الاثنين، 15 ديسمبر، 2014

غوغا أبراروفيتش هداياتوف وإسهام الأوزبك في حضارة الترك


إسهام الأوزبك في حضارة الترك

البروفيسور، ودكتور العلوم التاريخية، والحائز على لقب الجدارة العلمية في جمهورية أوزبكستان، غوغا أبراروفيتش هداياتوف، ولد بتاريخ 9/5/1930 بمدينة طشقند في أسرة من المثقفين الإبداعيين. والده أبرار هداياتوف، ووالدته سارة إيشان توراييفا، كانا من أبرز الممثلين في الدراما الأوزبكية، وحائزين على لقب فنان الشعب في إتحاد الجمهوريات السوفييتية الإشتراكية. وحصل والده أبرار هداياتوف عام 1947 على إعتراف الأوساط الفنية في وطن شكسبير إنكلترا به كأفضل ممثل لعب دور عطيل، في المسرحية الدرامية المأخوذة عن رواية شكسبير الدرامية عطيل، عندما عرضها المسرح الأوزبكي هناك.
وتخرج غوغا أبراروفيتش هداياتوف، من جامعة م. ف. لمونوسوف الحكومية بموسكو. وعمل من عام 1958 وحتى عام 1961 باحث علمي متقدم بمعهد الإستشراق التابع لأكاديمية العلوم في جمهورية أوزبكستان السوفييتية الإشتراكية؛ ومن عام 1961 وحتى عام 1994 شغل منصب رئيس قسم التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة طشقند الحكومية؛ ومن عام 1967 وحتى عام 1987 شغل منصب عميد كلية التاريخ بجامعة طشقند الحكومية؛ ومن عام 1994 وحتى عام 1999 شغل منصب مستشار وزير الشؤون الأجنبية بجمهورية أوزبكستان؛ ومن عام 1994 وحتى عام 1999 شغل منصب بروفيسور في جامعة الإقتصاد العالمي والدبلوماسية. وأحيل إلى التقاعد في عام 2005.
وخلال مسيرته العلمية الطويلة نشر غوغا أبراروفيتش هداياتوف،  15 كتاباً علمياً، ونشر في المجلات العلمية أكثر من 100 مقالة علمية. وألقى محاضرات علمية في موسكو، ودلهي، وبكين، وبيشاور. وألقى محاضرات في منشيستر، وجامعة جواهر لال نهرو، وجامعات: مدريد، والقدس، وكولومبيا، وميريلاند، وبكين، وفي كوليج نيويورك سيتي.
وكانت حضارة الترك في تركستان من بين اهتماماته العلمية ونشر عنها كتاباً تعرض فيه لأصول الشعب الأوزبكي المعاصر. وأشار فيه إلى أصل كلمة "أوزبك" وذكر أن خان خيوة عبد الغازي خان (1642م-1663م)، الذي كان في نفس الوقت شاعراً وباحثاً علمياً مهتماً بتاريخ الترك، أكد في أبحاثه على أن تسمية "أوزبك" جاءت من اسم خان الأوردة الذهبية أوز بيك خان. وكتب "أن أوز بيك خان بعد اعتناقه للدين الإسلامي أطلق على قبيلته (إلـ) جوتشي اسم شعب الأوزبك وأنهم من دون شك سيبقون على هذه التسمية إلى يوم القيامة". وفي هذه الفكرة هناك شيء من الحقيقة طبعاً. لأن شهرة أوز بيك خان العظيم، كقائد وحاكم أقنعت قبائل الترك بإتخاذ اسمه، وانتحال اسمه في السلطة، واستخدام مكانته في سلم سلطات قبائل الترك. رغم أنه كان هناك رأي آخر اعتبر مؤيدوه أن ظهور هذا العرق كان نتيجة لجمع تعبيرين تركيين هما: "أوز"، وتعني "أنا نفسي" و"بيك" وتعني قائد، ومن جمعهما بكلمة واحدة يصبح معناها أنا قائد نفسي. ولكن من الصعب القبول بهذا الراي لأننا لم نجد في أي من القواميس التركية القديمة مثل هذا التعبير، ولم نعثر على هذه الكلمة أيضاً. وعلى ما يبدوا أن تفسيرها يحتاج لدراسات إضافية كثيرة. وهناك إشارة للتفسير الصحيح لهذا التعبير في علم السلالات البشرية يشير إلى مرحلة حديثة كاملة من ظهور قوميات معاصرة، نشأت بينها قومية يبلغ عدد أفرادها 30 مليون نسمة، وهي سلالة الأوزبك التي كان لها أراض جغرافية ودولة لعبت دوراً رئيسياً في تاريخ وسط آسيا. وحاول ز. ف. توغان، المعروف بتعاطفه مع الشعب الأوزبكي والجمهورية الأوزبكية حل هذه المشكلة جذرياً من خلال إشارته إلى أن المصادر القديمة تحدثت عن 92 قبيلة من الترك، وأشار إلى أنه يجب إعطاء رشيد الدين، وأبو الغازي، صفة الأوزبك أيضاً (toksan ikki kabila ozbak – Z.V. Togan Bugunki Turkili. Turkistan ve Yakin Tarihi. c.1.s.42 Istanbul 1981). وعلى ما نعتقد أن في هذا المفهوم شيء من المبالغة، لأن قبيلتين من الترك فقط انشقتا تحت قيادة جاني بيك، وغيريا، عن القبائل التي بلغ عددها آنذاك 92 قبيلة في بداية القرن الـ15م وانضمتا إلى القبائل القرغيزية، وحصلتا على تسمية قرغيز قايساكي، وفي بذلك الوقت كانت هذه الحقيقة معقولة لحد ما. ونعتقد أن الحديث دار بالدور الأول عن ظهور مصطلح قرغيز قايساكي. لأن حديث ز. توغان دار حول الجانب العرقي من الموضوع فقط، وهذا يتمتع بأهمية للقارئ الحديث، لأن له عرق أوزبكي ويخفي وراءه تاريخهم المعقد.
ومن دراسة دقيقة للوثائق والمراجع الحديثة توفرت إمكانية وضع تصور مبني على أسس علمية أكثر، وهو قريب من الخارطة الواقعية لظهور عرق "الأوزبك". ومن وثائق (لين بول، بوسفورت، كما أشار تيزينغاوزين في مؤلفه) يبدو أن المصطلح المشار إليه كان اسم علم، وظهر في عاصمة الأسرة الحاكمة السلجوقية إلديغيز في تاوزريز مع بداية القرن الـ13م.
وكانت الإمبراطورية السلجوقية آنذاك دولة عسكرية، وكان الجيش عماد الدولة، وكان قادته من العبيد الترك (المماليك). لأنه لم يكن من الممكن الثقة بالأحرار لتولي مناصب عسكرية عليا أو إدارة بعض المناطق التابعة لها؛ واعتمد السلاجقة كثيراً على أمانة المماليك الذين اشتروهم، وربوهم في القصور مع الحكام وورثتهم. وكان لدى كل سلطان سلجوقي نخبة من المماليك القسم الأكبر منهم أحضر من وسط آسيا، حيث تم شراءهم من أسواق العبيد في خوارزم، وبخارى؛ وشغل المماليك آنذاك المناصب الحكومية العليا، وكان الجيش بكامله تحت قيادتهم عملياً. وكمكافأة لهم على أمانتهم وإخلاصهم في الخدمة كانت تمنح لهم الحرية، وحتى أنهم أصبحوا في بعض الأحيان حكاماً لبعض المناطق وحتى الدول. وعندما ضعف السلاطين السلاجقة وبدأت إمبراطويتهم بالتفكك، حارب المماليك كالسابق دفاعاً عن ملاكهم، وكانوا دائماً حماة ومربين للورثة والسلاطين. وكان يطلق عليهم اسم أتا بيك (عطا بيك). وسرعان ما استغل بعض المعلمين صغر سن تلاميذهم، واستولوا على سلطاتهم الكاملة بالتدريج، وتحولوا إلى حكام يتمتعون بالسلطة الكاملة في مناطقهم، وأخذوا يستخدمون كل مزايا السلطة، وأنشأوا أسرهم الحاكمة الخاصة بهم، ولو أنهم كانوا حقوقياً تابعين للحكام السابقين. وعلى سبيل المثال: مارس السلطة في دمشق البوريديين، وفي ما وراء النهر الزانغيديين، وفي الموصل سلالة الموصليين، وفي سورية سلالة السوريين، وفي كردستان سلالة اليورتوكيديين، وفي فارس سلالة السالغانديين، وفي لوريستان سلالة الخازارسبيديين.
ومن دول العطابيكيين تميزت دولة عطا بيك الأذربيجانية التي اصطلح على تسميتها بدولة إلديغيزيدائيين. ولكنهم لم يستكروا في الحكم لفترة طويلة، وامتد حكمهم من عام 1136م وحتى عام 1225م فقط، وأبقوا وراءهم أثراً تاريخياً ساطعاً وعميقاً. وكان مؤسس الأسرة الحاكمة شمس الدين إلديغيز، وهو مملوك تركي من بادية كيبتشاك، اشتراه السلطان السلجوقي مسعود (1134م-1152م) في خوارزم. وخدم في قصر السلطان، وخلال خدمته لفت الأنظار بإخلاصه ومقدراته التنظيمية الجيدة. ولقاء أمانته في الخدمة عينه السلطان والياً على منطقة أذربيجان، وكانت عاصمة ولايته مدينة تبريز التي تحول حكمها بالكامل للترك. وفي نفس الوقت أصبح العطابيكيين وريثين للسلطنة، ومن بينهم كان السلطان توغرول الثالث (1176م-1194م). ونظراً لتمتع إلديغيز، بثقة السلطان المطلقة، استطاع أن يصبح حاكماً مطلقاً للبلاد. وأخذ يصدر الأوامر، ويوزع الإقطاعات على كل من خدمه بإخلاص من القادة العسكريين، كما تولى أمر بين المال. وبعد وفاته عام 1176م استولى على السلطة عطا بيك آخر هو جيهان بهلوان، من أسرة الإلديغيزيين. وطبعاً لم يستطع أحد الإحتجاج على إغتصابه للسلطة، لأنه كان يمتلك جيش ضخم، يقوده 70 من القادة المماليك المخلصين له، موزعاً على كل أراضي الولاية. وتمكن جيهان بهلوان، من إقامة علاقات صداقة مع خوارزم شاه، وكانت خطوته الدبلوماسية هذه هامة جداً، ومكنته من إقامة علاقات تحالف بين العطابيكيين والخوارزم شاهيين. وبعد ذلك بدأ بالحصول على إعتراف دولي بالأسرة الحاكمة.
وسمحت الأوضاع الناشئة بحصول جيهان بهلوان على مستوى عال وفق المقاييس الدولية. وأقام علاقات صداقة مع خوارزم شاه تيكيش (1172م-1193م)، جرت خلالها مراسلات دائمة بينهما شملت تبادل الدبلوماسيين. وكتبت كل الرسائل بروح الصداقة والتعاون. وهذه الطبيعة حظيت بقبول الطرفين. وأشار جيهان بهلوان دائماً لإخلاصه لخوارزم شاه، وأيد خوارزم شاه تصرفاته السياسية الخارجية لاعتباره حليف له. وهو ما سمح لبهلوان بتوسيع أراضي دولته لتصل حتى آسيا الصغرى. وهكذا تحولت دولة الإلديغيزيين في عهده إلى دولة قوية، ومن أقوى دول العطابيكيين.
ولتقوية موقعه داخل البلاد استخدم بهلوان الدين الإسلامي. وأعار المؤرخ الفارسي جوزجاني لهذا اهتماماً خاصاً. وكتب: "بنى الكثير من المدارس والمساجد" (زبدة التواريخ، الصفحة 239). وأصبحت دولة الإلديغيزيين من أهم الدول الدينية الإسلامية. وفي تبريز، جرى إعداد أبرز رجال الدين في المساجد والمدارس لأذربيجان. وتوفي بهلوان عام 1187م وبعد دفنه مباشرة نشب صراع بين أبنائه حول ميراثه، وابتسم الحظ لإبنه الرابع أوزبك، الذي ولدته إحدى عشيقات بهلوان، وكان اسمه الحقيقي مظفر الدين، وأضيف له لقب أوزبك (ўzbak)، ودخل التاريخ تحت هذا اللقب وأعطاه لجماعة عرقية من الترك لتعرف بعد ذلك باسم الأوزبك. واستمر الصراع الداخلي بين ورثة بهلوان حتى عام 1210م، واصبح أوزبك آخر عطا بيك من الإلديغيزيين بعد أن انتصر نهائياً في الصراع. واحتل تبريز عام 1137م وأعلنها عاصمة له. وسرعان ماتم ضم شمال غرب إيران والعراق إلى أملاكه، وإمتدت حدودها الشمالية حتى جورجيا وشيروان. وانتمى الإلديغيزيين عرقياً لكونفيدرالية قبائل الترك قره كيونلي، وانحدروا من أغوز عشيرة إيوي، التي استقرت في خوارزم. وكانوا عرقياً وروحياً مرتبطين بالخوارزميين، ولهم لغة واحدة مما سهل تفاهمهم، وهو ما لم يحدث في إيران لأن الأمراء وولاة العهد في عهد الكاجاريين كانوا لايعرفون اللغة الفارسية ويتحدثون ويدرسون بلغة الترك. والقسم الأكبر من تاريخهم كان للإلديغيزيين أتباع خوارزم شاه. وكانوا مرتبطين بشكل وثيق بالسلجوقي العظيم طوغرول الثالث (1176م-1194م).
وكان أوزبك محارب نشيط وقائد موهوب متمتعاً بشخصية حكومية مرنة؛ وخلال عدة سنوات وسع حدود أملاكه، وضم إليها أصفهان وهمدان، واستولى على العراق. وبذلك شكل دولة كبيرة، امتدت حدودها من شمال الهند حتى القوقاز. واستطاع إقامة علاقات دبلوماسية مستقلة مع أقوى الدول الإسلامية آنذاك مصر، وتحالف مع الإسماعيليين. ونجاحات أوزبك هذه أقلقت خوارزم شاه علاء الدين، فقرر إلزام تابعه بالإخلاص. ولكن غزو جينغيز خان لأملاكه ومقتله حال دون ذلك.
وما لم يستطع تحقيقه الأب، حاول ابنه خوارزم شاه جلال الدين منغوبيردي تحقيقه. وأثناء هروبه من المغول هاجم أملاك أوزبك عام 1221م، وحاول إقامة دولة خوارزمية جديدة هناك. وهكذا تحول حليفه التابع بالأمس إلى عدو. ودافع أوزبك وأتباعه ومواطنيه بيأس عن أملاكهم، ولكن الهزيمة كانت مصيرهم. مما اضطر أوزبك على الإعتراف بتبعيته لخوارزم شاه الجديد، وبأمر منه قرأت خطبة في تبريز باسم جلال الدين، وبدأوا بصك النقود باسمه. واستمرت هذه الحال لخمس سنوات تقريباً، وفي عام 1225م اشتعلت حرباً جديدة بينهما. واقترب أوزبك من النصر وفي عام 1227م حاصر تبريز، حيث أقام خوارزم شاه عاصمته. وفي المعركة الفاصلة تعرض أوزبك للهزيمة مرة أخرى، ولكن الهزيمة في هذه المرة كانت هزيمة نهائية واضطر بعدها للهرب. واختبأ في غيانج، حيث توفي في ديسمبر/كانون أول عام 1225م. وأعلن بعدها عن خضوع كافة أملاكه لسلطة جلال الدين، الذي حكمها حتى مقتله عام 1231م. وبذلك كان آخر حكام دولة الإلديغيزيين.
ولم يتقبل أقارب وأنصار أوزبك فقدانهم للسلطة والدولة وبدأوا كفاحاً قاسياً لاستراداد وطنهم. وكرمز لوفائم لقائدهم أطلقوا على أنفسهم تسمية الأوزبك. وفي عام 1227م وبقيادة القائد السابق للجيوش، وباسم الأوزبك أيضاً حاصروا تبريز، حيث تمركز جلال الدين، ولكن الحرب إنتهت بشكل سيء، و إضطروا للهرب إلى شمال أذربيجان بعد تعرضهم للهزيمة. وفي عام 1228م جرت إنتفاضة أخرى إنتهت بهزيمة الأوزبك. وفي عام 1256م احتل المغول أذربيجان بقيادة هولاكو خان، الذي احتل كامل إيران، وأقام فيها سلطة أسرة هولاكو الحاكمة المغولية.
وكانت قبائل الأوزبك مضطرة مرة أخرة للتراجع. ومكنهم إنشاء الأورطة الذهبية في النهاية من العثور على وطن عرقي. وانضموا إلى الأورطة الذهبية وإنصهروا ضمن جيوش باتو خان، الذي منحهم لأخيه شيباني كقوة عسكرية رئيسية له. ومن وقتها أصبحت القبائل تسمى بالأوزبك الشيبانيين. ومنذ ذلك الوقت وبرأي المؤرخ الفارسي رضا بيه خان تشكلت في داشتي كيبتشاك ثلاثة مجموعات عرقية هي:
- الأوزبك الشيبانيين؛
- والأوزبك القازاق؛
- والأوزبك التيموريين.
والأوزبك القازاق (القازاق في المستقبل) فضلوا الحفاظ على أسلوب الترحال في حياتهم وعاشوا في البادية. وشكلوا نواة عرقية للقرغيز قايساك، التي تشكل منها في القرن الـ15م القرغيز، والقازاق. ومن هذه المجموعات القبلية الثلاث للأوزبك ترك الشيبانيون فقط الترحال واستقروا، وشغلوا الأراضي الواسعة الممتدة من جبال الأورال، وحتى نهر الفولغا، وأسسوا في نهاية القرن الـ13م المدن السيبيرية: تيومين، وتوره، وتوبول. وبعد وفاة تيمور عام 1405م بدأ الأوزبك الشيبانيون بالإنتقال المنظم إلى وسط آسيا، ورافق هذا الإنتقال حروب طاحنة استمرت لنحو مئة عام وانتهت بإنتصارهم. وجرى إنصهار فرعين من الشعب الأوزبكي بشكل طبيعي، لأن لغتهم واحدة، ودينهم مشترك، وأسلوب حياتهم وقيمهم الأخلاقية واحدة، وهذه الميزات كانت أقوى من التعصب السياسي والمصالح الذاتية للحكام. وأشار الباحث الأمريكي المتخصص بتاريخ الشعب الأوزبكي، بروفيسور جامعة كولومبيا إ. ألوورث إلى التشابة المتميز في الوعي الإجتماعي لمجموعات الشعب الأوزبكي من خلال دراسته لدوستان "ألباميش"، التي كانت متطابقة في الشهرة لديهم جميعاً. واكتشف فيها القرابة الروحية للأوزبك الذين عاشوا في وسط آسيا مع الأوزبك الذين عاشوا بعيداً في الشمال (E. Allworth op.cit. pp..21,37).
والأورطة الذهبية كانت المرجل الإثني الضخم الذي انصهرت فيه جنباً إلى جنب مختلف القبائل والشعوب، وإختلطت فيه مختلف الجماعات العرقية، وأنشأوا الجديد منها، وأخذت مختلف التسميات. حتى أن الدول أصبحت متلاحمة أكثر، ولم تسمح تلك الأجواء بتوسيع المساحة اللازمة لحياتهم فغادر بعضهم الأورطة الذهبية للسكن في أراض جديدة واقعة في الجنوب. و بدأ تفاعل تكاملي داخل الأورطة الذهبية أدى إلى تجمع القبائل الأوزبكية. وفي مطلع القرن الـ14م أشير في المراجع الأدبية وفي الوثائق الرسمية إلى إطلاق تسمية "بلاد الأوزبك" أو "أولوس الأوزبك" على الأورطة الذهبية. وظهرت هذه التسمية بعد إعتناق أوزبك خان الدين الإسلامي عام 1325م إلى جانب التسمية السابقة "أولوس جوتشي" ورافقها ظهور تسمية "أولوس الأوزبك"، وأصبحت البلاد تسمى هكذا في الوثائق الرسمية. ووراثياً كان إسم أوزبك خان، سلطان محمد، ولكنه بعد أن أصبح خاناً، تحول اسمه أوزبك خان. ومن دون شك هذا الإسم عكس رغبة الطبقة السائدة آنذاك لتكون في قيادة المجموعات العرقية البارزة. لأن الأوزبك كانوا من تبريز.
وفي نهاية أربعينات القرن الـ13م تقريباً أي في السنوات الأخيرة من خانية باتو خان جاء الأوزبك إلى الأوردة الذهبية. وأرسل الخان إليهم شقيقه شيبان، إلى المكان الذي بنيت عليه مدينة تيومين الحالية، حيث أنشأ هناك أولى مباني المدينة وخصصها في البداية لسكن قطعاته العسكرية، التي منحها له أخيه. وهناك أسطورة تتحدث عن أن شيبان أثناء لقائه مع القوات الجديدة. سأل أحد العسكريين الذين وصلوا عن إسمه فأجاب أوز بيك. وأجاب آخر أوز بيك أيضاً، و أجاب الثالث بنفس الشيء أيضاً. وحتى أن قادتهم العسكريين أجابوا أيضاً أوز بيك، وعلى سؤال عن إسم الجميع أجابوا ببساطة أوز بيك أيضاً، نعم، كلنا أوز بيك. وعندها أعلن شيبان عن أنه في هذه الحالة هو أيضاً سيصبح أوز بيك. ومنذ ذلك الوقت تحولت الأوردة الذهبية إلى العرق الأوزبكي وبالتحديد إلى عرق الأوزبك الشيبانيين.
والأوزبك القادمين تم قبولهم في الأوردة الذهبية مباشرة. لأنهم كانوا معروفين. وتعرف شهرتهم وتاريخهم المميز. وعرف أنهم كانوا من المؤمنين بالله، ومن السنة، وكانوا يقدسون ويتبعون كل المطالب القرآنية. وكان بينهم رجال دين حصلوا على تعليمهم في خوارزم ومن رجال الدين فيها، ولعبوا دوراً هاماً في نشر الدين الإسلامي في الأوردة الذهبية.
وعدد السكان الأوزبك زاد بسرعة، وتوسعت مناطق سكنهم، وازدادت أهميتهم في حياة البلاد السياسية والإجتماعية. ورافقها ظهور قبائل جديدة، أطلق عليها اسم الأوزبك، رغم أنهم كانوا يحملون تسميات مختلفة. وحتى منتصف القرن الـ14م بلغ عدد هذه القبائل 21 قبيلة تحولت إلى قوة عرقية وسياسية رائدة. وعاشوا في تجمعات متماسكة مع ملامح تكاملية قوية، ولغة وحياة روحية مشتركة، وأسلوب حياة وتقاليد تاريخية وحدتهم جميعاً. ومعها أصبح يطلق على الأوردة الذهبية تسمية "بلاد الأوزبك" أو "الأولوس الأوزبكي". وجرى تداول هذه التسمية في المراجع العلمية والسياسية. وأطلق المؤرخ خ. شامي في مؤلفه ظفر نامة على الأوردة الذهبية اسم "ولاية الأوزبك"، وأطلق على خان توكتاكيا (1375م) "ابن قيصر أوروس، أيضاً تسمية خان الأوزبك".
وسرعان ما تصاعد تأثير القبائل الأوزبكية، وتصاعد معها تأثير الطبقة العليا في القبائل الأوزبكية. وأخذ ممثلي وقادة القبائل بعقد مؤتمرات سنوية، أطلقوا عليها تسمية "قرولتاي سلاطين الأوزبك". وسرعان ما تميز الأوزبك عرقياً على خلفية الأوردة الذهبية بتماسكهم، وثقافتهم، ودينهم. وكونهم حرفيين جيدين، ورعاة، ومزارعين تميزوا بحبهم للعمل والحرفية الرفيعة. وألهمت الأفكار الإسلامية حياتهم الروحية. وكان الإسلام بالنسبة لخانات الأوردة الذهبية وسيلة رئيسية لفرض تلاحم شعب الأوردة الذهبية فكرياً وسياسياً. لأن الأوردة الذهبية آنذاك ضمت جزءاً من داشتا كيبتشاك الرحل الذين وصفوا بأنهم لا يخضعون للقانون، بالإضافة لصعوبة التنبؤ بتصرفاتهم. ولكن الدين فقط إستطاع تحويلهم إلى مدافعين أوفياء عن الدولة.
وفي عام 1312م أصبح خان الأوردة الذهبية أوز بيك خان. واسمه الحقيقي غياث الدين محمد، وأوز بيك خان هو الاسم الذي باركه أباه الروحي وهو يجلس على عرش الخانية، ودخل التاريخ بهذا الإسم. ومن ملاحظة هذه الحقيقة، ظهرت مساعيه لإعلان نفسه مع منصب الخان في نفس الوقت متمتعاً بحق قيادة القبائل الأوزبكية. لأن الأوزبك كانوا الأساس الذي اعتمد عليه، وكانوا عموداً للدولة. وباعتناقه الإسلام ونشر الإسلام في البلاد كان أوز بيك خان يراعي قبل كل شيء مصالحه السياسية. وصفاته الشخصية التي وفرت له الإحترام العالي لدى الجماهير العريضة. وطبعاً، وسط قادة الهلال الأوزبكي. وتميز الأوزبك عن غيرهم من الجماعات العرقية بثقافتهم، وأسلوب حياتهم، وطريقة تفكيرهم، ووعيهم الإجتماعي. وإخلاصهم المتعصب للإسلام، وإلتزامهم القوي بكل ما ورد في القرآن. والتزامهم بتقاليد الختان الذي كان يجري بأجواء إحتفالية خاصة لتعلم كل الأمة من خلال هذه الإحتفالات. وكان الرجال دائماً حليقي الشعر برأس ناعم. وكان الجميع يتقيدون بمواعيد الصلاة. ويدفنون موتاهم وفقاً للشريعة الإسلامية، وكان المسلمون فقط يحفرون القبور وفقاً للتعاليم الإسلامية. وكانوا يدفعون الخراج بشكل صحيح ودون أي إكراه، وكان إمام المسجد يعلن بأعلى صوته حصة كل فرد من أفراد الأمة من الخراج. وكان كل واحد منهم يعطى الصدقات للدراويش والغرباء، وكانوا يلتزمون بكل الأعياد القرآنية. وكانوا يذبحون الماشية وفقاً للتقاليد الإسلامية. وكانوا يحتفلون بكل الأعياد الدينية بمظاهر احتفالية خاصة وبشكل واسع. وكان من بين أكثر الأعياد شهرة عيد الأضحى وعيد النوروز. وكان الأغنياء والأعيان بمثل هذه الأعياد ينظمون لعبة أولاغ (مصارعة التيوس) ويخصصون لها الجوائز القيمة والمنتصر كان يعرف باسم بهادور.
وتميز رجال الدين عند الأوزبك الشيبانيين بالشهرة وضموا خدم المساجد وقراء القرآن. وكانوا يأخذوهم من بيت إلى بيت، ومن خيمة إلى خيمة، حتى أن الكثيرين منهم أصبحوا أعضاء في الأسر التي يعلمون الأطفال فيها. وأقام الأغنياء في بيوتهم مدارس مجانية، لأطفال قريتهم والقرى القريبة منها. وجلبوا أكثر المعلمين من خوارزم. واستخدموهم لفترة سنتين أو ثلاث سنوات تمكنوا خلالها من تعليم الأطفال القراءة السريعة للقرآن، وحفظ بعض الفصول المقدسة والمكتوبة لدى المسلمين عن ظهر قلب، وتعليمهم القراءة والكتابة بالحروف العربية، ومعرفة وتفسير أهم الفصول المقدسة. هكذا حصل آلاف الفتيان على تعليمهم الأولي في المؤسسات التعليمية المنزلية وأرسلوا بعدها إلى خوارزم  لإتمام تعليمهم في المدارس والمكاتب هناك (في ماوراء النهر مدرسة، تعني مؤسسة للتعليم العالي، ومكتب، تعني مؤسسة للتعليم المتوسط - المترجم). وعادوا بعدها إلى الأوردة الذهبية لتعليم أبناء قبائلهم. ومع معلميهم كانوا مبشرين بحضارة الترك.
وفي هذه العملية الثقافية والتعليمية أسهم بنشاط أوز بيك خان وابنه وولي عهده جاني بيك (1341م-1357م). وبدعم منهما شيدت في الأوردة الذهبية مئات المساجد، ومؤسسات التعليم، والخاناقات، والمعابد، وملاجئ الصوفيين المتجولين، ووزعت المنح المالية من بيت المال على الشخصيات الثقافية القادمة من خوارزم وغيرها من المراكز الإسلامية في قازان. وليس عبثاً أن قام المؤرخون بتمجيدهم، وأنشد لهم الشعراء والموسيقيون. وكانت الأوردة الذهبية ابنة حضارة الترك، التي أسست دولاً وشعباً انتقل من أوردة البادية إلى دولة حضارية.
ومع مرور الزمن زاد عدد القبائل التي عاشت على الأراضي المخصصة للشيبانيين. وجاءت إصلاحات أوزبيك خان لتشكل دفعة على طريق تفاعلات التكامل، وإقامة العرى الروحية، التي أسهمت في تكاتف مختلف القبائل بجماعية عرقية واحدة. وهكذا برزت الحاجة لإقامة كونفيدرالية للقبائل تنتخب خان واحد. والتاريخ أتاح مثل هذه الإمكانية. ففي عام 1395م انتصر تيمور على خان تختاميش ودمر ساراي بركة، وساراي باتو بالكامل، وسحق عملياً الأوردة الذهبية كدولة. وبدأت الفوضى، والصراعات بين القبائل، تتفشى على أراضي الأوردة السابقة وشملت الفوضى حتى البادية. وحافظت القبائل الأوزبكية فقط على وحدتها وتماسكها. وتغلبت بينهم فكرة إقامة سلطة منتخبة، يمكنها إعداد نظام واحد لبقاء القبائل. ولضمان تنفيذ مثل هذا النظام، الذي سموه قانون، أصبح الخان ينتخب لفترة معينة خلال المؤتمرات العامة للقبائل (قرولتاي). وأعطى وفاة تيمور عام 1405م دفعة إضافية لعملية تكامل القبائل الأوزبكية. وبعد محادثات طويلة ومشاورات بين قادة القبائل اتفقوا على انتخاب مثل هذا الخان.
وفي مارس/آذار عام 1428م عقد قرولتاي السلاطين في تشيمغا توره (حالياً تيومين) وأعلن عن إقامة الكونفيدرالية الأوزبكية وانتخب لها الخان أبو الخير من اسرة الشيبانيين، وكان عمره آنذاك 16 عاماً. وأصبح خاناً على الكونفيدرالية الأوزبكية القوية، والتي كانت تضم 25 قبيلة من التي اتخذت لنفسها صفة أوزبكية. ولو أن اسم الدولة الأوزبكية في المصادر الرسمية ظهر في عام 1527م فقط، إلا أن أوزبكستان، كانت منذ بداية إنشائها كونفيدرالية أوزبكية، ومن العدالة إعتبار أنها كانت أول خطوة على طريق إنشائها. ونترك لباحثي المستقبل بحث ما يجب اعتباره بداية للدولة الأوزبكية، ففي عام 1428 أعلن عن إنشاء الكونفيدرالية الأوزبكية أو حتى 1527م عندما أعلن في الوثائق الدولية اسم دولة، أوزبكستان.
وكانت الأراضي في الكونفيدرالية مشتركة، وكانت اللغة مشتركة، والثقافة، والطرق السلوكية مشتركة، وسلطة الحاكم مع صلاحياتها سلمت لأبو الخير خان. الذي تزوج من إبنة أحد قادة القبائل البارزة، بورغوت، مما ضمن له صلاحيات السلطة، معتمداً على مساندة ثلاث قبائل أوزبكية قوية، هي: - مانغيتي، - ومينغي، - وكونغراتي، وضمن دعمهم له سلطته المطلقة في الكونفيدرالية. وكونت هذه القبائل مستقبل تأسيس ثلاث دول أوزبكية، هي:
– إمارة بخارى – منغيتي؛
- وخانية قوقند – مينغي؛
- وخانية خيوة – كونغراتي.
واستمرت هذه الدول حتى عام 1921 أي قبل إقامة السلطة السوفييتية فيها. وما جرى في وسط آسيا يذكرنا بالغزو الذي حدث قبل عشرة قرون من قبل غيرهم من شعوب شمال أوروبا – الفيكينغ.


دراسة أعدها أ.د. محمد البخاري في طشقند بتاريخ 15/12/2014 نقلاً عن: من اين جاءت تسمية أوزبيك؟ (مقتطف من الكتاب الجديد للأكاديمي غوغا هداياتوف "حضارة الترك") نقلاً عن مركز آسيا، 8/12/2014 على الرابط: http://www.centrasia.ru/newsA.php?st=1417986240 وعن صفحة غوغا أبراروفيتش هداياتوف الإلكترونية. (باللغة الروسية)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق