الخميس، 15 يونيو، 2017

الفقيه والأديب الإمام أبو بكر قفال شاشي




الإمام أبو بكر قفال شاشي



ولد الإمام أبو بكر قفال شاشي بمدينة شاش (طشقند) عام 903م وتوفي فيها عام 976م.

وقبل التحدث عن حياة وأعمال الفقيه والأديب الإمام أبو بكر قفال شاشي لابد من الإشارة ولو بإختصار إلى العلماء الذين سبقوه وأقاموا في واحة شاش (وادي طشقند) وسطاً علمياً رفيعاً. والإشارة للأجواء العلمية التي كانت دون شك عاملاً من عوامل ظهور أبو بكر قفال شاشي وغيره من المواهب العظيمة والشهيرة في أوزبكستان والعالم الإسلامي.

فخلال الفترة الممتدة من القرن الـ 9 الميلادي وحتى القرن الـ 12 الميلادي كانت شاش (طشقند) من مراكز: الأدب، واللغة، والمنطق، إلى جانب تطور علوم الحديث والفقه والشريعة الإسلامية فيها.

ويورد المؤرخون العرب معلومات عن الكثير من المحدثين الطشقنديين، أمثال:

- الإمام عبد الله بن أبو العون شاشي؛

- والإمام أبو بكر محمد بن علي بن حميد شاشي؛

- وأبو سعيد عيسى بن سليم شاشي؛

- وأبو محمد جعفر بن شعيب شاشي؛

- وأبو إسحاق إبراهيم بن خزيم شاشي؛

- وأبو علي حسن بن صاحب بن حميد حافظ شاشي؛

- وأبو الليث ناصر بن حسن بن قاسم شاشي تونكاتي؛

- وأبو إسحق إبراهيم بن خزيم بن كوماير بن خاكان شاشي.

الذين مارسوا تدريس علم الحديث النبوي الشريف في مختلف مدن العالم الإسلامي، وأجروا مناقشات عديدة في المكتبات آنذاك حول بعض مسائل الدين الإسلامي.

ومن بينهم كان الإمام عبد الله بن أبو العون شاشي، الذي درس علم الحديث من خلال الأحاديث التي جمعها المحدثون العظام، أمثال: الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، وجعفر بن محمد الفارابي, وغيرهم.

وقبله قام ابن شقيقه أبو العون، أبو علي فاضل بن عباس شاشي، بزيارة مرو، والعراق، وهو يبحث عن العلم والمعرفه، وهناك درس الحديث النبوي الشريف على يد علي بن حجر، وأحمد بن حنبل. وبعد عودته إلى وطنه اقتسم معارفه مع سكان شاش (طشقند) وتوفي فيها قبل 5 سنوات من ولادة أبو بكر قفال شاشي، عام 899م.

فقهاء شاش (طشقند)

تطورت علوم فقه الشريعة الإسلامية خلال مراحل متعددة، وإرتفعت إلى مستويات عالية بفضل خدمات علماء ما وراء النهر. وإلى جانب أبو بكر قفال شاشي كان هناك علماء عظام أمثال:

- أبو بكر محمد بن أحمد شاشي؛

- وأبو الحسن قاسم بن الإمام أبو بكر؛

- وأبو بكر محمد بن علي بن حميد شاشي؛

- وطاهر بن عبد الله عيلاقي؛

- وأبو عبد الله محمد بن داوود رضوان عيلاقي؛

- وأبو رجاء مؤمل بن مسرور بن أبو سهل شاشي حمراقي.

وفي القرن الـ 11 ميلادي أمر الوزير السلجوقي العظيم نظام الملك ببناء المدرسة "النظامية" في بغداد. وكانت دار العلوم هذه بمثابة أكاديمية للعلوم آنذاك، وفيها سعى الشباب من المدن العربية، والتركستانية، كمدن: سمرقند، وبخارى، وشاش، لإرواء حاجاتهم العلمية فيها. ومن بينهم كان أبو بكر محمد بن أحمد شاشي الذي أطلق عليه لاحقاً لقب "مستظهري"، (ولد في عام 1038م وتوفي في عام 1114م) وجاء إلى بغداد ودرس في المدرسة "النظامية"،واستمع لدروس المحدثين المعروفين الكبار، وعلماء الشريعة أمثال: أبو إسحق الشيرازي، وأبو نصر بن الصباغ. وبعد عدة سنوات عين مدرساً فيها ومارس التعليم في هذه المدرسة إلى جانب "حجة الإسلام" أبو حميد غزالي، ومعلمه أبو إسحق الشيرازي، وأعطى الدروس للدارسين في المدرسة. وكان المفكر شاشي مستظهري قد حصل على الشهرة في ذلك الوقت كالفقيه الأول ببغداد.

واشتهر أبو بكر محمد بن علي بن شاشي، (ولد عام 1007م وتوفي عام 1092م) أيضاً في العلوم والفقه وحصل على لقب "إمام". وتمت دعوته إلى مدينته حيث إستقبله حاكم غزنة بكل تبجيل وإحترام. وهناك كتب مؤلفه في الفقه. وبعدها أرسله نظام الملك إلى هيرات للتعليم في المدرسة "النظامية" هناك وتوفي فيها.

حياة ونشاطات الإمام أبو بكر قفال شاشي

شغل الإمام أبو بكر قفال شاشي مكانة خاصة بين المفكرين العظام في العالم الإسلامي، المنحدرين من ما وراء النهر، أمثال: الإمام البخاري، والإمام الترمذي، والإمام المعترضي، وبرهان الدين مرغيلاني.

وإسمه الكامل الذي أضاف إليه معاصروه لقب "حضرتي إمام" هو أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل قفال شاشي. ورمزاً للإحترام الخاص أضيف في المصادر العربية لإسمه عبارة "الكبير".

ولد قفال شاشي عام 291 هـ الموافق لعام 903 م بمدينة شاش (طشقند)، وقضى طفولته وفتوته فيها. وقال المفتي ضياء الدين بن إيشان بابا خان (رحمه الله)، أن: العالم حصل على دروسه الأولى لدى المحدث والعالم في الشريعة الإسلامية آنذاك هيثم بن قليب. وبعدها زار مدن: سمرقند، وبخارى، وترمذ، بحثاً عن العلم. وحرص على دراسة مؤلفات أبرز العلماء، أمثال: الإمام البخاري، والإمام الترمذي، الذان عاشا قبله وخلفوا تراثاُ دينياً علمياً قيماً.

وكان المفكر قفال شاشي أيضاً حرفياً بارعاً إشتهر بلقب "القفال" أي صانع الأقفال. وهو ما أشار إليه المؤرخ الشهير أبو سعد عبد الكريم بن محمد سمعاني (1113م-1167م) في مؤلفه "الأنساب"، حيث كتب: "كلمة "قفال" تعني مهنة صناعة الأقفال. وهكذا نرى أن أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل قفال شاشي انحدر من شاش، وإشتهر فيها كصانع أقفال ماهر. بالإضافة إلى أنه كان إماماً في عصره، وعالماً ماهراً في العلوم: الفقهية، والحديث، والمناهج، والعلوم اللغوية. وذاع اسمه في الشرق والغرب".

وأشار الشيخ محي الدين النووي (1233م-1277م)، إلى أنه عند ذكر قفال شاشي فهذا يعني أن الحديث يدور حول الإمام العظيم أبو بكر قفال شاشي، وعند ذكر قفال مروازي فكنت أعني (القفال الأصغر) الذي عاش لاحقاً. وذكر إسم الشيخ (قفال الأكبر) عدة مرات في مجالات علوم: التفسير، والحديث، والمناهج، والكلام. ولكن إسم الموروزي (القفال الأصغر) صودف في مؤلف الشريعة الإسلامية فقط ("تهذيب الأسماء" الجزء 2، الصفحة 556).

وعاش حضرة قفال شاشي في القرن الـ 10 الميلادي وكان عالماً موسوعياً. وذكر أشهر المؤرخين العرب في مؤلفاتهم الكثير من العبارات الطيبة عن شخصيته ومقدراته العلمية في العالم الإسلامي.

ومن بينهم كان ابن خلقان (1211م-1282م) في كتابه "وفاة الأعيان" حيث كتب: "كان أبو بكر قفال شاشي إمام عصره. وحظي بمواهب لا تقارن وسط علماء ما وراء النهر في علوم: الشريعة الإسلامية، والحديث، والمناهج، والمعارف اللغوية، والفنون الشعرية. وقام برحلات إلى خرسان، والعراق، والحجاز، والشام، والثغور (شمال سورية)، وذاعت شهرته في تلك المناطق بشكل واسع".

وأشار المؤرخ المصري تاج الدين السبكي (توفي عام 1370م) في مؤلفه "طبقات الشافعية الكبار" إلى أن: "أبو بكر قفال شاشي كان من أبرز العلماء، في علوم: التفسير، والحديث، والكلام، والمناهج، والنقل، والمعاجم والشعر، ولم يتساوى معه أحد في الورع والكرم. وولد للدفاع عن الكثير من العلوم، واشتغل في بحث ما أدخله إلى (العلوم)، وكان أحد الذين ألموا بالعلوم الممتازة ".

وتحدث أبو سعد عبد الكريم بن محمد سمعاني في كتابه "الأنساب" عن علماء شاش، وذكر أنها: "مدينة في ما وراء نهر سايحون، على الحدود مع الأتراك، وتسمى "شاش". وترعرع على هذه الأرض الكثير من الأئمة". وكتب عن كفال شاشي خاصة التالي: "الإمام أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل قفال شاشي كان من أبرز العلماء في مجالات: التفسير، والحديث، والفقه، والمعارف اللغوية... والقول المأثور. وأبو بكر القفال الفقيه، كان بقوة فقهه يفتح أصعب الأقفال (المسائل)".

وعلم مناهج الفقه بدأ بالتشكل في ماوراء النهر خلال القرن الـ 10 الميلادي. ويعتبر قفال شاشي من القادة السنة، الذين كتبوا للمرة الأولى مؤلفاً في هذا العلم. ولو أن المسائل المبدئية في الفقه على مذهب الشافعية أعدها الإمام الشافعي وكتب مؤلفاً عنها، إلا أن قفال شاشي طور هذا الموضوع. ولهذا استخدم كتابه في الشريعة "كتاب في أصول الفقه" في ذلك الوقت بشكل واسع في العالم الإسلامي. وكان من العوامل الأساسية لإقامة علاقات ود وصداقة بين علماء الشافعية والحنفية في ماوراء النهر.

ويعتبر مؤسس هذا المذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي الذي عاش في بغداد عدة سنوات، ودرس واستوعب علوم الحنفية عند محمد بن حسن الشيباني، وهو التلميذ المقرب من الإمام أبو حنيفة. وكان الإمام الشافعي رمزاً للإحترام الكبير لدى محمد الشيباني الذي أبقى لنا: "أنا كتبت عنه الكثير، وهو ما يمكن أن يكون حمولة لجمل واحد".

نشاط قفال شاشي الدبلوماسي

كتب العالم والمستشرق الأوزبكي المرحوم بحر الدين منانوف، أن الإمبراطورية الرومانية حتى القرن الـ 4 الهجري (الـ 10 الميلادي)، انقسمت إلى قسمين. وشملت دائرة نفوذ الإمبراطورية البيزنطية المستقلة، القسم الشرقي من تلك الأراضي، وتعزز نفوذها في البلقان، وشرق أوروبا، وعلى شواطئ البحر الأسود، والجزء الغربي من القوقاز حتى الجزء الشرقي من آسيا الصغرى. وحينها بدأت القسطنطينية تبذل محاولات لإعادة الأراضي التي وقعت تحت حكم الخلافة الإسلامية. وفي المعارك التي دارت من أجل ذلك، انتصر البيزنطيون مرات عديدة... وتطورت هجمات الإمبراطورية البيزنطية على الخليفة في بغداد، وعلى العالم الإسلامي بالكامل.

وأن قفال شاشي أثناء بحثه عن المعرفة والعلوم زار مختلف المناطق، وزار مكة المكرمة عدة مرات لأداء فريضة الحج، وفي طريق العودة كان يتوقف لفترات قصيرة في بغداد، من أجل رفع مستوى معارفه العلمية. وذات مرة وأثناء وجوده هناك صادف حدثاً غير سار. إذ استولى تاغفور، قائد الإمبراطورية البيزنطية، على جزء من الشام وأنطاكيا التابعة للخليفة العباسي، وأصبح يهدد عاصمة الخلافة. وأرسل إلى الخليفة في بغداد رسالة تهديد شعرية، تضمنت سطوراً تقول (ترجمة حرفية عن النص الوارد باللغة الروسية):

"دمشق وطن أجدادنا،

وعلى أراضيها أنا سيد.

وسأغزو مصر بسيفي...

وفي الفضاء الواسع سيسطع نجمي.

وبعد ذلك إن توجهت إلى مكة،

ستتقدم قواتي كالليل،

والتالية ستكون القدس، وأنا لا أتعب في الطريق،

وهناك سننصب عموداً مقدساً..."

ورغم وجود عدد غير قليل من العلماء والشعراء المشهورين في بغداد آنذاك، إلا أن أحد منهم لم يجروء على كتابة رد على رسالة تاغفور التهديدية. ولهذا كلف الخليفة الإمام قفال شاشي بكتابة رد على الرسالة. وكتب حضرة الإمام في رده على رسالة العدو سطوراً نارية، جاء فيها (ترجمة حرفية عن النص الوارد باللغة الروسية):

"نحن بالقوة طردناكم نحو روما،

مثل النعامة نزلتم إلى الطريق،

هربتم مثل النيص الملطخ بالدماء.

يقودنا نحوكم الأمام محمد (صلى الله عليه وسلم)!

واحتراماً للنبي، نحن لم نقضي عليكم،

ونحن نملك السرعة والقوة.

وأصبح ضرورياً، وأعلنا فتح أرض سورية، ومصر، والقيروان، والأندلس.

ونحن دائماً أقوى منكم، وألحقنا بكم الأضرار القاتلة.

جملة من المدن تحت الأنقاض.

وفي الإسكندرية كان النصر لنا،

وفي القدس الإنتصار كان لنا أيضاً!

ونحن استطعنا الإنتصار عليكم برجولة وشجاعة،

ومنذ القدم مشهورة معارفنا وعلومنا...

وشعركم الفاحش لا تقبله أرواحنا.

وشعرنا مثل اللؤلؤ، لطيف،

يسعد أسماع العاقل..."

وردت هذه المقاطع من الأبيات الشعرية، في "طاباقوتوش الشافعية"، باللغة الأوزبكية ترجمها المرحوم المعلم نادر خان بن علاء الدين.

ورغم أن تاغفور أراد بواسطة رسالته التهديدية في ذلك الوقت خفض معنويات المسلمين. إلا أن رسالة الإمام كفال شاشي الشعرية كانت رداً جديراً له، وضربة قاسية. والجدير بالذكر أنه حتى الكتاب والشعراء البيزنطيين اعترفوا بأننا: "نحن لم نعرف، أن لدى المسلمين شاعراً كهذا".

وعن هذا جرى الحديث بالتفصيل في كتاب الشيخ أبو أحمد محمد قاضي شاش، وهو تلميذ حجي أحرار والي بعنوان "سلسلة العارفين"، وأشار إلى أنه: "كان أبو بكر محمد بن علي قفال شاشي الكبير من العلماء المشهورين في كل الأوقات، وعاش بمدينة شاش (طشقند)، حيث ولد. وخلال رحلاته الكثيرة لأداء فريضة الحج، كان يتوقف في الطريق إلى هناك والعودة ببغداد، حيث حصل على القسم الأكبر من معارفه العلمية. وعندما توجه إلى بغداد مرة أخرى، وجد العلماء المحليين في ارتباك كبير. لأن حاكم روما، وجه للخليفة قصيدة باللغة العبرية تضمنت مطالبه: أن يكتبوا رداً لائقاً عليها، أو أن يدفعوا الضرائب في كل سنة، أو يستعدوا للحرب. وفي ذلك الوقت وبسبب عدم إمكانية محاربة روما وعدم كفاية الموارد لدفع الضرائب، كانوا مضطرين لكتابة رسالة جوابية. واجتمع كل العلماء وحكماء بغداد. ولكن الجميع لم يكنوا قادرين على كتابة رد لائق على القصيدة. وتحت إلحاح سفير روما بالإسراع بكتابة الرد. وصل إلى بغداد الشيخ قفال شاشي، وسرت شائعات عن وصول عالم موهوب من بلاد الترك. فأرسل الخليفة له شخصاً، قال له أن كتب رداً على القصيدة، فيمكن بالمقابل أن تطلب أي شيء ترغب به".

وجاء في المصادر التاريخية الكثير من المعلومات عن هذه الأمثلة الإيجابية، المتعلقة بحياة ونشاطات قفال شاشي. وكلها تؤكد على أنها يمكن أن تكون من كتابات مخطوطة وردت في مخطوطة مؤلف "انتخاب التواريخ" لسعيد معصوم خون أوغلي حجي محمد حكيم خان من سلالة مخدوم أعظم:

"وأشير في "مقامات" الشيخ أبو بكر قفال شاشي، إلى أن الشيخ قسم حياته إلى ثلاثة أقسام:

- عام زار فيه بلاد الروم من أجل الغزو. (في ذلك الوقت لم تكن في بلاد الروم أجزاءاً قد استحقت شرف الإسلام بعد.)

- وفي العام الآخر أدى فريضة الحج.

- وفي العام الثالث كان في ولايته يدعوا الشعب إلى عبادة الرب.

"ووفقاً للمعلومات الواردة عن ذلك العام، وعندما كان الشيخ يدعوا السكان لغزو روما، تحمل المؤمنون خسائر كبيرة، ووقع الشيخ إلى جانب الكثير من المسلمين أيضاً في الأسر. وعندما ساقوا الشيخ إلى حاكم روما، نظر إلى حضرته، وقال له:

"أنت لا تشبه سكان هذه المناطق. قل الحقيقة، من أين أنت ؟"

فأجاب حضرة الشيخ: "أنا من شاش".

فقال له الحاكم: "أأنت الذي كتب رداً على رسالتي باللغة العبرية ؟"،

فأجابه: "نعم هذا أنا".

فقال له الحاكم: "ترجم لنا التوراة إلى اللغة العربية، لأغفر لك كل خطاياك وخطايا كل المسلمين، وأمنحكم بسخاء".

فأجاب الشيخ: "حسناً، أنا موافق، ولكن لي شرط: أنا أترجم التوراة إلى اللغة العربية بالشكل الذي كانت مكتوبة فيه. لأن التوراة التي بين يديك تعرضت للتغيير".

غضب الحاكم وأخذ يهدد: "أنت، إن لم تفعل ذلك فسأعدمك مع كل المسلمين!"

فأجابه الشيخ: "افعل ما تريد! أنا لن أترجم إلى اللغة العربية أية توراة، غير تلك التي أنزلها الله!"

فاستشار الحاكم، رجال الدين والناس المحترمين في الولاية، وفي النهاية وافق وقال:

"حسناً، ترجمها إلى اللغة العربية، ولكن فيما يتعلق بالتعليقات على محمد، فسنتجاوزها!"

وعلى هذا الشكل، ومع الصلاة وطلب المساعدة من الله سبحانه وتعالى، بدأ الشيخ بترجمة التوراة إلى اللغة العربية. وخلال فترة قصيرة تمكن من إنجاز هذا العمل الهائل، وبعد إنهاء ترجمة النص إلى العربية... أهدى حاكم روما الحرية لكل أتباع الإسلام".

وأراد قفال شاشي، أن يعطي الفائدة بنكران ذات لسكان شاش، حيث ولد.

ومن متابعة قراءة ما كتبه المؤلف نقرأ:

"مع تحرير عشرات الألوف من الأسرى مثل حضرة إمام في استقبال الخليفة ببغداد، وباحترام كبير، قال له الخليفة: "أطلب ما تشاء"، فتحدث عن أن الأنهار في طشقند ردمت، وهي التي بقيت عن الحكام السابقين، وأن المدينة تعاني من شح المياه، وتقدم للخليفة برجاء أن يكتب مناشدة لحاكم الولاية، في حال إذا كان ذلك ممكناً، يأمر الخليفة فيها حاكم الولاية بترأس الأعمال لاستعادة مصادر المياه.

وكتب الخليفة المناشدة وأرفق بها 160 ألف تينغه من خزينة العباسيين، لإطعام الناس، الذين سيوصلون المياه. وعاد حضرة إمام وسلم الأموال والمناشدة لحاكم الولاية.

وكتب عن ذلك: حاكم الولاية حشد عدد كبير من الناس، وبقيادته حفروا الأنهار خلال أيام كثيرة، وبنو السدود، وفتحوا الطرق أمام المياه. وبالفعل فتحت الطريق أمام المياه إلى طشقند بفضل مساعي حضرة إمام".

وجاء في مؤلف "ملحق التصرف" أن:

"هذا الإنسان كان (عظيماً) , وإماماً لعصره، ولم يحتاج لحماية. فعنده إلى جانب التفسير والفتاوى الشهيرة، إبداعات أخرى. مثل "شواهد النبوة"، و"دليل القبلة"، وغيرها. وبالإضافة لكتب الإمام الغزالي، والإمام النووي، والإمام الرازي، التي ملأت أفكاره (من كتب هذه الشخصيات العظيمة). كان الوحيد في عصره الذي ألف تفسير الإمام أبو بكر قفال شاشي الواقع في عشرين جزء. وحدد فيه مبادئ كلمات القرآن الكريم".

وتوفي أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل قفال شاشي عام 366 للهجرة الموافق لعام 976 ميلادية في طشقند عن عمر بلغ 75 عاماً، ودفن في مقبرة بالقرب من قناة كويكوفوس.

* * * * *

طشقند 15/6/2017 بحث أعده: أ.د. محمد البخاري، دكتوراه في العلوم السياسية (DC)، تخصص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. ودكتوراه فلسفة في الأدب (PhD)، تخصص صحافة. بروفيسور، متقاعد. بتصرف عن المادة المنشورة في الرابط الإلكتروني Ziyonet.

للمزيد يمكن الإطلاع على:

الإمام قفال الشاشي. نشر بتاريخ 18/10/2016 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2016/10/blog-post_18.html

الإمام الكبير قفال الشاشي. المنشور يوم 10/11/2013 على الرابط: http://bukharimailru.blogspot.com/2013/11/blog-post_10.html


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق