السبت، 5 سبتمبر 2009

الأمن الإعلامي وهموم المجتمع المعلوماتي في عصر العولمة 2 من 2

أ.د. محمد البخاري
الأمن الإعلامي وهموم المجتمع المعلوماتي في عصر العولمة 2 من 2
ضرورة وضع ضوابط وخطط شاملة للانتقال إلى المجتمع المعلوماتي: وهو الوضع الذي يفرض في الظروف الحالية على الأقل، على تلك الدول ضرورة الإسراع في وضع خطط شاملة تنطلق من أسس موضوعية وواقعية وموجهة في إطار برامج ومشاريع التنمية الشاملة لإنشاء بنية تحتية إعلامية جماهيرية وطنية تعتمد على برامج التعاون الإقليمي والدولي في هذا المجال الهام. وتوجيه تلك البرامج والمشاريع لخدمة وتطوير البحث العلمي وتأمين توزيع الموارد المعلوماتية توزيعاً سليماً وحمايتها، بما يكفل الوصول إلى المستوى العالمي المطلوب للخدمات المعلوماتية عبر الشبكات الإلكترونية في كل المجالات العلمية والتعليمية والثقافية والطبية والاقتصادية والمواصلات وغيرها من المجالات الهامة لمشاريع التنمية، والاقتصاد الوطني بشكل عام.
وضرورة إقامة نظام متكامل للموارد المعلوماتية الوطنية والدولية وتوزيعها، تعني إقامة شبكات اتصال إلكترونية عن بعد، تعتمد على الحاسبات الآلية الشخصية، تستخدم مقاييس معينة متفق عليها لإدخال واسترجاع المعلومات بشكل مدروس وممنهج، وإعادة توزيع تلك المعلومات على المستخدمين محلياً وإقليمياً وعالمياً. ومشروع كهذا على ما نعتقد يمكن أن يبدأ في إطار شبكة المؤسسات الحكومية التي يمكن أن تتكامل مع شبكات الموارد الإعلامية وبنوك المعلومات الأخرى الكبرى داخل الدولة، وداخل دول الجوار الإقليمي، والشبكات العالمية، آخذين بعين الاعتبار مصالح الأمن القومي والمصالح العليا للدولة في إطار هذا التكامل، والذي يمكن أن يأخذ الشكل التالي: شبكات المعلومات الإلكترونية المرتبطة بوزارة الإعلام والمؤسسات الإعلامية الأخرى، أي المشروع الوطني لبنوك المعلومات؛ شبكات المعلومات الإلكترونية العلمية للمكتبات ومراكز المعلومات لمؤسسات التعليم المتوسط والعالي ومراكز البحث العلمي. والتي بدورها يمكن أن تتكامل مع شبكات المعلومات الإلكترونية الإقليمية والدولية. والإنفاق على مثل تلك الشبكات يمكن توفيره من خلال التعاون المشترك وتضافر الإسهامات المالية المحلية والإقليمية والدولية للمعنيين بتنظيم تراكم ومعالجة وتداول تلك المعلومات.
والأهم من كل ذلك أن يتم تنظيم البنية التحتية الأساسية للموارد المعلوماتية العلمية الوطنية، وتنظيم تكاملها الشبكي مع الموارد المعلوماتية الإقليمية والدولية من خلال قاعدة قانونية يتم الإعداد لها بشكل دقيق وتشمل حمايتها عن طريق وضع: الضوابط القانونية لحماية الملكية الخاصة، وحقوق الملكية الفكرية المشتركة، التي تصبح في ظلها أية مادة إعلامية أو أي مصنف معلوماتي إلكتروني في الظروف التقنية الحديثة سهل السحب والنسخ؛ والوضع القانوني للإصدارات الإعلامية الإلكترونية ونشرها؛ والضوابط القانونية لضمان عدم مخالفة مضمون المصنفات الإعلامية الإلكترونية للقوانين النافذة؛ والوضع القانوني للقائمين على تقديم وتقييم الخدمات الإعلامية عبر شبكات المعلومات الإلكترونية المسموعة والمرئية؛ والأوضاع القانونية والمالية لموزعي المعلومات، وخاصة المؤسسات الممولة من ميزانية الدولة وغيرها من المؤسسات؛ وفاعلية الرقابة على تنفيذ مشاريع تنظيم البنية التحتية للموارد المعلوماتية العلمية الوطنية، وتكاملها الشبكي الإقليمي والدولي؛ وضوابط الوصول للمعلومات الإلكترونية عن نتائج الأبحاث العلمية الوطنية، وشروط الاستفادة من تلك النتائج خدمة للأوساط العلمية المحلية والإقليمية والدولية في إطار التبادل الإعلامي الدولي المتكافئ.
إضافة إلى ضرورة وضع الأدلة (الفهارس) الإلكترونية والمطبوعة، ووضع أسس لنشرها في وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد الإلكترونية والتقليدية على السواء وتوزيعها، لضمان تسهيل عمليات الوصول للموارد المعلوماتية العلمية المحكمة عبر البنى التحتية للموارد الإعلامية الوطنية، وعبر شبكات المعلومات الدولية بما فيها شبكة الانترنيت العالمية. لأنه دون التعريف بعناوين وطرق الوصول لتلك الموارد الإعلامية العلمية المحكمة لا يمكن الاستفادة منها ومن الكم الهائل من المعلومات المتوفرة حتى الآن في شبكات المعلومات الإلكترونية الوطنية والإقليمية والدولية بشكل كامل.
تطوير البنى التحتية اللازمة للمجتمع المعلوماتي رهن بالسياسات الحكومية: ولا أحد ينكر أن تطور البنى التحتية المعلوماتية الإلكترونية يحتاج إلى موارد مادية هائلة، وأنها تعتبر من مهام بناء المجتمع المعلوماتي الذي يعتبر بدوره جزءاً لا يتجزأ من حضارة القرن الحادي والعشرين، وهي رهن بالسياسات الحكومية الرسمية، وأن عملية بناء المجتمع المعلوماتي هي عملية متكاملة، تحتاج لتكثيف جهود الجميع، ومختلف الاتجاهات العلمية، آخذين بعين الاعتبار كل التخصصات العلمية، ومصطلحاتها ومشاكلها الناشئة نتيجة لدخولها عصر المجتمع المعلوماتي. ولا بد من دراسة المشاكل الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية، وتأثيرها الناتج عن الانتشار الواسع والسريع للمعلومات وتكنولوجيا الاتصال عن بعد المتقدمة، والقيام بمجموعة من الأبحاث العلمية النظرية والتطبيقية، دعماً للجهود المتواصلة لخلق الظروف المواتية للانتقال إلى المجتمع المعلوماتي سمة القرن الحادي والعشرين.
لأن عالم اليوم يعيش ثورة معلوماتية حقيقية، طغت على حياة الناس وغيرت من طبيعة حياتهم اليومية بشكل جذري، وبدلت من تطلعاتهم، وخصائص تشكلهم داخل شرائح اجتماعية في المجتمع المحلي، حتى أنها كادت تمس علاقة الفرد بذاته.
وعلى العكس من الثورات التكنولوجية السابقة التي انطلقت من المادة والطاقة، فإن هذه التغييرات الجذرية الجديدة التي نعيشها اليوم وتعرضت لمفاهيمنا عن الزمان، والمكان، والأفق، والمسافة، والمعرفة، أخذت تشكل في جوهرها اليوم ثورة معلوماتية ناتجة عن التطور الهائل لتكنولوجيا المعلومات ووسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال المتنوعة، التي توصلت إليها عبقرية الإنسان خلال القرن العشرين.
ورغم عدم كفاية واكتمال الدراسات العلمية التي تناولت مرحلة الثورة المعلوماتية التي تمر بها البشرية في الوقت الحاضر، فإننا نلمس من حيث الجوهر أنها قربت لنا مفاهيم الثورة المعلوماتية التي أضحت أكثر فهماً ووضوحاً من ذي قبل.
العولمة والتكنولوجيا والمجتمع المعلوماتي: ومع حلول عصر العولمة بتداعياتها العلمية، والتعليمية، والإعلامية، والاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والثقافية، والصحية، برزت على الساحة آراء مختلفة تتباين في تقديرها لمدى تأثير تلك العولمة، وخاصة الاقتصادية منها على تطور بعض الدول وعلى الحضارة الإنسانية بشكل عام. لأن العولمة كانت نتاجاً واقعياً لتطور وسائل وتقنيات وتكنولوجيا المعلومات والإعلام الجماهيري والاتصال والاستشعار عن بعد، ووسائل نقل وتخزين والتعامل مع المعلومات واسترجاعها. الأمر الذي سمح في الوقت ذاته بإحداث نقلة نوعية وتغيير في الأدوار التي أصبحت تؤديها وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية في المجتمع بعد حلول عصر العولمة المعلوماتية، وانتقالها من دور تقديم الخدمات الإعلامية للمجتمع، إلى دور المشارك الفعال في الشبكة الكثيفة متعددة الأطراف التي تشبه اليوم إلى حد ما نسيج خيوط العنكبوت، يتصل من خلالها ويتفاعل مع غيره عبر اتصال كثيف وتبادل معلوماتي مباشر، ملايين البشر على الكرة الأرضية، دون عوائق أو قيود تذكر، في مجتمع أصبح يطلق عليه تسمية "المجتمع المعلوماتي" المتشابك بواسطة شبكات كثيفة من الحاسبات الإلكترونية الشخصية المنتشرة في كل أرجاء العالم النامي والمتقدم.
وصناعة وتطوير وانتشار واستخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال عن بعد والإعلام الجماهيري، كأي تكنولوجيا أخرى توصلت إليها عبقرية الإنسان، مرتبطة بالمواقف والقرارات السياسية السليمة التي تأتي دون تأخير في الوقت المناسب، والمبنية على التقديرات الاقتصادية والمصالح الإستراتيجية والأمنية الوطنية العليا.
وتكنولوجيا المعلومات والإعلام الجماهيري والاتصال عن بعد كغيرها انطلقت من فكرة رفع الطاقة الإنتاجية للإنسان وتحسين أداؤه في بعض المواقع المحددة، وهو ما سبب ظهور بعض الإخفاقات التي واجهتها تكنولوجيا المعلومات والاتصال عن بعد، بسبب أخذها بعين الاعتبار النواحي التقنية فقط، وإهمالها للنواحي الاجتماعية الناشئة عن استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال عن بعد والإعلام الجماهيري بشكل عام. ذلك لأنها تشكل معاً نهايات ثلاثية الأبعاد في المجتمع المعلوماتي، بحيث تكون مقبولة، ومدعومة اجتماعياً، وتلبي حاجة أفراد المجتمع دون تفريق.
وفي ظل المجتمع المعلوماتي يجب أن تكون تلك الثلاثية الأرضية التي ينطلق منها لتحقيق تطور هادف في وعي وحياة الإنسان، وتدعم مواقف جميع الشرائح الاجتماعية بكل اتجاهاتها مما يزيد من لحمتها، وإسهامها في تطوير المجتمع المعلوماتي بحد ذاته.
وتكنولوجيا الاتصال والإعلام الجماهيري تنتشر اليوم من الدول المتطورة وتنتقل منها إلى الدول الأقل حظاً والدول النامية، حاملة معها ثقافات جديدة، تختلف كثيراً عن تلك الثقافة التي ولدت في إطارها تلك التكنولوجيا. وتحمل في طياتها ثقافة تعميم آليات ونظم الحاسب الآلي المعقدة والمتنوعة لتلك النظم صعبة الفهم.
وفي أكثر الحالات نرى أن تلك الدول تتهيب من الخطر الناتج عن حتمية التأثير على حياة الأفراد والمجتمعات، وهو التأثير الذي يصعب فهمه وقبوله في بعض الحالات. ومن أجل تجنب الجمود في المجتمع المعلوماتي، كان لا بد من الوصول إلى تصور واضح ودقيق عن التأثيرات الناتجة عن دخول تكنولوجيا الاتصال عن بعد والإعلام الجماهيري المتطورة إلى الحياة الاجتماعية اليومية، ومنها نتائج الصدمة التكنولوجية وما يرافقها من تخريب في السلوك والآداب والأخلاق العامة، وفقدان فرص العمل في بعض التخصصات التقليدية، إضافة لشيوع جرائم الحاسب الآلي وغيرها، من تلك التي تهدد الأمن الإعلامي الوطني والدولي.
حتمية الثورة الاتصالية والمعلوماتية في ظل العولمة: ومع ذلك فإن الثورة الاتصالية والمعلوماتية التي تعمل على تغيير ملامح العالم بسرعة هائلة، وحتمية تلك التغييرات تجعلها في وضع ملزم ولا مفر منه. وكل يوم تزداد سرعة التغييرات تلك التي تمس معالم الحياة البشرية بشكل دائم ومتصاعد. ولكن تختلف النتائج الاقتصادية لتلك التغييرات من حيث الجوهر، لأنها تجلب معها فوائد ليست أقل أهمية وفاعلية ومؤثرة على القيم الإنسانية، من فوائد الثورات الإنسانية السابقة في مختلف دول العالم، ومن بينها الدول الأقل نمواً والدول النامية.
ومن ظواهر التفوق المعلوماتي اليوم للدول المتقدمة، أن الإنسان أصبح يتفاعل مع الثورة المعلوماتية والاتصالية والإعلامية الجماهيرية بالمقارنة مع غيرها من الثورات الإنسانية السابقة في دول العالم، بأشكال أصبحت تطال المجتمع الإنساني بأسره. وأصبح مصطلح "المعلوماتية" اليوم يملك وقعاً سحرياً بالفعل، بعد أن أصبحت تكنولوجيا المعلومات والاتصال عن بعد والإعلام الجماهيرية الحديثة اليوم القوة المحركة الحقيقية والمتحكمة بالاقتصاد العالمي والتقدم التكنولوجي في العالم بأسره، وأصبحت مصدراً هاماً لمضاعفة المعارف والقيم المستحدثة والجديدة لدى الإنسان، خاصة بعد توسع وانتشار مجالات استخدام المنجزات العلمية والتكنولوجية للقرن العشرين.
وللحكم على مدى تشكل المجتمع المعلوماتي في أية دولة من دول العالم، لابد من إلقاء نظرة فاحصة تشمل واقع وآفاق تطور وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال التقليدية في تلك الدول، على ضوء استيعابها لتكنولوجيا المعلومات ووسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد المتطورة، وعلى آفاق تطور البنية التحتية لتلك الوسائل في العالم. والنظر كذلك إلى مستوى التعليم العام والمتخصص والقاعدة القانونية التي تستند عليها عملية التطور المعلوماتي في تلك الدول بشكل عام. ومدى إمكانية الوصول إلى مصادر المعلومات المتاحة، المحلية والإقليمية والدولية من خلال شبكات الاتصال عن بعد الإلكترونية وخاصة شبكة الانترنيت العالمية. ودراسة مضمون ومدى تأثير الموارد المعلوماتية المفتوحة تلك على علاقات الإنتاج، والنشاطات الإنسانية والعلمية والتجارية والاقتصادية، والأهم من كل ذلك مدى تلبية تلك الوسائل للحاجات الأساسية للمواطن وللمجتمع بكل شرائحه.
لأن الإنسان في المجتمع المعلوماتي يقف وجهاً لوجه أمام فضاء إعلامي واحد متنوع ومفتوح، تعتبر فيه وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد التقليدية من أهم وسائل التفاعل بين المواطن والسلطة، بفروعها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية. لأنها تساعد في تأكيد شفافية عمل تلك السلطات، وعلنية التفاعلات السياسية في المجتمع.
أما تقنيات الاتصال عن بعد الحديثة في ظل "العولمة" والمجتمع المعلوماتي فقد أضافت عنصراً جديداً هو إمكانية الحوار الدولي المستمر الذي انبثق عنه "مجتمع الأربع والعشرين ساعة" (twenty-for-hour-society)، ذلك المجتمع الذي يعمل على مدار الساعة دون توقف، مضيفاً إمكانيات هائلة جديدة، منها على سبيل المثال: تكامل الدورة المعلوماتية المالية الاقتصادية التي أصبحت تعمل دون توقف أيضاً، بحيث تبدأ في آن معاً من أية نقطة في العالم وتعود إليها من جديد ودون توقف، مما فرض على العاملين في المجالات الاقتصادية والمالية والمعلوماتية، ضرورة إعادة النظر في جداول أعمالهم بما يتلاءم مع هذه الدورة الاقتصادية المعلوماتية. ومجتمع الأربع والعشرين ساعة هذا أصبح يمس اليوم كل نواحي الحياة الاجتماعية دون استثناء، ومنها وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد التقليدية التي أصبحت تملك قنوات جديدة للحصول على المعلومات ونشرها تفوق القدرات التقليدية المعروفة لقنوات الاتصال عن بعد.
تطور تكنولوجيا ووسائل الاتصال كقاعدة أساسية لتطور المجتمع المعلوماتي: ومن نظرة سريعة في تاريخ تطور الوسائل التقنية والتكنولوجية التي أخذت تحدد موقعها كقاعدة أساسية لتطور المجتمع المعلوماتي التي تعتبر من الأسس التي يجب أن يتطور على قاعدتها المجتمع المعلوماتي. لابد من استعراض مراحل تطور وسائل وتقنيات وبرامج الحاسب الآلي، التي جاءت في المرحلة الأولى عندما صنع "و. بيرو" في عام 1888 أول آلة حاسبة قادرة على جمع أرقام كبيرة في ذلك الوقت. وخلال عامين فقط استطاع "غ. هولريت" بناء آلة تعتمد على استخدام البطاقات المثقوبة. وفي عام 1906، اخترعت مؤسسة "بيلا"، أول جهاز تلفون وحصلت على براءة لاختراعها، وقامت بعد ذلك بتصميم وصنع "منظم" مهمته حفظ النبضات الكهربائية في سلسلة متصلة مستمرة إلى أن يستطيع جهاز التشغيل من القيام باتصال ثابت. وفي عام 1925، قام "بوش" بصنع أول حاسب إلكتروني معروف، وخلال 12 سنة من ذلك التاريخ صنع جهاز "التحليل الحسابي" الذي يقوم بإجراء عمليات حسابية. وفي الفترة الممتدة ما بين عامي 1937- 1942 أعد "أتاناسوف" وصنع أول حاسب آلي، ولكنه لم يستطع تسجيل براءة اختراعه آنذاك لرفض شركة IBM تسجيله وبقي هو واختراعه مجهولاً. وفي عام 1944 صنع "إيكين" من جامعة هارفارد في الولايات المتحدة الأمريكية "حاسب إلكتروني أوتوماتيكي بإدارة مستمرة" (digital computer) يبلغ وزنه 4,5 طن وأطلق عليه اسم “MARK 1”. وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية تمكن العالمان "إيكرت"، و"موكلي" من جامعة بنسلفانيا من صنع أول حاسب إلكتروني أطلق عليه اسم: (Electronic Numerical Integrator and Computer “ENIAC”).
وفي عام 1946 توصل "فون نيمان" لنظام لإدارة أنظمة آلات الحساب الثنائية، وأعد مبدأً لإدخال المعلومات وحفظها آلياً، مع حفظ أوامر التشغيل. وفي عام 1951 تم صنع أول حاسب إلكتروني تجاري في العالم UNIVAC، الذي اشترى أول جهازين منه مكتب تعداد السكان في الولايات المتحدة الأمريكية، وشركة "جنراك إليكتريك". وفي نفس الوقت تقريباً قام المهندس الألماني "تسوزي" ولأول مرة في تاريخ تكنولوجيا الحاسبات الإلكترونية بصنع جهاز يتضمن برنامج مستمر لحساب الأرقام “Z 3”. وحتى بداية ستينات القرن العشرين تم وضع الأسس النظرية لنظام "الكيبيرنيتيكا". وبعدها فقط بدأ العلماء والمفكرون، بالتنبه ولأول مرة إلى النواحي الفلسفية للعلم الجديد "الكيبيرنيتيكا" وما يترتب عنها من نتائج أخلاقية واجتماعية على الإنسانية. وفي عام 1971 ظهر أول حاسب إلكتروني صغير الحجم، تبعه في عام 1974 ظهور أول حاسب آلي للاستخدام الشخصي في الأسواق التجارية.
وحتى عام 1960 بلغ عدد الحاسبات الإلكترونية المستخدمة في العالم حوالي السبعة آلاف جهاز. ولكن المنعطف التاريخي الكبير في استخدام الحاسبات الإلكترونية حدث في عام 1993 عندما تجاوز وللمرة الأولى حجم إنتاج الحاسبات الإلكترونية الشخصية، حجم إنتاج السيارات الخفيفة حيث بلغ 35,4 جهازاً. وبعد عام واحد ارتفع حجم الإنتاج بمعدل 27 % ووصل إلى 48 مليون جهازاً، وحتى عام 1995 ارتفع مرة أخرى بمعدل 25 % ووصل إلى 60 مليون جهازاً تقريباً. وأصبحت أجهزة الحاسب الإلكترونية الشخصية اليوم في بعض الدول كالولايات المتحدة الأمريكية تنتج وتباع أكثر من أجهزة الاستقبال التلفزيونية وهو ما يؤكد ظاهرة انتشار أجهزة الحاسبات الإلكترونية شعبياً في الدول المتطورة.
من الحاسب الإلكتروني الشخصي إلى شبكات الاتصال المفتوحة: ومع ارتفاع نسبة إنتاج وانتشار أجهزة الحاسبات الإلكترونية للاستخدام الشخصي، بدأ التفكير يتجه نحو الانتقال من المجتمع الصناعي إلى المجتمع المعلوماتي. وكانت أجهزة الحاسب الإلكتروني حينها تعمل بمعزل عن بعضها البعض، وتطلب الأمر التفكير في الوسائل التي تمكن تلك الأجهزة من العمل مع بعضها البعض في شبكة واحدة، لتحقيق عنصر التفاعل المعلوماتي بين المعلومات المخزونة في تلك الشبكة، ومن هنا انطلقت الحاجة إلى توحيد نظم تلك المعلومات لتحقيق مبدأ التفاعل الفعلي بين المعلومات المختزنة والقائمين بعملية الاتصال عن بعد، والحاجة إلى توظيف البنية التحتية للاتصالات المسموعة والمرئية التقليدية لخدمتها جنباً إلى جنب مع خطوات تطوير تلك البنى التحتية لتلبي متطلبات التكنولوجيا المتطورة. وبهذا تم الوصول لقاعدة مكنت المجتمع الإنساني من الانتقال النوعي من المجتمع الزراعي الصناعي المتطور إلى المجتمع المعلوماتي سمة عصر العولمة.
وحدث هذا التطور خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين حيث جرت تغييرات جوهرية في تكنولوجيا الحاسبات الإلكترونية، بدلت النظرة السائدة من استخدامها. بحيث أصبحت نظم الحاسبات الإلكترونية حتى عام 1994 مفتوحة على بعضها البعض، وأصبحت نظم إدارة المعلومات، ونظم معالجة النصوص، ونظم إدارة وتمرير المعلومات، وحتى تقنيات نقل الصور المتحركة، كلها تستخدم كوسيلة عادية داخل آليات العمل في المؤسسات الحكومية والشركات والمؤسسات العامة والخاصة، وكوسيلة من وسائل نظم الإدارة والتنسيق والسيطرة والتوجيه والمتابعة فيها. وما أن حل عام 1995، حتى تبدل الوضع من جديد وأصبحت نظم الحاسبات الإلكترونية المنفتحة على بعضها البعض تتغير بسرعة، وشملت مختلف دول العالم المتقدمة والنامية على حد سواء، ولكن بوتائر متفاوتة وبأشكال ومستويات مختلفة.
وأصبح الاتجاه العام للتطور يتجه نحو الدمج والتوحيد، وخاصة بعد أن تم الاعتراف دولياً بشبكة المعلومات الدولية "الانترنيت"، الآخذة بالتطور والتوسع السريع بمعدلات تتراوح ما بين الـ 10 و15 % في الشهر الواحد. وهذا النظام المتنامي يومياً يربط اليوم بين عشرات الملايين من المشتركين، المشاركين في عملية الاتصال عن بعد، والتبادل الإعلامي الدولي على الساحة الوطنية والإقليمية والدولية، من خلال أكثر من 9,5 مليون حاسب إلكتروني شخصي، وأكثر من 250 ألف محطة ارتباط WWW منتشرة في أنحاء متفرقة من العالم.
ورغم التفوق الذي تتمتع به شبكة "الانترنيت" العالمية التي خضعت عملياً للاختبار أكثر من مرة، إلا أننا نلاحظ رفضاً شبه إجماعي للتسليم بها، رغم المليارات الضخمة التي تم توظيفها من أجل تطوير الشبكات الوطنية للانفتاح عليها كشبكة عالمية، ولتوحيد مقاييس ونظم تداخل الشبكات الوطنية عبر شبكة "الانترنيت" العالمية. وبالنتيجة نرى أن تكنولوجيا وسائل التعامل مع المعلومات أصبحت خاضعة اليوم لعملية تطوير دائمة في اتجاهات متعددة، تدفعها في نفس الوقت نحو التخصص في معايير الأداء الوظيفية المحددة، التي هي في النهاية لابد وأن تتكامل من حيث الوظائف ومعايير الأداء على المستوى العالمي.
ومع ارتفاع حجم المعلومات المختزنة إلكترونيا خلال السنوات الأربعين الماضية إلى نحو 130 مرة، كان لابد من ظهور تكنولوجيا حديثة مناسبة للتعامل مع هذا الكم الهائل من المعلومات، يتميز بسهولة الاستعمال وصغر الحجم، وفعلاً ظهرت مكونات للحاسبات الإلكترونية لا يتعدى حجمها حجم ظفر الإنسان، بإمكانها تخزين معلومات تعادل مضمون 100 كتاب، كل منها يحتوي على 500 صفحة. وبعد أن كانت أجهزة الحاسبات الإلكترونية لعشر سنوات مضت بوزن يتجاوز السبعة كيلو غرامات، نرى أن أجهزة الحاسبات الإلكترونية الشخصية المحمولة الخارقة الإمكانيات والوظائف اليوم لا يتجاوز حجمها حجم دليل الهاتف. إلى جانب انتشار الحاسبات الإلكترونية متعددة الوظائف للاستعمال الشخصي بحجم لا يتجاوز حجم كف اليد.
كما ويتوقع الخبراء أن يظهر في القريب العاجل حاسب إلكتروني محمول باليد، يمكنه تزويد حامله بالمعلومات الضرورية عن آخر الأنباء، ونشرة الأحوال الجوية، والنشرة المالية، وحركة وسائل المواصلات البرية والبحرية والجوية، وأفضل السبل لتجنب الاختناقات على طرق السيارات في المدن الكبيرة، وتحديد الوقت وغيرها الكثير، الكثير من المعلومات التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية المعاصرة.
التقنيات الرقمية بديلة للتقنيات التقليدية في المجتمع المعلوماتي: وعندما نتحدث عن تطور تكنولوجيا الحاسبات الإلكترونية التي تعتبر محرك الثورة المعلوماتية المعاصرة، لابد لنا من التعرض للدور الذي لعبته التقنيات الرقمية المتطورة في عملية تطوير وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد التقليدية في ظروف المجتمع المعلوماتي. وهنا لابد من أن نأخذ بعين الاعتبار عدة حقائق تحدد ملامح انتقال وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد، من التقنيات التقليدية إلى استخدام التقنيات الرقمية الحديثة، ومن أهمها: أن الصحف أخذت تدريجياً بتجميع وإخراج صفحاتها على الحاسبات الإلكترونية (التنضيد الضوئي)، وأصبحت النسخة الإلكترونية الجاهزة تنقل إلى أي مكان من العالم عبر شبكة الانترنيت العالمية، ليتم طبعها في أماكن عدة متفرقة من العالم في آن معاً؛ وأصبحت برامج الإذاعتين المسموعة والمرئية تنقل عبر ترددات إذاعية رقمية تزيد من إمكانيات انتشارها ووصولها للمستهدف من عملية الاتصال عن بعد بصفاء ووضوح تام. وهي البرامج نفسها التي يمكن سماعها ومشاهدتها عبر أجهزة الحاسبات الإلكترونية الشخصية، الموصولة بشبكة المعلومات الدولية "الانترنيت".
مما جعل من تلك العملية سهلة جداً وميسرة، تؤمن تواصل كل وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية مع بعضها البعض وفي نفس الوقت مع الساحة الإعلامية الواسعة جداً، مما يوحي بتوحيد خدمات وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد التقليدية، واتصالها واندماجها مع بعضها البعض، ليس عير شاشات الحاسب الآلي الشخصي وحسب، بل وعبر شاشات التلفزيون التقليدية بعد إضافة مستقبل إلكتروني (set-top-box) على جهاز الاستقبال التلفزيوني المنزلي، الذي يقوم بتحويله إلى ما يشبه الحاسب الإلكتروني الشخصي الذي يمكن من خلاله متابعة البرامج التلفزيونية، وقراءة الصحف، وسماع البرامج الإذاعية، ومتابعة صفحات شبكة المعلومات الدولية "الانترنيت".
وأصبح الدمج هذا ممكناً من خلال تقنيات الدمج المتوفرة حالياً بين تقنيات الحاسب الإلكتروني الشخصي، وأجهزة الاستقبال التلفزيونية، أو على قاعدة جهاز الاستقبال التلفزيوني فقط، بعد توصيله عن طريق جهاز خاص بشبكة المعلومات الدولية "الانترنيت"، أو عن طريق الحاسب الإلكتروني الشخصي الذي تتحول شاشته إلى ما يشبه جهاز الاستقبال التلفزيوني. وكل ذلك تحقق بفضل تقنيات الدمج بين تكنولوجيا الحاسب الإلكتروني الشخصي وتكنولوجيا أجهزة الاستقبال التلفزيونية الآخذة بالتطور يوماً بعد يوم، وهو ما فتح آفاقاً جديدة لانتشار وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية بشكل واسع عبر شبكة الانترنيت العالمية.
شبكة الانترنيت ووظائف وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية في المجتمع المعلوماتي: والمجتمع المعلوماتي كما هو معروف هو مجتمع المعرفة “Knowledge Society” ولفهم دور شبكات المعلومات الدولية في تلك المجتمعات التي تلعب فيها وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية حسب ظروفها الذاتية، الدور الهام لاجتياز الحاجز النفسي الذي يعيق من فهم المجتمع المحلي لدور شبكات المعلومات الدولية ومن بينها شبكة "الانترنيت" في الوسط الإعلامي للمجتمع المعلوماتي الجديد، الذي يبشر بالانفتاح على المعارف وخبرات ومنجزات الحضارة الإنسانية، ويفسح المجال واسعاً للوصول لأوسع المعلومات المتوفرة في شبكات المعلومات الدولية.
لابد من التوقف عند مشكلة الارتفاع المفاجئ لمستوى الخدمات الإعلامية المتوفرة في المجتمع المعلوماتي، ومدى تطور إمكانية وصول الفرد في ذلك المجتمع إلى مختلف المعلومات والمعارف الجديدة عبر وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد التقليدية، ومدى محافظة تلك الوسائل التقليدية على وظائفها التقليدية كالسبق الصحفي، وجمع وحفظ وإعداد ونشر وتوثيق المعلومات، ومنها انتقال المعلومات عن آخر الأحداث التي هي دائماً في مقدمة اهتمامات ووظائف صحافة الحدث، بعد دخول المنافس الجديد للساحة الإعلامية الذي يوفر المعلومات التي يحتاجها الفرد من خلال شبكات المعلومات الدولية، التي أصبحت بدورها تمثل اليوم المؤثر الخارجي الأكثر فعالية وتأثيراً في الساحة المعلوماتية، بعد أن أصبح لها شأناً كبيراً في تحديد مستوى الوعي الفردي والاجتماعي من خلال احتكاك الفرد بمضمون تلك الشبكات.
وفي اللغة الإنكليزية هناك مفهومين اثنين للمجتمع المقصود، الأول (information society) أي "المجتمع المعلوماتي"، والثاني (informational society)، "إعلام المجتمع" أي المجتمع الذي تعتبر فيه المعلومات وسيلة للتواصل والحوار والاتصال، الذي يؤثر في صلب المجتمع، ولهذا فضلنا أن نختار له المفهوم الأول أي "المجتمع المعلوماتي".
ويعتقد البعض أن الوصول للمعلومات الموثقة لا يمكن دون وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية التقليدية، التي لابد وأن تبقى الوسيلة الرئيسة والأهم لإعلام الرأي العام والإسهام في تطويره، وخاصة منها الوسائل المطبوعة، لسهولة الرجوع إليها من خلال ما تسجله على صفحاتها من معلومات يمكن أن تحفظ وتنتشر أكثر داخل الساحة الإعلامية إن كان بطرق التوزيع التقليدية، أو من خلال أجهزة الحاسب الآلي الشخصية المتصلة بشبكات المعلومات والاتصال المحلية والإقليمية والدولية داخل المجتمع الواحد.
والسبب هو الكلفة الزهيدة التي تدفع لقاء الحصول على الصحف والمجلات والكتب الشعبية والاستفادة منها، لأن ما يدفع ثمناً لها بالمقارنة مع تكاليف استخدام شبكات المعلومات الإلكترونية الحديثة، للحصول على نفس مواد تلك الصحف، والمجلات، والكتب الشعبية ولقاء سماع البرامج الإذاعية المسموعة والمرئية هو زهيد جداً. ولأن تكاليف سماع ومشاهدة البرامج الإذاعية المسموعة والمرئية بالطرق التقليدية خارج شبكة الانترنيت لا تكلفنا سوى قيمة استهلاك أجهزة الاستقبال الإذاعية والتلفزيونية، وقيمة الطاقة الكهربائية المستهلكة، وهذا بحد ذاته يعتبر من الحقائق الهامة التي تؤكد حتمية التطور اللاحق لوسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد التقليدية بأشكالها المقروءة والمسموعة والمرئية.
إلا أن استخدام شبكات المعلومات الإلكترونية يصبح في نفس الوقت وبالتدريج حاجة ملحة بعد انتشارها وتعدد استخداماتها وقنواتها داخل المجتمعات الحديثة. لأن تلك الشبكات تصبح الناقل لصفحات الصحف والمجلات قبل وصولها للمشتركين عبر شبكات التوزيع التقليدية بزمن كبير، هذا إن لم نتحدث عن جودة وصفاء الصوت والصورة للبرامج الإذاعية والتلفزيونية المنقولة من أماكن بعيدة جداً عبر شبكات المعلومات الدولية. والعائق الوحيد يبقى في الحاجز اللغوي الذي يحاول البعض تجاوزه عن طريق نشر اللغة الإنجليزية، كلغة للحوار الثقافي والتبادل الإعلامي والاقتصادي الدولي، والبعض الآخر عن طريق حل المشاكل التقنية لتستقبل وترسل أجهزة الحاسبات الإلكترونية أينما وجدت مختلف لغات شعوب العالم الراغبة بالحوار والتواصل الإعلامي، ومن بينها بعض اللغات الأوروبية واسعة الانتشار كالفرنسية والإسبانية والروسية، واللغات الآسيوية والإفريقية كالعربية والتركية وغيرها من لغات العالم المعاصر.
ومع ذلك نلاحظ في بعض الدول كالنرويج والسويد وفنلندا وحتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها المتقدمة جداً في هذا المجال، أن استخدام شبكات المعلومات الإلكترونية لم يؤثر سلباً على أعداد المشتركين في الصحافة الدورية، بل على العكس ظهر أن عددهم كان أعلى بكثير من عدد المشتركين بشبكة الانترنيت الدولية. وهو ما يؤكد أن دور وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد التقليدية وخاصة الصحافة المطبوعة في المجتمعات المتطورة سيبقى مهماً حتى في المجتمع المعلوماتي، الذي سيضيف أشكالاً متنوعة وجديدة وأكثر فاعلية وواقعية للخدمات الإعلامية المباشرة في ظروف الانفلات والانفتاح الإعلامي. وهو ما يمكن اعتباره عنصراً هاماً من عناصر تطوير النظام التقليدي لوسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد، وخاصة وظيفة نقل المعلومات عبر العالم بحرية ودون عوائق أو قيود، تلك التي يتفق الجميع على أنها من خصائص المجتمع المعلوماتي.
خصائص المجتمع المعلوماتي: وقد تباينت وجهات النظر حول خصائص "المجتمع المعلوماتي"، ولهذا سنحاول هنا التقريب بين وجهات النظر تلك لنجملها بالخصائص التالية وهي أن المجتمع المعلوماتي هو: مجتمع من شكل جديد، تشكل في الدول المتقدمة نتيجة للعولمة والثورات العلمية والمعلوماتية والتقنية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والعسكرية، التي نتجت عن التطور الهائل لتكنولوجيا وتقنيات وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد؛ ومجتمع المعرفة، الذي يتحقق فيه لكل إنسان وفي أية دولة من العالم الرفاهية والتقدم والنجاح عن طريق الوصول الحر للمعلومات التي يحتاجها دون أية حواجز أو معيقات. وكل ما يحتاجه الإنسان هنا هو إتقان مهارات استخدام وسائط ووسائل الاتصال عن بعد، عبر شبكات المعلومات الوطنية والإقليمية والدولية والتعامل مع المعلومات التي تتيحها له تلك الشبكات؛ ومجتمع العولمة الإعلامية، الذي لا يوجد فيه ما يعيق تبادل المعلومات، من وقت ومساحة، وحدود سياسية أو موانع جغرافية؛ وهو المجتمع الذي تتحول فيه المعلومات تدريجياً إلى وسيلة من وسائل التكامل المتبادل للحضارات والثقافات المختلفة، ولا يعيق من جانب آخر خلق الإمكانيات الجديدة للتطور الذاتي لكل مجتمع.
وبذلك يتحول المجتمع المعلوماتي حسب رأي البعض بالتدريج إلى "مجتمع الحكمة"، من خلال القدرة على التعامل العلمي والواعي والمدرك لأبعاد الكم الهائل من المعطيات والمعلومات المتوفرة في شبكات المعلومات المحلية والإقليمية والدولية، والقدرة على تحليل ذلك الكم الهائل انطلاقا من أسس علمية سليمة تمهيداً لأخذ شيء منه عند اتخاذ أي قرار هادف لتحسين ظروف ومستوى الحياة بشكل عام. وبذلك تصبح الحكمة أساساً لاتخاذ القرارات المبنية على المعطيات والمعلومات التي تساعد على النهوض بالمجتمع نحو الأفضل، المجتمع المنفتح على المجتمعات الأخرى، المجتمع الذي يأخذ في اعتباره مصالح وأمن الدول والمجتمعات وإمكانياتها الذاتية، ويشجع على مشاركة كل أعضاء المجتمع الدولي في النشاطات الفكرية والإنتاجية التي تأخذ في اعتبارها الجوانب الثقافية والاجتماعية للحياة التي هي ليست أقل أهمية من الجوانب المادية والاقتصادية.
بينما يرى العلماء الألمان أن المجتمع المعلوماتي، هو المجتمع الذي تتحكم فيه في نهاية المطاف الطرق التي يتم من خلالها الحصول على المعلومات، وطرق التعامل معها وحفظها ونقلها وتداولها ونشرها، وكذلك استخدام المعارف المستمدة من خلال الكم الهائل للمعلومات المختزنة في شبكات المعلومات، والتي لابد وأن تتيح إمكانية توفير فرص الاعتماد المتبادل بين الدول في التعامل مع المعلومات، وهو ما يحتاج بدوره إلى تطوير التكنولوجيا اللازمة ورفع إمكانياتها بشكل مستمر.
ونعتقد أنه في المستقبل لابد وأن تبرز وتأخذ بالتشكل أشكال أخرى جديدة للمجتمع المعلوماتي، كما كانت الحال في السابق عندما تعددت نماذج وأشكال نظم الإدارة والحكم، ونماذج وأشكال المجتمع الصناعي، ونماذج وأشكال النظم الاقتصادية وهكذا. ولكن مع ذلك تبقى الملامح الرئيسية للمجتمع مع تبلور ملامح المجتمع المعلوماتي معتمدة على مستوى توفير المساواة في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين في الوصول إلى الموارد المعلوماتية الرئيسية؛ ومستوى مساهمة كل فرد في حياة المجتمع الذي هو عضو فيه، وتحقيق الذات الفردية لكل من يعاني من نقص في إمكانياته وقدراته الجسدية.
ومن الخصائص الهامة للمجتمع المعلوماتي أيضاً، التركيز على الإنتاج الفكري والمادي، اعتماداً على قطاع الخدمات المعلوماتية الذي لابد وأن توفر خدماته وتخفض من الهدر في الجهد والوقت، وفي استخراج واستثمار وتصنيع المواد الخام، وتقلل من النفقات واستهلاك الطاقة وغيرها. ومع تطور الخدمات المعلوماتية في المجتمعات لابد وأن تحدث تغييرات جوهرية من حيث تكثيف الاعتماد على النواحي العلمية وتركيزها.
وهو ما نلمسه من خلال إلقاء نظرة سريعة لما يجري في هذا المجال في الدول الأوروبية الآخذة في الانتقال الحثيث نحو المجتمع المعلوماتي الآخذ بالتطور بشكل تدريجي، حيث نلاحظ أن أكثر من نصف (55 %) الموارد في الصناعة المعلوماتية خصصت لتشكيل الموارد المعلوماتية، بينما خصصت (45 %) فقط لإنتاج تكنولوجيا المعلومات والاتصال؛ بينما بقيت الهوة في ازدياد واتساع في صناعة وسائل الاتصال التي خصص (80 %) منها لقطاع خدمات الاتصالات التلفزيونية، و(20 %) فقط خصصت لإنتاج وسائل الاتصال عن بعد.
وكما هو معروف فإن كل خصائص المجتمع المعلوماتي مرتبطة إلى حد ما بطبيعة "العولمة" الآخذة بالتشكل والاتساع التدريجي لتشمل العالم بأسره، من خلال إصرارها على إزالة الحدود السياسية والحواجز بين الدول والمجتمعات، لتبدل جذرياً من تركيبة الاقتصاد العالمي الذي أخذ بالتحول التدريجي إلى اقتصاد السوق المفتوحة. مما فرض بإلحاح قضايا جديدة منها الحاجة لتحقيق الذات القومية التي تتطلب من الجميع مراعاة أمن ومصالح كل دولة من الدول مهما بلغ حجمها وثقلها الدولي في ظروف العولمة، وفي نفس الوقت إيلاء أهمية خاصة لتطور البنى التحتية الإعلامية الوطنية والقومية، لتأمين دخولها الفاعل والمتساوي إلى الساحة المعلوماتية الدولية.
متطلبات المجتمع المعلوماتي: خاصة بعد أن جاء التقدم التقني والتكنولوجي لوسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال والاستشعار عن بعد بأنواع جديدة تماماً من التقنيات المعلوماتية لم تكن معروفة من قبل في العالم المتقدم والنامي معاً، دمجت بين النص المكتوب، والصوت، والصورة الثابتة والمتحركة، وبدورها أوجدت أشكالاً جديدة من الخدمات الإعلامية والمعلوماتية، تطلبت كلها ابتكار وسائل جديدة لنقل المعطيات والمعلومات، تعمل كلها بشكل متبادل يكمل بعضه بعضاً، وأدت بدورها أيضاً لظهور نزعة يساندها البعض لتوحيد تلك التقنيات في وحدة متكاملة. وهذا إن تم مع تطور تقنيات وتكنولوجيا وسائل الإعلام والاتصال التقليدية، فلابد من أن يجر من وراءه تحولات جذرية ونوعية عميقة في كل مجالات حياة الأفراد والمؤسسات والمجتمعات والدول.
وكل ذلك يعتبر من الملامح المميزة للمجتمع المعلوماتي، التي تتضمن حرية انتقال ووصول المعلومات والتعامل معها ونشرها دون أية عوائق. وهذا بحد ذاته يدعوا دول العالم كلها إلى ترشيد النظم الديمقراطية والشفافية داخل مجتمعاتها، بما يؤدي إلى رفع مستوى النشاطات الاجتماعية والإنتاجية، وإلى تطور المنافسة الشريفة بما يضمن حقوق الجميع، وخاصة حقوق المستهلك في ظل اقتصاد السوق المفتوحة التي تدعوا وتصر عليها العولمة الاقتصادية. ورغم التشكيك في قدرات العولمة من قبل خصومها ومؤيديها على السواء، يرى البعض أنها يمكن أن تحد من خطر انفراد الطبقات الحاكمة بالسيطرة على الاقتصاد الوطني دون غيرها، وتفرد الاحتكارات الدولية في السيطرة على الاقتصاد العالمي بشكل عام. وتعتقد بأن العولمة قد يمكنها إيقاف تفشي البيروقراطية والأشكال الاحتكارية غير الفاعلة، وتحد من الانعزال الاقتصادي والفساد المستشري في بعض الدول.
لأن توفير المعلومات الكاملة ووضعها في متناول الجميع، والاعتماد عليها عند إجراء الدراسات التحليلية والعلمية لابد وأن يساعد على اتخاذ قرارات صحيحة وموزونة عند وضع السياسات التنموية الاقتصادية والاجتماعية والعلمية، ولتوجيه النشاطات الإنتاجية نحو رفعة وتقدم ورفاهية كل أمة وشعب في العالم المعاصر. ومن هذه النظرة التفاؤلية نرى أن المجتمع المعلوماتي قد يحمل في طياته إمكانيات كبيرة تتيح فرصة ترشيد بناء الدولة القومية والمجتمع القومي، وتتيح الظروف المثلى لاستخدام الموارد والمقدرات المحلية، وتوظيفها عملياً في خدمة كل ما يساعد على رفع فاعلية ووتائر الإنتاج. وهذا على ما نعتقد لا يمكن أن يتم دون تطوير البنى التحتية للخدمات العامة، وتطوير التعليم الوظيفي بما يتلاءم واحتياجات المجتمع المعلوماتي الآخذ بالانتشار، ومن أجل الوصول بالاقتصاد إلى مرحلة الاستثمار الأمثل للموارد الطبيعية، وحماية البيئة والمحافظة عليها سليمة معافاة للأجيال القادمة. والانتقال عبر مراحل التطور المتعاقبة بشكل سليم يضمن حماية الأمن القومي والمصالح الوطنية العليا لكل دولة من دول العالم مع مراعاة المصالح الحيوية للدول الأخرى.
فاستخدام وسائل الاتصال عن بعد، ونقل وتخزين واسترجاع المعلومات الإلكترونية المتطورة بشكل واسع، يفرض على جميع الدول ضرورة إعادة النظر الفورية وبشكل جذري بنظم التعليم التقليدية القائمة، وخاصة في الدول النامية والأقل حظاً من غيرها في عصر العولمة الإعلامية ومن بينها طبعاً الدول العربية. لأن تلك الدول تعتبر من أكبر المجتمعات التي يستفاد فيها من فرص التعلم عن بعد أو ما يعرف بنظام التعليم الحر، أو عبر البرامج التعليمية التي تنشرها وتبثها وسائل الإعلام والاتصال التقليدية، أو التي أصبحت تنقل عبر شبكات المعلوماتية الإلكترونية المتطورة، وكلها تصب في إطار برامج التعلم المستمر مدى الحياة الذي أخذت الحاجة إليه تزداد في ظروف العولمة أكثر من أي وقت مضى.
وتتطلب برامج التعلم المستمر، وخاصة منها تلك التي تتم عن بعد، مهارات فردية أكثر من ذي قبل للتعامل مع السيل الهائل من المعلومات التي توفرها العولمة الإعلامية، ومن أجل تحقيق مبدأ رفع الكفاءة الذاتية تجنباً لاتساع هوة التخلف التي تهدد المجتمعات النامية في القرن الحادي والعشرين، ولا بد من تحسين إعداد الفرد المتخصص، وتحسين برامج تدريبه المستمرة، بالشكل الذي يتيح للشركات والمؤسسات العامة والخاصة آفاقاً وفرصاً جديدة تساعدها في إدارة شؤون العاملين فيها، وتدريبهم المستمر الذي يضمن رفع مستوى أدائهم، والطاقة الإنتاجية، بشكل عام. وهذا يتطلب قبل كل شيء أن يدرك العاملين أنفسهم بأن الكفاءة الفردية وحسن الأداء الوظيفي هو الطريق الأمثل نحو المستقبل الواعد الأكثر نجاحاً، المستقبل الذي تحدده وتتحكم به دوافع وفرص العمل وحدها.
ومن الإمكانيات الأخرى التي يوفرها المجتمع المعلوماتي، إمكانية تحسين نظم الوقاية الصحية عن طريق نشر معلومات الوقاية الصحية عبر وسائل وشبكات الاتصال عن بعد الإلكترونية، وإتاحة الفرصة أمام مؤسسات الوقاية الصحية لاستخدام شبكات الحاسبات الإلكترونية لتبادل المعلومات الطبية والوقائية والصيدلانية بشكل مشترك، والتوسع باستخدام الدارات التلفزيونية المغلقة، وهي التي تتحول تلقائياً إلى دارات تلفزيونية مفتوحة عبر شبكات الاتصال عن بعد الإلكترونية، بما يتيح أمام المؤسسات الطبية في العالم فرصة تبادل المعلومات والمشاركة بالخبرات الطبية بشكل عاجل عند الضرورة. وهي الظروف نفسها التي يمكن أن تنطبق أيضاً على تبادل المعلومات الأخرى في المجالات العلمية والثقافية والتعليمية والتربوية .. وغيرها.
والمجتمع المعلوماتي يعتبر الوسط الملائم لتطور الطبقة المتوسطة من المجتمع، وهي الطبقة الاجتماعية الأساسية في معظم دول العالم، وهي الطبقة نفسها التي تمثل الشريحة المثقفة من المجتمع في جميع الدول المتقدمة والأقل تقدماً والنامية في العالم على حد سواء. ومن المعروف أن هذه الشريحة تشغل كل الوظائف التقليدية في المجتمع، من تعليم، وصحة، وبناء، وصناعة، وزراعة، ومواصلات، وخدمات، وإعلام .. وغيرها.
والأكثر أهمية هنا أن هذه الشريحة تتضمن الفئة المنتجة في مجالات التأليف والبحث العلمي سواء في التعليم أم في العلوم والثقافة أم في الإنتاج والتكنولوجيا. ومنه نستطيع أن نستنتج مدى مصلحة هذه الشريحة الاجتماعية من وجود المجتمع المعلوماتي الذي يتم فيه تبادل المعلومات دون حواجز أو عوائق. وكذلك مدى استعداد هذه الشريحة الدائم لخلق الظروف المواتية لتشكيل وتطوير المجتمع المعلوماتي الذي يخدم ويحمي مصالحها، ضمن ظروف دولية تسعى فيها كل الدول المتقدمة لاحتلال موقع القيادة دون غيرها في تشكيل والسيطرة على الموارد المعلوماتية للمجتمع المعلوماتي الآخذ بالانتشار. وهو الاتجاه الذي يحتاج لدراسة علمية وتحليلية عميقة ومتأنية أكثر من غيره من اتجاهات المجتمع المعلوماتي في الدول النامية، لأنه يتشابك مع الأمن الإعلامي الوطني، والمصالح الوطنية لكل دول العالم.
المجتمع المعلوماتي ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية في الدولة القومية: يتحدث الكثيرون اليوم عن اضمحلال الدولة القومية في ظروف العولمة والانتقال التدريجي نحو المجتمع المعلوماتي. بينما يختلف معهم البعض الآخر الذي يؤكد أن المعلوماتية تأتي في إطار الدول والثقافات القومية، لأن المجتمع المعلوماتي أساساً يحمل في طياته عناصر ثقافية قومية عابرة للقوميات، تتخطى الحدود القومية عبر النشاطات العالمية للمؤسسات الثقافية والدينية والمالية والاقتصادية والسياسية والعسكرية الدولية، وعبر الاتحادات والشركات متعددة الجنسيات. ومن الأمثلة الواقعية للتطور الناجح للمجتمع المعلوماتي في إطار الدولة القومية نلاحظ فنلندا، والسويد، والدانمرك وغيرها من الدول الاسكندينافية التي تملك كل منها نظاماً متزناً خاصاً بها لوسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد الوطنية كاف لحماية خصائصها القومية الخاصة بها عند التواصل الثقافي والحضاري مع الغير في إطار العولمة والمجتمع المعلوماتي.
أما فيما يتعلق بشبكات الاتصال العابرة للقوميات، فإن تلك الدول تشجع قيام جماعات محلية تمثل مختلف الشرائح الاجتماعية، ومن بينها طبعاً النخبة المثقفة ورجال الإعلام، للحوار ومخاطبة مثيلاتها من النخب المثقفة ورجالات الإعلام في الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا، واليابان والصين وغيرها من دول العالم، بغض النظر عن المسائل القومية الخاصة بتلك الدول.
ويؤدي هذا الحوار وبشكل عفوي إلى ظهور اتحادات إعلامية عابرة للقوميات بين المتحاورين، تتطور تلقائياً وتتعزز نشاطاتها مع اتساع رقعة حوارها عبر الدول والثقافات القومية. ومن هنا يرى البعض أن حوار كهذا في بعض الأحيان قد يكون صعباً بسبب التناقضات العميقة والمشاكل صعبة الحل بين بعض الجماعات الدينية والقومية المتشددة، وهو ما يوحي بأن العولمة ليست حلاً للمشاكل الثقافية والمواقف القومية المستعصية، بل هي أسلوباً متقدماً للحوار الذي قد يساعد مع مرور الوقت ودوام الحوار الإيجابي على إزالة العقبات من طريق التفاهم بين تلك الجماعات، وبالتالي المساهمة في إزالة مشاكل التطور القومي عن طريق الحوار الواعي والبناء في إطار المجتمع المعلوماتي المنفتح عالمياً، ولوسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد طبعاً دوراً هاماً يجب أن تلعبه فيه.
شبكة الانترنيت العالمية والمجال الإعلامي للدول النامية: ولكن من المعروف أن أوضاع وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد التقليدية في الدول النامية اليوم في وضع لا تحسد عليه، وحتى في بعض الدول الأقل تطوراً من الدول المتقدمة، ولا نبالغ إن قلنا أن من بين تلك الدول دولة عظمى هي روسيا ومعظم الدول التي حصلت على استقلالها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق والمعسكر الشرقي الذي كان يقوده.
فعدد نسخ الصحف الصادرة في تلك الدول أصبح منخفضاً جداً، ويرافقه انخفاض مستمر في عدد قراء الصحف، بسبب ارتفاع أسعار الصحف اليومية والإصدارات الدورية الأخرى بالمقارنة مع الدخل الفردي للمواطن في تلك الدول. وبذلك تبقى الخدمات الإعلامية المقدمة للمواطنين في تلك الدول حكراً على الإذاعتين المسموعة والمرئية دون غيرها من وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد التقليدية الأخرى، وهو الأمر الذي تنبهت إليه بعض القوى العالمية النافذة وقامت باستغلاله إلى أبعد الحدود، عندما عملت منذ اللحظات الأولى لانهيار الاتحاد السوفييتي السابق على التغلغل إلى الساحة الإعلامية المقروءة والمسموعة والمرئية في تلك الدول أولاً، ومن ثم السيطرة مالياً وإدارياً عليها وتوجيهها بالتالي، وفقاً لمصالحها كقوة ضاغطة على أصحاب القرار السياسي كما نرى اليوم في تلك الدول، من خلال تشكيلها لرأي عام موال لها عبر السيل الهائل من المعلومات أحادية الجانب المتدفقة عبر تلك القنوات الإعلامية المسجلة في الدول المعنية كقنوات وطنية، تتفق ومصالح وتوجهات تلك القوى العالمية المهيمنة معرضة أمن واستقرار تلك الدول ومصالحها الوطنية العليا لأخطار شديدة لا تحمد عقباها.
ويمكننا هنا أيضاً إضافة احتكار استخدام تكنولوجيا المعلومات وشبكات الاتصال عن بعد الحديثة ومنها شبكة الانترنيت العالمية من قبل فئة ميسورة محدودة جداً من القادرين على الإنفاق على مثل تلك الوسائل والتقنيات المتطورة باهظة التكاليف مقارنة بمعدل دخل الفرد المتوسط، وضمن تلك الفئة المحدودة تأتي دور النشر وإدارات وسائل الإعلام الجماهيرية الوطنية التقليدية المطبوعة والمسموعة والمرئية غير القادرة على تحمل تلك النفقات الباهظة بالنسبة لها، وهي الوسائل التقليدية التي ستبقى على المدى المنظور المصدر الأكثر منالاً للمعلومات، للأكثرية المطلقة من شرائح الساحة الإعلامية في تلك الدول، ومصدراً شبه مجاني للدول المتقدمة عبر نوافذ تلك الوسائل التقليدية في شبكة الانترنيت، رغم أن تلك الوسائل الإعلامية لم تلعب كما هو ملاحظ الدور المنتظر منها في مجتمعاتها بشكل كامل منذ إنشائها وحتى الآن، حسب تعبير البروفيسور ياسن زاسورسكي، عميد كلية الصحافة بجامعة موسكو.
ويأتي في صلب المشكلة أن المجتمع المعلوماتي آخذ بالتطور والتوسع والثبات في دول العالم المتقدم، والتأخر عنه يزيد من هوة التخلف عن الركب الحضاري الإنساني سريع التطور، إن لم تتخذ حكومات تلك الدول المتأخرة عنه إجراءات عاجلة تؤدي إلى تحقيق نقلة نوعية في البنى التحتية لوسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد التقليدية فيها. عن طريق إقامة البنى التحتية الأساسية الحديثة لتكنولوجيا المعلومات والاتصال عن بعد، وإعداد الأجيال الناشئة وتمكينها من استخدام تقنيات وتكنولوجيا الاتصال والمعلومات الحديثة التي تكفل دخولها المتكافئ إلى المجتمع المعلوماتي الدولي الذي تفرضه العولمة وتجعله حتمياً لا مفر منه. الأمر الذي يدفعنا للتساؤل عن مستقبل وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد في الدول الأقل حظاً في ظل العولمة ؟
والجواب على هذا التساؤل يكمن في أن تكنولوجيا المعلومات والاتصال عن بعد الحديثة نفسها التي فتحت آفاقاً جديدة تماماً للحصول على المعلومات، وهو ما غير بشكل جذري من صورة اللوحة الاتصالية التقليدية، وفتح آفاقاً جديدة أمام عملية إيصال ونشر المعلومات. وظهرت قنوات وسبل جديدة، وتشكلت قنوات جديدة عديدة للحصول على المعلومات. وباتت الوسائل التقليدية كالصحف، والإذاعتين المسموعة والمرئية، وسيلة اتصال تقليدية بين وسائل غير تقليدية تمثلها شبكات المعلومات الدولية ومنها شبكة "الانترنيت" وبنوك المعلومات المرتبطة بها. إضافة لتشكل حالة متطورة أحدثت ثورة في عالم المعلوماتية تمكن معها الفرد من الحصول على المعلومات حتى غير الجماهيرية منها، وتبادلها مع الآخرين بصورة فورية ودون أية عوائق تذكر. وهو الأمر الذي دفع بالبعض للتنبؤ بانحسار دور وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية، ولو جزئياً، مع التركيز التدريجي على استخدام وسائل نقل المعلومات الحديثة.
وهو الوضع الذي طرح للنقاش وبحدة موضوع مستقبل وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية وإمكانية احتفاظها بوجودها ودورها في المجتمع المعلوماتي القادم. والطريقة التي يمكن أن تكيف تلك الوسائل نفسها في الظروف الجديدة الناشئة عن الانتقال من تقديم الخدمات الإعلامية للمجتمع إلى مجتمع معلوماتي منفتح عالمياً.
ولكننا نعتقد هنا أنه من الضروري النظر إلى المشكلة مثار النقاش من الناحية الموضوعية واقعياً، ومن خلال التركيز على بعض الخصائص الهامة التي يتميز بها دور وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية من خلال وظيفتها الاجتماعية التي لا بد وأن تستمر حتى بعد الانتقال إلى المجتمع المعلوماتي. فلوسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية دور بارز وهام في مختلف المجتمعات، لأنها تقدم الخبر والتحليل عن الأحداث المحلية والدولية، والنشاطات الرسمية، ونشاطات المجتمع بكل منظماته وهاءاته وتشكيلاته المختلفة، وتسلط الضوء على ما يدور من أحداث ونجاحات وإخفاقات على جميع الأصعدة الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية وغيرها، إضافة للأحداث الجارية على الساحة العالمية.
وهذا الدور لوسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية ليس بجديد، لأن الوظيفة تلك أخذت بالتبلور منذ الإجراءات الدستورية والتشريعية التي ضمنت حقوق الإنسان وحرية الكلمة في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من دول العالم المتقدم منذ عدة قرون. ورافقت تلك الإجراءات الديمقراطية عملية ظهور الصحافة المقروءة في تلك الدول وساعدت تلك الإجراءات بشكل عام على تطور وسائل الإعلام والاتصال عن بعد الجماهيرية التقليدية تباعاً.
والمجتمع المعلوماتي المنفتح عالمياً، هو مجتمع يتناقض مع المجتمع الشمولي الذي يقيد المجتمع بشدة، ويقيد حرية الكلمة ووسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد. ويؤمن الانفتاح الإعلامي، ويتيح الوصول إلى مختلف المعلومات بشتى السبل، بما فيها حرية الوصول إلى المعلومات الرسمية وشبه الرسمية المفتوحة. لتصبح عملية الحصول على المعلومات وعملية التبادل الإعلامي في المجتمع المعلوماتي أداة تخدم المجتمع، وحقيقة ملموسة تخدم تقدم المجتمع ومنعته لو أحسن استخدامها.
ومع ذلك فإننا نرى فعلاً أن ظهور شبكات المعلومات الإلكترونية الدولية وخاصة شبكة "الانترنيت" وما رافقها من تشييد وانتشار بنى تحتية للمعلومات الإلكترونية عبر العالم، رافقه انخفاض ملحوظ لدور وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية. وأوضاعاً تهدد فعلاً بانقسام المجتمع إلى مجموعة كبيرة تحصل عل المعلومات من خلال الصحافة المطبوعة رخيصة الثمن، والإذاعتين المسموعة والمرئية المسيطر عليها بشكل أو بآخر. ومجموعة محدودة جداً في المجتمع تحصل على المعلومات من شبكات المعلومات والاتصال الإلكترونية الحديثة وقنوات المؤسسات الإعلامية الضخمة عبر شبكة "الانترنيت" باهظة التكاليف في الدول النامية والفقيرة.
مما جعل الكثير من الباحثين يرون في ذلك خطراً يهدد الديمقراطية في العلاقات الدولية ومن بينهم بروفيسور جامعة واشنطن في الولايات المتحدة الأمريكية شاليني فينتوريللي الذي أشار إلى تشعب وانقسام المجتمع في الكثير بالمقارنة مع الأوضاع التي سبقت ظهور المجتمع المعلوماتي.
وفي الحقيقة فإن تطور المجتمع المعلوماتي يأتي معه بأخطار اجتماعية جديدة غير متوقعة، ولا بد من البحث عن طرق لحلها، وتجاوزها قبل انتشارها واستفحالها واستعصاء حلها. ومن أهم تلك الأخطار الصراعات الجديدة الناتجة عن التقسيم المتسع للسكان وفق درجة اشتراكهم وفعالية مشاركتهم في فعاليات الوسط المعلوماتي. وخطر ازدياد الهوة بين الأغنياء معلوماتياً، والفقراء معلوماتياً، وبين الشرائح الاجتماعية المختلفة التي يتشكل منها المجتمع الواحد، وهي الفرو قات التي دفعت بالاتحاد الأوروبي للتفكير الجدي بإعداد برامج خاصة به موجهة نحو الحد من تلك المشاكل والتناقضات داخل المجتمع الأوروبي المتقدم نفسه. وهي الفروقات نفسها التي أخذت تظهر بحدة في بعض الدول المتقدمة والدول الغنية، ودول العالم الأقل حظاً والدول النامية والفقيرة. ضمن إطار ما يعرف منذ وقت طويل بدول الشمال الغني ودول الجنوب الفقير.
إضافة للتناقضات داخل الدول نفسها والتي تدور ضمن إطار التركيبة الاجتماعية الداخلية غير المتجانسة، ومنها التناقض بين الشرائح المثقفة القادرة على التعامل مع التقنيات الإعلامية الحديثة، والشرائح محدودة الثقافة أو شبه الأمية أو الأمية العاجزة عن التعامل مع تلك الوسائل، والتناقض بين القادرين على شراء أجهزة الاتصال الحديثة، والقادرين منهم على ربط تلك الأجهزة بشبكات المعلومات الدولية، وأولئك الذين لديهم إمكانية الوصول إلى تلك الأجهزة واستعمالها عند الحاجة دون امتلاكها، وأولئك الذين لا يملكون تلك الإمكانية بتاتاً.
إضافة للتناقضات الطبيعية بين أفراد الأسرة الواحدة من بين الأسر القادرة على امتلاك الحاسب الإلكتروني الشخصي وتوصيله بشبكات المعلومات الدولية، والمتمثلة بالتناقض بين كبار السن الذين يستخدمون في بعض الأحيان خدمات الحاسب الإلكتروني الشخصي وشبكة المعلومات الدولية "الانترنيت" دون الإلمام بالتكنولوجيا الحديثة التي يستخدمونها فعلاً، وجيل الشباب الذين يقضون معظم أوقاتهم ليلاً ونهاراً أمام شاشات الحاسبات الإلكترونية الموصولة بـ"الانترنيت". ويبدوا أن هذا التناقض يظهر أكثر حدة في الأوساط الطلابية وخاصة طلاب السنوات الأخيرة من الدراسة الجامعية في الدول الأقل حظاً من دول العالم، ناهيك عن طلاب الدول النامية والفقيرة الذين لا نشك من أنهم يجيدون نظرياً على الأقل استخدام التكنولوجيا الحديثة، والتعامل مع شبكات المعلومات الدولية ومن بينها طبعاً شبكة "الانترنيت" نتيجة لدراستهم مبادئ التعامل مع التكنولوجيا الإعلامية الحديثة في الجامعة، ويحتاجون لمعلومات شبكات المعلومات الدولية لدراستهم ومشاريع تخرجهم، ولكنهم لا يملكون إمكانية الوصول الكافي لتلك الشبكات.
وقد أبرزت إحدى الدراسات أن نسبة ضئيلة جداً من طلاب كلية الصحافة بجامعة موسكو على سبيل المثال تملك إمكانيات الوصول لأجهزة وشبكات المعلومات والاتصال الحديثة، وأن أكثر من 70 % من طلاب السنة الأولى من طلاب الجامعات في روسيا لا يملكون مثل تلك الإمكانية عملياً حسب تعبير عميد الكلية البروفيسور زاسورسكي، وهي من الدول التي تنتمي إلى الدول المتقدمة ولكنها لا تنتمي إلى الدول الغنية في مجال تقنيات الإعلام الحديثة نوعاً ما، وتعاني اجتماعياً من مشاكل كثيرة في التعامل مع تكنولوجيا المعلومات والاتصال الحديثة.
وهذا الوضع يشمل تقريباً كل جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق ودول أوروبا الوسطى والشرقية الأقل تطوراً عن مثيلاتها الأوروبيات. وقد ظهر هذا جلياً في الأبحاث الميدانية الاستكشافية عن استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصال الحديثة في خمس دول من المعسكر الشرقي السابق وهي: بولونيا وبلغاريا وهنغاريا ورومانيا وروسيا. وتبين من نتائج تلك الأبحاث أن مصادر المعلومات في روسيا مثلاً موزعة بين عدة مصادر وفي أكثر الأحيان تحمل طابع الشكلية والعرضية.
وظهر أن الإدارة المركزية للإحصاء في روسيا الاتحادية لا تقوم بإحصاء أجهزة الحاسب الآلي ولا أجهزة الهاتف المحمولة، ولا الأجهزة الموصولة فعلاً بشبكة المعلومات الدولية "الانترنيت". وتقوم بإعطاء معلومات سطحية تتحدث عن أنه في روسيا الاتحادية هناك حاسب آلي شخصي واحد لكل 10000 نسمة تقريباً، مما دفع بالباحثين للتشكيك بدقة تلك الأرقام معتبرين أنها غير مفيدة في عملية البحث العلمي التي نفذوها.
وقد أثبتت نتائج الأبحاث الجارية على أن الوضع يتفاوت من منطقة إلى أخرى في تلك الدول، وأن من أكثر المناطق استيعابا لتكنولوجيا المعلومات والاتصال الحديثة في روسيا هي: العاصمة موسكو، وسانت بيتربورغ، ومقاطعة ناديم التي أشارت الأبحاث إلى أن كل ثالث أسرة فيها تملك حاسب إلكتروني شخصي نتيجة لعائدات النفط والغاز في المقاطعة.
ومنه استنتج الباحثون أن روسيا وتلك الدول التي أشرنا إليها لم تزل تعاني من خلل إعلامي واضح، إضافة لانعدام الجهود المخلصة لتطوير البنى التحتية الإعلامية الحديثة التي تعتبر المدخل الأساسي للانتقال إلى المجتمع المعلوماتي، وأن الرأي العام داخل روسيا الاتحادية مثلاً غير مهيأ بعد لتقبل تكنولوجيا المعلومات والاتصال الحديثة.
كما ويورد البروفيسور زاسوركي في إحدى مقالاته مثالاً آخر عن الخلل الإعلامي في الاتحاد الروسي استمده من القاموس الموسوعي الموجز الصادر في موسكو عام 1998، والذي لم يعثر فيه على أي ذكر أو أي تعريف أو إشارة لشبكة المعلومات الدولية "الانترنيت"، مما يثبت أن الناشر لم يقم حتى بتحديث أو ترشيد المعلومات الواردة في القاموس، واكتفى بالمعلومات القديمة الواردة في الطبعات السابقة فقط، وهو ما يثبت حسب رأيه واقع سيطرة مصادر المعلومات التقليدية على الوعي الجماهيري في روسيا. وفي نفس الوقت يعكس عدم اهتمام الأوساط العلمية والرسمية الروسية بمشاكل المجتمع المعلوماتي، التي أصبحت تشكل عنصراً هاما من العناصر التي تعيق المجتمع المعلوماتي وتعيق التطور اللاحق في مجالات الحياة الاقتصادية والمالية والتعليم والثقافة وغيرها. ومن هنا نستطيع أن نضع تصوراً للواقع الأكثر تخلفاً في الدول النامية والفقيرة على الإطلاق.
مشاكل تشكل المجتمع المعلوماتي في الدول النامية: وهنا لابد لنا من الاعتراف بأن الثورة المعلوماتية، والعولمة الإعلامية قد جلبتا معهما ملامح المجتمع المعلوماتي إلى الدول النامية، ذلك المجتمع الذي لابد أن تتحول فيه الخدمات الإعلامية المتاحة لكل الشرائح الاجتماعية من مجرد خدمات إلى أعصاب وشرايين تتحكم بحياة المجتمع وتقدمه. ولابد أيضاً من الاعتراف بأنها جلبت معها العولمة الاقتصادية سريعة السيطرة والانتشار، وجاءت بالخطر الأساسي الذي يهدد عملية تطور الإنتاج ويشجع على الاستهلاك في الدول النامية والأقل نمواً في العالم، إضافة إلى أنها تعزز سلطة الاحتكارات والاتحادات الإنتاجية والصناعية والاقتصادية والمالية العالمية. وأصبحت تلك السلطة تهدد أمن وسلامة المجتمع والبيئة في الدول النامية والأقل تطوراً على السواء، وأصبحت تهدد بانتشار البطالة وتقليص فرص العمل التقليدية المتوفرة عالمياً.وهو وضع أشبه ما يكون بالوضع الذي رافق الثورة الصناعية في الدول الأوروبية المتقدمة.
وهو وضع تستفيد منه الدول المتقدمة فقط ويصب في مصلحة اقتصاد الدول الأكثر تطوراً، والاحتكارات الدولية والشركات متعددة القوميات، إن لم تحسن الدول النامية والأقل نمواً التصرف خلال الفترة الانتقالية التي قد تمتد وقد تقصر حسب ظروف كل دولة من دول العالم على حدى. وهذا التصرف مرتبط كما نرى بمدى تجهيز البنى التحتية لوسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد التقليدية والموارد الإعلامية وتجديد قنواتها ومضمونها. وتهيئة المجتمع للتعامل مع الظروف الجديدة التي أصبح لا مفر منها، ومحاولة توظيفها بالشكل الذي يخدم رفاهية المجتمع، ويعزز الديمقراطية والسلطة الوطنية والاقتصاد والأمن الوطني.
ومن الطبيعي أن تظهر في ظروف استخدام شبكات المعلومات الدولية أشكالاً جديدة من التعديات على الموارد المعلوماتية وحتى حالات من العدوان الثقافي تهدد فيه الدول الأكثر تقدماً الأمن الإعلامي الوطني، وثقافة الدول الأقل تطوراً والدول النامية، بما يلوح بخطر ضياع الثقافات الوطنية والخصائص والملامح القومية لمجتمعات بأكملها، وتهدد بضياع الخصائص اللغوية المميزة للأمم الضعيفة والمغلوبة على أمرها. وتنتشر مع تلك التعديات عملية فرض وتعويد الإنسانية على عادات استهلاكية تتفق ومصالح مجموعة ضيقة من الدول المتطورة والقوية والاحتكارات والشركات متعددة القومية. وكلها تتطلب من الدول النامية والأقل تطوراً الإسراع بتحصين وإعداد مجتمعاتها المحلية لمواجهة أخطار الانفتاح الإعلامي الذي يبشر به المجتمع المعلوماتي، وتدريب مجتمعاتها على الطرق الفاعلة لمواجهة هذه أو غيرها من أخطار العولمة والانفتاح الإعلامي، والمشاركة الإيجابية في عملية إنشاء المجتمع المعلوماتي الذي يحمي المصالح الوطنية وينفتح على المجتمعات الأخرى بصورة إيجابية أخذاً وعطاء، ويجنب تلك الدول خطر الانغلاق على الذات الذي يفوق خطره أخطار العولمة نفسها.
وهي الأخطار التي تجاوزت عملياً خطر الانتشار الواسع لثقافة الشاشة الفضية الصغيرة أحادية الجانب، لتقف وجهاً لوجه أمام أخطار الساحة المعلوماتية العاملة باتجاهين، والتي يلعب فيها الفرد دور المتلقي ودور المرسل في نفس الوقت، بانفتاح على العالم دون حدود، مما يخلف مشاكل وأثاراً نفسية واجتماعية لا حصر لها، إن لم نضف إليها خطر الخلط بين كم المعلومات الهائل الذي يتعرض له الفرد الذي أصبح عاجزاً تقريباً عن التمييز بين الواقع والخيال في مضمون هذا الكم الهائل من المعلومات، وعاجزاً عن حماية نفسه من أخطارها.
ومع اتساع إمكانية الوصول السهل للشبكات المفتوحة المليئة بالمعلومات، تظهر مشاكل تستدعي ضرورة الحد من إمكانية الوصول للمعلومات التي تشكل خطراً على التقاليد القومية والمجتمع والثقافة والاقتصاد. إضافة إلى مشكلة انتشار المعلومات الشخصية على الشبكات الإلكترونية، ومشكلة النخبة الإعلامية، التي تحظى بإمكانية الوصول إلى تكنولوجيا وموارد المعلومات بما يحقق لها التفوق الإعلامي دون الشرائح الأخرى في المجتمع الواحد. إضافة لمشكلة احترام حقوق التأليف وحقوق منتجي المعلومات الإلكترونية صعبة الضبط. ولحل مثل تلك المشاكل وغيرها في المجتمع المعلوماتي لابد من تضافر الجهود الحقيقية للمختصين في كل المجالات في إطار الدول القومية، وإطار الجزء المتضرر في عالم اليوم، وبعلاقة إيجابية منفتحة على العالم المتقدم في هذا المجال الهام.
شروط بناء المجتمع المعلوماتي في الدول النامية: وهذا التعاون يمكن أن يتم من خلال تحقيق الشروط الأساسية لبناء المجتمع المعلوماتي والتي تتلخص في: تشكيل ساحة معلوماتية عالمية موحدة. وتعميق عمليات التكامل الإعلامي والاقتصادي للأقاليم والدول؛ وإنشاء القاعدة المادية التي تعتمد على المنجزات العلمية والتكنولوجية الحديثة، ومنها تكنولوجيا المعلومات، وشبكات الحاسبات الإلكترونية، وشبكات الاتصال المسموعة والمرئية عبر الأقمار الصناعية، ووضعها في خدمة المجتمع والاقتصاد الوطني، الذي لا بد وأن يعتمد على استخدام تكنولوجيا المعلومات وإمكانياتها الواعدة؛ وإنشاء سوق المعلومات، واعتبارها أحد عوامل الإنتاج مثله مثل الموارد الطبيعية، وقوة العمل، ورأس المال، لأن الموارد المعلوماتية هي من موارد التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي، والعمل على تلبية الحاجات الاستهلاكية للمجتمع من المنتجات والخدمات الإعلامية؛ وتطوير البنى التحتية للاتصالات عن بعد المسموعة والمرئية، والمواصلات، وتنظيمها؛ ورفع مستوى التعليم بمستوياته وتخصصاته المختلفة، وتطوير العلوم والتكنولوجيا والثقافة من خلال توسيع إمكانيات نظم تبادل المعلومات على المستوى القومي والإقليمي والعالمي، ورفع مستوى الكفاءة المهنية للفرد والمجتمع، وتشجيع المواهب الإبداعية؛ وتوفير سبل حماية الأمن الإعلامي للفرد، والمجتمع، والدولة؛ ووضع السبل الكفيلة باحترام وحماية حقوق الأفراد والمؤسسات العامة والخاصة في حرية الاتصال والوصول والحصول على المعلومات وتوزيعها كشرط من شروط التطور الديمقراطي للمجتمع.
وهنا لابد من الإشارة إلى ضرورة السعي أثناء تشكل المجتمع المعلوماتي، نحو تعميم مهارات استخدام المنجزات العلمية والتقنية والتكنولوجية لوسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد الحديثة على جميع أفراد المجتمع، لتمكينهم من الاستفادة والتعامل مع الخدمات الإعلامية المتاحة لهم، والتي لابد وأن توفر شروط التنافس الشريف بين المؤسسات الإنتاجية والخدمية قدر الإمكان. والعمل على توفير أقصى قدر ممكن من التكامل بين الشبكات المعلوماتية الوطنية والقومية والإقليمية والدولية من خلال تطوير وسائل الاتصال عن بعد ونقل المعلومات المرئية والمسموعة وتحديثها بشكل دائم.
وطبعاً تحقيق هذا لا يمكن أن يتم بجهود حكومية فقط، بل بتضافر جهود كل الشرائح الاجتماعية والقطاعين العام والخاص، والقطاع المشترك، وجهود المؤسسات العلمية والهيئات والمنظمات الشعبية والمهنية ووسائل الإعلام والاتصال عن بعد الجماهيرية التقليدية.
وتطور المجتمع المعلوماتي لابد وأن يجر وراءه توفير فرص عمل جديدة، لم تكن معروفة من قبل وتحتاج لإعداد مهني رفيع المستوى من نوع خاص ، وإلى إعادة تأهيل الكوادر المهنية القائمة على عملها بشكل دائم. وهو ما يفرض الحاجة لتنظيم حملة وطنية تعليمية شاملة ودائمة، يشترك في إعدادها وتنفيذها كافة الإدارات والمؤسسات الحكومية والعامة والخاصة والمنظمات المهنية والشعبية، ومؤسسات التعليم والبحث العلمي والهيئات الاستشارية وغيرها.
ولضمان نجاح الحملة التعليمية الوطنية لابد من ضمان حصول المشاركين في الدورات القائمة على المعلومات الجديدة في هذا المجال، واستخدام أحدث المنجزات العلمية والتكنولوجية في مجال الإعلام والاتصال عن بعد، وإدخال الإعلام المرئي ضمن وسائل التعليم المفتوح، والتوسع في تحديث نظام تأهيل وإعادة تأهيل المعلمين والمحاضرين والمدربين القائمين على الحملة الوطنية التعليمية الدائمة والشاملة، لإعداد وتهيئة الإنسان القادر على تقبل واقع المجتمع المعلوماتي الجديد.
ولابد أيضاً من تدخل الدولة من أجل وضع مستوى مقبول من الأجور والتعرفات الخاصة باستخدام، وخدمات شبكات المعلومات والاتصالات عن بعد الوطنية والإقليمية والدولية. ووضع تعرفات مخفضة خاصة بمؤسسات البحث العلمي ومؤسسات التعليم العالي والجامعي وحتى ما قبل الجامعي والطلاب والمدرسين، والعاملين في وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية.
ومن الشروط الضرورية لنجاح الانتقال إلى المجتمع المعلوماتي أيضاً الاستمرار في إجراء واستكمال الأبحاث العلمية الجارية في مجالات تقنيات وتكنولوجيا ووسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد وتطويرها، والعمل على تطبيق نتائجها في مختلف مناحي الحياة وخاصة منها فروع الاقتصاد والأمن الوطني مع مراعاة حاجة ومتطلبات السوق الإعلامية المحلية. والأخذ بنتائج تلك الأبحاث لدى وضع البرامج الخاصة بتطوير عملية إدخال واستخدام المعلومات العلمية والتقنية في خدمة المجتمع المعلوماتي.
ومراعاة حاجة جميع الشرائح الاجتماعية من المعلومات الإلكترونية المفتوحة للاستخدام العام، ونوعية وخصائص المعلومات الإلكترونية ذات الاستعمال الخاص، وخاصة منها المعلومات الرسمية، والمرتبطة بأسرار الأبحاث العلمية الهامة، والأسرار التجارية والمالية والاقتصادية والعسكرية وكل ماله علاقة بالأمن القومي والإعلامي والمصالح الوطنية العليا، وأخذها كلها بعين الاعتبار عند العمل على توحيد مقاييس الانفتاح والتكامل مع الشبكات المعلوماتية الإلكترونية القومية والإقليمية والدولية في ظروف العولمة والمجتمع المعلوماتي، وعدم الاكتفاء بالنوايا الطيبة وحدها فيما يتعلق بالساحة الإعلامية المنفتحة.
الشخصية أو الذات الفردية في المجتمع المعلوماتي: يتحدث الكثيرون ممن تناولوا موضوع الانتقال إلى المجتمع المعلوماتي عن حتمية هذا الانتقال. ويعتبرون المجتمع المعلوماتي، الأكثر ملائمة لتبادل ونقل المعلومات بانفتاح كامل ودون أية عوائق، بين مواطني المجتمع الواحد، والمجتمعات الأخرى.
ويعتبر البعض الآخر أن المجتمع المعلوماتي ينقذنا أخيراً من الاحتكارات الإعلامية! ومن استغلال الاحتكارات الإعلامية الدولية! ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ألا يساعد ذلك على ظهور أنواع جديدة من الاحتكارات المسيطرة على شبكات نقل المعلومات الدولية والتعامل معها؟ ومنها مثلاً على سبيل المثال احتكار المتمكنين فقط من استخدام شبكات المعلومات الإلكترونية الحديثة عالية التكاليف، بما ينبئ بتحولها إلى وسيلة للحوار بين شرائح متميزة معينة داخل كل مجتمع، وبين المجتمعات الإنسانية المختلفة.
ومن نظرة إلى السيل الجارف للمعلومات التي تحملها شبكات المعلومات الإلكترونية، نرى أنها تحمل سيلاً جارفاً من المعلومات التجارية والمالية، ونشرات أسعار البورصات العالمية، وأسعار الأسهم، ونشرات أسعار صرف العملات الأجنبية، وخدمات شركات التأمين، والإعلانات المختلفة، وحركة وسائط النقل البري والبحري والجوي، وخدمات شركات النقل، ونشرات الأحوال الجوية، وكلها معلومات تهم أساساً رجال الأعمال، وكلها طبعاً تسرع من عملية تطور التعاون الدولي وتكامل النظم المالية في الدول المختلفة سلباً وإيجاباً في آن معاً.
وهنا تظهر بحدة مشكلة الإدارة والتحكم بسيل المعلومات المتدفق إلى داخل المجتمع المعلوماتي، والمفترض أن تكون مفتوحة وحرة ولا تتعرض لأية حواجز أو عوائق. فأسلوب التحكم من الأعلى إلى الأسفل لا يصلح إذاً للمجتمع المعلوماتي. لأنه من المستحيل فيه تعميم المعلومات من خلال مركز واحد، لأن شبكات المعلومات الإلكترونية هي شبكات منفتحة ومتعددة الأطراف، وهو ما يتطلب خلق نوع من العدالة في توزيع تلك المراكز والسيطرة عليها.
خاصة وأن شبكات المعلومات الإلكترونية اليوم تقدم المعلومات الواردة من شتى الاتجاهات والمستويات المختلفة إلى حد كبير، ويلبي هذا التنوع حاجات إقامة أسس لبنية كل خلية من خلايا شبكات تبادل المعلومات. ولكن هذه الخلايا والشبكات ليست بالضرورة بنى ديمقراطية تحترم فيها حقوق كل الأطراف المشاركة فيها. ولكن من الطبيعي جداً أن تطغى معلومات شرائح النخبة بإمكانياتها المادية والتقنية والتكنولوجية على المجال الإعلامي لتلك الشبكات، بحيث تصبح شبكات شرائح النخبة المسيطرة التي تحظى بمجال أكبر للحركة ونشر المعلومات داخل المجتمع المعلوماتي المنفتح عالمياً.
المجتمع المعلوماتي ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية العربية: لا أحد يستطيع إنكار أن تكنولوجيا الإعلام ووسائل الاتصال عن بعد المتقدمة قد فتحت فعلاً آفاقاً جديدة واسعة أمام وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية: المقروءة والمسموعة والمرئية. وأن استخدام شبكات الحاسب الآلي وخاصة شبكة الانترنيت العالمية قد أتاح سرعة تلقي المعلومات وحفظها والتعامل معها. وأن تلك الشبكات ساعدت على انتقال ملفات كاملة تتضمن صحفاً وكتباً ومجلات بكاملها لتطبع في أماكن أخرى بعيدة جداً عن مقرات إدارة تلك الصحف والمجلات ودور النشر، وساعد على انتقال ملفات برامج إذاعية وتلفزيونية كاملة لأشهر المحطات العالمية، لتبث بسرعة كبيرة ووضوح خارق عبر موجات محطات بث أخذت منذ تسعينات القرن العشرين تسجل وتعامل كمحطات إذاعية مرئية ومسموعة وطنية في بلدان بعيدة جداً جغرافياً عن دولة المنشأة.
ومن ناحية أخرى أتاح سرعة الانتشار عبر صفحات WIB في شبكات المعلومات الإلكترونية الحديثة لتلك الوسائل والقنوات، وساعدها على الإسراع في تقديم مضمون صفحاتها وبرامجها اليومية عبر شبكة الانترنيت العالمية، التي تتيح للمشترك ليس مطالعة الصحف والمجلات والكتب، والاستماع لبرامج الإذاعتين المسموعة والمرئية فقط، بل وإعادة استخدم الملفات والمعلومات الواردة عبرها.
وهو ما يؤكد تكامل وسائل الإعلام والاتصال عن بعد الجماهيرية التقليدية مع وسائل الإعلام والاتصال عن بعد الحديثة، مما يؤكد ويعزز من دورها الفاعل داخل المجتمع المعلوماتي القائم في الدول المتقدمة، والقادم منها إلى الدول النامية والأقل نمواً في العالم.
ومن الملاحظ أيضاً أن تكامل الأداء بين وسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية، ووسائل الاتصال عن بعد الحديثة أدى بالضرورة إلى تحسين نوعية الأخبار المقدمة للجمهور الإعلامي، بسبب الازدحام الهائل للأخبار المنقولة من وعبر أطراف الاتصال عن بعد ضمن شبكة المعلومات الدولية "الانترنيت"، وساعد في نفس الوقت على تحسين شكل ومضمون الصحف والمجلات، وأتاح لأطراف عملية التبادل الإعلامي في الساحة الإعلامية الدولية استخدام الموارد الإعلامية والتسجيلات الإخبارية والتحليلية الفريدة التي تملكها وسائل الإعلام والاتصال عن بعد التقليدية وتراكمت لديها عبر السنين. ومن مظاهر التكامل أيضاً قيام وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد التقليدية بنشر مواد ترشد إلى كيفية استخدام العناوين المعلوماتية الإلكترونية المتاحة في شبكة الانترنيت الدولية.
ولكننا نرى أن هذا التكامل القائم والآخذ بالتوسع يوماً بعد يوم بين شبكات المعلومات الدولية ووسائل الإعلام الجماهيرية التقليدية، لم يدرس بشكل كاف حتى اليوم بعد في العديد من دول العالم وخاصة الدول النامية، وهو يحتاج لدراسة عميقة وتحليل جدي لمعرفة مدى تأثيره وفاعليته في المجتمع المعلوماتي المعاصر، والرد على التخوفات التي يطلقها البعض، والآمال التي يعقدها البعض الآخر بشكل علمي دقيق. ولعله من المناسب التذكير بما قيل عند ظهور الإذاعة المسموعة، وتنبؤ البعض بقرب نهاية الصحف، وتنبؤ البعض مع ظهور الإذاعة المرئية بتضاؤل دور الصحافة المكتوبة والمسموعة. والتذكير بأن تلك التوقعات والتنبؤات كلها لم تجد ما يبررها خلال القرن العشرين بكامله، وهو ما يتيح لنا بالتنبؤ بأن وسائل الإعلام والاتصال عن بعد الجماهيرية التقليدية ستحافظ على وجودها وتأثيرها حتى في القرن الحادي والعشرين وأنها ستتطور وتزدهر في ظروف التعددية الإعلامية التي يتيحها المجتمع المعلوماتي.
ولابد للتجمعات القارية والإقليمية ومن بينها مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ودول إعلان دمشق، والاتحاد المغاربي، وجامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ومنظمة الوحدة الإفريقية من أن تحذو حذو الاتحاد الأوروبي والمجلس الأوروبي للاتصالات اللذان قاما بإعداد مشروعات خاصة بهما جديدة للانتقال المدروس إلى المجتمع المعلوماتي الذي تحدثنا عنه بإسهاب، والذي يحتاج إلى معدات وتقنيات غالية الثمن وباهظة التكاليف تعجز عنها دولة نامية بحد ذاتها.
وظروف المجتمع المعلوماتي بالنسبة للدول العربية، لابد وأن تساهم بشكل فعال في عملية التفاعل المشترك بين وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد التقليدية العربية كقناة لتوصيل المعلومات، والساحة الإعلامية التي تشكل السوق الاستهلاكية الكبيرة للموارد الإعلامية التي تتيحها تلك الوسائل عبر شبكات الحاسب الآلي الآخذة في الانتشار يوماً بعد يوم.
وفي ظروف الدول العربية التي تملك ساحة إعلامية ضخمة تمتد من الخليج إلى المحيط ومن شواطئ البحر الأبيض المتوسط إلى أواسط إفريقيا، إضافة للعمق الجغرافي الإسلامي الكبير الذي يشمل معظم دول العالم، لابد من تطوير وتحسين قنوات اتصالها بشبكة الانترنيت العالمية، وتطوير البدائل اللغوية لمواردها الإعلامية لجعلها في متناول أكبر ساحة ممكنة من الساحة الإعلامية العالمية وبلغاتها القومية، أخذاً وعطاء، ولتوضيح وجهة النظر العربية من القضايا الراهنة للعالم أجمع، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: مشكلة الضرائب التي تفرضها الدول المتقدمة (المستهلكة) على النفط ومنتجاته مما يؤدي إلى ارتفاع أسعاره بشكل كبير، والآثار السلبية لذلك الارتفاع في الأسعار على الدول المنتجة للنفط وخاصة دول الخليج العربية المنتجة للنفط. وعدالة القضية الفلسطينية التي أخذت تهتز في تصور المجتمع الدولي تحت تأثير الإعلام المسيطر عالمياً والمنحاز والمؤيد في معظمه للمواقف الإسرائيلية فقط حول قضية الحل السلمي لقضية الشرق الأوسط، وهي الوسائل الإعلامية نفسها التي تعمل على مدار الساعة من أجل تشويه صورة العرب والمسلمين وإلحاق شتى التهم الباطلة بهم على الساحة الدولية.
والحفاظ في نفس الوقت على أمن وسلامة الساحة الإعلامية العربية وتطويرها بما يكفل الحوار الثقافي متعدد الأطراف، ويضمن انتقال المعلومات العلمية والتقنية المتطورة من العالم المتقدم إلى المستخدم العربي ليساهم بدوره في عملية تطوير المجتمع العربي اقتصادياً وعلمياً وثقافياً واجتماعياً. ويضمن للعرب وجوداً أكثر فاعلية على الساحة الإعلامية الدولية، وليكون له تأثيراً أكبر على الرأي العام العالمي الذي هو اليوم أسيراً وحكراً للإعلام المعادي والصهيوني الذي يتحكم به كما يشاء ودون منازع.
وهي الصورة التي أوضحها بعفوية وصدق البابا شنودة، بابا الأقباط في مصر، وهو الإنسان غير المتخصص بتقنيات ووسائل الإعلام والاتصال عن بعد الجماهيرية، في واحدة من مقابلاته الصحفية، عندما قال: أن "اليهود ... لم يرجعوا إلى الأراضي المقدسة بوعد من الله وإنما رجعوا بوعد من بلفور ... فعلى الرغم من أن اليهود أعداء للعالم كله فإنهم يخططون بطريقة خطيرة ومدروسة منذ زمن طويل، فرغم قلتهم استطاعوا أخذ وعد بلفور، ثم دخول الأراضي الفلسطينية تحت الوصاية البريطانية، وفي هذا الوقت كان العرب يشجبون ويدينون، وهم استطاعوا أن يتغلغلوا داخل الإعلام الأمريكي والأوروبي، وكذلك داخل السياسة والاقتصاد حتى جاء وقت كان عمدة نيويورك يهودياً، فهم ناس يخططون ويصلون إلى تنفيذ ما يخططون له، ونحن نزعق ونشجب ولا نعمل، والمفروض أن يوجد "لوبي" عربي في البلاد الأوروبية وفي أمريكا ينشط منها ويكون له نشاط سياسي مثلما فعل اليهود .. ثم لماذا لا يقوم العرب بما لديهم من أموال ضخمة وبترول بإنشاء إذاعة وتلفزيون خاصة بهم في أوروبا وأمريكا تنطق بلغاتهم وليس بلغتنا وكذلك صحف تتحدث باللغات الأجنبية تدخل البلاد الأجنبية وتؤثر عليهم وعلى سياستهم". ونعتقد أن ما قاله لا يحتاج لأي شرح أو تعليق بل إضافة أن التجربة تتكرر في الساحة الإعلامية الناطقة باللغة الروسية، التي تشمل جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق ودول ما كان يعرف بمجموعة الدول الاشتراكية وخاصة أوروبا الشرقية (وحتى إسرائيل التي تتحدث المصادر عن أن نسبة المهاجرين اليهود الناطقين بالروسية فيها بلعت 20 % من مجموع السكان)، والتي كانت مؤيدة للحقوق العربية حتى بداية التسعينات من القرن العشرين، ومن ثم تركت ودون منازع لتأثير وسائل إعلامية قوية مؤيدة لإسرائيل وحدها منذ ذلك التاريخ وحتى الآن.
ومن ناحية أخرى فإننا نرى، أن الصحافة العربية تواجه العديد من التحديات الخارجية، ويأتي في مقدمتها تحدي العولمة الإعلامية، التي أدت إلى زيادة هيمنة وسائل الإعلام الغربية، مثل: وكالات الأنباء والقنوات الفضائية والصحف والمجلات وشبكات الاتصال الإلكترونية، ومنها طبعاً شبكة "الانترنيت" على الصعيد العالمي. وإضعاف قدرة الصحافة ووسائل الإعلام الاتصال الجماهيرية، ليس في الوطن العربي وحسب، بل وفي الدول النامية عموماً، على المنافسة في مواجهة التدفق الهائل لوسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد الغربية. وتعتمد هذه الهيمنة الإعلامية على العديد من الوسائل والآليات، وفي مقدمتها بطبيعة الحال واقعة التطور التكنولوجي والقدرات المادية الضخمة وطغيان النموذج الغربي، بالإضافة إلى أن وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد الغربية تستخدم كل الوسائل والتقنيات المتاحة لها، مثل حرية تدفق المعلومات، من أجل التغلغل في الدول النامية ومن بينها الدول العربية وفرض هيمنتها الإعلامية عليها، وتيسير المزيد من التدفق للأنباء والمعلومات الغربية إلى مجتمعات العالم الثالث بأسره.
وخلال الآونة الأخيرة، اتخذت العولمة الإعلامية العديد من المظاهر والتجليات الجديدة، ولعل أبرزها كان اتجاه بعض وسائل الإعلام الجماهيرية وكبريات الصحف والمجلات الأمريكية والغربية نحو ترجمة بعض برامجها الإذاعية المسموعة والمرئية وإصداراتها الأسبوعية والشهرية إلى العربية، وبثها وتسويقها وتوزيعها في الدول العربية، وهو ما يمثل نموذجاً مصغراً لظاهرة يمكن أن يتسع نطاقها في المستقبل.
وإذا لم يتم تطوير وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد التقليدية العربية، فإن قطاعات واسعة من القراء والمستمعين والمشاهدين قد يتجهون نحو تفضيل البرامج الإذاعية المسموعة والمرئية والصحف والمجلات الغربية، وبالذات الأمريكية، سواء باللغات الأصلية أو المترجمة إلى العربية، وهو ما يمثل دافعاً إضافياً أمام الدول العربية لتطوير وسائل إعلامها الجماهيرية التقليدية وتحسين أدائها.
فهناك فارق أساسي بين متابعة البرامج الإذاعية المسموعة والمرئية والصحف الغربية بغرض متابعة ما ينشر فيها، والتعرف على وجهات النظر الغربية الواردة فيها، وبين أن تصبح تلك البرامج والصحف مصدراً رئيسياً أو وحيداً للمتابعة والثقافة والمعرفة للجمهور العربي، وهو ما نحذر منه ومن خطره على الأمن القومي والمصالح العربية بشدة.
وبالتالي، فإن هذه التحديات تؤكد أن هناك ضرورات متنوعة داخلياً وخارجياً، للتفكير في مستقبل وسائل الإعلام والاتصال عن بعد التقليدية العربية، والاتجاهات الضرورية لتطويرها، فإن المطلوب هو تقوية وتعزيز وتوسيع أدوار وسائل الإعلام والاتصال عن بعد الجماهيرية التقليدية العربية في المستقبل من خلال التطوير العلمي والتكنولوجي والمؤسسي والقانوني والمهني والسياسي والتكاملي بينها، لتكون قادرة على مواجهة الحرب الإعلامية التي تواجهها على الساحة الإعلامية الدولية، وليس فقط، بل وداخل الساحة الإعلامية العربية أيضاً، والتي تنبئ بخسارة فادحة للعرب أمام الرأي العام الدولي والعربي إن لم يتم التصرف معها بسرعة وحذر.
وعلى المستوى القانوني والمؤسسي، لابد من التركيز على معالجة الثغرات القانونية والمؤسسية التي تحد من انطلاق وسائل الإعلام والاتصال عن بعد التقليدية العربية، وذلك من خلال مواصلة الجهود لتبني مشروع جديد لقانون عربي للصحافة يضمن تكاملها الإيجابي تعده الجهات المختصة بالتعاون مع الخبراء والفقهاء العرب البارزين، والتحاور بشأنه مع القيادات السياسية والمؤسسات الدستورية، تمهيداً لإصداره في الدول العربية. بالإضافة إلى ضرورة تنقية القوانين والأوامر التنفيذية الحالية من القيود غير المبررة والمعارضة للواقع الراهن الذي تفرضه العولمة والمجتمع المعلوماتي، سواء من أجل الوصول بحرية الإعلام ضمن الأطر الدستورية والتشريعية إلى أعلى مستوياتها أو من أجل ضمان التجانس والانسجام التشريعي بين الدول العربية فيما يتعلق بالإعلام والصحافة المقروءة والمسموعة والمرئية.
وفي الوقت نفسه لابد من العمل على ضمان التمتع بالحق في الإعلام والمعلومات والنص على هذا الحق في المشروع القومي لقانون الإعلام العربي، وغيره من التشريعات ذات الصلة في حالة صدورها، والعمل على تفعيل ميثاق الشرف الصحفي العربي والدفاع بحزم عن أخلاقيات المهنة، وتشجيع ارتياد مجالات الإعلام الإلكترونية والصحافة المسموعة والمرئية لتدعيم اقتصاديات مهنة الصحافة، واستخدام آليات المناقشة والحوار ونبذ الخلافات وتفعيلها في حوار إيجابي وبناء بين وسائل الإعلام والاتصال عن بعد الجماهيرية العربية التقليدية، ودفعها للحوار الإيجابي والفعال مع وسائل الإعلام الأجنبية سواء أكانت في الدول المتقدمة أم في الدول الإسلامية أم في الدول النامية على السواء، وهي التي تشكل بمجملها الرأي العام العالمي.
أما على المستوى المهني، فإن التركيز يجب أن ينصب كما أعتقد على النهوض بوسائل الإعلام والاتصال عن بعد العربية التقليدية، واستعادة ريادتها العربية أولاً ومن ثم ريادتها على الساحة الإعلامية الإقليمية والدولية، والوصول بها إلى أعلى مستويات المصداقية والتنافسية والجدارة على المستويين العربي والإسلامي والدولي، بما يمكنها من مواجهة الإعلام المضاد والحرب الإعلامية التي تمارسها بعض وسائل الإعلام داخل المجتمعات الأجنبية ضدها.
وهناك العديد من المجالات التي ينبغي العمل بها، في مقدمتها التحديث التكنولوجي وزيادة كفاءة نظم الإنتاج والتوزيع الإعلامي، وتوسيع سوق الاستهلاك الإعلامية والإعلان على المستوى العربي وضبطها وخاصة فيما يتعلق بالمواد الأجنبية منها بالتحديد، والعمل على تحقيق التوازن المطلوب بينها، والسعي لحل وإنهاء الاختناقات التمويلية التي تعاني منها بعض وسائل الإعلام الجماهيرية العربية، وضرورة إسهام الدول العربية في الوفاء بمتطلبات تطوير وسائل الإعلام والاتصال عن بعد الجماهيرية العربية التقليدية وخاصة من خلال الإعانات والهبات غير المشروطة، وإسقاط الديون وتخفيف العبء الضريبي وإعفاء المؤسسات الإعلامية الصغيرة منه وتشجيعها في نفس الوقت على الاندماج فيما بينها لتشكل وسائل إعلامية مؤثرة.
والعمل على نشر الوعي في الأوساط الإعلامية العربية، بمتطلبات النهضة العلمية والتقنية لوسائل الإعلام والاتصال عن بعد الحديثة بدرجة أكبر تتفق ومتطلبات الثورة الإعلامية والعولمة، ولتشجيع المؤسسات الصحفية على تنويع أنشطتها، وقيام المؤسسات الصغيرة بأنشطة تعاونية مشتركة فيما بينها، وحثها على الاندماج والتركز في مؤسسات أو اتحادات إعلامية عربية قوية، ولتكوين هياكل أكبر عندما يكون ذلك مناسباً، لأن الاندماج والتركيز حتمياً لبقائها واستمرارها وازدهارها في عصر العولمة والمجتمع المعلوماتي. ولا بد من قيام الأجهزة والاتحادات والمؤسسات الإعلامية على مستوى مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والجامعة العربية، والاتحاد المغاربي وغيرها من الأجهزة والمؤسسات الإعلامية والبحث العلمي العربية بوظائف أكثر حيوية وأوسع نطاقاً في مساندة التركيز والدمج بين تلك المؤسسات، بدلاً من مساندة جميع تلك المؤسسات وخاصة الصغيرة منها.
وفي الوقت نفسه، فإن النهوض بوسائل الإعلام والاتصال عن بعد العربية التقليدية يتطلب أيضاً ابتكار صيغة عامة للمشاركة بين المؤسسات الإعلامية والجماعات المثقفة والعلماء والباحثين العرب في داخل الوطن العربي وخارجه، من أجل استنباط أطر جديدة ومتنوعة للتعاون. ولا بد هنا من التركيز على مسائل التمويل وتنظيم الأنشطة المكلفة التي تتطلب درجة عالية من المخاطرة، مثل التوسع في فتح المكاتب الخارجية، ونشر النشاط الصحفي والإعلامي العربي ليشمل أكبر ساحة إعلامية من المجتمع الدولي، وتغطية الأحداث المهمة في المناطق البعيدة والقيام بالدراسات والبحوث العلمية، وعمليات الاستيراد والتصدير ذات الصلة بالنشاط الصحفي والإعلامي، وبحوث التسويق والتوزيع داخل الوطن العربي وخارجه وغيره من النشاطات المرتبطة بالتحقق من الانتشار والتوزيع.
يضاف إلى ذلك، أن التعاون بين تلك الجهات سوف يساعد على النهوض بوسائل الإعلام العربية التقليدية من خلال تنمية التعاون بينها من أجل التوسع في إنشاء مراكز البحوث والدراسات الإعلامية المشتركة القادرة على الأداء المثمر، وعقد ورشات للعمل، ومنح فرص أكبر للمفكرين والباحثين للإسهام بالرأي لتطوير وسائل الإعلام والاتصال عن بعد الجماهيرية العربية التقليدية، الرأي الذي يمكن أن يساعد على تقصير الطريق نحو ولوجها السليم لعصر العولمة والمجتمع المعلوماتي الذي أصبح يطرق أبواب المجتمع العربي بحدة.
وهنا تبرز مسألة تدريب الكوادر الإعلامية التي يجب أن تأخذ مكان الصدارة بين القضايا المهنية الحيوية والملحة، لأن الكادر الإعلامي والإنسان الصحفي بالذات هو جوهر عملية نهوض وتطوير وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية وتقنياتها. ولهذا لابد من الاهتمام بالوصول بالإعلامي العربي إلى أعلى المستويات المهنية المتوفرة على الساحة العالمية من خلال التدريب الشامل والمستمر، بهدف زيادة المستوى المهني والتقني للمؤسسات الإعلامية وللصحفيين العرب بشكل عام.
وهو الأمر الذي يفرض الاهتمام ببرامج التدريب المستمر على مهارات استخدام تقنيات وتكنولوجيا الحاسبات الإلكترونية وبرامجها المتطورة، وتقنيات استخدام شبكات المعلومات الدولية وخاصة شبكة "الانترنيت" العالمية، والاهتمام بدراسة اللغات الأجنبية لأنها عصب عملية الاتصال، والتي اعتبرها بروفيسور الأكاديمية الدبلوماسية الروسية، غيورغي خازن دليلاً للثقافة الرفيعة. وكحد أدنى اللغات الأكثر انتشاراً والمعتمدة في عمل المنظمات التابعة لمنظمة الأمم المتحدة وهي: الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية، والصينية، والروسية، والعربية إضافة للغات الألمانية والتركية بلهجاتها المختلفة والفارسية. لأن اللغات الأجنبية هي صلب ومحور عملية الاتصال والتبادل الإعلامي الدولي.
ولا بد كذلك من التوسع في إرسال واستقبال البعثات الإطلاعية والوفود الصحفية، وإيفاد البعثات التدريبية إلى الدول الأجنبية المتقدمة من أجل الوصول إلى أعلى مستويات الأداء الإعلامية العالمية، وزيادة الكوادر الإعلامية المهنية والتقنية من أجل تقديم خدمات حقيقية ومتطورة للساحات الإعلامية المستهدفة من عملية الإعلام والاتصال عن بعد، وهو ما يمثل ضرورة قصوى في ظل الثورة المعلوماتية التي يشهدها المجتمع الدولي في مجال وسائل الإعلام والاتصال عن بعد الجماهيرية والمعلومات.
وختاماً أقول أنه لابد من مضاعفة التركيز على الرأي العام العالمي خدمة للمصالح القومية العربية. ومما سبق نرى أن الانتقال إلى المجتمع المعلوماتي مرتبط بالعولمة التي تهيمن فيها وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد في الدول المتقدمة فقط على الساحة الإعلامية الدولية حتى الآن، ولا يمكن مواجهة أخطارها في دول العالم الثالث والدول العربية من بينها، عن طريق الانغلاق أو منع التدفق الإعلامي الخارجي، وإنما يمكن مواجهة أخطارها عن طريق تحصين المتلقي أينما كان ومهما كان مستواه العلمي والثقافي ومركزه الاجتماعي لمواجهة سيل المعلومات والإعلام الجماهيري المتدفق عليه من الدول المتقدمة، بحيث يستطيع المتلقي العربي كغيره من المتلقين في دول العالم الثالث الاستفادة من إيجابيات الإعلام الخارجي، وخاصة في مجال العلوم والتكنولوجيا والتقنيات الحديثة، وتحييد سلبياته التي تستهدف كيان الإنسان العربي ووجدانه، كما أنه من الضروري زيادة قدرة وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد العربية على المنافسة في الساحة الإعلامية الدولية، ومخاطبة الرأي العام العالمي.
ويأتي هذا عن طريق التركيز على كل المجالات والقضايا المهمة التي تمس وجهات النظر والمصالح العربية من مختلف القضايا العربية والإقليمية والعالمية، وعدم الاكتفاء بنقل المواقف ووجهات النظر العربية إلى الرأي العام العربي فقط كما هي الحال في الوقت الراهن على الأقل، بل مضاعفة التركيز على الرأي العام العالمي وبلغاته القومية في عملية النقل تلك، لمواجهة أي تحريف أو تشويه بشأن تلك القضايا الهامة والملحة من وجهة النظر العربية، والتصدي للمغالطات والأكاذيب والافتراءات التي تنشرها بعض وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد في الدول المتقدمة والمتسللة منها إلى الدول النامية والأقل تطوراً ضد المصالح العربية، من خلال الحرب الإعلامية الشعواء التي تشنها تلك الوسائل ضد العرب خاصة والمسلمين عامة دون كلل أو الملل.
وأخيراً فإنه هناك دوراً حقيقياً ومهماً ينبغي على وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد العربية أن تقوم به مجتمعة على المستوى الاقتصادي، والسياسي، والثقافي، والعلمي، والأمن القومي استمراراً لدورها الرائد والطليعي في خدمة القضايا القومية والدفاع عن القيم الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الأمة العربية، ومنها أن تخوض وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد العربية التقليدية والحديثة على السواء، المعركة الإعلامية الدولية بهدف التصدي للحرب الإعلامية المركزة والموجهة ضد العرب والمسلمين، وتوضيح الحقائق الأساسية الناتجة عن أزمات النفط وأسعاره التي تسببها وتخلقها دائماً الاحتكارات والدول المتقدمة المستهلكة للنفط وهي نفسها التي تخلق مشاكل كثيرة للدول المنتجة للنفط وخاصة لدول الخليج العربية التي يعتمد اقتصادها وخططها التنموية أساساً على الموارد النفطية.
وعن استغلال الصراعات الحدودية مع دول الجوار التي خلقها وخلفها وراءه الاستعمار الأوروبي، وتغذيها وتؤججها بعض القوى الخارجية التي لها مصلحة في إبقاء التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة العربية، إضافة للصراع والظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني الأسير داخل وطنه والمشرد خارجه، وفضح ممارسات العدوان الإسرائيلي المستمر والمتعاظم ضد الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية بشكل عام، جنباً إلى جنب مع خوض معركة السلام العادل والمطالبة بالتطبيق الكامل لقرارات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، ومناهضة التطبيع الاقتصادي والمهني والسياسي مع إسرائيل قبل اعترافها وإعادتها للحقوق الفلسطينية والعربية المغتصبة وفقاً لقرارات الشرعية الدولية. لأن الإعلام هو ساحة المعركة الرئيسية من أجل تحقيق السلام العادل وخلق نوع من الثقة المتبادلة بين أطراف الصراع.
كما أنه من الضروري الدفاع عن حقوق ومصالح جميع الشعوب العربية والإسهام في إنهاء النزاعات والصراعات العربية – العربية، والعمل على تصفية نظام العقوبات المجحد الذي تعاني منه عدة أقطار عربية منذ سنوات طويلة، ومن بينها العراق وليبيا والسودان، لرفع الظلم والمعاناة الأليمة عن شعوب تلك الدول من جراء الحصار الطويل، عن طريق الحوار البناء الدائم والإيجابي مع الرأي العام الدولي المؤثر والذي يشكل الساحة الإعلامية الدولية والتأثير الإيجابي على رموز تلك الساحة الإعلامية.
ويتطلب تحقيق تلك الأهداف حشد كل القدرات والإمكانيات الاقتصادية والعلمية والتقنية والمعرفية، والاستعانة بالإنجازات الحديثة لتكنولوجيا المعلومات والإعلام وتقنيات الاتصال عن بعد المتطورة.
ومن أجل هذا أكرر أنه لابد من إعداد الكوادر غير التقليدية المتخصصة والمدربة بشكل جيد للقيام بهذه المهمة على الصعيد الدولي، وتمكينها من التأثير على الرأي العام ليس المحلي فقط كما هي الحال في الوقت الراهن، بل على الرأي العام العالمي في كل أرجاء العالم بما فيه التأثير الإيجابي على الرأي العام حتى داخل إسرائيل والرأي العام المؤيد لإسرائيل خارجها. من خلال توضيح أهداف ومرامي الخيار الاستراتيجي للعرب الذين اختاروا السلام العادل هدفاً لحل الصراع المحتدم منذ أكثر من نصف قرن مضى.
ولابد من تعزيز التعاون بين وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد العربية، والمؤسسات الإعلامية مع دول الجوار للدول العربية والدول الإسلامية من خلال دعم كل صور التبادل العلمي والفكري والثقافي على المستوى القومي معها، وهي مهمة تقع في رأيينا على عاتق أصحاب القرار السياسي في الدول العربية، واتحاد الصحفيين العرب، ومعه كل المنظمات والهيئات المعنية الإعلامية العربية للاضطلاع بالمهام القومية في المجال الإعلامي والفكري والعلمي، والعمل على تعزيز قدرة وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد العربية على إرساء أسس السلام وتعزيز الأمن والاستقرار قطرياً داخل الأقطار العربية وإقليمياً داخل المنطقة ودول الجوار الإقليمي وفي العالم أجمع، دون إغفال أهمية التعاون الإيجابي مع الاتحادات والمؤسسات الإعلامية العالمية المعنية بتقدم الإعلام وحرية التعبير والثقافة، وهي مسألة تأخر فيها العرب كثيراً حسب رأي الصحفي العربي المعروف إبراهيم نافع.
وأرى أنه لابد من وضع برنامج منطقي وواقعي ممكن التطبيق على المستوى العربي لتحقيق التعاون والتنسيق في العمل، بالشكل الذي يتعزز فيه مشاركة الصحفيين العرب من خلال نقاباتهم المهنية ومؤسساتهم الإعلامية في الملتقيات الإعلامية والمهنية العالمية، ومشاركتهم الفاعلة في صناعة الخبر عن أهم الأحداث العالمية الجارية هنا وهناك. وقبل ذلك وبطبيعة الحال، فإنه من الضروري تنمية علاقة المشاركة والتعاون البناء بين الأوساط الصحفية العربية والدولة ومؤسساتها السياسية والدستورية في كل الأقطار العربية، على أساس من العمل المشترك لمصلحة الوطن والنهوض به قطرياً وعربياً، وفي الوقت نفسه الاضطلاع بالمهام المطلوبة على المستوى الإقليمي والعالمي.
وهذا يتطلب الإسراع في وضع وتطبيق برنامج إعلامي عربي يضمن فاعلية أكبر لوسائل الإعلام الجماهيرية العربية، ويضمن لها دوراً أكثر فاعلية ويساعدها في أداء أدوارها المتنوعة في مجالات التوعية العلمية والاقتصادية والتقنية والمعرفية والتنويرية والتثقيفية والتربوية وفي التصدي لأعباء التنمية الشاملة. كما أنه سوف يساعد أيضاً على الارتقاء بوسائل الإعلام الجماهيرية العربية إلى مصاف كبريات وسائل الإعلام الجماهيرية العالمية، وسوف يساعد بالضرورة على تمكين وسائل الإعلام الجماهيرية والاتصال عن بعد العربية من الأخذ بدورها الريادي والطليعي من كل القضايا الوطنية والقومية، أثناء الانتقال التدريجي إلى المجتمع المعلوماتي المنفتح عالمياً، وهو المجتمع الذي تمخض عن العولمة وتداعياتها الإعلامية بشكل أكثر إيجابية وفاعلية وتأثيراً.
ويسعدني أن أهدي هذا العمل لمن سار على دربي الإعلامي العلمي ابني الغالي مؤنس مع تمنياتي له بالنجاح والتوفيق.
المراجع والمصادر
باللغة العربية والروسية:
1. د. أحمد يوسف القرعي: دعوة مصر لعقد مؤتمر دولي لمواجهة الإرهاب. // القاهرة: مجلة السياسة الدولية، 2001/العدد146.
2. د. أسامة الغزالي حرب: الأحزاب السياسية في العالم الثالث. // القاهرة: سلسلة المعرفة. 1987 سبتمبر.
3. أندريه فلاديميروفيتش كروتسكيخ، وأليكساندر فلاديميروفيتش فيدر وف: عن الأمن الإعلامي الدولي. // موسكو: مجلة الحياة الدولية، العدد 2 لعام 2000. (باللغة الروسية)
4. إسلام كريموف: أوزبكستان، طريقها الخاص للتجديد والتقدم. ترجمة: أ.د. محمد البخاري. جدة: دار السر وات، 1999.
5. إسلام كريموف: أوزبكستان، نموذجها الخاص للانتقال إلى اقتصاد السوق. ترجمة: أ.د. محمد البخاري. جدة: دار السر وات، 1999.
6. إسلام كريموف: أوزبكستان على طريق الإصلاحات الاقتصادية. بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 1996.
7. إبراهيم نافع: مستقبل الصحافة في مصر. // القاهرة: الأهرام، 29 يونيو/حزيران 2001، العدد 41843.
8. د. بطرس غالي: حقوق الإنسان في 30 عاماً. // القاهرة: مجلة السياسة الدولية 1979/يناير.
9. د. جيهان أحمد رشتي: الأسس العلمية لنظريات الإعلام. دار الفكر العربي، القاهرة:
10. حسام عبد القادر: البابا شنودة في لقاء مفتوح. // القاهرة: أكتوبر، العدد 1288، 1/7/2001.
11. د. حازم الببلاوي: العرب والعولمة. // القاهرة: الأهرام 30/12/1997.
12. خازن غ.س.: فوق حاجز اللغات. // موسكو: مجلة الولايات المتحدة وكندا، العدد 9/2000. ص 104. (باللغة الروسية)
13. زاسورسكي يسن نيكولاييفيتش: المجتمع الإعلامي ووسائل الإعلام الجماهيرية. http://intra.rfbr.ru/pub/vestnik/V3_99/2 _1.htm (باللغة الروسية)
14. سيونتيورينكو و.ف.: المجتمع المعلوماتي والمعلومات العلمية. http://intra.rfbr.ru/pub/vestnik/V3_99/1_1.htm (باللغة الروسية)
15. د. شمس الدين عبد الله شمس الدين: نظرية المعلومات: مفاهيم ومقولات وقضايا أساسية. دمشق: مجلة المعرفة العدد 450/2001.
16. د. صابر فلحوط، د. محمد البخاري: العولمة والتبادل الإعلامي الدولي. دمشق: دار علاء الدين، 1999.
17. طريق روسيا إلى المجتمع المعلوماتي (الأسس، المؤشرات، المشاكل، والخصائص). تأليف: غ.ل. صاموليان، د.س. تشيريشكين، و.ن. فيرشينسكايا، وآخرون. موسكو: معهد نظم التحليل في أكاديمية العلوم الروسية، 1997. (باللغة الروسية)
18. عاطف الغمري: الأسلحة الجديدة في ترسانة الهجوم الاقتصادي العالمي. // القاهرة: صحيفة الأهرام 1996/يناير 30.
19. غاكوف ف.: الحاسب الآلي على البخار. // موسكو: مودوس، 1999، العدد 2 (81). (باللغة الروسية)
20. كليمينكو س.، أورازميتوف ف.: وسط حياة المجتمع المعلوماتي // ИФВЭ، МФТИ. – Протвино: РЦФТИ، 1995. (باللغة الروسية)
21. د. محمد سامي عبد الحميد: أصول القانون الدولي العام. 1979.
22. د. محمد عابد الجابري: قضايا في الفكر العربي المعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997.
23. د. محمد علي العويني: الإعلام الدولي بين النظرية والتطبيق. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية، 1990.
24. د. محمد البخاري: العولمة وطريق الدول النامية إلى المجتمع المعلوماتي (1-6). // أبو ظبي: صحيفة الاتحاد، 27 سبتمبر-13 أكتوبر 2001.
25. د. محمد البخاري: الحرب الإعلامية والأمن الإعلامي الوطني. // أبو ظبي: صحيفة الاتحاد، الثلاثاء 23 يناير 2001.
26. د. محمد البخاري: الأمن الإعلامي الوطني في ظل العولمة. // أبو ظبي: صحيفة الاتحاد، الاثنين 22 يناير 2001
27. د. محمد البخاري: العلاقات العامة كهدف من أهداف التبادل الإعلامي الدولي، مقرر لطلاب الماجستير. طشقند: جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية، 2001. (باللغة الروسية)
28. د. محمد البخاري: العولمة والأمن الإعلامي الدولي. // مجلة "معلومات دولية" دمشق: العدد 65/ صيف 2000.
29. د. محمد البخاري: وكالات الأنباء والصحافة الدولية في إطار العلاقات الدولية. طشقند: جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية، 2000. (باللغة الروسية)
30. د. محمد البخاري: مبادئ الصحافة الدولية والتبادل الإعلامي الدولي. مقرر لطلاب البكالوريوس. طشقند: جامعة طشقند الحكومية للدراسات الشرقية، 1999. (باللغة الروسية)
31. د. محمد البخاري: مبادئ الصحافة الدولية والتبادل الإعلامي الدولي. طشقند: جامعة ميرزة أولوغ بيك الحكومية. 1997.
32. د. محمد نعمان جلال: العولمة بين الخصائص القومية والمقتضيات الدولي. // القاهرة: مجلة السياسة الدولية، عدد 145، يوليو 2001.
33. محمود خليل: الأمن القومي العربي والمتغيرات الإقليمية والدولية الجديدة. // القاهرة: مجلة السياسة الدولية، العدد 146/2001 أكتوبر.
34. د. ممدوح شوقي: الأمن القومي والعلاقات الدولية. // القاهرة: مجلة السياسة الدولية 1997/العدد 127.
35. ميليوخين ي. س.: تكنولوجيا المعلومات والعمل الحر. موسكو: غارانت – بارك، 1997. (باللغة الروسية)
36. نبيل عمر: ذئب المخابرات الأحمر: الباب السري لجمال عبد الناصر. عرض: إمام أحمد. // القاهرة: الأهرام الاقتصادي، العدد: 1681/2001.
37. د. هالة مصطفى: العولمة .. دور جديد للدولة. القاهرة: مجلة السياسة الدولية، 1998 العدد 134.
38. د. هالة مصطفى: المشروع القومي في مصر: دور الدولة الأساسي. // القاهرة: الأهرام 1997/4.28.
39. د. هالة مصطفى: المشروع القومي بناء الداخل أولاً. // القاهرة: الأهرام 1997/3.31.
40. د. هالة مصطفى: حقوق الإنسان، وفلسفة الحرية الفردية. // القاهرة: "نشطاء" البرنامج الإقليمي لدراسات حقوق الإنسان. 1997 العدد3. أكتوبر.
41. وارطانوفا يي. ل.: النموذج الفنلندي على عتبة القرن الجديد. المجتمع الإعلامي ووسائل الإعلام الجماهيرية الفنلندية في الآفاق الأوروبية. – موسكو: جامعة موسكو الحكومية، 1999. (باللغة الروسية)
42. وارتانوفا يي.ل.: الاتحاد الأوروبي في البحث عن المجتمع المعلوماتي. // موسكو: فستنيك جامعة موسكو. سلسلة الصحافة. 1998، الأعداد 4 و 5. (باللغة الروسية)
43. يرشوفا ت.ف.: آفاق قضايا الانتقال إلى المجتمع المعلوماتي في القرن الحادي والعشرين. http://intra.rfbr.ru/pub/vestnik/V3_99/1_5.htm (باللغة الروسية)
44. يرشوفا ت.ف.، خوخلوف يو.يي.: المجتمع المعلوماتي ومستقبل المكتبات // المعلومات التربوية، 1997، العدد 4. (باللغة الروسية)
باللغات الأجنبية الأخرى:
45. Building the European Information Society for us all: Final policy report of the high-Level expert group, April 1997 / European Commission. Directorate- General for employment, industrial relations and social affairs. Unit V/B/4. - [Brussels, manuscript completed in April 1997]
46. Castells M. The Information Age. Economy, Society and Culture. Volume I. The Rise of the Network Society. - Oxford: Blackwell Publishers, 1996.
47. David Manning White, "Mass Communication Research: A Vuew in Perspective", in Lewis Antony Dexter and David Manning White (eds.) People, Society and Mass Communication (Glencoe, Illinois: The Free Press, 1964.
48. Edward N. Luttwak, The Global Setting of U.S. Military Power-Washington. 1996.
49. Francis Fukuyama, End of History, National Interest, summer. 1989.
50. Hans Morganthue, Political Nations, Calcutta, Scientific Book Agency, 1965, Chap. 28.
51. Information Socity: Challenges for Politics, Economy and Society. - http://www.bmwi-info2000.de/gip/fakten/zvei e/index.html
52. Information Society: Concepts, Work Programme and Examples of Public and Private Initiatives.
53. James N. Rosenau, New Dimensions of Security: The Interaction of Globalizing and Localizing Dynamics, Security Dialogue, 1994, Vol. 25 (3).
54. Jan AART SCHOLTE, Global Capitalism and the State, International Affairs, Vol. 73, No. 3, July 1997.
55. John C. Maloney, "Advertising Research and an Emerging science of Mass Persuasion", in Lee Richardson (ed.) Dimensions of Communication (N. Y.: Appleton Century Crafts, 1969)
56. “Joint Doctrine for Information Operations", Joint Chief of Staffs, Joint Pub. 3-13, October 9, 1998.
57. Karl W. Deutsch, "The Nerves of Government: Models of Political Communication and Control" (Clencoe, Illinois: The Free Press, 1963)
58. Le Monde. Dossir et Documents. - 1997, Mai, No 254.
59. Paul Kennedy, Globalization and its Discontents, New Perspectives Quarterly, Vol. 13, No. 4. Fall 1996.
60. Peter Drucker, The Second Infuriation Revolution, New Perspectives Quarterly, Vol. 14, No. 2, spring 1997.
61. The Information Society and the Developing World: A South Africa Perspective (Draft 5, Version 5.1, April 1996).
62. The Global Information Infrastructure: Agenda For Cooperation / R. H. Brown, L. Inving, A. Prabhakar, S. Katzen. - [1994].
63. Vartanova E. National Infrastructure for the New Media in Russia // Changing Media and Communications / Ed. by Yassen N. Zassoursky and Elena Vrtanova. - Moscow: Faculty of Journalism/ICAR, 1998.
64. Venturelli S. Prospects for Human Rights in the Political and Regulatory Design of the Information Society // Media and Politics in Transition / Ed. by Jan Servaes and Rico Lie. - Leuven, 1997.
65. Wege in Informationsgesellschaft: Status quo und Perspekttiven Deutschland's im international Vergleich / Fachverband Informationstechnik.
- http://www.bmwi-info2000.de/gip/fakten/status/index.html
66. W. Schramm, "The Challenge to Communication Research". in Ralph O. Nafziger and David Manning White (Eds.) Introduction to Mass Communications Research (Baton Rouge, Louisiana State University Press, 1958)
طشقند في 9/1/2008

هناك تعليقان (2):

  1. الردود
    1. مع خالص المودة والإحترام. إنه من الكتب المقررة لطلاب الماجستير باللغة الروسية مترجماً إلى اللغة العربية

      حذف