الثلاثاء، 25 أغسطس، 2009

التبادل الإعلامي الدولي في ظروف العولمة

التبادل الإعلامي الدولي في ظروف العولمة
بقلم: أ.د. محمد البخاري: دكتوراه علوم DC في العلوم السياسية، تخصص: الثقافة السياسية والأيديولوجية، و القضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. دكتوراه فلسفة في الأدب PhD، تخصص: صحافة. بروفيسور قسم العلاقات الدولية والعلوم السياسية والقانون بمعهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية.
إذا كانت العولمة تحمل معنى جعل الشيء على مستوى عالمي، أي نقله من حيز المحدود إلى آفاق "اللامحدود" الذي يشمل العالم كله، فلابد أن يكون إطار الحركة والتعامل والتبادل والتفاعل على اختلاف الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعسكرية، متجاوزاً الحدود السياسية والجغرافية المعروفة لدول العالم، لتبدأ معها مرحلة جديدة من مراحل التطور الإنساني، تتصف بالهيمنة والتوسع الاقتصادي، والبحث عن الموارد الطبيعية، وفتح الأسواق الاستهلاكية العالمية. وشيوع "العولمة" سارع باستمرار التطور العلمي والتكنولوجي، أدى إلى تطور هائل لوسائل التبادل الإعلامي والاتصالات وجمع ونقل المعلومات الحديثة، ليتشكل معها تجديد في نمط وطبيعة الإنتاج والتفاعلات والتعاملات الدولية، ولتصبح الحاجة ماسة لتوحيد أسواق الدول الصناعية المتقدمة من خلال سوق عالمية واحدة، أي ضرورة تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية القومية المعروفة، وإعادة توزيع الدخل، والعمل على رفع المستوى المعيشي للإنسان في أي مكان ليمكن معه توسيع الأسواق التي تهيمن عليها الدول الصناعية المتقدمة، لتستوعب المنتجات الحديثة، أخذ معه بالتبلور "المجتمع الاستهلاكي الكبير"، ومعه شملت "العولمة" كافة مجالات الحياة السياسية والثقافية والعلمية والتبادل الإعلامي، وأجد النمو الاقتصادي الرأسمالي العالمي أسواق حرة، وأنظمة سياسية من شكل معين بدأت تفرض عن طريق الثورات المخملية لإدارة الحكم. ولتتعدد معها مراكز القوى الاقتصادية العالمية الحديثة، ومراكز القوى السياسية، لتحقق نوعاً من خاصاً من السلطة واللامركزية في الإدارة شكلاً.
ولكن إذا كانت "العولمة" أصلاً مرتبطة بسيادة نموذج اقتصاد السوق المفتوحة أمام الغير، فإن هذا النموذج بدوره لا يبرر أبداً اختفاء دور الدولة، بل كل ما هنالك خلق تغييرات محدودة لهذا الدور. لأن معظم من كتب في أهمية نظام السوق المفتوحة، كان يقرن ذلك دائماً بضرورة وجود دولة قوية، من دونها لا تستطيع أن تقوم السوق بدورها، ومن هنا فليس هناك مجالاً للحديث عن المحاولات الجارية لإلغاء أو تقليص دور الدولة هنا وهناك في الدول الأقل نمواً، بل على العكس أخذت طابع التأكيد على هذا الدور وأهميته وضرورته، مع تعديله بما يتماشى ونظام السوق المفتوحة، وعلى سبيل المثال الولايات المتحدة الأمريكية أكبر دولة رأسمالية في العالم، تتدخل في الحياة الاقتصادية، وتحدد شروط النشاطات الاقتصادية، والسياسات النقدية والمالية والتبادل التجاري، وتتدخل الدولة في الحياة الاقتصادية باعتبارها سلطة، وليس باعتبارها منتجاً. لأن سلطة الدولة لا غنى عنها ولا تتناقض مع تطور الحياة الاقتصادية. واقتصاد السوق المفتوحة لا يعني أبداً غياب الدولة عن النظام الاقتصادي والفرق بين النظام الليبرالي ونظام التخطيط المركزي، ليس في مبدأ "التدخل" ولكن في مضمونه، ففي ظل التخطيط المركزي تقوم الدولة بالإنتاج المباشر للسلع والخدمات، وتسيطر على النشاط الاقتصادي، عن طريق القطاع العام. أما في ظل اقتصاد السوق المفتوحة، فإن الدولة تترك الإنتاج المباشر للسلع والخدمات للأفراد والمشروعات الخاصة، أي تحقيق التكامل بين دور الدولة ودور القطاع الخاص، ويكون تدخلها في سير الحياة الاقتصادية، بوسائل أخرى أكثر فعالية، من حيث الكفاءة الإنتاجية وتحقيق العدالة الاجتماعية والمحافظة على مستويات نمو الناتج القومي. والقيام بتوفير الخدمات الأساسية في مجالات التعليم والصحة، والقضاء، والأمن، والدفاع، ومشروعات البنية الأساسية.
ومبدأ الحرية الاقتصادية والسوق المفتوحة لا يعني أبداً إهمال مبدأ العدالة الاجتماعية، فالبلاد التي أخذت بهذا المبدأ، هي في مقدمة بلاد العالم من حيث الاهتمام بالفقراء، وتحقيق العدالة في التوزيع، وتوفير شبكة الأمان لكل المواطنين، ضد المخاطر الاجتماعية بما فيها البطالة والعجز والشيخوخة، والأمراض الاجتماعية. ولأن العلاقة وثيقة بين الكفاءة في الأداء الاقتصادي وبين شروط العدالة. لأن الكفاءة تعني نمو الاقتصاد والناتج القومي بمعدلات عالية، مع ما يرافقه من تعاظم في طاقة النظام الاقتصادي وتوفير لفرص العمل المنتج لكل القادرين عليه، وهي من مقومات العدالة الاجتماعية. ويسمح للدولة بأداء دور جديد يؤهلها للتكيف مع المتغيرات العالمية الجديدة، دون انتقاص لسيادتها والمصالح الوطنية التي يجب أن تحافظ عليها، لأنه لا يجوز البقاء خارج ما يجري، بل على العكس يجب اللحاق بما يجري في العالم، والتعامل معه بوعي ووفق قواعد محددة تجنباً للبقاء خارج إطار التاريخ.
والنظام الاقتصادي الجديد جاء نتيجة لإنجازات كبرى في تاريخ تطور البشرية على كافة المستويات العلمية والثقافية والاقتصادية والتقنية والسياسية والفكرية، ويمثل نقطة جذرية مختلفة تماماً عن كل ما سبقتها من نظم، لأن الحضارة العالمية الحديثة قامت على أنقاض حضارات سبقت في القرون الوسطى وثقافاتها وهو ما يعيد للأذهان أهمية التراث المعنوي الذي زود الفكر البشري برؤية عقلانية تاريخية تنويرية، بتوجه يقوم على أسس من احترام الرأي والرأي الآخر، والتعددية، وحرية التعبير، وتكريس مبادئ حقوق الإنسان التي لا تعرف الحدود الجغرافية أو السياسية و تستثنى الدول الكبرى من الالتزام بها لأن تلك الدول كما هو واضح تحاول من خلال "العولمة" أن تفرض على الدول الأقل تقدماً واجب القيام بمزيد من خطوات التحديث الشامل الذي لا يمكن أن تكون دون الدور الفاعل للدولة من خلال عمليات الترشيد والأداء الاقتصادي، وتنظيم تفاعلات السوق الاجتماعية.
ومن هنا يبرز دور التبادل الإعلامي الدولي كوظيفة من وظائف الدبلوماسية الرسمية للدول لأن الدبلوماسية تعد من الوسائل الأساسية لتنفيذ السياسات الخارجية للدول. وهي من المهام الملقاة على وزارات الخارجية، من خلال مزاولتها للوظائف الدبلوماسية، عبر إداراتها المركزية، ومن خلال تزويد السفارات والقنصليات في الخارج بمستشارين أو ملحقين في الشؤون الإعلامية، والعسكرية، والاقتصادية، والثقافية، يشرف عليهم رئيس البعثة الدبلوماسية (السفير)، دون أن يفقدوا تبعيتهم للجهة الرسمية التي أوفدتهم في الدولة المعنية.
والعمل الدبلوماسي ينقسم عادة إلى: الدبلوماسية التقليدية؛ ودبلوماسية المؤتمرات: وهي الدبلوماسية الجماعية؛ والدبلوماسية البرلمانية: وهي دبلوماسية المنظمات الإقليمية والدولية؛ ودبلوماسية القمة؛ والدبلوماسية الشعبية: والتي تدخل ضمنها: العلاقات العامة الدولية، والدبلوماسية الإعلامية، ودبلوماسية المنظمات المهنية والشعبية والمؤسسات العلمية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، من خلال الاتصالات التي تجريها مع مثيلاتها في مختلف دول العالم. وتسعى الدبلوماسية الشعبية دائماً لخدمة أهداف الدولة وأهداف سياستيها الداخلية والخارجية.
ونستنتج مما ذكر أن العمل الدبلوماسي هو وسيلة هامة لتنفيذ السياسة الخارجية للدولة، وإدارة علاقاتها الدولية من خلال التفاوض، وتعرف بفن التفاوض من أجل تحقيق الحد الأقصى للأهداف بالحد الأدنى من النفقات، لحل مشاكل النظم السياسية أو الاقتصادية التي يمكن أن تؤدي إلى نشوء نزاع. ولو افترضنا بأنه هناك دبلوماسية إعلامية بحد ذاتها، فإننا نستطيع القول بأن تطور وظيفة العمل الدبلوماسي جعلت الدبلوماسي يقوم بمهام إعلامية من خلال إلقاءه للبيانات، وإطلاق التصريحات، ونشر الأخبار، وإجراء الاتصالات، وإقامة علاقات مع صانعي القرار السياسي، ومع الصفوة الاجتماعية وقادة الرأي. خاصة وأن عملية الاتصال بالجماهير أصبحت اليوم من المهام المرتبطة بالعمل الدبلوماسي، وأصبحنا نرى أن العمل الدبلوماسي بات مرتبطاً بالعمل الإعلامي، وهو ما يفسر أسباب أن تعتبر بعض فروع العلوم السياسية: التبادل الإعلامي، والعلاقات العامة الدولية من فروعها الدراسية التي يتحتم على الطالب دراستها، بعد أن أخذت مظاهر العمل الدبلوماسي خلال القرن العشرين تتخذ منحى رغبة الدول في نشر ثقافة الدولة التي يمثلها الدبلوماسي المعني، بالإضافة لممارسته لوظيفة التبادل الإعلامي الدولي.
و بعد التطور الكبير الذي شمل مهام عمل البعثات الدبلوماسية المعتمدة منذ القرن العشرين وتزويدها بمستشارين وملحقين سياسيين وثقافيين وتجاريين وعسكريين وغيرهم، تمشياً مع وزن الدول التي يمثلونها، وازدياد الرغبة بزيادة عدد أعضاء البعثة الدبلوماسية العاملة في الخارج بمختلف التخصصات لرعاية مصالح تلك الدول في الدول المعتمدة فيها، وتنفيذ المهام المطلوبة منها ضمن إطار تفاعلات السياسات الخارجية، بدأت بعض الدول بتعيين مستشارين وملحقين إعلاميين، ضمن بعثاتها الدبلوماسية المعتمدة في الخارج. ونرى أن المستشارين والملحقين الإعلاميين، أصبحوا يمارسون وظيفة التبادل الإعلامي الدولي من خلال الاتصال بالجماعات المؤثرة في الدول المعتمدين لديها، كالمسؤولين في الدولة، وأعضاء البرلمان، وقادة الأحزاب السياسية، وقادة الجماعات المؤثرة في المجتمع، وقادة الرأي وغيرهم من القوى المؤثرة على صناعة القرار السياسي بشكل عام. بالإضافة لممارستهم لوظيفة الاتصال بالجماهير العريضة من خلال وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية، عن طريق كتابة المقالات ومتابعة والرد على ما تنشره وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية، وإلقاء المحاضرات، وعقد المؤتمرات الصحفية، والمشاركة في البرامج التلفزيونية والإذاعية، وإصدار النشرات والمطبوعات، وإقامة المعارض الإعلامية والاقتصادية، والأسابيع الثقافية والفنية والسياحية، وتشجيع السياحة، وتبادل الوفود الإطلاعية … الخ. في نفس الوقت الذي يخطرون فيه دولهم بأوجه نشاطاتهم الإعلامية، وعن تطور الإعلام المضاد واقتراح الطرق لمواجهته، وعن الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومواقف الرأي العام الرسمي والشعبي في الدولة المعتمدين لديها وغيرها من القضايا التي تهم دولهم. ولكن من الملاحظ أن الدول المستقلة حديثاً، والدول الأقل تطوراً، والدول النامية والفقيرة تعاني من انخفاض في مستوى كفاءة مستشاريها وملحقيها الإعلاميين، ومن اختيارهم في أكثر الأحيان انطلاقاً من اعتبارات أخرى خاصة بتلك الدول، خارجة عن إطار الكفاءة المطلوبة للوظيفة التي اختيروا من أجلها. ولهذا نعتقد بأن تلك الدول بحاجة دائماً لتطوير أجهزتها وكوادرها الإعلامية لتتماشى مع احتياجات العمل المطلوب في عصر تكنولوجيا الإعلام والاتصال الجماهيري المتطورة، وفي هذا المجال يمكن أن تسهم المنظمات الدولية والدول المتقدمة في العالم، بتقديم المساعدة لتلك الدول للولوج في عملية حوار الثقافات والحضارات العالمية.
ومن بين الدول الحديثة التي عملت على تدعيم بعثاتها الدبلوماسية المعتمدة في الخارج، بالملحقين الإعلاميين، جمهورية أوزبكستان، وأحدثت بعد استقلالها عام 1991وكالة أنباء "جهان" وأتبعتها لوزارة الخارجية، ويتبع لها الملحقون الإعلاميون، ويتلقون تعليماتهم منها، ويخضعون في الوقت نفسه لإشراف رؤساء البعثات الدبلوماسية الأوزبكستانية في الدول المعتمدين لديها، ويرسلون تقاريرهم الإعلامية إليها، عن أوجه نشاطاتهم الإعلامية، وتطور الرأي العام في الدول المعتمدين لديها، في القضايا التي تهم أوزبكستان، وينشر بعضها عبر وسائل الإعلام الجماهيرية الأوزبكستانية. ومن الخبرة العالمية لوظيفة المستشار أو الملحق الصحفي في البعثات الدبلوماسية المعتمدة في الخارج للولايات المتحدة الأمريكية، والتابعين لوحدة خدمات الإعلام الأمريكية، التابعة لوكالة الاستعلامات الأمريكية، يخضعون لإشراف رؤساء البعثات الدبلوماسية للولايات المتحدة الأمريكية المعتمدة في الخارج، ويشرفون على مراكز الإعلام التي تتوفر فيها المواد الإعلامية عن الولايات المتحدة الأمريكية اللازمة للإطلاع عليها في الدول الأجنبية. والخبرة البريطانية التي يتبع ضباط الإعلام في البعثات الدبلوماسية المعتمدة في الخارج لوزارة الشؤون الخارجية والكومنولث، ويركزون في عملهم على إقامة علاقات شخصية مع كبار المحررين والصحفيين وغيرهم من رجال الإعلام. ويمدهم بالمواد الإعلامية المكتب المركزي للإعلام في لندن وهو مؤسسة مهنية تتولى تزويد الإدارات الحكومية في داخل بريطانيا وخارجها بالمواد الإعلامية.
وفي الختام أرى أن وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية العالمية قد عززت وجودها فعلاً على ساحة عمل الدبلوماسية الشعبية التي تعمل إلى جانب الدبلوماسية الرسمية لتنفيذ المهام المنوطة بها ضمن السياسات الخارجية للدول الكبرى والصغرى على حد سواء في عصر "العولمة" والانفتاح الاقتصادي وأصبح لها دوراً لا يستهان به في إطار التبادل الإعلامي الدولي والعلاقات الدولية المعاصرة، في الوقت الذي لم تزل فيه أكثر الدول النامية بحاجة لاستثمار مقدرات تفتقر لها وخبرات متقدمة تمارس في هذا المجال الهام.
طشقند في 15/5/2008

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق