الخميس، 13 أغسطس، 2009

75 عاماً على صدور العدد الأول من مجلة زفيزدا فاستوكا الأوزبكستانية


75 عاماً على صدور العدد الأول من مجلة زفيزدا فاستوكا الأوزبكستانية

حوار مع رئيس التحرير أليكسي أوستيمينكو
أ.د. محمد البخاري.
جمهورية أوزبكستان بسكانها الـ 26 مليون نسمة، تأتي بالمرتبة الثالثة بعد روسيا وأوكرانيا في رابطة الدول المستقلة. بالإضافة للميزة الهامة التي تتمتع بها القاعدة السكانية من ارتفاع مستوى التعليم المتوسط، الذي يبلغ مستواه 99,15 % وفق معطيات عام 1998، وهو ما يضعها في مقدمة الدول الأكثر نجاحاً في القضاء على الأمية بين مواطنيها في العالم.
وتضم التركيبة الديموغرافية للسكان في جمهورية أوزبكستان نحو 130 قومية، تصل نسبة الأوزبك بينهم لأكثر من 75 %، وإلى جانبهم أقليات من أصول: روسية، وأوكرانية، وبيلاروسية، وألمانية، وفارسية، وطاجيكية، وقازاقية، وتترية، وقره قلباقية، وقرغيزية، وتركمانية، وتركية، وأذربيجانية، وويغورية، وكورية، ويهودية، وأرمنية، وعربية. وهو ما تطلب من القيادة الأوزبكستانية وفي مقدمتها الرئيس إسلام كريموف منذ الأيام الأولى للاستقلال عام 1991 إتباع سياسة ثابتة وإستراتيجية خاصة لصهر هذه التركيبة السكانية في بوتقة الانتماء للدولة الواحدة.
وفي هذا تلعب وسائل الإعلام دوراً هاماً لصهر الانتماء للدولة الواحدة وتدعيم الشعور الوطني، ولهذا أنشأت القيادة الأوزبكية بعد الاستقلال صندوقاً اجتماعياً لدعم وتطوير وسائل الإعلام المستقلة في أوزبكستان، وتصدر في أوزبكستان اليوم أكثر من 1000 وسيلة إعلامية مطبوعة ومسموعة ومرئية وإلكترونية بعدة لغات ومن بينها مجلة "زفيزدا فاستوكا" التي تصدر باللغة الروسية منذ 75 عاماً، وتتمتع بشهرة واسعة في أوزبكستان وخارجها، ورغم أنها قامت بتغيير خطابها الأدبي أكثر من مرة، إلا أنها حافظت على الكثير من تقاليدها الأدبية.
وفي إحدى الأمسيات الأدبية التقيت صدفة بالصديق القديم رئيس تحرير المجلة، الأديب والصحفي المعروف أليكسي أوستيمينكو، وطبعاً بدأ الحديث كالمعتاد عن الأوضاع في سورية وأسباب فتور العلاقات بين البلدين منذ تسعينات القرن الماضي ومتى سيعود الدفء إليها كما كانت في السابق، وما تضمنه آخر عدد حمله البريد من مجلة المعرفة وهنا انتهزت الفرصة وطلبت منه أن يخص قراء المجلة بحديث عن مناسبة مرور 75 عاماً على صدور المجلة وحرصت من خلاله على الابتعاد عن المقابلة التقليدية من سؤال وجواب وتركت المجال له ليتحدث كما يريد.
وبدأ حديثه بقوله أنت تعلم أننا ومنذ زمن بعيد لم يطلب منا أحد التحدث عن هموم مجلتنا، ولم يعرنا منذ وقت طويل اهتمامه أحد، ولهذا أرجو أن تسمح لي بالخروج عن التواضع في حديثي معك اليوم، وأعتقد أن لهذا أسباب، لأن لقاءنا هذا يتوافق مع الذكرى السنوية الـ 75 لصدور العدد الأول من مجلتنا الأدبية "زفيزدا فاستوكا" التي بدأت شق طريقها الأدبي منذ عام 1932 باسم يناسب ذلك الوقت "الأدب السوفييتي لشعوب وسط آسيا".
وبعد المؤتمر الأول للكتاب السوفييت الذي عقد في موسكو عام 1935، جرى تغيير اسم المجلة إلى مجلة "أوزبكستان الأدبية"، ومن نهاية عام 1937 وحتى بداية الحرب العالمية الثانية صدرت تحت اسم مجلة "الآداب والفنون في أوزبكستان"، ومن عام 1946 بدأت بالصدور باسمها المعروف على نطاق واسع حتى الآن مجلة "زفيزدا فاستوكا" (نجمة الشرق)، والمجلة خلال تلك الفترة الطويلة غيرت خطابها الأدبي أكثر من مرة، وخصصت صفحاتها لاتجاهات الأدب "الواقعي الاشتراكي".
وسارت المجلة منذ أربعينات وخمسينات القرن الماضي على خط التقاليد التي فرضتها تلك المرحلة التاريخية، وعالجت مواضيع الإنتاج والتعاونيات الزراعية، ولا أخفيك أن مطالعة مواد تلك المرحلة اليوم شبه مستحيل ولو أن أرشيف المجلة لم يزل يحتفظ بها كاملة. لأن كل تركيبة أدبية تفرض من الخارج تحمل نعشاً غير مرئي يخيم على إنتاج كل الأدباء اللذين يتأقلمون مع ما تم فرضه من أفكار وأبدعوا من خلالها. وعندما تطالع أدب تلك المرحلة تشعر بنفسك وكأنك تمر عبر مقبرة أدبية، ومع ذلك تصادف خلال جولتك تلك قليل من الإبداع الأدبي رغم أن عدد كبير من الأدباء الحقيقيين نشروا على صفحات المجلة آنذاك إبداعات أقلامهم، وأصبحوا اليوم كلاسيكيي أنواع أدبية كانت معروفة في أوزبكستان وفي الأدب العالمي، ولو أن المجلة أكثر من مرة فتحت صفحة جديدة، مختلفة تماماً، وهادئة بدأ معها إزهارها الأدبي، ومن الأمثلة على ذلك أسماء مميزة رافقت تلك المرحلة ويحتاج كل منها حديث متميز خاص، ويحتاج لتخيل الخط الموازي غير المخفي الذي يروي قصة تاريخية بديعة عاشتها المجلة.
ونشرت صفحات المجلة آنذاك أفضل الأعمال الأدبية لكتاب أوزبكستانيين كبار أمثال: عبد الله قهار، وعادل يعقوب، ومير محسن، وسيرغي بورودينا، ويافدات إلياسوف. وتضمنت الكثير من أعداد "زفيزدا فاستوكا" خلال عام 1959 أعمال الكاتب السوفييتي كونستانتين سيمونوف، الذي أبعده خروشوف من موسكو، وعاش حينها في طشقند، ونشر فيها أكثر رواياته شهرة "أحياء وأموات"، ولم تكن الرواية الأولى التي تنشرها المجلة آنذاك في الاتحاد السوفييتي السابق. وأثار أحد أعداد مجلة "زفيزدا فاستوكا" الصادرة بعد زلزال طشقند عام 1966 صدى كبيراً في البلاد، لماذا لأن الكثير من الكتاب والشعراء المشهورين قرروا آنذاك إرسال أعمالهم الأدبية للنشر على صفحاته، وطلبوا تحويل مكافآتهم عن النشر إلى صندوق إعادة بناء مدينة طشقند وهو ما فعلوه. وكان العدد بالفعل رائع وكان من الصعب الحصول عليه وتضمنت صفحاته أعمالاً أدبية لأدباء معروفين آنذاك أمثال: فوزنيسينسكي، وأخمادولينا، ويفتشينكو، وبعد سنوات طويلة من الصمت نشرت المجلة أعمالاً أدبية لميخائيل بولغاكوف، وأوسيب مانديلشتام، وإسحق بابيل.
ووجهت يلينا سيرغييفنا بولغاكوفا، زوجة الكاتب ميخائيل بولغاكوف، رسالة خاصة إلى هيئة تحرير المجلة تعطي موافقتها على نشر عمل بولغاكوف "كتابات على أطراف أكمام القميص"، وما أن نشرت حتى سرعان ما فقدت نسخ المجلة من الأسواق بعد صدورها مباشرة. وبالفعل تم تحويل مكافأة النشر إلى صندوق إعادة إعمار مدينة طشقند المنكوبة. ولكن الذي حصل بعد ذلك أن أعفي رئيس تحرير المجلة آنذاك فياتشسلاف كوستير، من منصبه، وتم تحوله بهدوء إلى شخصية غير مرغوب بها، ولا أدري إن قال له أحد ما آنذاك شكراً أم لا...
ومن بين كتاب المجلة الدائمين آنذاك كانت تاتيانا سيرغييفنا يسينينا، ابنة الشاعر سرغيه يسينين، والناقد الأدبي أ. فوليس، الذي قام بأول محاولة لرد اعتبار رواية ميخائيل بولغاكوف "ماستر ومرغريتا". وبدأت المجلة بنشر روايات وقصص من مختلف الصنوف الأدبية والخيال الأدبي، لتحقق شهرة أصبحت تتعمق مع ما تنشره على صفحاتها بشكل دائم تقريباً، وبلغت قمة الشهرة خلال تسعينات القرن الماضي.
"زفيزدا فاستوكا" كانت أول من نشر الترجمة الروسية الكاملة للقرآن الكريم
ووصل عدد النسخ المطبوعة والمباعة فعلاً من المجلة إلى 150 ألف نسخة والسبب كان شروعها ولأول مرة في الاتحاد السوفييتي بنشر الترجمة الروسية الكاملة للقرآن الكريم، ونشر مواضيع معنوية، وفلسفية، وتاريخية، أخذتها من الأرشيف المغلق وأفردت مكاناً ملائماً لها على صفحاتها.
وهكذا فتحت المجلة جبهة عريضة على نفسها وأخذت تشق طريقها نحو الأدب الكبير، وأخذت تضيق على الأدب التقليدي السائد آنذاك. وبدأ غصن كبير بالنمو وحمل لها ثمار الشهرة وأخذت تتناقله الأوساط الأدبية بعيداً حتى خارج أوزبكستان. ورشحت في عام 1992 للحصول على جائزة بوكيروفسكي العالمية للأدب وكان مجرد ظهورها على قائمة الجائزة بمثابة اعتراف بشخصيتها الأدبية على المستوى الدولي، ولكن الذي حدث بعد ذلك أنها بدأت وبالتدريج تعاني من صعوبات مالية، وعلى سبيل المثال عددها الدوري والوحيد عن عام 2005 خرج من المطبعة في نيسان/أبريل عام 2006 وكان ذلك العدد ولفترة طويلة العدد الأخير. وجاءت بدايات عام 2006 بمحاولات لإنعاش المجلة، وبدأ اتحاد الكتاب بتجديد هيئة التحرير، وترأس مجلسها الاجتماعي شاعر الشعب الأوزبكستاني أليكساندر فاينبيرغ، ورغم ذلك لم تتمكن حتى اليوم من إصدار سوى ثلاث أعداد بقالب جديد، ولا أخفيك أن العمل جار لإصدار أعداد أخرى.
المجلة حصلت على منحة الصندوق الاجتماعي لدعم وتطوير وسائل الإعلام المستقلة في أوزبكستان
ورغم كل ذلك تتابع المجلة سيرها كما في السابق على جبهة عريضة من بين جميع المجلات الأدبية، وأصبح غلافها مثيراً أكثر من ذي قبل وسينشر عليه من الآن فصاعداً أعمالاً قيمة لفنانين تشكيليين من آسيا المركزية.
وبعد حصولنا على منحة الصندوق الاجتماعي لدعم وتطوير وسائل الإعلام المستقلة في أوزبكستان، أصبح بإمكاننا العمل على أحدث الوسائل التكنولوجية الإلكترونية، وخرجنا إلى الساحة الدولية عبر صفحتنا الإلكترونية في شبكة الإنترنيت، ورغم ذلك بقيت المسألة الاقتصادية، هي المسألة الأولى التي تواجه استمرار المجلة كما كانت عليه في السابق.
ونواجهه اليوم مشكلة تناقص أعداد المشتركين بالمجلة وهم الذين تحتاجهم المجلة كثيراً ونتمنى أن لا ينسوا العدد الخاص بمناسبة مرور 75 عاماً على صدور المجلة، كما لا نريد أن ينسانا الجميع لأننا نحتاج لمساندتهم. خاصة وأننا مجلة تصدر عن إتحاد الكتاب في جمهورية أوزبكستان ولكن ماذا يستطيع أن يفعل اتحاد الكتاب، ومشاكلنا مستمرة ولا تحلها الدفعات النقدية بين الفينة والأخرى. ويبقى القول الأول والأخير للقراء، وللمشتركين ولاشتراكاتهم المسبقة، وللمتبرعين المهتمين بصدور المجلة في مواعيدها أكثر من غيرهم، وبقدر ما يكون عددهم كبير بقدر ما سنتمتع بقوة توازي تلك التي تتمتع بها إصدارات أدبية أخرى، ونحن مستمرين حالياً دون دعم ولكننا بانتظار الدعم.
ومحفظة هيئة التحرير اليوم مليئة بمواد تتضمن قصصاً ومقالات أدبية وقصائد شعرية وكتابات في أدب الخيال والمغامرات، والقائمة تتضمن أسماء تهم القراء من بينهم: إيركين أغظاموف، وفلاديمير باغراموف، وفاليري غيرمانوف، وسراج الدين سعيد، وعثمان عظيم، وخير الدين سلطانوف، وسيرغيه سبيريخين، وفاديم موراتخانوف، وفيكتوريا أوسادتشينكو، وأولغا بوسلافسكايا، وتورسون علي، وأسطى علي، وشير علي توردييف، وأريادنا فاسيليفنا... وأتمنى أن لا ينسى مجلة "زفيزدا فاستوكا" الكاتب القره قلباقي الكبير توليببيرغين كايبيرغينوف.
وهناك أسماء من بين الذين غادروا وسط آسيا لأسباب مختلفة وبقيت إبداعاتهم مرتبطة بها دائماً، أمثال: صحبت أفلاطوني، الذي حاز على جائزة روسية عن مؤلفه "الرواية الطشقندية"، التي كتبها أثناء عمله في اليابان، وقال في إحدى المقابلات الصحفية التي أجريت معه: "بداية الوطن هي الغربة، وبداية الذاكرة هي الشوق والحنين". وهنا الشاعرية دقيقة مثل الرياضيات. وكلماته وضعت يدها على نقاط الألم والسعادة.
دار نشر روسية عرضت نشر مجموعة قصص لكتاب أوزبك
ومن خلال متابعاتي لما تنشره الصحافة المحلية أقرأ عن الاهتمام بالأدب الأوزبكستاني الآخذ بالارتفاع في الدول الأجنبية، وقرأت أخباراً عما نشرته الصحافة في المملكة العربية السعودية، والكويت، ومصر، وألمانيا، واليابان، وكوريا، وباكستان، وغيرها من الدول عن الآداب والفنون الأوزبكية خلال السنوات الأخيرة. وعرضت علينا احد دور النشر الكبيرة في موسكو نشر مجموعة لمؤلفات أفضل كتاب القصة الأوزبكستانيين باللغة الروسية. ونحن الآن وبالتعاون مع اتحاد الكتاب بجمهورية أوزبكستان عاكفين على التحضير لها. وسنحاول أن تكون المجموعة مثيرة وعلى مستوى أدبي رفيع. وعن هذا المستوى الرفيع أذكر أن أليكساندر أركاديفيتش فاينبيرغ طلب مني منذ مدة أن أقلل من نشر أشعاره وترجماته، ومع الأسف حالياً لا أستطيع أن ألبي طلبه ولو أني أفهم ما يسببه ذلك من إحراج لأحاسيسه المتواضعة، لأن اسم الشاعر الرائع فاينبيرغ، وكل قصيدة شعرية يكتبها هي هدية للمجلة، وهدية لقرائها. والإلهام الشعري بالنسبة لي مثله مثل أي أسلوب شعري يجب أن يتمتع دائماً بمستوى إبداعي رفيع. ومن السهل القول أننا نتخذ من الاسم الذي يحظى بالشهرة الأدبية قدوة على أمل أن يحذو الآخرون حذوه، لا أن يقفز بعض الكتاب من فوقه، وأن يفكروا بما يكتبونه اليوم وغداً.
وأنا لا أصدق أن الجيل الصاعد سيبقى بعيداً عن الأدب، ولا أصدق أنه سينسى الشعر وهناك شعراء شباب واعدون اليوم من بينهم: فيكتوريا أسادتشينكو، ولودميلا باكيروفا، ورستام موسرمان، وصاحب الشهرة المحدودة حالياً بهادر أحميدوف، ويجب الاهتمام بالمواهب المتوفرة دائماً، كي لا تبقى في خبر كان، ولا يجب كيل المديح لهم عبثاً بل كيل المديح لهم عندما يتمكنون من تقديم إبداعاتهم أولاً، ويقدموا مواهبهم وخبراتهم خلال سنين طويلة، وبعدها يمكن كيل المديح لهم بشكل مضاعف. وهذا أقل ما نستطيع فعله لهم. وأنا قرأ لكتاب شباب وسأقرأ على الدوام ما يكتبه جمشيد عبد اللاييف، وفاديم موراتخانوف، ويفغيني عبد اللاييف، بغض النظر عن المدرسة الأدبية التي ينتمون إليها.
وأعتقد أن هذا يكفي ولا أريد الإطالة بل إضافة تحية من الصميم لأسرة تحرير المعرفة السورية ولقرائها أينما كانوا. وشكراً.
طشقند في 15/10/2007

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق