأخذ باعتباره المعاني الإجتماعية وتأثير الأخبار، وباختصار كانت ظروف إخراج الصحيفة والروتينو البيروقراطية والعلاقات الشخصية داخل غرفة الأخبار تؤثر بشكل كبير على عمل المحرر. وأظهرت دراسات جيبر حقيقتان تثيران القلق، وهما:
أولاً: أن السلوك الاتصالي لمحرر الأنباء الخارجية يبدو وكأنه سلبيا ولا يلعب دوراً فعالا في سلوكه كقائم بالاتصال، وهو لا يحلل برقيات الأنباء التي تصله بشكل انتقادي. وأن بعض الدلائل تشير إلى أن محرر الأنباء الخارجية كصحفي يعمل في  مكتبه، وقد تختلف دوافعه عن دوافع المخبر الذي يتنقل من مكان إلى آخر، من أجل جمع الأخبار، وهذا بالتالي يؤثر على ما يختاره المحرر من أنباء، وربما كان محرر الأنباء الخارجية كسولاً، أو أصبح كسولاً لأن رؤساءه لا يشجعونه ليصبح أكثر نشاطاً، وأن المحرر بشكل عام لا يختار برقياته بشكل يظهر أنه يقيم ما يقدمه بشكل نقدي.
ثانياً: أن محرر الأنباء الخارجية، كقائم بالاتصال، ليس لديه إدراك حقيقي لطبيعة جمهوره، ولهذا فهو لا يتصل عملياً بالجمهور في واقع الأمر، وأن مهمته الرئيسية في الصحيفة هي تقديم تقرير هادف عن الظروف المحيطة خدمة القارئ، ولهذا يمكن القول أن هذه المهمة كانت تؤدى بالصدفة فقط. لأن الصحيفة لم تعد تدرك أن هدفها الحقيقي هو خدمة جمهور معين أو الجمهور بشكل عام، لأنه كثيراً ما تحدد مجموعة المحررين الأهداف التي تقوم من خلالها بجمع الأخبار إضافة للنظام البيروقراطي، أو تحدد ما يظهر في تلك الصحيفة. ولهذا رأى جيبر أنه بدون دراسة الأوساط الاجتماعية التي تؤثر على عملية جمع الأخبار لا يمكننا فهم حقيقة تلك الأخبار.
9- دراسات القائمين بالاتصال والنخبة الإجتماعية
ومن أعمق الدراسات التي أجريت على القائمين بالاتصال والنخبة الاجتماعية التي تؤثر على العاملين في الصحف، الدراسة التي قام بها وارين بريد سنة 1955، حيث اكتشف بريد أدلة تشير إلى وجود عملية تسيطر بمقتضاها شخصيات تشغل مراكز مرموقة في "صحف النخبة" أو يهيمنون من خلالها للتأثير على مضمون الصحف الكبيرة، أو المحطات الإذاعية المسموعة والمرئية، وهذه الطريقة تؤثر حالياً على الطريقة التي تعالج بها مضامين الصحف الصغيرة، من أخبار وموضوعات مهمة، أي كما يقال في عالم البحار أن الكبير يبتلع الصغير، ولا شك أن هذا يحرم وسائل الإعلام الجماهيرية من التغيير والتنويع وتعدد الآراء الذي يساعد على تكوين رأي عام واعٍ لما يجري حوله من أحداث.
وفي دراسة أخرى استخدم بريد أسلوب التحليل الوظيفي ليظهر كيف تدفن أو تحذف الصحف الأخبار التي تهدد النظام الاجتماعي والثقافي أو تهاجمه، أو تهدد إيمان القائم بالاتصال بذلك النظام الاجتماعي والثقافي، وقال بريد: أن سياسة الناشر هي التي تطبق عادة في أي صحيفة، بالرغم من مظاهر الموضوعية في اختيار الأخبار، بالإضافة إلى ذلك أن مصدر الجزاء الذي يناله الإعلامي في الصحيفة ليس القراء الذين يعتبرون عملاءه، بل أن مصدره هم زملاؤه ورؤساؤه في العمل. لذلك يقوم المحرر في الصحيفة بإعادة تحديد وتشكيل قيمه الخاصة بشكل يحقق له أكبر منفعة. واستنتج بريد من هذه الدراسة، أن الظروف الثقافية التي تحيط بالصحفي في غرفة الأخبار قد لا تؤدي إلى النتائج التي تفي بالاحتياجات الديمقراطية الأوسع.
واستخدم الباحث الأمريكي المشهور سوانسون أساليب المتابعة المباشرة والاستفسار للحصول على معلومات عن معتقدات العاملين في صحيفة يومية صغيرة، وعن خصائصهم الشخصية. وقام بروس وستلي بدراسة محرري الأخبار الخارجية في صحف ولاية وسكونسن، باستخدام سلم "قياس القيم" الذي قارن من خلاله القيم التي يعتقد بها المحررون والتي تؤثر على اختيارهم للأخبار. وتعتبر دراسة القائمين بالاتصال وأدوار الاتصال المختلفة التي قام بها كلاً من: بروس وستلي، ومالكلوم ماكلين، من أهم الدراسات التي جرت في هذا المجال، وكان من الملاحظ وجود عنصر مشترك في كل تلك الدراسات، وهو تركيزها على الاهتمام بتفاعل الأنماط والأخلاقيات الصحفية المثالية، والأساليب الاجتماعية والتنظيمية المتبعة في مجتمع كبير، مع تنوع في الظروف، واختلاف في الأوضاع. وكان لتلك الدراسات فوائد كبيرة لوسائل الإعلام الجماهيرية والمهنيين الإعلاميين على حد سواء، لأنها ساعدت على الوصول إلى تصورات أكثر دقة عن العاملين في الوسيلة الإعلامية، في الإطار الاجتماعي المباشر، وأبرزت الكثير من الأسئلة المهمة التي يجب الإجابة عليها.
وبالتالي الرسالة في نظرية (حارس البوابة) الإعلامية تمر بمراحل عديدة، وهي تنتقل من المصدر إلى أن تصل إلى المستقبل، وهذه المراحل تشبه سلسلة مكونة من عدة حلقات، ووفقاً لمصطلحات هذه النظرية فإن معلومات عملية الاتصال هي مجرد سلسلة متصلة الحلقات. وأبسط أنواعها سلسلة الاتصال المباشر وجهاً لوجه، من فرد إلى آخر، ولكن هذه السلسلة في حالة الاتصال الجماهيري تكون طويلة ومعقدة جداً، لأن المعلومات التي تدخل في شبكة الاتصال معقدة كما هي الحال في الصحيفة، أو في محطة الإذاعة المسموعة أو المرئية، وتمر بالعديد من الحلقات أو الأنظمة المتصلة، فالحدث الذي يحدث في العراق مثلاً، يمر بمراحل عديدة قبل أن يصل إلى القارىء في أمريكا أو أوربا أو الشرق الأوسط، ونجد أن حجم المعلومات التي تخرج من بعض تلك الحلقات أو الأنظمة هي أكثر مما يدخل فيها، لذلك أطلق عليها شانون اسم أجهزة التقوية، فأجهزة التقوية أي وسائل الأعلام الجماهيرية تستطيع في نفس الوقت صنع عدد كبير جداً من الرسائل المتطابقة، مثل نسخ الصحف، ومن ثم توصيلها إلى جمهور عريض.
10- تكنولوجيا وسائل الأعلام وتأثيرها على المجتمعات
(نظرية مارشال ماكلوهان)
تعد نظرية تكنولوجيا وسائل الإعلام، من النظريات الحديثة التي تناولت دور وسائل الأعلام وطبيعة تأثيرها على مختلف المجتمعات، ومبتكر هذه النظرية هو مارشال ماكلوهان الذي عمل أستاذاً للغة الإنجليزية بجامعة تورنتو بكندا، ويعتبر من أشهر المثقفين في النصف الثاني من القرن العشرين.
ولد مارشال ماكلوهان بتاريخ 21/7/1911 بمدينة أد مونتن بالبرنا، في كندا، وكانت الدته ممثلة ووالده تاجر عقارات. وانتسب ماكلوهان إلى جامعة مانيتوبا وكان في البداية ينوى دراسة الهندسة ولكنه على العكس من ذلك درس الأدب الإنجليزي وحصل على الماجستير عام 1934، وبعد حصلوله على الدكتوراه من جامعة كامبردج عام 1943، مارس التدريس في عدة جامعات أمريكية، ومنذ عام 1947 عمل أستاذاً للآداب في جامعة تورنتو. ونشر ماكلوهان مئات المقالات في المجلات، وأصدر أربعة كتب هامة هي:
- The Mechanical Bride.: Folklore of Industrial Man, (1951); - The Gutenberg Galaxy: The Making of Typographic Man (1962); - Under Standing Media: The Extensions of Man (1964); - The Medium is The Message: An Inventory of Effects (1967).
ونال كتابه (عالم جوتنبرج) جائزة الحاكم العام في كندا عام 1962 وهي تعادل جائزة بولتزر في أمريكا. وبشكل عام يمكن القول أن هناك أسلوبان أو طريقتان للنظر إلى وسائل الأعلام من حيث: 1- أنها وسائل لنشر المعلومات والترفيه والتعليم. 2- أو أنها جزء من سلسلة التطور التكنولوجي. وإذا نظرنا إليها على أنها وسيلة لنشر المعلومات والترفيه والتعليم، فنحن نهتم بمضامينها وطريقة وهدف استخدامها أكثر. وإذا نظرنا إليها كجزء من العملية التكنولوجية التي بدأت تغير وجه المجتمع كله، شأنها في ذلك شأن التطورات التقنية الأخرى، فنحن حينئذ سنهتم بتأثيرها، بصرف النظر عن مضامينها.
وذكر مارشال ماكلوهان أن "مضامين" وسائل الأعلام الجماهيرية لا يمكن النظر إليها بشكل مستقل عن تكنولوجيا وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية نفسها. فالكيفية التي تعرض بها المؤسسات الإعلامية الموضوعات، والجمهور الذي توجه رسائلها إليه، يؤثران على ما تذكره تلك الوسائل، ولكن طبيعة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي يتصل بها الإنسان تشكل المجتمعات أكثر مما يشكلها مضمون الاتصال، فحينما نظر ماكلوهان إلى التاريخ أخذ موقفاً نستطيع أن نسميه (الحتمية التكنولوجية Technoligical Determinism)، بينما كان كارل ماركس يؤمن بالحتمية الاقتصادية، وأن التنظيم الاقتصادي للمجتمع يشكل جانباً أساسياً من جوانب حياته، بينما كان سيغموند فرويد يؤمن بان الجنس يلعب دوراً أساسياً في حياة الفرد والمجتمع، بينما آمن ماكلوهان بأن الاختراعات التكنولوجية المهمة هي التي تؤثر تأثيراً أساسياً على المجتمعات.
وكان ماكلوهان شديد الإعجاب بما كتبه المؤرخون أمثال: الدكتور وايت (White Jr) صاحب كتاب (التكنولوجيا الوسيطة والتغير الاجتماعي)، الذي نشر عام 1962، وذكر المؤلف فيه أن الاختراعات الثلاثة التي خلقت العصور الوسيطة هي الحلقة التي يضع فيها راكب الحصان قدمه (Stirrup) على حدوة الحصان (Nailed Horseshoe)، والسرج (Horse Collar).. فبواسطة الحلقة التي وضع فيها راكب الحصان قدمه على حدوة الحصان استطاع الجندي أن يلبس درعاً وأن يركب مع الدرع الحصان الحربي؛ وبواسطة الحدوة والأربطة التي تربط الحصان بالعربة (Harness) توفرت وسيلة أكثر فاعلية لحراثة الأرض، مما ساعد على ظهور النظام الإقطاعي الزراعي، وهذا النظام هو الذي دفع التكاليف التي تطلبها درع الجندي.
وتابع ماكلوهان أن هذه الفكرة هي أكثر تعمقاً واكتشف أهميتها التكنولوجية، مما جعله يطور فكرة محددة عن الصلة بين وجود الاتصال الحديث في المجتمع ،والتغيرات الاجتماعية التي تحدث في ذلك المجتمع، وذكر ماكلوهان أن التحول الأساسي في الاتصال التكنولوجي رافق التحولات الكبرى، ليس في التنظيم الاجتماعي فقط، بل وفي الأحاسيس الإنسانية أيضا. والنظام الاجتماعي في رأيه يحدد المضمون الذي تحمله تلك الوسائل. وبدون فهم الأسلوب الذي تعمل بموجبه وسائل الأعلام الجماهيرية لا نستطيع فهم المتغيرات الاجتماعية والثقافية الجارية في المجتمعات. لأن اختراع اللغة المنطوقة ميز الإنسان عن الحيوان، ومكن البشر من إقامة المجتمعات والنظم الاجتماعية، وجعل التطور الاجتماعي ممكناً، وبدون اختراع الكتابة لم يكن التحضر ممكناً، وبالرغم من اختراع الكتابة فهي لم تكن الشرط الوحيد الذي سبق الحضارة، فالإنسان يجب أن يأكل قبل أن يستطيع الكتابة إلا أنه بفضل الكتابة، استطاع خلق شكل جديد للحياة الاجتماعية، وأصبح الإنسان يعي الوقت، وأصبح التنظيم الاجتماعي يمتد إلى الخلف، "أي إلى الماضي"، وإلى الأمام، "أي إلى المستقبل"، بطريقة لا يمكن أن يتواجد في مجتمع شفهي بحت. والحروف الهجائية هي تكنولوجيا يستوعبها الطفل الصغير بشكل لا شعوري تماماً، "بالاستيعاب التدريجي"، والكلمات ومعانيها تعد الطفل ليفكر ويعمل بطرق معينة وبشكل آلي، فالحروف الهجائية وتكنولوجية الحرف المطبوع طورت وشجعت عملية التجزئة وعملية التخصص والتميز بين البشر، وعملت تكنولوجيا الكهرباء على تقوية وتشجيع المشاركة والوحدة.
وذكر ماكلوهان أن وسائل الأعلام الجماهيرية التي يستخدمها المجتمع أو يضطر لاستخدامها تحدد طبيعة المجتمع، وكيفية معالجته لمشاكله، وأن أية وسيلة جديدة تعتبر امتداداً للإنسان، وتشكل ظروفاً جديدة محيطة به، وتسيطر على ما يفعله الأفراد الذين يعيشون في ظل نفس الظروف، وتؤثر على الطريقة التي يفكرون ويعملون وفقاً لها، أي أن الوسيلة هي امتداد للإنسان، فالملابس والمساكن هي امتداد لجهازنا العصبي المركزي، وكاميرا الإذاعة المرئية تمد أعيننا، وميكروفون المذياع يمد آذاننا، والآلات الحاسبة توفر بعض أوجه النشاطات التي كانت في الماضي تحدث في عقل الإنسان فقط، وهي مساوية لامتداد الوعي الإنساني. ووسائل الاتصال والإعلام الجديدة غدت امتداداً لحواسنا، ووفرت الزمن والإمكانيات التي تشكل تهديداً للإنسان في الوقت نفسه، لأنه في الوقت الذي تمتد فيه يد الإنسان، يمكن أن تصل إليه عن طريق حواسه ووجوده، وتستطيع تلك الوسائل أيضا أن توصل يد المجتمع إليه كي تستغله وتسيطر عليه، ولكي نمنع احتمال التهديد، أكد ماكلوهان على أهمية إحاطة الناس بأكبر قدر ممكن من المعلومات عن وسائل الاتصال والأعلام الجماهيرية لأنه بقدر معرفة كيفية تشكيل التكنولوجيا للبيئة المحيطة بنا، نستطيع أن نسيطر عليها ونتغلب تماما على نفوذها وقدراتها الحتمية. وفي الواقع، بدلا من الحديث عن الحتمية التكنولوجية، يكون من الأدق أن نقول أن المستقبل يجب أن يشعر بأنه مخلوق له كيان مستقل، وقادر على التغلب على هذه الحتمية التي نشأت نتيجة لتجاهل الناس لما يحدث حولهم، وأنه لا يجب اعتبار التغيير التكنولوجي حتمياً أو لا مفر منه، وذلك لأننا إذا فهمنا عناصر التغير تمكنا من السيطرة عليها واستخدامها في أي وقت نريده بدلاً من الوقوف في وجهها.
وعرض ماكلوهان أربع مراحل عكست وفق تصوره تطور التاريخ الإنساني وهي: 1- المرحلة الشفهية، وهي المرحلة القبلية التي سبقت التعلم، (Totally Oral, Preliterate, Tribalism)؛ 2- مرحلة الكتابة (Codification by Script) التي ظهرت بعد هومر في اليونان القديمة واستمرت لنحو ألفي عام؛ 3- عصر الطباعة: الذي استمر من عام 1500 وحتى عام 1900 تقريبا؛ 4- عصر وسائل الإعلام الجماهيرية الإلكترونية: الذي استمر من عام 1900 تقريباً، وحتى الآن.
وطبيعة وسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي استخدمت في كل مرحلة من المراحل ساعدت على تشكيل المجتمع أكثر مما ساعد مضمون تلك الوسائل على هذا التشكيل. ويعتبر هذا الأسلوب في دراسة التطور الإنساني، أسلوبا جديدا أو مبتكراً تماما. وأشار ماكلوهان إلى أنه يدين لمؤلفات عديدة ساعدته على ذلك، ومن بينها مؤلفات ساعدته على تطوير نظريته المبتكرة، وهي:
- E.H. Gombrich, Art and IIIusion (1960); - H.A. Annis, The Bias of Communication (1951); - Siegfried Giedion, Mechaniztion Takes Command (1948); - H.J. Chaytor, From Scipt to Print (1945); - Lewis Mumford. Techniques and Civilization (1934).
وباختصار أشار ماكلوهان إلى أن التغير الأساسي في التطور الحضاري منذ تعلم الإنسان الاتصال، كان الإنتقال من الاتصال "الشفهي" إلى "الاتصال المكتوب" ومن ثم العودة للاتصال "الشفهي" مرة أخرى. وأن الإنتقال من الإتصال الشفهي إلى الإتصال المكتوب استغرق قروناً عديدة، بينما كان الرجوع مرة أخرى إلى الإتصال الشفهي خلال حياة فرد واحد.
يتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق