الثلاثاء، 22 سبتمبر، 2009

العلاقات الدولية الآسيوية الإفريقية بالأمس واليوم 2 من 5

أ.د. محمد البخاري
العلاقات الدولية الآسيوية الإفريقية بالأمس واليوم
طشقند - 2008
وفي حالات أخرى كثيرة أدت مشاكل الأقليات إلى تفجير العديد من الصراعات الدموية والحروب الأهلية التي استقطبت أطرافاً خارجية إلى ساحتها، وهو ما يمثل تهديداً حقيقياً ومستمراً للسلام العالمي.
ولهذا تنظر معظم الشعوب الإفريقية والآسيوية إلى الغرب على أنه عدوها الرئيسي، انطلاقاً من سياسة الاضطهاد والتمييز العنصري التي مارسها الحكم الاستعماري التقليدي فيها. والتي انبثق عنها احتكار العنصر الأوروبي المتفوق لكل مراكز القوة السياسية والاقتصادية، إضافة لتكريس التخلف الاجتماعي والاقتصادي والثقافي على العناصر المحلية مما خلق فئة أوروبية مستوطنة متفوقة ارتبطت بالنفوذ والمصالح الاستعمارية.
وإلى جانب الشعور بالتمييز والاضطهاد العنصري من قبل المستعمرين الأوروبيين، الذي تعاني منه الدول الآسيوية والإفريقية اليوم والناتج عن الحكم الاستعماري الذي استنزف المقدرات المادية والموارد الطبيعية لتلك الدول، وخلق لها مشاكل بيئية صعبة، وأبقاها في حالة من التخلف الاجتماعي والاقتصادي دفع بالعديد من تلك الدول للعمل على حماية مصالحها الاقتصادية من أخطار المصالح الاقتصادية للدول الاستعمارية السابقة وحماية استقلالها وسيادتها القومية، والسعي للتخلص من الضغوط الخارجية الموجهة ضدها.
وهو ما نراه واضحاً في التوصيات الصادرة عن المؤتمرات الأفروآسيوية، التي تندد بسياسات مناطق النفوذ، وأساليب الضغط والحصار العلمي والتكنولوجي والاقتصادي اللذان يهددان الاستقلال السياسي للدول الإفريقية والآسيوية.
وهو ما يدفع معظم تلك الدول للعمل من أجل تصفية التركة الاستعمارية، والتخلص من كل مصادر النفوذ والسيطرة الاستعمارية، والابتعاد عن الانضواء تحت لواء المحالفات العسكرية التي تقودها الدول الاستعمارية السابقة، أو السماح للدول الكبرى باستخدام أراضيها كقواعد عسكرية.
الهدف من العلاقات الدولية الأسيوية والإفريقية: ولما كان الهدف من العلاقات الدولية هو تعزيز السيادة القومية والاستقلال السياسي للدولة وإيجاد علاقات ودية مع مختلف دول العالم فإن الدول الآسيوية والإفريقية بعد الاستقلال احتاجت قبل كل شيء التخلص من السيطرة والنهم الاستعماري الذي لا يشبع طالما كان لدى الدول الاستعمارية السابقة الشعور بوجود المزيد من فرص النهب والتوسع وإمكانياته. واحتاجت لإمكانيات للتصدي لوسائل السيطرة الاستعمارية التي لم تزل تعاني منها شعوب المستعمرات السابقة في آسيا وإفريقيا وباقي أنحاء العالم. والتي سنستعرض أهمها في ما يلي من هذا البحث.
آثار السيطرة الاستعمارية على بعض الدول لآسيوية والإفريقية: للسيطرة الاستعمارية أساليبها التقليدية والمعاصرة، والغرض الأساسي منها إخضاع الشعوب والدول لسيادتها، والسيطرة على ثرواتها الطبيعية ومقدراتها الاقتصادية والبشرية، وتسخيرها لصالحها. ومن وسائل السيطرة الاستعمارية نذكر الوسائل العسكرية وهي الأقدم من بينها، وتتمثل بالاحتلال العسكري المباشر لأراضي الغير، أو فرض التبعية العسكرية على الدول المستقلة، والوسائل الاقتصادية التي تستمر بعد انتهاء الاحتلال العسكري المباشر، أو فرض التبعية الاقتصادية على الدول المستقلة، وهي بمثابة النزيف الذي لا يتوقف عن هدر وامتصاص الثروات الطبيعية ومقدرات تلك الدول بشتى الطرق، والوسائل الثقافية وهي الأخطر من بينها كلها، وتشكل عماد سياسة السيطرة والنفوذ للدول المتقدمة على الدول النامية في عصر العولمة الاقتصادية والثقافية.
وسائل السيطرة الاستعمارية: الوسائل العسكرية: وهي من أكثر وسائل السيطرة الاستعمارية شيوعاً على الإطلاق، ومن واقع المشاهدات التاريخية، نرى أن أعظم الغزاة على مر العصور كانوا أشدهم تطرفاً من حيث النزعة الاستعمارية، فقد أستخدم الغزو العسكري لتوسيع ممتلكات الإمبراطوريات الاستعمارية، والتمكين لسيطرتها ونفوذها وقوتها على حساب غيرها من الدول والمناطق. واستخدام الوسائل العسكرية في الغزو الاستعماري كان يستجيب لحاجة سيكولوجية معينة، وهي الإرضاء النفسي للزعيم أو القائد الذي يمارس هذا الأسلوب بنجاح وهو ما لا يمكن أن يتحقق بنفس الدرجة دون استخدام الأدوات العسكرية. وقد كان بإمكان نابليون بونابرت مثلاً، أن يفرض سيطرة فرنسا على أوروبا بقوة الأفكار والمعتقدات التي أتت بها الثورة الفرنسية، أي بالأدوات الثقافية، دون الحاجة للوسائل العسكرية، ولكننا نرى أنه لجأ بدلاً من ذلك إلى وسيلة الغزو العسكري لإشباع تلك الحاجة النفسية التي تتحقق مع زهو الانتصار وخيلائه.
غير أن هناك حقيقة أخرى وهي أن التركيز على الوسائل العسكرية في فرض السيطرة الاستعمارية، قد ينجح فعلاً في أن يصل إلى أهدافه كما حدث للإمبراطورية الرومانية في السابق، وقد يفشل وتفقد الدولة الاستعمارية نفسها ما حصلت عليه في سياق سعيها للحصول على المزيد من الممتلكات خارج حدودها القومية، كما حدث لنابليون. وقد ينتهي التوسع بوقوع الدولة الاستعمارية نفسها مع ممتلكاتها تحت السيطرة الاستعمارية للآخرين كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية لألمانيا، وإيطاليا، واليابان. وهو ما يكشف عن الطبيعة المقامرة في عملية فرض السيطرة الاستعمارية بالوسائل العسكرية.
الوسائل الاقتصادية: وهي الوسائل التي تؤدي إلى توسيع إطار السيطرة الاستعمارية بنفس الدرجة التي تحدث نتيجة لاستخدام الوسائل العسكرية. خاصة وأن السيطرة الاستعمارية بالوسائل الاقتصادية تعطي نتائج أكثر عمقاً وأكثر استمراراً وتأثيراً في بعض الحالات، وخاصة في ظل العولمة الاقتصادية التي تتفوق فيها الدول المتقدمة فقط. ومن الأمثلة المعاصرة لوسائل السيطرة الاقتصادية دبلوماسية الدولار الذي لم تزل تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية حتى اليوم، ودبلوماسية البترول التي استخدمتها بريطانيا في بعض المناطق في آسيا وإفريقيا مما أعطاها مركزاً متفوقاً ومرموقاً في العلاقات الدولية آنذاك، ولم تزل أصداؤه تتردد حتى اليوم.
الوسائل الثقافية: وهي من أذكى وأخبث الوسائل المستخدمة في فرض السيطرة الاستعمارية على الإطلاق، وزاد من إمكانياتها الهائلة التقدم التقني في وسائل الاتصال والمعلوماتية الحديثة التي فرضت وجودها في عصر العولمة. لأن هدفها ليس السيطرة على أرض أو على نظام اقتصادي لدولة من الدول، وإنما غزو العقول والسيطرة عليها، واتخاذها منطلقاً نحو تبديل علاقات القوة القائمة بين من يستخدمها لحسابه ومن تستخدم ضده، خاصة وأن التأثيرات الناتجة عن السيطرة الاستعمارية بالوسائل الثقافية تكون أكثر استقراراً واستمراراً من تلك التي يقود إليها استخدام الوسائل العسكرية والاقتصادية.
ومن أكثر الدول التي استخدمت الوسائل الثقافية في دعم سيطرتها خارج حدودها القومية كانت فرنسا التي أطلقت على وسيلتها الثقافية في المناطق التي خضعت لنفوذها واستعمارها "رسالة التمدن"، وقد كان واضحاً استخدام فرنسا الناجح لهذه الأدوات أكثر ما يكون في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط قبل الحرب العالمية الأولى حيث كان التغلغل بالثقافة الفرنسية هناك ركيزة أساسية من ركائز تلك السياسة الاستعمارية الفرنسية. وأصبحت الوسيلتان الاقتصادية والثقافية اليوم، وفي ظل عصر العولمة من أكبر الأخطار التي تهدد الأمن القومي وسيادة واستقلال الدول النامية والفقيرة في العالم بأسره.
محاولات الدول الآسيوية والإفريقية التصدي لآثار الأساليب الاستعمارية: وتتمثل في محاولة الدول الآسيوية والإفريقية التصدي لنتائج وآثار الأساليب التقليدية التي اتبعتها الدول الاستعمارية في حسم صراعاتها حول المستعمرات، بصورة ترضي أطماعها ومصالحها، دون الحاجة لاستخدام الدول الاستعمارية لوسائل العنف المسلح لحسم تلك الصراعات، ومن أبرز تلك الأساليب كان:
اقتسام الغنائم الاستعمارية: وهي تقسيم مناطق النفوذ التي كانت تلبي المصالح الاستعمارية دون سواها، ولم تكن مصالح الشعوب المستعمرة أو حقوقها الوطنية تحظى بأي اهتمام يذكر، ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك، إرضاء بريطانيا العظمى للمطالب الألمانية في شرق إفريقيا عن طريق إعادة تقسيم المستعمرات البرتغالية هناك بينهما، وهو الاتفاق الذي لم ينفذ.
واقتسام مناطق النفوذ بين الدول الاستعمارية وانفراد كل منها داخل منطقة نفوذها دون تدخل من قبل الآخرين. كتسليم فرنسا بالنفوذ البريطاني في مصر عام 1904، مقابل تأييد بريطانيا لفرنسا ضد ألمانيا في مراكش، وإعلان إيطاليا عن تأييدها للسياسة الفرنسية في مراكش مقابل موافقة فرنسا على إطلاق يد إيطاليا في ليبيا، واتفاقية عام 1907 بين روسيا وبريطانيا حول إيران، واتفاقية عام 1904 بين روسيا واليابان حول تقسيم منشوريا إلى منطقتي نفوذ بينهما.
أسلوب إنشاء الدول الفاصلة: وهي الطريقة التي كانت شائعة في إقرار التسويات بين الدول الاستعمارية، وكان هدفها إقامة دول أو مناطق فاصلة بينها لمنع الصدامات العسكرية بينها على الحدود الفاصلة بين مستعمراتها. والحفاظ على التوازن الإقليمي بينها عن طريق منع أحد الجانبين من التوسع الإقليمي على حساب الآخر. ومن الأمثلة على ذلك أفغانستان التي كانت تفصل بين الهند بحدودها الشمالية الغربية المكشوفة التي يسهل اختراقها وغزوها، وبين المستعمرات الروسية في تركستان عن طريق شريط طويل وضيق من الأرض يمتد شرقاً حتى يصل إلى التيبت. وقد وافقت بريطانيا وروسيا في عام 1907 على أن تبقى أفغانستان كدولة فاصلة بين المستعمرات الروسية في تركستان (جمهوريات أوزبكستان، وقازاقستان، وتركمانستان، وقرغيزستان، وطاجكستان بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق)، والمستعمرات البريطانية في الهند (الهند، وباكستان اليوم). وهو ما حدث بالنسبة للتيبت أيضاً قبل أن تضمها الصين إلى أراضيها.
أسلوب المشاركة في الامتيازات وسياسة الباب المفتوح: وهو الأسلوب الذي عرف باتفاقيات الملكية المشتركة، واتبعته الدول الاستعمارية للمشاركة بينها في الامتيازات داخل إحدى المناطق الواقعة تحت النفوذ الاستعماري. أما سياسة الباب المفتوح فقد اتبعته الدول الاستعمارية في منح بعضها البعض حقوقاً متساوية للتجارة في مناطق النفوذ الاستعمارية بغض النظر عن الدولة المسيطرة على المستعمرة، لتصبح وكأنها خاضعة لسيطرة استعمارية جماعية. وخير مثال عليها معاهدة عام 1885 الدولية التي جعلت المستعمرة البلجيكية في الكونغو مفتوحة لجميع الدول التي لها مصالح تجارية واقتصادية في الكونغو، وهو نفس الأسلوب الذي اتبعته الدول الاستعمارية حيال الصين في القرن التاسع عشر.
وتختلف المشاكل الناتجة عن السياسة الاستعمارية من بلد وآخر وفقاً للتبعة الاستعمارية التي كانت مفروضة عليه، إذ كان هناك نوعان من المستعمرات منها ما تم الاستيلاء عليه كنقاط ارتكاز محدودة، وهي عبارة عن مساحة جغرافية صغير نشأت في البداية كمحطات على الطرق التجارية البحرية الهامة، أو كمواقع تتحكم بمناطق إستراتيجية معينة تهم مصالح الدول المستعمرة. كمستعمرات مضيق جبل طارق (إسبانيا)، وجزيرة مالطا، وجزيرة قبرص في البحر الأبيض المتوسط، وسنغافورة، وهونغ كونغ في الشرق الأقصى، وميناء جيبوتي وميناء عدن عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وقناة السويس (مصر) بين البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، وقناة بنما في أمريكا الوسطى. أو المستعمرات الواقعة داخل أقاليم برمتها خاضعة للسلطة الاستعمارية لدولة معينة.
والمستعمرات الواقعة داخل أقاليم السيطرة الاستعمارية خضعت لنوعين من الاستعمار: الأول الاستعمار الاستيطاني من ضمن السياسة التي اتبعتها الدول الاستعمارية في تهجير أعداد كبيرة من مواطنيها للسكن الدائم في المستعمرة كما حصل في الجزائر أثناء الاحتلال الفرنسي، حيث تم خلق مجتمع فرنسي محلي فيها بغرض طمس الشخصية القومية العربية للجزائر، والتحكم بمقاليد السلطة السياسية والاقتصادية والثقافية والمجتمع فيها واستغلالها بالكامل لصالح الدولة المستعمرة. وكذل الحال في روديسيا وجنوب إفريقيا والمستعمرات البرتغالية في القارة الإفريقية، وفلسطين التي خلقت بريطانيا فيها وضعاً استيطانياً فريداً عندما سمحت بالهجرة اليهودية على حساب السكان الأصليين من العرب الفلسطينيين الذين شردوا وطردوا من بلادهم، ليحل مكانهم مستوطنون قادمون من أنحاء مختلفة من العالم، للإقامة في دولة إسرائيل التي أقيمت بقرار منظمة الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947، والذي قضى بتقسيم فلسطين إلى دولتين بين العرب والمستوطنين اليهود بعد خروج بريطانيا منها. وهو الوضع الذي أدى لنشوء صراع لم يزل يهدد السلم والاستقرار العالمي حتى اليوم، بسبب تعثر الجهود السلمية لحل القضية الفلسطينية عن طريق التفاوض, وسياسة التهجير القسري لشعوب بأكملها داخل الاتحاد السوفييتي السابق، وتوطينها في أماكن أخرى بعيدة وغريبة عن مناطق سكنها الأصلية، مما خلق إخلال في التوازن العرقي في تلك المناطق التي كانت خاضعة للاحتلال الروسي.
والثاني الاستعمار المبني على الاستغلال وتمثل بقدوم الأوروبيين من الدولة المستعمرة إلى المستعمرات بشكل محدود اقتصر على قوات الاحتلال العسكرية، وعناصر الإدارة الاستعمارية، والبعثات التبشيرية المسيحية، والتجار والمغامرين الذين لم يتخذوا من المستعمرة موطناً دائماً لهم، بل جاءوا إليها للاستغلال والعودة مرة أخرى إلى مواطنهم الأصلية، وهو الواقع الذي تركت فيه معظم المستعمرات الإفريقية بعد انتهاء الاحتلال. ولفهم الطبيعة الاستعمارية التي تعاني من نتائجها معظم الدول الآسيوية والإفريقية المستقلة اليوم، وتنعكس مباشرة على علاقاتها الإقليمية مع دول الجوار ودول العالم الأخرى، لابد من تسليط بعض الضوء على تاريخ تطور الحركة الاستعمارية في التاريخ الحديث، فكيف كانت البدايات ؟
التطور التاريخي للاستعمار: فقد بدأ تطور الحركة الاستعمارية العالمية بمفهومها الحديث في أواخر القرن الثامن عشر مع ظهور بعض القوى الاستعمارية، وفي مقدمتها القوتان البحريتان آنذاك بريطانيا وهولندا. حيث بدأت هاتان القوتان وغيرهما من القوى الاستعمارية مرحلة جديدة من الصراع الاستعماري فيما بينهم، وكان الهدف منه تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ بعد تبلور قوى جديدة على الساحة الأوروبية لم تكن موجودة في أي مرحلة سابقة من التاريخ الحديث. وهي المرحلة التي عرفت بمرحلة انبثاق الاستعمار الغربي بكل ما عرف عنه من قوة وجبروت. المرحلة التي غيرت مجرى العلاقات الدولية لفترة طويلة امتدت حتى أواسط القرن العشرين. ومن أهم العوامل التي وفرت لأوروبا المقدرات الضخمة للتوسع الاستعماري في تلك الفترة التاريخية: أن أوروبا استطاعت استغلال قواها الاقتصادية ومواردها المادية بطريقة فعالة مكنتها من التفوق على القارتين الآسيوية والإفريقية، اللتان كانتا آنذاك الساحة الرئيسية للصراعات الاستعمارية. فالحروب التي وقعت بين القوى المتصارعة على الساحة الأوروبية أدت إلى تطوير أدوات الحرب والدمار على نحو لم تكن القارتين الآسيوية والإفريقية مستعدتان له. إضافة لتفوق الدبلوماسية الأوروبية التي نجحت في التغلغل داخل القارتين، مستغلة النزاعات المحلية والتفكك الذي كانت تعاني منه الدول الإسلامية في القارتين (الدولة العثمانية في شرق أوروبا وآسيا الصغرى والمشرق العربي، وشمال إفريقيا، وبقايا الدولة التيمورية في الهند ووسط آسيا، والدولة الصفوية في فارس، ودولة البوسعيد (سلطنة عمان) على السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية والسواحل الشرقية للقارة الإفريقية وبحر العرب)، مما ساعد أوروبا في النهاية على احتلال وتحويل القارتين إلى مناطق نفوذ خاضعة لسيطرتها التامة.
إلى جانب التفوق الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري الذي تمتعت به الدول الأوروبية، كان التفوق الناتج عن إقامة حكومات مركزية قوية في ظل وجود دول قومية موحدة، دعمت من قوة تلك الحكومات المركزية وأدت إلى ازدهار الدعوة إلى زيادة الثراء المادي للدولة القومية الموحدة من خلال الصراع الأوروبي، ومن خلال فرض النفوذ والتوسع الاستعماري على حساب الغير في القارتين الآسيوية والإفريقية. وأدى التفوق الأوروبي الذي أخذت ملامحه في التبلور والثبات بعد عصر النهضة الأوروبية إلى زيادة ثقة الدول الأوروبية بنفسها، مما جعلها تقدم على تحمل مخاطر لم تكن في السابق لتقدم عليها.
ومن هنا يمكن القول بأن التفوق الأوروبي في الثروة التي جاءت بها الدول الاستعمارية من القارتين الأمريكيتين، وصناعة وامتلاك الأسلحة النارية والميكانيكية ووسائل النقل الحديثة، وتطور المهارات الدبلوماسية والخبرات التنظيمية في العلاقات الدولية، وفي الإنتاج الصناعي، وفي ارتفاع مستوى معيشة الفرد الأوروبي، جعل الدول الأوروبية في مركز أقوى بكثير من الدول الآسيوية والإفريقية.
وجاءت المرحلة الثانية من التسابق الأوروبي الصراع من أجل الحصول على المزيد من مناطق النفوذ والمستعمرات شرق القارة الأوروبية خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بفضل تقدم الثورة الصناعية في أوروبا. فاتجهت بريطانيا لتعويض خسائرها في القارة الأمريكية بعد عام 1776 باحتلال الملايو، وسيلان، وجنوب إفريقيا، على حساب هولندا التي تدهورت وفقدت مركزها كدولة استعمارية أوروبية. واستمرت بريطانيا في حملتها الاستعمارية المتجهة شرقاً لإكمال سيطرتها على الهند والتي بدأت باحتلال المناطق الساحلية أولاً، ومن ثم انتقلت للتقدم في عمق شبه القارة الهندية لتحتلها وتفرض سيطرتها عليها بالكامل. ولم تتوقف الأطماع الاستعمارية البريطانية عند هذا الحد، بل اتجهت شرقاً داخل القارة الآسيوية لتخوض حرباً مع الصين عام 1839، تمكنت من خلالها جعل تجارة الأفيون تجارة مشروعة، وخرجت من تلك الحرب عام 1842 منتصرة لتتحكم بعدد من الموانئ الصينية استخدمتها بعد ذلك للتوسع الاستعماري في المنطقة وخاصة بعد استيلائها على ميناء هونغ كونغ.
وخلال الحرب العالمية الثانية التي شاركت بريطانيا فرنسا فيها ضد الصين، مما أجبر الصين على فتح المزيد من موانئها أمام الدول الاستعمارية، حتى أن الصين سمحت للدول الاستعمارية الأوروبية باستخدام الملاحة في نهر يانغتسي، ووافقت على دخول البعثات التبشيرية المسيحية الأجنبية إلى أراضيها، وتمكنت تلك البعثات من توطيد أقدامها في الصين مستفيدة من الدعم غير المحدود من الدول الاستعمارية الأوروبية كونها وسيلة من وسائل السيطرة الاستعمارية على الصين.
أما فرنسا فقد بدأت باحتلال الجزائر عام 1830، ومنها توسعت فارضة سيطرتها الاستعمارية على أجزاء كبيرة من الساحل الإفريقي الشمالي، الذي انطلقت منه فيما بعد لفرض سيطرتها على أجزاء شاسعة من القارة الإفريقية. وفي الوقت نفسه تضافرت الجهود العسكرية والدبلوماسية الفرنسية في جنوب شرق آسيا، لتحقق لفرنسا السيطرة على الدول الهند صينية، التي أصبحت خاضعة لنفوذها في عام 1884. مما دفع ببريطانيا إلى احتلال بورما، وإحكام سيطرتها على الملايو. بينما اندفعت هولندا بقوة لاحتلال إندونيسيا من ضمن الصراع بين الدول الاستعمارية للحفاظ على توازن القوة الذي كان قائماً بينها آنذاك.
وتابعت فرنسا توسعها في القارة الإفريقية ومدت سيطرتها الاستعمارية من الجزائر لتشمل تونس ومراكش، وأخذت بالتدريج تضم أجزاء كبيرة من غرب ووسط إفريقيا إلى ممتلكاتها الإفريقية. الأمر الذي دفع ببريطانيا أيضاً لدخول حلبة الصراع الاستعمارية الأوروبية في القارة الإفريقية، فقامت باحتلال مصر عام 1882، ومنها أخذت بالتوسع والقيام بعمليات استكشاف في عمق القارة الإفريقية، متخذة لنفسها قواعد في الأجزاء الشرقية من القارة الإفريقية كقاعدة للانطلاق منها للتوسع غرباً في العمق الإفريقي.
وقامت فرنسا بمشاركة بريطانيا باحتلال منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، أثناء الحرب العالمية الأولى، نتيجة لاتفاقية سايكس بيكو سيئة الصيت، لاقتسام أملاك الدولة العثمانية بعد انهيارها إثر الحرب العالمية الأولى، حيث وقعت سورية ولبنان تحت السيطرة الفرنسية، بينما وقع العراق والأردن وفلسطين تحت السيطرة البريطانية، إضافة لمستعمراتها السابقة في مصر والسودان ومعظم شواطئ شبه جزيرة العرب، وسيطرتها على إيران.
أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد أعلن الرئيس الأمريكي جيمس مونرو عام 1823 أمريكا اللاتينية منطقة نفوذ أمريكية، ومعارضة الولايات المتحدة الأمريكية لأي محاولة أوروبية للعودة إلى استعمار القارتين الأمريكيتين الشمالية واللاتينية. وعاد الرئيس الأمريكي بولك عام 1845 للتأكيد على معارضة الولايات المتحدة الأمريكية لأي تغيير في الأوضاع الإقليمية القائمة في القارتين الأمريكيتين، سواء بتعديلها أو بنقل ملكيتها من دولة إلى أخرى. وشهدت تلك الحقبة من تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية ظهور نزعات استعمارية قوية داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، فانطلقت بعض الأصوات تدعو لضم كوبا إلى الولايات المتحدة، بينما دعى البعض الآخر إلى إقامة إمبراطورية أمريكية تضم جمهوريات أمريكا الوسطى: بنما، والدومينيكان، وكوستاريكا، ونيكاراغوا، وهندوراس، والسلفادور. وفي الوقت ذاته استمر توسع الولايات المتحدة الأمريكية في المحيط الهادئ، مما أدى إلى نشوب الحرب بين الولايات المتحدة والمكسيك عام 1845، ونشوب نزاع بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية حول إقليم أريغون.
وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر بدأ اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بمنطقة الشرق الأقصى بالازدياد. فقامت بإجبار اليابان التي كانت تعيش حالة من العزلة منغلقة على نفسها، على إقامة علاقات تجارية مع الغرب، وأرسلت السفينة كومودور بيري إلى خليج طوكيو عام 1853، ووقعت مع اليابان معاهدة عام 1858 لتنظيم التجارة بين الولايات المتحدة واليابان، واشتملت المعاهدة على تحديد نسبة الضرائب الجمركية بما لا يتجاوز الخمسة بالمائة على التجارة التي تصدرها الولايات المتحدة الأمريكية إلى اليابان حتى نهاية القرن التاسع عشر، وأدت تلك القيود الجمركية إلى عرقلة التقدم الصناعي في اليابان والحد من مواردها من الرسوم والعوائد الجمركية. كما قامت باستئجار ألاسكا من الإمبراطور الروسي.
ونتيجة للحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا عام 1898 تحررت بورتوريكو، وكوبا من الاستعمار الإسباني. وفي أوائل القرن العشرين لم تتغير السياسة الاستعمارية للولايات المتحدة الأمريكية، وقامت سياسة الرئيس تيودور روزفيلت على تأكيد تفوق الولايات المتحدة الأمريكية في أمريكا اللاتينية، ووقعت سلسلة من التدخلات الأمريكية والاحتلال لدول البحر الكاريبي وجمهوريات أمريكا الوسطى، والفلبين، وفيتنام، وكوريا الجنوبية وغيرها.
بينما كان اهتمام السياسة الاستعمارية للإمبراطورية الروسية منصباً جنوباً نحو البلقان، والقرم، وتركستان. وشرقاً نحو منشوريا، ومنغوليا.
أما عن الدول الأوروبية الأقل إمكانية من بريطانيا وفرنسا، فقد اتجهت كلاً من بلجيكا، والبرتغال، وإسبانيا، وهولندا، لاستعمار الكونغو، وأنغولا، وموزمبيق وبعض أجزاء الساحل الشمالي الغربي من القارة الإفريقية، وجزر جنوب شرق آسيا. بينما اتجهت ألمانيا التي دخلت النادي الاستعماري الأوروبي بشكل متأخر لإقامة بعض المستعمرات لها على طول الساحل الغربي لإفريقيا شمل: التوغو، والكاميرون، وفي جنوب غرب إفريقيا وتنجانيقا. بينما اتجهت إيطاليا لاحتلال واستعمار ليبيا، وإثيوبيا، وأجزاء من شرق إفريقيا.
ومع ظهور اليابان كدولة استعمارية في الشرق الأقصى بدأت بالتوسع على حساب دول شرق آسيا وخوض حروب استعمارية ضد روسيا والصين والدول الآسيوية الصغيرة، وبعض جزر المحيط الهادئ.
ويمكن إيجاز الوضع الاستعماري قبل قيام الحرب العالمية الأولى بالتالي: أنه كانت هناك مجموعة من الدول الكبرى المتوثبة للحصول على مصالح استعمارية واسعة، ومستعمرات وهي: ألمانيا، وإيطاليا، واليابان؛ ومجموعة من الدول الكبرى تدافع عن مصالحها الاستعمارية، والوضع القائم في مواجهة تلك الدول الثلاثة، وفي مقدمتها بريطانيا العظمى، وفرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية؛ وخروج الإمبراطورية الروسية من الحلبة الدولية للصراع من أجل التوسع والحصول على مستعمرات جديدة، بعد قيام الثورة البلشفية فيها عام 1917، رغم استمرارها بسياسة الضم والتوسع الإمبراطوري بعد ذلك واحتلالها لإمارة بخارى عام 1920. وخروجها من المباحثات السرية مع بريطانيا وفرنسا لتقسيم الممتلكات العثمانية والألمانية بعد الحرب العالمية الأولى. وإعلانها لبنود اتفاقية سايكس بيكو السرية وإدانتها للاستعمار، دون تخليها عن مستعمراتها في القارتين الآسيوية والأوروبية؛ وتزايد الحركات القومية المطالبة بالتحرر والاستقلال في المستعمرات.
وتميزت المرحلة الثالثة من تاريخ الحركة الاستعمارية التي بدأت بعد الحرب العالمية الأولى وانتهت بوقوع الحرب العالمية الثانية، باقتسام الدول الاستعمارية الأوروبية لتركة الإمبراطوريتين العثمانية والألمانية المنهزمتين في الحرب العالمية الأولى. ففي المحيط الهادئ استولت اليابان على المستعمرات الألمانية شمال خط الاستواء، بينما استولت بريطانيا العظمى على الجزر الواقعة جنوب خط الاستواء. واقتسمت بريطانيا وفرنسا الممتلكات العثمانية شرق البحر الأبيض المتوسط، فاستولت فرنسا على لبنان وسورية، بينما استولت بريطانيا على العراق والأردن وفلسطين.
وتحولت السياسة الاستعمارية خلال تلك المرحلة مستخدمة غطاء عصبة الأمم لتبرير الاحتلال الاستعماري وتحويله من الاحتلال إلى الانتداب الذي ابتكرته الدول الاستعمارية في عصبة الأمم. وأصبح الهدف المعلن من السيطرة على المستعمرات هو تطوير أوضاع المناطق الخاضعة للاستعمار، لتصل إلى مرحلة النضج السياسي الذي يؤهلها لتحمل أعباء ومسؤوليات الحكم الذاتي ! ؟، أما الهدف الحقيقي غير المعلن فكان تثبيت السيطرة الاستعمارية، واستخدام الانتداب كحجة تواجه من خلالها حركات المقاومة الوطنية المتطلعة نحو الاستقلال في المستعمرات. وقد طبق نظام الانتداب بقرار من عصبة الأمم على مناطق شاسعة في الشرق الأوسط، وجزر المحيط الهادئ. وقسمت الدول الخاضعة للانتداب إلى ثلاث فئات وفق مستوى تطورها السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهي: الفئة (أ) وضمت كلاً من العراق وشرق الأردن وفلسطين التي وضعت تحت الانتداب البريطاني، وسورية ولبنان اللتان وضعتا تحت الانتداب الفرنسي؛ الفئة (ب) وضمت جزر التوغو والكاميرون وقسم الانتداب عليهما ما بين بريطانيا وفرنسا. كما واشتركت بريطانيا مع بلجيكا في الانتداب على شرق إفريقيا، حيث تولت بريطانيا الانتداب على تنجانيقا، وتولت بلجيكا الانتداب على رواندا، وأوروندي. وأسند الانتداب على جنوب غرب إفريقيا إلى جنوب إفريقيا؛ الفئة (ج) وضمت جزر المحيط الهادئ، فتولت اليابان الانتداب على الجزر الواقعة شمال خط الاستواء، وتولت أستراليا ونيوزيلندا التابعتين لبريطانيا الانتداب على المستعمرات الألمانية السابقة جنوب خط الاستواء.
وجاءت المرحلة الرابعة بعد الحرب العالمية الثانية حيث تطورت واشتدت حركة المقاومة الوطنية ضد الاستعمار وتبدلت الظروف الدولية بعد أن تخلصت معظم دول العالم التي من السيطرة الاستعمارية، وحصلت على الاستقلال وانضمت لمنظمة الأمم المتحدة التي تأسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية، كعضو كامل الأهلية في الأسرة الدولية والعلاقات الدولية المعاصرة. وكان من بين الدول التي حصلت على الاستقلال في تلك الحقبة التاريخية كلاً من: العراق، وسورية، ولبنان، والأردن، والجزء الجنوبي من اليمن، والهند، والفلبين، وإندونيسيا، وباكستان، والهند، وقبرص، والكويت وغيرها في القارة الآسيوية. وتونس، ومراكش، والجزائر، وليبيا، ومصر، والسودان، وموريتانيا، وكمبوديا، وغانا، وغينيا، وتوغو، والكاميرون، والكونغو، والصومال، وداهومي، والنيجر، ومالي، وتشاد، وساحل العاج، ونيجيريا، وتنزانيا، وأوغندا، وسيراليون، والسنغال، وكينيا، ومالاوي، وزامبيا، وأنغولا، وموزمبيق وغيرها في القارة الإفريقية. وسيلان في المحيط الهندي. إضافة لإقامة دولة إسرائيل للمستوطنين اليهود القادمين من أوروبا وأمريكا وروسيا وأنحاء مختلفة من العالم، على جزء من الأرض الفلسطينية بموجب قرار منظمة الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947، ذلك القرار الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقات الدولية.
ويعتبر معظم المؤرخين تلك المرحلة نهاية لعصر الاستعمار بمفهومه التقليدي واعتبروها بداية لمرحلة جديدة من أشكال الاستعمار أطلقوا عليه تسمية الاستعمار الجديد الذي أخذت فيه أساليب السيطرة الاستعمارية شكلاً جديداً.
ظاهرة الاستعمار الجديد: يعتقد بعض المتخصصين في العلاقات الدولية، أن دراسة ظاهرة الاستعمار الجديد تعتبر أعقد بكثير من دراسة الظاهرة الاستعمارية بشكلها التقليدي. ويعللون أسباب ذلك بالتالي:
أن ظاهرة الاستعمار الجديد حديثة العهد نسبياً، مما يجعل التعمق في دراستها وتقدير أبعادها ونتائجها، أصعب بكثير من دراسة ظاهرة الاستعمار التقليدي؛ وأن تنوع أدوات السيطرة الاستعمارية الجديدة، التي تخفي وراءها المرامي الحقيقية للدول الاستعمارية، لا تعبر عن الأغراض والدوافع الحقيقية من استخدامها.
وعلى سبيل المثال: صعوبة التمييز بين الهدف المعلن للتغلغل العقائدي تعصباً لأيديولوجية معينة، اعتقاداً من أصحابها في صحتها وحتمية انتصارها كما كانت في الحالة الشيوعية، وتقديم المساعدات الاقتصادية والثقافية والعسكرية التي تقدمها الدول الكبرى، للدول الصغرى والدول حديثة الاستقلال، وبين الهدف الحقيقي من التغلغل وتقديم تلك المساعدات. حيث يبرز هنا سؤالين هامين عند أية دراسة موضوعية للظاهرة وهما: هل الغرض الحقيقي من تقديم تلك المساعدات هو فعلاً المساعدة على تنمية تلك الدول اقتصادياً وثقافياً لتمكينها من الدفاع عن أمنها الوطني؟ أم أن تلك المساعدات قدمت فعلاً لتأمين المصالح القومية والإستراتيجية لتلك الدول التي تقدمها ؟
خاصة وأنها جاءت في فترة انقسم العالم خلالها إلى كتلتين اشتد الصراع بينهما، وهما الكتلة الشرقية (الشيوعية) التي قادها الاتحاد السوفييتي السابق، وضمت معظم دول الأنظمة الشمولية في العالم، والكتلة الغربية (الرأسمالية) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، الدولة المهيمنة الوحيدة في العالم بعد أن أصبح وحيد القطبية منذ انهيار الكتلة الشيوعية في مطلع تسعينات القرن العشرين، والجهاز المحرك لآلة العولمة في الوقت الراهن.
مفهوم الاستعمار الجديد: ولا يخرج مفهوم الاستعمار الجديد في العديد من التعريفات عن كونه أداة: للتحكم الذي تمارسه بعض الدول الكبرى بوسائلها المباشرة وغير المباشرة، سياسية كانت أم اقتصادية أم عسكرية أم أيديولوجية أم ثقافية؛ على مجموعة من الدول المتخلفة اقتصادياً وثقافياً، وغير المستقرة سياسياً، وضعيفة عسكرياً؛ لتحقيق نتائج لغايات محددة من قبل الدول الكبرى تلك، وأن الهدف النهائي منها خلق نوع من التبعية والاستغلال.
ومن الأدوات الرئيسية التي ركز عليها الاستعمار الجديد بعد الحرب العالمية الثانية وصولاً لأهدافه غير المعلنة: التوسع في إقامة الأحلاف العسكرية، وكان ذلك واضحاً بقوة خلال خمسينات وستينات القرن العشرين، حيث شهدت القارتين الآسيوية والإفريقية صراعاً عنيفاً بين المعسكرين الشرقي والغربي، وسباقاً لدعم حركات التحرر الوطنية المطالبة بإنهاء السيطرة الاستعمارية والاستقلال. ورافق تعاظم حركة التحرر الوطني في القارتين شعور الدول المستقلة حديثاً بضرورة الحياد وعدم الانحياز لأحد المعسكرين، حرصاً منها على سلامة استقلالها الفتي. خاصة أثناء اشتداد الحملة التي بادرت أثناءها الدول الكبرى لإقامة أحلاف عسكرية بقيادتها وتحت شعارات عقائدية براقة لتنضوي الدول حديثة الاستقلال تحت لوائها، بينما الهدف الحقيقي منها كان تأمين المصالح الحيوية والإستراتيجية للدول الكبرى تلك.
وإذكاء وتعميق الخلافات التي تنشأ بين الدول حديثة الاستقلال، والتي هي أساساً من التركة الثقيلة التي خلفها وراءه الاستعمار التقليدي في تلك الدول وهي: تأزيم التناقضات في المصالح بينها؛ وتأجيج الصراعات الدينية والطائفية والعنصرية على المستويين الداخلي والخارجي؛ وهدر طاقات الدول الصغرى وحديثة الاستقلال في معارك جانبية تلهيها عن قضايا التنمية والبناء الداخلي التي تعزز من سيادتها واستقلالها الوطني؛ وضرب التجمعات الإقليمية التي أقامتها الدول النامية من داخلها، أي تخريبها وتفكيكها بواسطة بعض أنظمة الحكم المشبوهة، التي تعمل بتنسيق كامل مع تلك المصالح الاستعمارية الجديدة؛ وتشجيع لعبة الانقلابات العسكرية في الدول حديثة الاستقلال، وذلك إما بفرض عناصر موالية للدول الاستعمارية في السلطة، تؤمن من خلالها الدول الاستعمارية مصالحها، أو خلق وضع من البلبلة وعدم الاستقرار الذي ينتج عن تكرار لعبة الانقلابات العسكرية، وهو ما يمكن أن يكون عاملاً معطلاً للنمو الاقتصادي والاجتماعي والتقدم العلمي والتقني والثقافي في أية صورة إيجابية؛ ويمكن أن نضيف إلى ذلك الغزو الثقافي الذي أخذ منحى جديداً في ظل العولمة والتطور العلمي والتكنولوجي الهائل في وسائل المعلوماتية الحديثة والاتصال الجماهيري المقروءة والمسموعة والمرئية، عن طريق تصدير الأفكار المسمومة، والمعتقدات الدينية والمذهبية الخاطئة في معظم الحالات، والتهجم بالطرق المباشرة وغير المباشرة على الثقافات القومية للدول النامية، ووصفها بالبدائية، والتخلف، وفقدان المقدرة على الاستجابة لضرورات التطور الحضاري. وتقديم الثقافات والنماذج الحضارية المصدرة لتلك الدول على أنها البديل الأفضل، وهي التي أصبحت أكثر حدة وتفاقماً في عصر العولمة ووسائل المعلوماتية والاتصال الحديثة.
وهناك أيضاً الغزو الاستعماري الاقتصادي بواسطة الاستثمارات الأجنبية وفروع المجموعات الاحتكارية الدولية مثل شركات البترول والتعدين والمصارف الممولة، وشركات النقل والتأمين الدولية وغيرها، والتجارة الإلكترونية التي أخذت بالانتشار في العقد التاسع من القرن العشرين. أو عن طريق النصائح ونقل الخبرات التي يقوم بها الخبراء والمستشارين الأجانب العاملين في مختلف فروع الاقتصاد والتعليم والتسليح وغيرها، ضمن برامج المساعدة كما يعلن عنها عادة، لأن أدوات التغلغل الاقتصادي من قروض ومساعدات مالية سواء قدمت بموجب اتفاقيات جماعية أم ثنائية، هي في أغلب الأحوال تقدم لاستخدامها في تمويل شراء سلع استهلاكية من الدول المانحة، ولا تخصص لأغراض تطوير التوسع الإنتاجي الوطني وتعزيز قدراته التصديرية. أي الإبقاء على الاقتصاد الوطني في حالة من الضعف المستمر، وإثقاله بالديون والالتزامات الخارجية.
وحتى ولو قامت بعض الدول المتقدمة بتنفيذ بعض المشروعات الصناعية في دولة نامية، فإننا نرى أنها تهدف قبل كل شيء إلى الاستفادة من رخص اليد العاملة فيها، ورخص المواد الخام المتوفرة لديها، وقربها من الأسواق الاستهلاكية لتحقيق أقصى قدر من الربح، بغض النظر عن حاجة الاقتصاد الوطني لتلك الدولة لهذه المشاريع، في تنمية اقتصادها الوطني وتعزيز استقلالها الحقيقي وسيادتها الوطنية. لأن عوائد تلك الاستثمارات عادة، لا يعاد توظيفها في استثمارات صناعية جديدة في تلك الدولة، وإنما تحول للخارج، وهو ما يجعل من العملية الاستثمارية برمتها أداة لخدمة مصالح إستراتيجية للاستعمار الجديد للدولة المستثمرة، وليس المصالح الوطنية للدولة المستثمر فيها. وهو ما دفع بمعظم الدول النامية لاتخاذ إجراءات اقتصادية معينة لحماية مصالحها الوطنية وتشجيع الاستثمارات الأجنبية في بلادها من خلال تلك المصالح. وتقسم الدول الواقعة في مجال السيطرة الاستعمارية بمفهومها وإستراتيجيتها الجديدة إلى ثلاث فئات متميزة هي:
أولاً : الدول التابعة سياسياً: وهي الدول المحرومة من ممارسة سلطتها السياسية بالشكل الذي يتفق مع كونها دولة ذات سيادة، باعتبارها المرجع الأخير في كل ما يتعلق بمسائل الدفاع عن مصالحها الوطنية، وإنما تكون اتجاهاتها السياسية والقرارات السياسية التي تتخذها، مرتبطة وتابعة لمصدر آخر خارجي يتحكم بسياستها، مما يفقدها استقلالها الحقيقي وسيادتها الوطنية، ويجعلها دولة تابعة سياسياً تقع في منطقة نفوذ لدولة أجنبية.
ثانياً : الدول التابعة اقتصاديا: وهي الدول المستقلة سياسياً من الناحية الشكلية، بينما معظم مرافقها الاقتصادية تقع تحت السيطرة الأجنبية المباشرة رغم أن السيطرة الاقتصادية وما ينتج عنها من آثار تمس السيادة والاستقلال السياسي للدولة، إلا أنها تختلف من دولة إلى أخرى. لأنه هناك الكثير من الدول النامية تعتمد في قضايا التنمية الاقتصادية الخاصة بها على المساعدات الاقتصادية الخارجية، فينظر إليها وكأنها دولة تابعة اقتصادياً، وهذا غير صحيح لأن الدولة التي تتلقى مساعدات اقتصادية خارجية غير مشروطة لازمة لخطط التنمية الاقتصادية فيها، والدول التي تشجع وتفتح أبواب اقتصادها للاستثمارات الأجنبية لا تعتبر دولة تابعة اقتصادياً. لأن التبعية تتوقف على مدى سيطرة الدولة على مقدراتها الاقتصادية وعلى النشاطات الاقتصادية الأجنبية الجارية على أراضيها، ومدى ضبطها للنشاطات الاقتصادية والاستثمارية الأجنبية في بلادها ضمن الإطار الذي لا يتعارض واستقلالها وسيادتها الوطنية.
والدولة التابعة اقتصادياً فعلاً هي تلك الدولة التي تنعدم فيها الضوابط القانونية، وأدوات الرقابة الوطنية على النشاطات الاقتصادية الأجنبية على أراضيها. ويقسم الباحثون الدول التابعة اقتصادياً بدورها إلى ثلاث فئات وهي: الدول التي تخلصت من الاستعمار وحصلت على استقلالها السياسي، وبقيت خاضعة للسيطرة والتبعية الاقتصادية للدول المستعمرة؛ والدول المستقلة التي تخلصت من التبعية السياسة والاقتصادية للدولة المستعمرة، ولكنها وقعت نتيجة لذلك فريسة للسيطرة الاقتصادية لدولة أخرى؛ والدول التابعة اقتصادياً رغم عدم خضوعها للسيطرة الاستعمارية أبداً وهذا النوع من الدول نادر في تاريخ العلاقات الدولية، ومنها تايلاند، وليبيريا المستقلة منذ أوائل القرن التاسع عشر والتابعة اقتصادياً للولايات المتحدة الأمريكية.
ثالثاً : الدول التابعة تبعية كاملة: وهذا النوع من الدول يكون مستقل اسمياً، ولكنها بالفعل تابعة للغير من الناحيتين الاقتصادية والسياسية. ومن تلك الدول التابعة تبعية كاملة، دول أوروبا الشرقية ومنغوليا وفيتنام وكوبا قبل انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، وتبعية ألبانيا الكاملة للصين الشعبية منذ عام 1961 وحتى انهيار الحكم الشيوعي فيها في مطلع تسعينات القرن العشرين.
والسبب الذي يكمن وراء التبعية الكاملة لتلك الدول في النظام الشيوعي هو الدور الذي تقوم فيه الدولة بالسيطرة الكاملة على مرافق الإنتاج والنشاطات الاقتصادية فيها، ولهذا فإن السيطرة على الاقتصاد الوطني يتطلب السيطرة على الأجهزة الاقتصادية وجعلها حكومية، والسيطرة التامة على المؤسسات السياسية الحاكمة. ولهذا السبب فإن السيطرة الاستعمارية على تلك الدول يكون أسهل وأشمل وأقوى منه في الدول التابعة اقتصادياً فقط.
وهناك عدة فروق جوهرية بين الدول التابعة والخاضعة للسيطرتين الاقتصادية والسياسية، وبين الدول التابعة اقتصادياً فقط. وتتمثل تلك الفروق في: أن السيطرة على الدول التابعة كلياً تتم عبر زعمائها، وقادتها السياسيين الذين ينتمون لنفس الحزب السياسي الذي ينتمي إليه قادة الدولة المسيطرة، وهو ما يؤدي إلى وجود وحدة إيديولوجية شبه كاملة بين قادة البلدين؛ وأن التركيز على الوسائل العسكرية للإبقاء على الزعامات الموالية سياسياً وعقائدياً للدولة المسيطرة، كان هو النمط السائد في تثبيت تلك السيطرة. وتشهد على ذلك الأحداث التي جرت في ألمانيا الشرقية عام 1953، والمجر، وبولونيا عام 1956، وفي تشيكوسلوفاكيا (جمهوريتي التشيك، والسلوفاك اليوم) عام 1968، قبل تخلصها من نظم الحكم الشمولية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق في مطلع تسعينات القرن العشرين.
في حين أن الدول التابعة اقتصادياً فقط، يشيع فيها وسيلة استخدام العقوبات والإغراءات الاقتصادية، بينما يظل شبح استخدام أو التهديد باستخدام القوة العسكرية للإبقاء على التبعية الاقتصادية محصوراً في الإطار غير المباشر. والتعبير الأمثل لإخضاع الغير للتبعية الاقتصادية قيام الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في مطلع القرن الحادي والعشرين بغزو مباشر للعراق لتحقيق ظروف أفضل لمصالحها ومصالح حلفائها الاقتصادية والنفطية والسياسية في الشرق الأوسط.
الآثار التي سببها الاستعمار في العلاقات الدولية: من أهم الآثار التي سببها الاستعمار في العلاقات الدولية، والتي لازالت تؤثر في أجواء العلاقات الدولية حتى اليوم: أن الاستعمار مارس أبشع سياسات الاستنزاف والاستغلال الاقتصادي على الدول والمناطق التي خضعت لسلطته، إلى الحد الذي عرقل بشدة من قدرة تلك الدول والمناطق التي كانت خاضعة للاستعمار على النمو الاقتصادي والاجتماعي وقد نتج عن ذلك أوضاعاً من التخلف والفقر وعدم الاستقرار لم تزل تعاني منه أكثر تلك الدول والمناطق حتى الآن.
ويشهد تاريخ الحركة الاستعمارية على أن الدول المستَعْمِرَة طبقت سياسات الاستنزاف الاقتصادي على مستعمراتها لتحقيق نتائج بالغة الخطورة على اقتصاد المستعمرات، ومنها: أنها تمكنت من التحكم في معدلات التبادل التجاري بينها وبين الدول التابعة لها، بالصورة التي وفرت لها كل المزايا الاقتصادية والمادية، دون أن تأخذ في اعتبارها الأضرار الفادحة التي لحقت باقتصاد مستعمراتها؛ وتمكنت من احتكار الأسواق في الدول التابعة لها، وفي بعض الحالات تمكنت من إغلاقها تماماً في وجه الدول المنافسة لها. مما دعم من السيطرة الاحتكارية على أسواق المستعمرات. وقامت الدول المستَعْمِرة من أجل ذلك بوضع قيود وتنظيمات نقدية في تلك المستعمرات تجبرها على التقيد بالتعامل التجاري استيراداً وتصديراً داخل المناطق النقدية التي أقامتها وتهيمن عليها. وكان من نتيجة ذلك عدم تمكن الدول التابعة من التعامل التجاري والاستيراد من المناطق النقدية الأخرى، حتى ولو كانت أرخص ثمناً، بسبب امتناع الدول الاستعمارية عن إعطائها النقد الأجنبي الذي تحتاج إليه لتمويل وارداتها ومشترياتها من المناطق النقدية الأخرى. وفي نفس الوقت كانت الدول الاستعمارية تكدس أرصدتها من العملات الأجنبية التي حصلت عليها من صادرات مستعمراتها إلى الدول الأخرى وتستخدم تلك الأرصدة المتراكمة في تدعيم المركز المالي والتجاري والاقتصادي للدولة المستَعْمِرَة، وفي تمويل مشترياتها من الدول الأخرى.
وقيام الشركات والمصالح الاستعمارية بالاستغلال الاقتصادي في المستَعْمَرات لصالح الدول المستَعْمِرَة، وعملت تلك الشركات والمصالح على نقل الأرباح الطائلة التي جنتها في المستعمرات إلى الخارج، وأعادت توظيفها هناك بما يعود بالرفاهية على الدولة المستَعْمِرَةِ وحدها، دون تخصيص أي قدر منها على الإطلاق لمحاربة أوضاع التخلف والفقر في المستعمرات، أو تحسين ظروف الحياة في المناطق التي قاست من وطأة الاستغلال الاقتصادي الطويل. وخلقت مشاكل بيئية صعبة أمام الدول النامية نتيجة لنهب ثروات تلك الدول، وعدم مراعاتها لشروط المحافظة على البيئة المحيطة أثناء تنفيذها للمشاريع الصناعية وحتى الزراعية والمائية في تلك الدول. ومن بينها مشكلة حوض بحر الأورال في وسط آسيا مثلاً. وأدت كل تلك السياسات الاستعمارية إلى تعميق الهوة الاقتصادية التي تفصل بين الطرفين المستَعْمِر، والمستَعْمَر. ولهذا تعتبر الدول المستقلة التي تخلصت من الاستعمار، الدول الاستعمارية مسؤولة مسؤولية تامة عن تخلفها وفقرها، كنتيجة مباشرة لسياسات الاستنزاف الاقتصادي التي تعرضت لها، وتطالبها بالمشاركة في عملية تنمية اقتصادها الوطني كنوع من التعويض عن الأضرار الفادحة الناتجة عن الاستغلال الاقتصادي الذي تعرضت له طيلة فترة السيطرة الاستعمارية. إلا أن الدول الاستعمارية عملت دائماَ على التنصل من ذلك، وفي حالات نادرة خصصت النذر اليسير لهذا الغرض، مما أدى إلى خلق نوع من عدم الثقة بين تلك الدول.
كما وأدت سياسات التمييز والاضطهاد العنصري، التي اتبعتها الدول الاستعمارية الأوروبية في مستعمراتها، إلى إحداث فجوة نفسية واسعة بين الدول الاستعمارية الأوروبية، والدول المستقلة التي تخلصت من السيطرة الاستعمارية في آسيا وإفريقيا وغيرها من مناطق العالم المختلفة. وأدت تلك الفجوة إلى تولد ضغوط وتوترات في العلاقات الدولية، لم تزل مستمرة في بقاع كثيرة من العالم حتى اليوم لأن المرارة التي خلفتها تلك السياسات هي من العمق بحيث لا يمكن إزالة رواسبها ببساطة كما يتبادر لذهن البعض. ويتفق الجميع على أن سياسات التمييز العنصري التي انطلقت من عدة اعتبارات أدت إلى نتائج مباشرة ومحددة أهمها: أن تطبيق السياسات العنصرية كان يخدم هدفاً سياسياً يعمق الإحساس لدى السكان المحليين في المستعمرات بتدنيهم العنصري والحضاري بالمقارنة مع المستعمرين والمستوطنين الأوروبيين المتفوقين من كل النواحي على السكان المحليين. وتم استخدام تلك العقدة العنصرية كسلاح للنيل من معنويات تلك الشعوب، وكسر مقاومتها للاحتلال، والتغلب على رفضها لسياسات السخرة والاستنزاف التي طبقت عليها، وحملها في النهاية على القبول بالأمر الواقع والاستسلام له. لأن سياسات التمييز العنصري التي قامت على التحقير من شأن الأجناس البشرية التي تنتمي لها شعوب المستعمرات وعلى احتكار المستوطنين الأوروبيين، لكل مراكز القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي في المستعمرات. ومعاملة سكان المستعمرات كمواطنين من الدرجة الثانية وإنكار أبسط حقوقهم الإنسانية. أدت إلى تعبئة الشعور العام بالمهانة والاضطهاد لدى شعوب المستعمرات وحفزها على الثورة ضد الاستعمار، وضد سياساته وأهدافه وأساليبه.
وهناك أمثلة كثيرة توضح الجانب اللا إنساني في سياسات التمييز العنصري التي طبقتها الدول الاستعمارية ضد شعوب المستعمرات التابعة لها. ومنها إفريقيا الفرنسية كما كانت تسمى من قبل، حيث لم يكن يعامل الأفارقة كمواطنين، بل كرعايا للدولة المستعمرة، ولا يتمتعون بأية حقوق سياسية، وظل هذا الأمر مستمراً حتى بعد الحرب العالمية الثانية. وكانوا يجندون للخدمة العسكرية في جيش الدولة المستعمرة لفترات أطول بكثير من الفترات التي كان يقضيها المجندون الفرنسيون في الجيش. وكان يطبق على سكان المستعمرات نظام السخرة والعمل الإجباري في المشاريع التي تخدم الوجود الاستعماري، مثال شق الطرق، وقنوات المياه، ومد السكك الحديدية وغيرها. وكثيراً ما كانت تطبق إجراءات العقوبات الجماعية ضد التصرفات التي فسرتها بأنها انتهاك للوضع القائم في المستعمرة. وهي السياسة التي طبقت ليس في المستعمرات الفرنسية وحسب، بل وفي المستعمرات البريطانية، والروسية، واليابانية، والبرتغالية، والإسبانية، والإيطالية، والألمانية، والبلجيكية، والهولندية.
ولعل من أبشع سياسات التمييز العنصري في التاريخ الحديث، ما مارسته حكومات الأقلية البيضاء في جنوب إفريقيا وروديسيا الجنوبية، وما اعتادت أن تفعله السلطات البرتغالية في أنغولا، وغينيا، وموزمبيق، حتى استقلالها عن البرتغال عام 1974. خاصة وأن السياسات الاستعمارية أدت إلى خلق وإثارة مشاكل الأقليات العرقية والدينية، وخلقت الجديد منها، وسببت في حدوث مضاعفات سياسية في العلاقات الدولية لم يزل العالم يعاني ويقاسي منها حتى اليوم، رغم انتهاء أشكال الاستعمار التقليدي. وقد اتخذ النهج الاستعماري من مشكلة الأقليات ثلاثة اتجاهات من السياسات التي هي حسب تقدير الدول الاستعمارية كفيلة بتدمير الأساس القائم على التعايش السلمي بين أبناء القوميات المختلفة، والوحدة الوطنية في المناطق التي نفذت فيها تلك السياسات المجرمة.
وقام الاتجاه الأول من سياسات خلق وإثارة مشاكل الأقليات، من خلال تفضيل بعض الأقليات ومنحها امتيازات من نوع أو آخر، للاستفادة من الشعور بالعرفان بالجميل والولاء الذي تبديه تلك الأقليات، كأداة لإحكام السيطرة الاستعمارية بشكل أكثر فاعلية على أغلبية السكان في المستعمرة.
أما الاتجاه الثاني لتلك السياسات فكان يعتمد على تشجيع هجرة اليد العاملة الرخيصة من مستعمرة إلى مستعمرة أخرى، أو التهجير القسري، وهو الأسلوب الذي اتبعته روسيا القيصرية، والسلطة السوفييتية من بعدها، وشمل ترحيل شعوب بأكملها قسراً من أوطانها إلى مواطن جديدة داخل الإمبراطورية مترامية الأطراف. أو حتى فتح باب الهجرة من بعض الدول الأجنبية إلى تلك المستعمرات، مما أدى مع مرور الوقت إلى خلق مشكلة تشكل أقليات وافدة مرتبطة مصلحياً بالتواجد الاستعماري في تلك المستعمرات، بعد أن تحولت تلك المستعمرات إلى مصدر رزق لها بعد أن انقطعت صلاتها بأوطانها الأصلية، وأصبحت أقليات مؤثرة في بعض الأحيان داخل الدول حديثة الاستقلال.
أما الاتجاه الثالث فكان يتمثل في فتح أبواب الهجرة إلى المستعمرات أمام العناصر التي وجدت في المستعمرة فرصاً أفضل للعمل ومجالاً أوسع للدخل، أو لإقامة نظام حكم استيطاني غريب على حساب مصالح السكان الأصليين وحقوقهم المشروعة.
وقد تسببت تلك الأوضاع كلها، في أن أصبحت تلك الأقليات مميزة على حساب الأغلبية من السكان الأصليين. إضافة لتعارض ولاء تلك الأقليات لمجتمعاتها الأصلية التي هاجرت منها، مع الولاء للمجتمعات التي هاجرت إليها واستقرت فيها. مما وضعها بموضع شك وريبة بل وكراهية في بعض الأحيان من قبل الشعوب الأصلية للمناطق التي هاجرت إليها واستقرت فيها. ومن الأمثلة على ذلك الأقليات الصينية في بعض الدول الآسيوية، والكثير من الأقليات البيضاء في إفريقيا، والأقليات فيما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي السابق قبل استقلال جمهورياته الخمس عشرة، وفي ما كان يعرف بجمهورية يوغوسلافيا الاتحادية قبل تفككها. وفي حالات أخرى كثيرة في آسيا وإفريقيا أدت مشاكل الأقليات فيها إلى تفجير العديد من الصراعات الدموية، والحروب الأهلية، وكانت سبباً لتدخل أطرافاً خارجية فيها، وهو ما يشكل مصدر تهديد حقيقي ومستمر للأمن والسلم العالمي.
وإضافة لمشاكل الأقليات تواجه القارة الآسيوية ثلاثة مشاكل مقلقة، أشار إليها الباحث المصري، أحمد طه محمد في دراسته "الصراعات الإقليمية في آسيا" التي نشرها مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة عام 1996، وهي:
مشاكل إعادة توحيد الدول المقسمة، وتشمل: مشكلة توحيد شبه الجزيرة الكورية المقسمة إلى دولتين منذ عام 1945، وأسفرت عن حرب مدمرة بينهما في عام 1950، تدخلت ووضعت ثقلهما فيها الدولتين العظميين آنذاك الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفييتي. ويبشر لقاء القادة في الكوريتين الذي حدث عام 2000 بانفراج الأزمة العالقة بينهما، وحل القضايا المتفرعة عنها ومنها إزالة الأسلحة الذرية من الدولتين والاتفاق عل إجراءات للتفتيش المتبادل، والتوحيد السلمي لشبه الجزيرة الكورية. ومشكلة العلاقات بين الصينيتين، الصين الشعبية التي تعتبر تايوان (الصين الوطنية) التي انشقت عنها عام 1949 جزءا منها، وتهدد الأمن والاستقرار في المحيط الهادئ. ومشكلة الصراع بين الصين الشعبية، وتايوان، وبروناي، وماليزيا، والفلبين، وفيتنام على جزر سبراتلي في بحر الصين الجنوبي. لما تتمتع به تلك الجزر من موقع استراتيجي يتحكم بطرق الملاحة البحرية في المنطقة، وللاعتقاد بوجود ثروات نفطية ومعدنية فيها. ومشكلة جزر الكوريل العالقة بين اليابان والفيدرالية الروسية، والتي احتلتها القوات السوفييتية أثناء الحرب العالمية الثانية.
ومشاكل قضايا الانفصال والحكم الذاتي المتمثلة اليوم بـ: قضية الأقلية التاميلية التي تطالب بالاستقلال عن سريلانكا، وتخوض حرب عصابات ضدها منذ عام 1983. وقضية جامو وكشمير التي بدأت عند تقسيم شبه الجزيرة الهندية في 14 آب/أغسطس عام 1947، دون أن يشمل التقسيم ولاية كشمير التي كانت تتمتع بحكم شبه ذاتي إبان الحكم الاستعماري البريطاني لشبه القارة الهندية، وترك الخيار لها بالانضمام إلى الهند أو باكستان. وتتلخص المشكلة بأن أغلبية سكان الولاية من المسلمين ويفضلون الانضمام لباكستان بسبب الانتماء الديني والعرقي، بينما كان حاكمها الهندوسي هاري سنج يفضل الاستقلال، وأمام الضغوط التي تعرض لها من الأكثرية الإسلامية طلب حماية الهند التي اشترطت عليه الانضمام إليها لتتمكن من حمايته مما أدى إلى نشوب مواجهات عسكرية بين قوات الحاكم التي دعمتها القوات الهندية، والثوار المسلمون بدعم من القبائل والقوات الباكستانية، أسفرت عن استيلاء الهند على 75 % من أراضي الولاية، بينما خضع الباقي لباكستان. وهكذا خلف الاستعمار البريطاني وراءه بؤرة توتر تهدد الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم، سببت باندلاع عدة حروب دامية بين الدولتين الجارتين، وأدت واحدة منها لانفصال القسم الشرقي من باكستان (بنغلادش اليوم). بينما أدى سباق التسلح بين الدولتين إلى حصولهما على السلاح النووي الذي يشكل نقلة نوعية خطرة في الصراع الدائر بينهما. وقضية مطالب جبهة مورو للتحرير الوطني، التي تطالب بانفصال منطقة مينداناو الغنية بالمعادن عن الفيليبين منذ عام 1972، وراح ضحية هذا الصراع أكثر من خمسين ألف شخص. وقضية التبت التي ضمتها الصين عنوة إليها في عام 1950، والثورة التي خاضها الشعب التيبيتي في عام 1959، وأدى قمعها إلى سقوط آلاف الضحايا، وهروب الدالاي لاما الرابع عشر إلى الهند المجاورة، ليخوض صراعاً سلمياً طويلاً لحل المشكلة والحصول على الاستقلال. بالإضافة للصراعات الدائرة في القوقاز منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.
مشاكل وقضايا صنع السلام، ومنها: المشكلة الأفغانية التي اندلعت بسبب التدخل السوفييتي بالشؤون الداخلية لأفغانستان، واجتياح قواته لأفغانستان عام 1979. وتحولت إلى حرب عرقية وطائفية بعد خروجه منها، وأصبحت تهدد الأمن والاستقرار في وسط آسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، ومشكلة اللاجئين المتفرعة عنها. وتطورت حتى قيام قوات التحالف الدولي باحتلالها والقضاء على نظام حكم طاليبان فيها عام 2001. ومشكلة اللاجئين في كمبوديا، التي خلفتها سنوات من الصراع المسلح على السلطة في كمبوديا منذ استقلالها وانسحاب القوات الفرنسية التي استعمرتها منذ القرن التاسع عشر، والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن إعادتهم إلى بلادهم.
إضافة للأوضاع الصعبة التي تواجهها القارة الإفريقية منذ حصول دولها على الاستقلال وحتى اليوم نتيجة للأحداث الجارية على الأرض الإفريقية وبسبب الظروف الصعبة التي تعاني منها القارة كنتاج للصراعات المسلحة، والمصالح الاستعمارية في نهب واستنزاف الموارد الطبيعية فيها. ورسم الحدود بين الدول الإفريقية وفقاً لمصالح الدول الاستعمارية دون مراعاة للتركيبات الإثنية والعرقية في القارة كما هي الحال لقبائل التوتسي، والهوتو التي قسمت بين أكثر من دولة تعاني من التناحر الدموي اليوم، فيما كانت سياسة المناطق المغلقة للاستعمار الإنجليزي في السودان سبباً في استمرار الحرب الأهلية منذ الاستقلال وحتى الآن، حيث أغلقت بريطانيا المناطق الجنوبية من السودان في وجه الشماليين منذ عام 1920 وحتى عام 1947، وفق خطط تم التراجع عنها لاحقاً في ترسيم الحدود الأوغندية لجنوب السودان، ومشكلة دار فور غرب السودان، والحربين الإرترية اليمنية، والإرترية الإثيوبية خلال أقل من عشر سنوات من استقلال إرتريا، والحرب الأهلية وظروف تفكك الدولة المستمرة منذ فترة طويلة في الصومال.
وجاءت المحصلة الإفريقية بسبب تضافر تلك الظروف خلال النصف الثاني من القرن العشرين، طبقاً لما ذكره الدكتور أحمد دياب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القاهرة، بـ 35 نزاعاً مسلحاً، قتل خلالها 10 ملايين شخص، أكثر من 90 % منهم من المدنيين فيما بلغ عدد اللاجئين سبعة ملايين شخص، إضافة إلى تحرك 20 مليوناً آخرين ليعيشوا في كنف قبائلهم. وقد شهدت الدول الإفريقية خلال القرن العشرين 78 انقلابا عسكرياً، أودت بحياة 25 رئيساً للجمهورية في 31 دولة إفريقية، إضافة لحركات التمرد الموزعة هنا وهناك داخل القارة. وقد انعكس ذلك كله على الصعيد الاقتصادي ليصبح حجم ديون 48 دولة إفريقية أكثر من 300 مليار دولار أمريكي، أي أكثر بمرتين ونصف المرة من مجمل قيمة الصادرات الإفريقية.
ومن هنا جاء قرار الرؤساء الأفارقة في قمتهم الخامسة والثلاثين لاختيار عام 2000 عاماً للسلام والأمن والتضامن في إفريقيا، ومواجهة الأوضاع المأساوية لثلاثية الحرب والجوع وعدم الاستقرار السياسي. والسعي لبلورة اتجاهاً لدى الدول الإفريقية ومنظمتها يدعو لضرورة وجود إرادة سياسية للقارة للتغلب على مشكلاتها خصوصاً بعد انتهاء الحرب الباردة وانتهاء الاهتمام الإستقطابي للدول الإفريقية كما كان في عهد الصراع السوفييتي الغربي للسيطرة على القارة، يتضمن: اتخاذ إجراءات من شأنها محاولة درء الأخطار عن القارة، وتعاون أهلها للنهوض بها؛ وبناء قوة إفريقية لحفظ السلام تسهم في تفعيل آلية لفض النزاعات الإفريقية؛ وإقرار الاتفاقية الإفريقية لمنع ومكافحة الإرهاب الدولي، ومقاومة عمليات تهريب الأسلحة ودعم حركات التمرد المنتشرة في القارة؛ ودعم الجهود الرامية إلى توطيد العلاقة بين الديمقراطية والتنمية في إفريقيا، بما يدعم اتجاهات الاستقرار السياسي، ومكافحة الفساد؛ وملائمة النظم الانتخابية الإفريقية مع واقع التعدد الإفريقي بما يعني التعبير عن إرادة جموع الناخبين، وليس مجرد الغالبية منهم؛ ودعم التكتل والتعاون الاقتصادي في إفريقيا، مثل: تجمعات الكوميسا، والسارك، والساحل والصحراء لخدمة التعاون الاقتصادي والتجاري بين الدول الإفريقية.
وإضافة للشعور بالتمييز والاضطهاد العنصري من قبل الأوروبيين، تعيش الدول الآسيوية والإفريقية اليوم، نتائج الحكم الاستعماري الذي استنزف المقدرات المادية والموارد الطبيعية لتلك الدول، وأبقاها في حالة من الفقر والتخلف الاجتماعي والاقتصادي. مما دفع العديد من تلك الدول للعمل على حماية مصالحها الاقتصادية من أخطار المصالح الاقتصادية للدول الاستعمارية السابقة عليها، وحماية استقلالها وسيادتها القومية، والسعي للتخلص من الضغوط الخارجية الموجهة ضدها، عن طريق إقامة التكتلات والتجمعات الإقليمية في محاولة للخروج من المأزق الذي تعيش به. وهو ما نراه واضحاً في التوصيات الصادرة عن المؤتمرات الأفروآسيوية، التي تندد بسياسات مناطق النفوذ، وأساليب الضغط والحصار الاقتصادي اللذان يهددان الاستقلال السياسي للدول الإفريقية والآسيوية. وهو ما يدفع معظم تلك الدول للعمل من أجل تصفية التركة الاستعمارية، والتخلص من كل مصادر النفوذ والسيطرة الاستعمارية، والابتعاد عن الانضواء تحت لواء التحالفات العسكرية، أو السماح للدول المتقدمة باستخدام أراضيها كقواعد عسكرية لها.
الفصل الخامس: الأدوات الاقتصادية في العلاقات الآسيوية الإفريقية الدولية. كان من مميزات الفترة الأخيرة من القرن العشرين، دخول العلاقات الدولية عصر العولمة، وإعطاء الأولية للأدوات الاقتصادية في العلاقات الدولية عن غيرها من الأدوات، رغم سيطرة شبح الحرب والصراعات الإقليمية وما نتج عنها من سباق للتسلح يرهق اقتصاد الدول حديثة الاستقلال ومحدودة الموارد. إضافة لانتشار ظاهرة الإرهاب الدولي والجريمة المنظمة وتجارة وتهريب الأسلحة وإنتاج وتجارة المخدرات غير المشروع، التي أضحت تقض مضاجع العديد من الدول الآسيوية والإفريقية. ومن الأمثلة على ذلك ما يجري اليوم في منطقة وسط آسيا نتيجة للحرب الأهلية التي خلفها التدخل السوفييتي في الشؤون الداخلية لأفغانستان عام 1979، والوضع المتفجر منذ قرابة النصف قرن على الحدود الباكستانية الهندية ضمن الصراع الدائر حول جامو وكشمير، والأوضاع غير الطبيعية في منطقة الخليج العربي وما سببته الحروب الثلاثة الطاحنة التي شهدتها المنطقة خلال أقل من عقدين بين العراق وإيران أولاً، بسبب النزاع على حق الملاحة في شط العرب، وتبعية عربستان التي ضمتها إيران لأراضيها في مطلع القرن العشرين، وتطالب بها العراق منذ ذلك الوقت. ومن ثم اجتياح العراق لدولة الكويت، وتداعيات حرب تحريرها التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية وشاركت فيها قرابة 68 دولة من دول العالم، وتبعها فرض الحظر والحصار الاقتصادي على العراق الذي لم تزل آثاره مستمرة حتى اليوم، وقيام قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية باحتلال العراق عام 2003 رغم معارضة منظمة الأمم المتحدة وعدد من دول العالم لهذا الاحتلال، والوضع على الساحة اللبنانية بعد انتهاء الحرب الأهلية فيها وانسحاب القوات السورية منها عام 2005، وآثار العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2007، هذا إن لم نشر للوضع دائم التوتر في الشرق الأوسط منذ أكثر من نصف قرن وتعثر مسيرة السلام الفلسطينية الإسرائيلية، والسورية الإسرائيلية منذ مؤتمر مدريد الدولي للسلام في الشرق الأوسط عام 1991.
إذ من المعروف أن الإمكانيات الاقتصادية للدولة تعتبر من المقومات الرئيسية في تعزيز السيادة القومية والاستقلال، وأداة هامة من أدوات السياسة الخارجية لأية دولة من دول العالم، ويمكن تعريف الأدوات الاقتصادية في السياسة الخارجية بأنها: المقدرات والموارد الاقتصادية التي تستغل بطريق صريح أو ضمني في دعم أهداف السياسة الخارجية، سواء أكانت الأهداف اقتصادية، أم سياسية، أم عسكرية أو غيرها. وتتعدد الأدوات الاقتصادية الرئيسية في العلاقات الدولية، ونذكر منها:
التعرفات الجمركية: ويعتبر فرض الرسوم الجمركية على الواردات من أكثر الأدوات التي تستخدمها الدول للتأثير على موازين التجارة الدولية. وتتنوع الأغراض التي تخدمها تلك الرسوم الجمركية، فقد تستخدم كمصدر من مصادر الدخل القومي للدولة، أو لتوفير الحماية لمنتجات الصناعات المحلية، أو لتغيير الشروط التي تتم بموجبها التبادلات التجارية بين الدول، أو كوسيلة من وسائل الضغط والانتقام من بعض الدول، أو كأداة للمساومة عن طريق الضغط أو الإغراء أثناء المفاوضات. ولكن بعض الخبراء يعتبرون أن أهمية الرسوم الجمركية تتناقص تدريجياً كأداة من أدوات السياسة الاقتصادية الخارجية مقارنة باستخدام غيرها من أدوات السياسة الخارجية، ويعزون ذلك إلى دخول الدول في ترتيبات اقتصادية إقليمية، أو دولية، إضافة للقيود التي تفرضها بعض الدول على حركة رؤوس الأموال تلبية لأغراض التنمية الاقتصادية فيها.
القيود الكمية (الحصص): والمقصود بالقيود الكمية كأداة من أدوات السياسة الاقتصادية الخارجية في إطار العلاقات الاقتصادية الدولية، تخصيص حصص محددة من الواردات كإجراء للحد من تدفقها، وهي بذلك تعتبر البديل المباشر للإجراء الأول عن طريق التشدد في فرض الرسوم الجمركية. ويحقق نظام القيود الكمية على الواردات من وجهة نظر الدولة التي تأخذ به، دعم الإنتاج المحلي، والحد من تسرب النقد الأجنبي. إضافة لاستخدامه في العلاقات الدولية كسلاح من أسلحة الحرب الاقتصادية. ويستخدم هذا النظام عادة في الدول التي تأخذ بنظام التخطيط الاقتصادي الشمولي، أو الدول التي تأخذ على عاتقها مسؤولية حماية صناعاتها المحلية.
أما الولايات المتحدة الأمريكية فتطبق نظام القيود الكمية لاعتبارات الأمن القومي، للحد من وارداتها من بعض السلع الزراعية، والمواد الخام بما فيها البترول. وتستثني من تلك القيود بعض الدول منها كندا والمكسيك اللتان تخضعان لاتفاقيات تجارية خاصة.
القيود النقدية: وهي من وسائل تنفيذ السياسة الخارجية للدولة وبموجبها تمارس الدولة رقابة صارمة ومطلقة على النقد الذي ينفق خارج أراضيها من أجل تمويل الواردات من الدول الأجنبية، أو لأغراض سياحية أو غيرها على السواء. وتمنح الدول التي تفرض هذه الرقابة رخص محددة، لاستخدام النقد من أجل الاستيراد وغيرها من أشكال الإنفاق خارج أراضيها حماية لميزان مدفوعاتها، أو الحد من العجز في الموازنة، أو محاربة الإسراف في الإنفاق الخارجي، أو الحد من الاستيراد عن طريق تخصيص النقد الأجنبي لاستيراد السلع الضرورية لدعم الاقتصاد القومي. وقد اتبعت دولاً كثيرة في العالم وخاصة دول غرب أوروبا، نظام الرقابة على النقد بعد الحرب العالمية الثانية، كإجراء لمنع تسرب احتياطيها المحدود من الدولار ومن القيود المنظمة للنقد أيضاً منع تحويل أو استبدال العملة المحلية بنقد أجنبي دون الحصول على ترخيص من الدولة.
حظر المبادلات التجارية مع الدول المعادية: وهو الحظر الذي يفرض على المبادلات التجارية مع الدول المعادية ويمكن أن يكون إما كلياً شاملاً، أو جزئياً محدوداً. ومن أمثلة الحظر الشامل، الحظر الذي اعتادت الولايات المتحدة الأمريكية أن تفرضه وحتى وقت قريب على التجارة مع الصين الشعبية، وكوبا، وليبيا، والحظر الذي استمر منذ عام 1990 على العراق حتى قيامها وحلفائها باحتلاله عام 2003. ومن أمثلة الحظر الجزئي المحدود، سياسات الحظر التي اتبعتها دول الكتلة الغربية الرأسمالية على بيع السلع الإستراتيجية لدول المعسكر الشرقي الشيوعي قبل انهياره، وإن كان تحديد طبيعة تلك السلع الإستراتيجية يعتبر من الأمور الصعبة عملياً حيث تختلف القيمة الإستراتيجية لأي سلعة بين وقت وآخر.
وتعتبر سياسة الحظر على المبادلات التجارية مع الدول المعادية سواء تمت بشكلها الشامل، أو الجزئي، من الإجراءات الفعالة التي تعاقب بها الدول بعضها البعض. غير أن مفعول الحظر يضعف أحياناً تحت تأثير عدة عوامل منها: اللجوء إلى أساليب التجارة غير المشروعة، عن طريق بيع السلع المحظورة وتصديرها إلى طرف ثالث، يتولى بدوره إعادة بيعها وتصديرها إلى الدول التي يطبق عليها إجراء الحظر. ومن الأمثلة على ذلك استخدام المستعمرات السابقة، البريطانية "هونغ كونغ"، والبرتغالية "ماكاو" قاعدة لتهريب السلع الأمريكية إلى الصين الشعبية، مما سبب أضراراً بالأهداف التي قصدتها الولايات المتحدة الأمريكية من إجراءات الحظر ضد الصين الشعبية.
وفي حالات أخرى يضعف الحظر بسبب إقدام بعض الدول على زيادة مبادلاتها التجارية مع الدولة التي فرض عليها الحظر، للتخفيف من وطأة الحظر المفروض على اقتصادها الوطني، كما حدث في الحالة الكوبية عندما قامت دول المعسكر الشيوعي وبعض الدول غير الشيوعية بزيادة تجارتها مع كوبا لإضعاف تأثير الحظر الذي فرضته الولايات المتحدة الأمريكية ضدها، أو ما جرى من مبادرات قامت بها بعض الدول للتخفيف من آثار الحظر الذي كان مفروضاً على العراق. وفي حالات معينة قد يفشل الحظر في الوصول إلى أهدافه إذا ما كانت القاعدة الاقتصادية للدولة التي تتعرض للحظر من القوة بحيث تستطيع أن تتغلب على آثار الحظر، بل إنه قد يكون حافزاً على تقوية الصناعات المحلية لتعويض النقص الذي تشعر به الدولة من جراء انقطاع وصول بعض السلع إليها تحت تأثير الحظر.
المقاطعة الاقتصادية: وهي رفض شراء السلع والبضائع التي تنتجها دولة معينة. وتختلف المقاطعة عن الحظر الذي تفرضه حكومات الدول، لأن المقاطعة تمارس من قبل المؤسسات والشركات والمصالح المعنية داخل الدولة، وتتم عادة تحت تأثير الدافع القومي البحت في ظرف معين. وأحياناً تكون المقاطعة إجراء تتبعه الدول الضعيفة التي تحجم حكوماتها عن إتباعها تحسباً من فرض عقوبات اقتصادية على أعدائها، فينتقل واجب المقاطعة ومسؤوليتها من الحكومات إلى المؤسسات والمنظمات والأفراد. ومن أمثلة المقاطعة الاقتصادية، المقاطعة التي اتبعتها الصين الشعبية قبل تحولها للنظام الشيوعي ضد اليابان والدول الأوروبية التي انتهكت سيادة الصين واعتدت على استقلالها الوطني، والمقاطعة العربية لإسرائيل والشركات المتعاملة معها، منذ قيامها في عام 1948، وهي التي أخذت بالتضاؤل بعد مؤتمر مدريد للسلام، وما تبعه من مؤتمرات دولية حول قضية الشرق الأوسط في الدار البيضاء، وشرم الشيخ، والدوحة.
ترتيبات الدمج الاقتصادي الإقليمي: وهي ترتيبات تمثل خطوة متقدمة نحو تنمية الروابط التجارية بين مجموعة معينة من الدول، وكثيراً ما تقترن ترتيبات الدمج الاقتصادي الإقليمي باتفاقيات تهدف إلى حذف العوائق الجمركية أو التخلص منها تدريجياً، لتشجيع حركة التجارة، وانتقالها بين الدول الأعضاء. ومن أمثلة تلك الترتيبات الاندماجية السوق الأوروبية المشتركة، والسوق العربية المشتركة، ورابطة أوروآسيا الاقتصادية. وترتيبات الدمج الاقتصادي تخدم بلا شك الدول المشاركة في الدمج، لمواجهة الدول الأخرى. أو ما اصطلح على تسميته بالأطراف الثالثة، حيث تجد تلك الأطراف صعوبة بالغة في شق الطريق لصادراتها من السلع والبضائع إلى الأسواق الداخلية لدول ترتيبات الدمج الاقتصادي، بسبب التعريفات الجمركية العالية التي تفرض عليها، حماية للسلع والبضائع المنتجة داخل منطقة السوق المشتركة لدول ترتيبات الدمج الاقتصادي. كما ويؤدي اتساع السوق المشتركة لدول ترتيبات الدمج الاقتصادي إلى بروز نوع من المنافسة الحرة تؤدي إلى تحسين المركز التنافسي للسلع والبضائع التي تنتجها دول السوق في الأسواق العالمية، بالمقارنة مع السلع والبضائع التي تنتجها الدول الأخرى خارج نطاق السوق المشتركة، بسبب حرمان الأخيرة من الميزات التي تتمتع بها دول الدمج الاقتصادي. وأثبتت تجربة السوق الأوروبية المشتركة ذلك من خلال وضعها لتجارة الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا (قبل انضمامها للسوق الأوروبية المشتركة) في موضع حرج بمواجهة دول السوق الأوروبية المشتركة.
الإعانات: وهي الإعانات التي تقدمها الدول لمنتجيها المحليين لتمكينهم من الارتفاع بمستواهم التنافسي في الأسواق العالمية وتأخذ الإعانات صوراً وأشكالاً متعددة منها: الإعانات النقدية، أو رفع أسعار السلع المنتجة في الأسواق المحلية، أو تخفيض أجور الشحن والنقل في وسائل المواصلات التي تملكها الدولة، أو زيادة الرسوم الجمركية على السلع المستوردة من الخارج. أو دفع إعانات تمكن المنتجين المحليين من تسويق سلعهم في الخارج بأسعار أقل من أسعار السوق المحلية، أو حتى أقل من أسعار الكلفة الحقيقية للإنتاج، ويعرف هذا الإجراء بسياسة الإغراق التي اتبعتها اليابان في وقت الأزمات الاقتصادية.
تجميد أو تأميم أو مصادرة الأرصدة المالية لبعض الدول الأجنبية المعادية: ويتم عن طريق تجميد أو تأميم أو مصادرة الأرصدة المصرفية والموجودات لدولة أجنبية داخل الدولة التي تتبع مثل هذا النوع من العقوبات الاقتصادية ضد أعدائها. وقد تكون تلك الأرصدة المصرفية مملوكة لرعايا الدولة التي يتخذ ضدها إجراء التجميد أو التأميم أو المصادرة، ولا يشترط في مثل هذه الحالة أن تكون الأرصدة المصرفية أو الموجودات ملكاً للحكومات فقط، كما حدث للأرصدة الإيرانية في الغرب بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، والأرصدة العراقية بعد اجتياحها للكويت.
وقد تلجأ بعض الدول إلى إلغاء العقود والامتيازات الممنوحة للدول الأجنبية، مثل: امتيازات التنقيب عن البترول والغاز والخامات المعدنية والثروات الطبيعية وغيرها واستغلالها. أو العقود الخاصة بإدارة بعض المرافق العامة، كمحطات الطاقة، ومرافق النقل وفقاً للحالات التي تنتهج فيها الدول الأجنبية سياسات معادية للمصالح الوطنية للدول التي منحت تلك الامتيازات والعقود.
الأفضلية في توزيع طلبات الاستيراد: وتنحصر في طلب الحكومات من الشركات الوطنية العاملة داخلها، وتقوم بنشاطات اقتصادية خارجية، أن تحول طلباتها على السلع الأجنبية من الدول التي لا تربطها بها علاقات ودية، إلى الدول الأخرى التي ترتبط معها بعلاقات ودية، كإجراء عقابي ضد الدول التي لا تربطها بها علاقات ودية.
إجراءات خفض قيمة العملة المحلية: وهو إجراء اقتصادي تلجأ إليه بعض الدول أحياناً لتشجيع صادراتها إلى الدول الأجنبية، عن طريق تمكين الدول الأجنبية من دفع أسعار أقل لما اعتادت أن تدفعه وارداتها منها، قبل أن تقدم الدول الأخرى المنافسة على تخفيض قيمة عملتها المحلية. أو للحد من ارتفاع أسعار العملات الصعبة في السوق السوداء، كما هي الحال في بعض الدول التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي السابق.
وتكون الأساليب الاقتصادية والتجارية عادة أكثر فاعلية في دول الأنظمة الشمولية، لأن تلك الدول تسيطر سيطرة تامة على التجارة الخارجية، ووسائل الإنتاج مملوكة من قبل الدولة في تلك الدول، الأمر الذي يمكنها من التخطيط الشامل لعمليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك. مما يمكنها من تقرير نوعية وكميات السلع المصدرة والمستوردة على السواء، وتتحكم بشبكة تجارتها الخارجية بالكامل، وتقوم بالتفاوض المباشر مع الشركات والمؤسسات والدول الأجنبية حول الأسعار وشروط التبادل التجاري وتعقد الصفقات التجارية معها. وهذا الاحتكار المطلق للتجارة الخارجية من قبل الدول يمنحها بعض المزايا، مثل: القدرة على المساومة؛ وتحويل التجارة الخارجية لخدمة أهداف سياستها الخارجية، وفق منظور مصالحها الوطنية؛ ويتيح لها إمكانية تخطيط التجارة الخارجية بما يحقق أهداف سياستها الخارجية، ودعم قدراتها العسكرية والاقتصادية؛ واستمالة الدول عن طريق تصدير السلع إليها بأسعار أقل من أسعار السوق العالمية، وحتى أقل من أسعار الكلفة الحقيقية لتلك المنتجات. كما حدث أثناء الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية ونجاح الاتحاد السوفييتي السابق باستمالة العديد من الدول النامية عن طريق هذه السياسة. حتى أن الاتحاد السوفييتي السابق نجح عام 1952 باستمالة أيسلندا مستفيداً من الأزمة التي نشبت بينها وبين بريطانيا حول الصيد في المياه الإقليمية، فقام الاتحاد السوفييتي بشراء السمك الأيسلندي الذي امتنعت بريطانيا عن شرائه، وخلال ست سنوات استطاع الاتحاد السوفييتي السيطرة على ثلث تجارة أيسلندا الخارجية، مما دفع بأيسلندا للطلب من الولايات المتحدة الأمريكية تخفيض عدد قواتها المسلحة الموجودة داخل أراضيها. وهي نفس السياسة التي اتبعها الاتحاد السوفييتي مع كوبا عندما اشترى محصولها من قصب السكر بعد أن امتنعت الولايات المتحدة الأمريكية عن شرائه مما دفع بأحد المحللين السياسيين آنذاك للقول بأن "الاتحاد السوفييتي يحتل مركزاً فريداً من حيث قدرته على التوجيه الذكي لتجارته العالمية، بالشكل الذي يحقق له أهدافه السياسية. وأن التجارة الخارجية السوفييتية تتحكم فيها الضرورات والفرص السياسية أكثر مما تتحكم فيها عوامل المنفعة الاقتصادية أو الربح المادي".
الفصل السادس: سياسة المعونات الاقتصادية والمساعدات الفنية الخارجية. تعتبر سياسة المعونات الاقتصادية والمساعدات الفنية الخارجية، من أنجع الوسائل لبلوغ أهداف السياسة الخارجية للدول المتقدمة والغنية في العالم. لأنها تمكنها من الضغط، وفي بعض الأحيان من فرض إتباع سياسات معينة على الدول المستفيدة، وفي النهاية من ربط اقتصاد الدول المتلقية لمثل تلك المساعدات بشبكة معقدة من العلاقات باقتصاد الدول المانحة. ومما زاد من تأثيرها دخول العلاقات الاقتصادية العالمية عصر العولمة والتجارة الإلكترونية.
سياسة المعونات الاقتصادية الخارجية: وتمثل المعونات الاقتصادية التي تقدمها الدول المتقدمة (الدول المستَعْمِرَة سابقاً) في العالم إلى الدول النامية (المستعمرات السابقة) أداة هامة من أدوات السياسة الخارجية لتلك الدول ولا يختلف أحد بأن الهدف الرئيسي من المعونات الاقتصادية الأجنبية هو دعم المصالح الخاصة بالدول التي تقدمها. وكان من الأسباب الأساسية للتوسع في سياسة برامج المعونات الاقتصادية الخارجية، اشتداد الحرب الباردة والصراع الإيديولوجي بين الكتلتين الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، والشرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق. وكانت الدول غير المنحازة في العالم الثالث ميدان التنافس في خضم ذلك الصراع. وكانت كلا الكتلتين تسعيان من خلال تلك المعونات إلى خلق جو من المناخ السياسي الملائم لها، والأكثر تجاوباً وتعاطفاً مع سياسات كلاً من الكتلتين، وهو الوضع الذي تغير جذرياً بعد انهيار الكتلة الشرقية في العقد التاسع من القرن العشرين، وبروز ملامح عالم أحادي القطبية تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، وبروز مصالح خاصة لدول متقدمة وغنية، لا تتفق والمصالح الاقتصادية للولايات المتحدة الأمريكية.
وقد استعملت سياسة المعونات الاقتصادية الخارجية في كثير من الحالات كأداة للضغط السياسي عن طريق التهديد بقطع المعونة أو تخفيضها كعامل من عوامل الإكراه على تغيير مسارات واتجاهات ونزعات سياسية محددة في تلك الدول المتلقية للمساعدات الاقتصادية الخارجية. وفي بعض الأحيان كانت المعونات الاقتصادية تقدم بشروط محددة تخدم المصالح الاقتصادية للدولة المانحة، ومنها مساعدات الولايات المتحدة الأمريكية التي تشترط وتحدد استخدام المساعدات لتمويل مشتريات الدول المتلقية للمعونة من سوق الولايات المتحدة الأمريكية فقط، وهو ما يتعارض مع مصالح الدول المتقدمة والغنية الأخرى. وتنحصر ترتيبات تقديم المعونات الاقتصادية الخارجية عادة في الإطارات التالية:
الترتيبات الثنائية للمعونة الاقتصادية: وهي بمثابة اتفاقيات ثنائية تنظم عملية تقديم المعونة من قبل الدولة المانحة إلى الدولة المتلقية للمعونة وتحدد هذه الاتفاقيات حجم المعونة ومداها وكيفية الاستفادة منها وطريقة سدادها ونسبة الفائدة عليها وغيرها من الشروط. وتفرض الدولة المانحة للمعونة الاقتصادية من خلال الترتيبات الثنائية عادة سيطرتها المباشرة على كيفية استخدام المعونة الاقتصادية التي تقدمها، مما يحرم الدولة المتلقية من حرية التصرف والاختيار، ويجعلها في مركز المضطر إلى إنفاق المعونة بالكيفية التي تحددها تلك الاتفاقيات. وتستخدم المعونات الاقتصادية في أكثر الحالات كوسيلة للضغط والمساومة تجبر من خلالها الدول المانحة للمعونة الدول المتلقية للمعونة على تغيير مواقفها وسياساتها بما يتماشى والمصالح الحيوية للدول المانحة للمعونة. وفي بعض الحالات تقوم الدولة المتلقية للمعونة بإجراءات مضادة تواجه من خلالها ضغوط ومساومات الدولة المانحة للمعونة، بالتلويح بالتحول إلى دولة أخرى تتصادم مصالحها مع مصالح الدولة المانحة للمعونة، للتخلص من الضغوط والمساومات، أو في طلب زيادة حجم المعونة الاقتصادية التي يجري التفاوض عليها.
المعونات الاقتصادية من خلال برامج منظمة الأمم المتحدة: تقدم منظمة الأمم المتحدة معونات اقتصادية ضمن برامج محددة في إطار المشاركة الدولية الواسعة التي تشمل الدول المانحة والدول المستفيدة من تلك المعونات. وتشرف الأجهزة الفنية التابعة للمنظمة على أوجه استخدام تلك المعونات الاقتصادية. ومن ميزات المعونات التي تقدمها برامج منظمة الأمم المتحدة، أنها تتجاوز الحساسيات الوطنية النابعة من الشعور بالتدخل الخارجي والضغوط التي تمارسها الدول المانحة بموجب الاتفاقيات الثنائية لأنه لا يمكن اتهام منظمة الأمم المتحدة بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول المستفيدة لإملاء ظروف اقتصادية وسياسة معينة على الدول المستفيدة من المعونات الاقتصادية. وهو السبب الذي يدفع بالدول النامية لتفضيل المعونات التي تأتيها من خلال برامج منظمة الأمم المتحدة عن غيرها من المصادر الدولية.
ولكن هناك مشكلة تواجهها منظمة الأمم المتحدة تنبع من هيكليتها، ونظام التصويت السائد في الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة، يؤثر في جوهر موضوع تقديم المعونات الاقتصادية. إذ تتمتع الدول الإفريقية والآسيوية والأمريكية اللاتينية وهي مجموعة الدول التي تمثل الدول النامية في العالم، بأغلبية الأصوات. الأمر الذي لا يرضي الدول المتقدمة في العالم والتي تشكل الأقلية في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وتقدم الجانب الأكبر من المعونات الاقتصادية. وترفض باستمرار الضغوط التي تمارسها مجموعة الدول النامية في الجمعية العامة للمنظمة. وهي الضغوط المتمثلة في طلب مضاعفة حجم المشاركة الفعلية في المعونات المقدمة عبر برامج منظمة الأمم المتحدة أو في المطالبة بتخفيف الشروط الموضوعة لتلقي تلك المعونات. ومن الأمثلة على ذلك الصراع داخل الجمعية العامة للمنظمة، المعركة الحامية التي خاضتها مجموعة الدول النامية في الجمعية العامة للمنظمة عند مناقشة مشروع إنشاء صندوق لتقديم رؤوس الأموال اللازمة لتمويل مشاريع التنمية UN Capital Development Fund وأدت معارضة الدول المتقدمة وهي المصدر الرئيسي لتمويل المشروع إلى فشله.
ويأتي البنك الدولي للإنشاء والتعمير International Bank for Reconstruction and Development على رأس الوكالات المتخصصة بتقديم المعونات الاقتصادية التابعة لمنظمة الأمم المتحدة. وجرى تأسس البنك الدولي للإنشاء والتعمير، وصندوق النقد الدولي في عام 1944، خلال انعقاد المؤتمر النقدي والمالي للحكومات الأربع والأربعين الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، بمدينة بريتون وودز بولاية نيوهامبشاير في الولايات المتحدة الأمريكية. وبدأ البنك أعماله في حزيران/يونيو عام 1946. وعضوية المؤتمر مفتوحة أمام جميع الدول الأعضاء في صندوق النقد الدولي ومع بداية عام 1976 بلغ عدد الدول التي انضمت لعضويته 127 دولة، وزاد عدد تلك الدول في مطلع تسعينات القرن العشرين بانضمام عدد من الدول التي استقلت حديثاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق واستقلال غيرها من دول العالم. وتملك البنك مجموعة الدول الأعضاء وتراقب أعماله من قبل حكوماتها.
وينص ميثاق البنك الدولي للإنشاء والتعمير على عدد من القواعد الأساسية، منها: عدم جواز منح القروض إلا للأغراض الإنتاجية؛ وعدم جواز منح القروض إذا لم تتوفر الاحتمالات المعقولة للسداد؛ ومنح القروض بضمانات الحكومة المعنية.
وباستثناء بعض الحالات الخاصة تمنح القروض لمشاريع محددة. وفي كل الأحوال يتعين على البنك الدولي، أن يتحقق من أن الاعتمادات المطلوبة لا يمكن الحصول عليها من مصادر أخرى بشروط مناسبة. وقرارات البنك تخضع لاعتبارات اقتصادية بحتة ولا تفرض شروط إنفاق القروض لتمويل مشتريات من دولة معينة دون سواها أو من مجموعة معينة من الدول الأعضاء. وكقاعدة عامة فإن أي مشروع يموله البنك، يتم بحثه من خلال الاحتياجات الشاملة للدولة المتقدمة بالطلب، وإمكانياتها الذاتية وسياساتها، كضمان من وجهة نظر البنك لاستخدام موارده على أفضل وجه ممكن. وأول خطوة للاستجابة لطلب المعونة الذي تتقدم به الدول، تتضمن القيام بدراسة شاملة لاقتصاد تلك الدول، ينتهي عادة بإعداد تقرير اقتصادي يجري استخدامه لاحقاً من قبل حكومة الدولة المعنية والبنك الدولي، ويعتبر ذلك التقرير أساساً لقرارات البنك بشأن المعونة المالية والفنية. وغالباً ما تستخدم حكومة الدولة المستفيدة من القروض، التقرير الاقتصادي كأداة للتخطيط المالي والاقتصادي في بلادها، وتعتبره وكالات التمويل بالقروض المحلية والدولية وثيقة أساسية للتمويل. ويتناول التقرير الاقتصادي عادة، اقتصاد الدولة المستفيدة بالوصف والتحليل بشكل كامل، ويتناول سياساتها الإنمائية والتنظيمية ومشكلاتهما الرئيسية، ويتخذ التحليل الموضوعي أساساً لوضع نظام عام يشمل أولويات التنمية في مختلف القطاعات.
ويوضع برنامج لعمليات البنك مدتها خمس سنوات، تستند بصورة رئيسية على التقرير الاقتصادي بعد التشاور مع حكومة الدولة المعنية. كما ويعاد النظر بالبرنامج الموضوع أثناء مراجعته سنوياً، مع الأخذ بعين الاعتبار احتمال توفر مصادر خارجية للتمويل إضافة لموارد الدولة المعنية نفسها. ويقدم البرنامج إطارا معيناً للعمل يتضمن مقترحات محددة للتنفيذ، تساعد الدولة المعنية على انتهاج إستراتيجية للتنمية متفق عليها. وبعد التوصل لاتفاق على تفاصيل المشروع المقترح واحتياجاته المالية، تبدأ مرحلة التفاوض على اتفاقية القرض أو الاعتماد المطلوب، وبعد إقرارها من قبل رئيس مجموعة البنك، يرفع للتصديق عليه من قبل المدراء التنفيذيين الذين يمثلون جميع الدول الأعضاء. ويستمر دور البنك بعد منح القرض أو فتح الاعتماد بالإشراف على الإنفاق، ولا يسلم من أمواله إلا بالقدر اللازم لمواجهة الإنفاق الفعلي على المشروع. ويتم دفع القروض من قبل البنك بأية عملة يطلبها المستفيد من القرض الذي يلتزم بالوفاء بنفس العملة التي استخدمها البنك. ويستمر دور البنك الدولي طيلة فترة المشروع، حيث تقوم الدولة المستفيدة بتقديم تقارير دورية عن تقدم مراحل المشروع، يتبعها زيارات لممثلي البنك الدولي لمواقع التنفيذ، لتقديم المشورة والمساعدة اللازمة، والتأكد من الضمانات التي تكفل الوصول للفوائد المرجوة من القرض للدولة المستفيدة.
وللبنك الدولي اتصال شبه دائم وعلاقات عمل وثيقة ومنتظمة بالوكالات واللجان المتخصصة الأخرى لمنظمة الأمم المتحدة، وببنوك التنمية الإقليمية، ولجنة التحالف الأمريكي من أجل التقدم، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والمنظمات الإقليمية الأخرى، وأغلب الوكالات القومية التي تقدم المساعدة المالية والفنية لأغراض التنمية. ويتبع البنك الدولي للإنشاء والتعمير، وكالة التنمية الدولية IDA التي تمنح تسهيلات ائتمانية لا نظير لها في أية جهة في العالم، حيث تمنح قروضاً دون فوائد لمدد قد تصل إلى خمسين عاماً.
المعونات الاقتصادية في إطار ترتيبات التعاون الإقليمي: وهو الأسلوب المتبع في تقديم المعونة الاقتصادية في إطار المشاركة والتعاون بين مجموعة من الدول الواقعة في إقليم جغرافي واحد كمجلس تعاون دول الخليج العربية، والرابطة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، ومنظمة الكوميسا، ومنظمة تعاون آسيا المركزية. وتحاول هذه المنظمات الإقليمية الابتعاد عن الصراعات السياسية الجارية ضمن أروقة منظمة الأمم المتحدة، والمؤثرة على إمكانيات الحصول على المعونات الاقتصادية من خلال برامج المنظمة الدولية. ولها نفس ترتيبات المعونات التي تقدم من خلال برامج المنظمات الدولية تقريباً.
سياسة المساعدات الفنية الخارجية: وهي مثل المعونات الاقتصادية الخارجية، وتستخدم كأداة من أدوات السياسة الخارجية للدول المتقدمة. وأثبت الواقع أن المعونات الاقتصادية الخارجية، والمساعدات الفنية الخارجية لهما بعدين متكاملين يخدمان نفس الأهداف والغايات. ويتسع إطار المساعدات الفنية ليشمل تقديم الخبرة الأكثر تقدماً في مجالات الإنتاج الزراعي والصناعي، والخدمات العامة والصحة، والتعليم، والاتصالات الأهم في عصر العولمة وغيرها من المجالات، وتشمل تقديم الخبراء الفنيين المتخصصين في المجالات المرتبطة بالتنمية الاقتصادية، والتخطيط، والتنظيم الإداري والحكومي وغيرها. ويجري تقديم المساعدات الفنية، مثل تقديم المعونات الاقتصادية، إما بموجب ترتيبات واتفاقيات ثنائية، أو من خلال ترتيبات إقليمية، أو من خلال برامج منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.
الفصل السابع: العلاقات الدولية لدول شرق آسيا. مع أواسط النصف الثاني من القرن العشرين شغلت دول شرق آسيا المركز الثاني بعد القارة الأوروبية في نظام العلاقات الدولية بعد التطور السريع التي شهدته تلك الدول في الحوار القائم بينها وفي حوارها مع الدول الكبرى خارج الإقليم، مما هيأ السبيل لدول المنطقة الآسيوية المطلة على المحيط الهادئ لتصبح المركز الرئيسي للاقتصاد العالمي كما كانت أوروبا خلال المرحلة الاستعمارية من تاريخ العلاقات الدولية. ومنطقة شرق آسيا هي القسم الآسيوي المطل على المحيط الهادي، ولها عدة تعاريف جغرافية.
الأول: المنطقة الضخمة من القارة الآسيوية المطلة على الشاطئ الغربي للقارة الأمريكية وشرق أستراليا وتضم دول جنوب آسيا.
والثاني: ويضم الدول الآسيوية المطلة على المحيط الهادئ والولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والمنطقة الأسترالية وزيلانديا الجديدة ودول جنوب آسيا باستثناء دول أمريكا اللاتينية.
والثالث: ويركز على الدول الآسيوية من مضيق بيرينغ وحتى بورما.
وخلال العقدين السابع والثامن من القرن العشرين كانت العلاقات بين دول الإقليم خاضعة لتأثير مباشر لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية، واتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية، وجمهورية الصين الشعبية، والصراع القائم آنذاك بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي حتى انهياره. مما أعطى لدول الإقليم دفعة قوية نحو تطوير نظام متعدد القطبية. ليتحول إلى التأثير الصيني، والياباني، ودول رابطة جنوب شرق آسيا (آسيان) مع استمرار التأثير الأمريكي والروسي.
وأثر نظام تعدد القطبية في الإقليم على تقييمات تلك الدول للظواهر الدولية لأن الصين كانت تساند مبدأ تشكل التعددية في العلاقات الدولية العالمية، وكانت روسيا أيضاً تساند وجهة النظر الصينية وهو ما أشار إليه البيان المشترك الصادر في نيسان/أبريل 1997 عن القمة الروسية الصينية التي عقدت في موسكو.
وتميزت العلاقات الدولية لدول شرق آسيا خلال تسعينات القرن العشرين بالاستقرار السياسي الذي اعتمد على النجاحات الاقتصادية التي حققتها دول الإقليم خلال عقدين من الزمن، ولكن الأزمة المالية والاقتصادية التي أصابت دول الإقليم خلال عامي 1997 و1998 أثرت وأدت إلى مضاعفات مالية واقتصادية وسياسية في الإقليم.
العوامل الأساسية لإعادة الاستقرار الإقليمي: على الرغم من وجود عدة اتفاقيات سياسية وعسكرية جماعية في إقليم شرق آسيا إلا أننا نلاحظ أن أمن الإقليم يعتمد أساساً على الاتفاقيات الثنائية المعقودة بين دوله، وخاصة بعد انتهاء الصراع الأمريكي السوفييتي حين تم تخفيض القوات الأمريكية في الإقليم بحدود عشرة آلاف عسكري خلال الفترة الممتدة من عام 1990 وحتى عام 1992، ومع ذلك بقيت اليابان وكوريا الجنوبية من أهم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
الاتفاقيات الثنائية: وتعتمد اليابان على معاهدة التعاون وضمان الأمن المعقودة بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان عام 1951 وأعيد النظر ببنودها عام 1961 وفي عام 1971 وتمدد سنوياً تلقائياً وتضمنت تقديم الولايات المتحدة الأمريكية المساعدة لليابان في حال نشوء تهديدات للسلام والاستقرار في الشرق الأقصى.
ومعاهدة الدفاع المشترك بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الجنوبية التي وقعت في تشرين أول/أكتوبر عام 1953 بعد اتفاقية وقف إطلاق النار التي وضعت حداً للعمليات العسكرية التي استمرت من عام 1950 وحتى عام 1953 في شبه الجزيرة الكورية والاتفاقيتين تسمحان للولايات المتحدة الأمريكية بالاحتفاظ بقواعد عسكرية على الأراضي الحليفة من شبه الجزيرة الكورية.
ومعاهدة الدفاع المشترك الموقعة عام 1952 بين الولايات المتحدة الأمريكية والفلبين التي تسمح بتواجد القوات الأمريكية على الأراضي الفيليبينية إلى أن بدأت الحكومة الفيليبينية بالمطالبة بخروج القوات الأمريكية مع نهاية سبعينات القرن العشرين وأخليت تلك القواعد فعلاً عام 1992.
ومع ذلك عملت الولايات المتحدة الأمريكية على الاحتفاظ بتواجدها في المنطقة فعرضت حكومة سنغافورة عام 1990 على الولايات المتحدة الأمريكية تمركز وحدات إمداد وخدمة قوات البحرية والجوية الأمريكية على أراضيها. ووافقت ماليزيا وإندونيسيا على تقديم تسهيلات للولايات المتحدة الأمريكية لإصلاح سفنها الحربية في الموانئ التابعة للدولتين. وفي عام 1993 تعهدت بروني بتقديم نفس التسهيلات للولايات المتحدة الأمريكية. وسمحت الفيليبين باستخدام القاعدة الأمريكية السابقة في سوبيك بيه لإصلاح السفن البحرية الأمريكية بشروط تجارية بحتة.
أما تايلاند التي لم ترتبط بأية اتفاقيات مع الولايات المتحدة الأمريكية فقد بدأت علاقاتها معها بالتطور بعد توقيع وزير الخارجية الأمريكي د. راسك مع وزير خارجية تايلاند تانات خومان عام 1962على البيان المشترك عن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية حيال تايلاند، وحملت هذه الوثيقة اسم (بيان راسك – تانات) ولم تتضمن التزامات أمريكية صريحة بحماية تايلاند ولكنها تضمنت تعهدات أمريكية بتقديم المساعدة من أجل تعزيز قدرات تايلاند العسكرية لمواجهة أي عدوان مباشر أو غير مباشر.
وفي عام 1979 أقر كونغرس الولايات المتحدة الأمريكية قانون العلاقات مع تايوان الذي تضمن ضمانات غير رسمية لها في حال تأزم علاقاتها مع الصين.
أما العلاقات الروسية مع دول المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق فقد انحصرت بالمحافظة على المعاهدة المعقودة مع جمهورية فيتنام الاشتراكية في عام 1978 والتي استأجر بموجبها الاتحاد السوفييتي من عام 1979 وحتى نهاية ثمانينات القرن العشرين قاعدتين بحريتين عسكريتين وقاعدة جوية عسكرية للحفاظ على التوازن مع الوجود الأمريكي في الفيليبين. وانتهى التواجد الروسي مع انهيار اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية في مطلع تسعينات القرن العشرين، ولكن بعد تطوير الصين لاستراتيجيها العسكرية في فيتنام سارعت روسيا للاحتفاظ بتواجدها العسكري في فيتنام حتى عام 2004 والواضح أن فيتنام لا تعارض استخدام الولايات المتحدة الأمريكية لتلك القواعد وعلى ما يبدو فإن دول منظمة آسيان والولايات المتحدة الأمريكية يتفهمون الغرض من التواجد الروسي في جمهورية فيتنام الاشتراكية التي قبلت عضويتها في منظمة آسيان عام 1995 وهذا يعني قبولهم بروسيا بشكل غير مباشر في نظام الأمن الإقليمي.
كما واستمر العمل بالمعاهدة السياسية والعسكرية المعقودة عام 1961 بين الاتحاد السوفييتي، وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية (الشمالية)، وشرع الجانبان بالمشاورات الثنائية لتعديلها عام 1995. بعد أن تم توقيع معاهدة الصداقة والتعاون بين الفيدرالية الروسية وجمهورية كوريا (الجنوبية) في عام 1992 والتي كانت أول معاهدة يتم توقيعها مع دولة حليفة للولايات المتحدة الأمريكية في الإقليم، وتوقع المراقبون أن تتحول تلك العلاقات إلى جسر للتفاهم حول التواجد في المنطقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والفيدرالية الروسية.
وفي عام 1993 تم التوقيع على معاهدة ثنائية جديدة بين الفيدرالية الروسية ومنغوليا حملت طبيعة سياسية بدلاً عن المعاهدة السوفييتية المنغولية التي وقعت بين البلدين عام 1966.
ومن المعاهدات الثنائية في الإقليم المعاهدة الأسترالية النيوزيلندية التي وقعت عام 1943 لمواجهة اليابان ولم تزل نافذة حتى الآن، والمعاهدة الأسترالية الإندونيسية الموقعة في كانون أول/ ديسمبر 1995 لمواجهة تصاعد قدرات جمهورية الصين الشعبية في المنطقة.
الاتفاقيات الجماعية: جرى في أيلول/ سبتمبر 1951 بمدينة سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأمريكية التوقيع على المعاهدة الثلاثية للأمن بين أستراليا وزيلانديا الجديدة والولايات المتحدة الأمريكية لمواجهة أي اعتداء ياباني ومع الوقت تغيرت أهداف المعاهدة. ونتيجة للخلاف الذي حصل بين زيلانديا الجديدة والولايات المتحدة الأمريكية عام 1986 بسبب منع السفن الحربية الأمريكية المزودة بأسلحة نووية من دخول موانئ زيلانديا الجديدة، أعلنت الإدارة الأمريكية من جانب واحد عن وقف عضوية زيلانديا الجديدة في المعاهدة وأوقفت التعاون العسكري معها. وتحولت المعاهدة إلى نوع من التعاون الثنائي بين الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا، وبين أستراليا وزيلانديا الجديدة استمراراً للمعاهدة التي سبق ووقعتها البلدين عام 1943 للتعاون العسكري والسياسي لتبقى زيلانديا الجديدة ضمن نظام الشراكة الإستراتيجية الأمريكية.
ومع بداية سبعينات القرن العشرين دخل نظام إقليمي دفاعي يضم خمس دول، وهي: بريطانيا، وأستراليا، وماليزيا، وزيلانديا الجديدة، وسنغافورة، حيز التطبيق واعتمد على ستة وثائق: لتنظم دفاع جوي موحد للدول الخمسة؛ ولتنظيم التعاون الدفاعي بين بريطانيا، وأستراليا، وزيلانديا الجديدة، وسنغافورة؛ وتنظيم التعاون البريطاني، والاسترالي، والماليزي ، وزيلانديا الجديدة؛ وتنظيم التعاون العسكري والسياسي بين الدول الخمس؛ وتنظيم التعاون بين بريطانيا، وأستراليا، وزيلانديا الجديدة.
ومعاهدة التحالف الماليزي التي تطورت إلى معاهدة للدفاع المشترك بجنوب شرق آسيا عام 1954 ضمت الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، وتايلاند، وباكستان، وعلى أساس هذه المعاهدة عمل حلف سياتو الذي لم يكتب له النجاح. وفي عام 1976 وبمبادرة من الفيليبين وتايلاند تم حل أجهزته الإدارية وعملياً لم يتم حله حتى الآن ويمكن إعادة عمل أجهزته في أي وقت.
وهناك نظاماً للأمن الإقليمي يضم تسعة دول أعضاء في آسيان وهي: بروني، وفيتنام، وإندونيسيا، ولاوس، وماليزيا، وميانما، وكمبوديا، وسنغافورة، وتايلاند، والفيليبين من عام 1995.
ودول ترتبط بعلاقة شراكة مع دول آسيان وهي: الولايات المتحدة الأمريكية، واليابان، وأستراليا، وزيلانديا الجديدة، وكندا، وجمهورية كوريا (الجنوبية)، والفيدرالية الروسية، وجمهورية الصين الشعبية، وممثلين عن الاتحاد الأوروبي، وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية (الشمالية).
ولا تعتبر الاتفاقيات الجماعية منظمة عسكرية سياسية بل إطاراً للحوار الاستراتيجي الجماعي ولا تتحمل أعضاءها أية التزامات عسكرية أو سياسية. والهدف منها المحافظة على الاستقرار ومنع الصراعات ويمكن للدول الصغيرة الاعتماد على تأييد الدول الكبرى في حال تعرضها لأي تهديدات إقليمية.
المضمون الاقتصادي للتعاون الإقليمي: من خلال التطور التجاري والاقتصادي والمالي والإنتاجي وتدفق رؤوس الأموال والبضائع والتكنولوجيا وتداخل المصالح الاقتصادية لليابان والولايات المتحدة الأمريكية ومع بداية تسعينات القرن العشرين شكلت دول الإقليم منظومة اقتصادية إنتاجية ضخمة سرعان ما تحولت إلى قوة الدفع الرئيسية لتسريع عمليات التطور في المنطقة. ليصبح رفع مستوى التطور في الدول الآسيوية بالنسبة لليابان والولايات المتحدة الأمريكية ضروري لعدة أسباب:
أولاً: لأنها لا يمكنها في ظروف القدرة الشرائية المنخفضة لسكان الدول الفقيرة أن تصبح سوقاً لتسويق البضائع اليابانية والأمريكية.
ثانياً: لأن انخفاض المستوى التكنولوجي لا يسمح بإدخال تلك الدول في عملية التعاون الإنتاجي مع اليابان والولايات المتحدة الأمريكية، وهو التعاون الضروري للجانبين للانتقال إلى مستوى إنتاجي أفضل.
ولهذا عملت طوكيو وواشنطن على تقديم المساعدات لتطوير الدول غير الشيوعية عن طريق القروض والاستثمارات وإدخال التكنولوجيا الحديثة. وبمساعدة الدولتين العظميين تم تعزيز الواقع الاقتصادي لعدد من الدول النامية في المنطقة وهي: تايوان، وكوريا الجنوبية، وهونغ كونغ، وسنغافورة، وسرعان ما تحولت هذه الدول إلى طليعة للدول الصناعية الجديدة في شرق آسيا.
وكان من المنتظر أن يكون تأسيس منظمة آسيان عام 1967 بداية لتحول الدول الصغيرة والمتوسطة إلى تعاون إقليمي لتطوير الاقتصاد بدلاً من التعاون العسكري خاصة وأن تلك الدول قادرة على تعبئة مواردها الداخلية وعلى جذب موارد واستثمارات خارجية من أجل التصنيع، وساعد على ذلك الاستقرار السياسي الذي وفرته الأنظمة المعتدلة المتمتعة بالنفوذ مما سهل عملية التنمية الاقتصادية في دول آسيان ومع بدايات تسعينات القرن العشرين دخلت دول آسيان في عداد الدول الصناعية الجديدة ليشكلوا معاً قوة مؤثرة في الإقليم.
المنظمات الاقتصادية الإقليمية ذات الطابع التكاملي: خلال تسعينات القرن العشرين ضم إقليم شرق آسيا أكثر من 15 منظمة إقليمية للتكامل منها منظمة "آسيان" التي جمعت تسعة دول من دول جنوب شرق آسيا، هدفها إقامة منطقة للتجارة الحرة في جنوب شرق آسيا قبل عام 2008 وأنشأتها إندونيسيا وماليزيا وتايلاند وسنغافورة والفلبين، وفي عام 1984 انضمت إليها بروني، وفي عام 1995 فيتنام، وفي عام 1997 لاوس وميانما، وفي عام 1999 كمبوديا. ومن عام 1989 أصبحت بابوا غينيا الجديدة عضواً مراقباً فيها.
ويعقد وزراء خارجية الدول الأعضاء في المنظمة اجتماعاً سنوياً، ومن عام 1979 أصبحت الاجتماعات تضم ممثلين عن الدول الأعضاء في المنظمة والدول المتمتعة بصفة شريك رسمي للمنظمة ومن بين تلك الدول: الولايات المتحدة الأمريكية، واليابان، وأستراليا، وزيلانديا الجديدة، وكندا، وجمهورية كوريا (الجنوبية)، ومن عام 1997 روسيا (وكانت روسيا من عام 1991 تشارك بصفة ضيف مراقب)، وجمهورية الصين الشعبية.
وخلال الاجتماع الذي عقدته الدول الأعضاء عام 1971 في كوالا لامبور (ماليزيا) أعلنت المنظمة عن سعيها لإقامة منطقة سلام وحرية وحياد في جنوب شرق آسيا، ومنطقة خالية من الأسلحة الذرية. وحتى تسعينات القرن العشرين لم تشغل مسائل التعاون العسكري والسياسي مكانة كبيرة في عمل المنظمة. وفي عام 1991 بحث ممثلي الدول المشاركة في المنظمة لأول مرة المسائل العسكرية والسياسية وبدأت ببحث انسحاب القوات الأمريكية من القواعد العسكرية في الفلبين. وفي عام 1992 بحثت الخلافات الحدودية بين جمهورية الصين الشعبية وتايوان وعدد من الدول الأعضاء في المنظمة حول جزر سبراتلي. وأقرت المنظمة عام 1994 إنشاء حوار إقليمي دائم حول قضايا الأمن، ومن عام 1995 أصبحت الدول المشاركة في اجتماعات المنظمة مواظبة على الحوار الإقليمي الدائم حول قضايا الأمن.
ويعتبر المجلس الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي (АРЕС-Asia Pacific Economic Cooperation) منظمة هامة في المنطقة وهي منظمة إقليمية اقتصادية وحيدة تهدف إلى إقامة منطقة حرة مفتوحة للتجارة والاستثمار حتى عام 2010، والرابطة الاقتصادية لآسيا والمحيط الهادئ تضم في عضويتها الدول الصناعية المتطورة، وحتى عام 2020 الدول المشاركة في المجلس الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي (АРЕС-Asia Pacific Economic Cooperation) والدول الأعضاء بمنظمة آسيان هي: الولايات المتحدة الأمريكية، واليابان، وكندا، وأستراليا، وزيلانديا الجديدة، والجمهورية الكورية (الجنوبية)، وجمهورية الصين الشعبية، وهونغ كونغ، وتايوان (لا تشارك في اللقاءات على مستوى رؤساء الحكومات)، وروسيا (من عام 1997)، والمكسيك، وتشيلي، وبابوا غينيا الجديدة، وعدد من دول جزر المحيط الهادئ عدا بورما ولاوس. ومن عام 1993 جرت اجتماعات سنوية لـلمجلس الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي على مستوى رؤساء الحكومات وتم تجميد قبول عضوية أعضاء جدد في الرابطة حتى عام 2007.
وإلى جانب المنظمات الحكومية في الإقليم هناك عدد من المنظمات تأسست عام 1990 كمنظمة تابعة لـلمجلس الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي، منها مجلس شرق آسيا الاقتصادي (East Asian Economic Cauaus) ويضم الدول الأعضاء في آسيان واليابان، وجمهورية كوريا (الجنوبية)، وزيلانديا الجديدة، وتايوان، وهونغ كونغ. ومؤتمر التطور الاقتصادي والتجاري للمحيط الهادئ (PAFTAD-Conference on Pacific Trade and Economic Development). والمجلس الاقتصادي لحوض المحيط الهادئ (PDEC-Pacific Basin Economic Council). اللذان يضمان روسيا في عضويتهما.
الدور الجديد لجمهورية الصين الشعبية: خلال تسعينات القرن العشرين وكنتيجة للإصلاحات التي بدأت من عام 1978 بقيادة زعيم الحزب الشيوعي الصيني دين سياوبين (1904- 1997) تم تعزيز القدرات العسكرية والاقتصادية لجمهورية الصين الشعبية وتخلص الاقتصاد الصيني من أزمته وتم حل المشكلة الغذائية، ومنذ مطلع تسعينات القرن العشرين أصبحت جمهورية الصين الشعبية من أكبر الدول المصدرة في العالم. وبدأ ظهور التكنولوجيا الصناعية الحديثة فيها وأصبحت الدولة الثالثة بعد الولايات المتحدة الأمريكية واليابان من حيث حجم الإنتاج الوطني وفي الوقت الذي تركزت فيه الصناعات المتطورة في المدن الساحلية من الصين بقيت المناطق الداخلية المكتظة بالسكان على تخلفها المعهود.
وفي عام 1989 جرت في ساحة تيانأنمين تظاهرات طلابية رفعت شعارات ديمقراطية وقامت قوات الأمن بسحقها بقسوة بالغة مما دفع بالمجتمع الدولي لتوجيه انتقادات حادة للقيادة الصينية وقام كونغرس الولايات المتحدة الأمريكية بإصدار قرار بمقاطعة الصين لخرقها حقوق الإنسان، وأرجأ منحها ميزات الأفضلية في التعامل التجاري. ولكن تلك العلاقات لم تستمر طويلاً وسرعان ما شرعت الولايات المتحدة الأمريكية بإجراء محادثات غير رسمية مع جمهورية الصين الشعبية للتغلب على صعوبات الوضع القائم واتخذ الرئيس الأمريكي جورج بوش خطوات عملية للتخفيف من أعباء قرار المقاطعة وأعيد العمل بأفضلية التعامل التجاري معها وتم تمديدها سنوياً رغم ربط الولايات المتحدة أفضلية التعامل التجاري بمطالبة الصين بالإفراج عن المعتقلين وتسهيل الهجرة من الصين وغيرها من المطالب.
قضية تايوان: موضوع الوحدة الوطنية وإعادة توحيد تايوان وجمهورية الصين الشعبية بقيت من أهم القضايا المتبقية منذ الحرب الأهلية الصينية عام 1949 عندما قامت الحكومة المركزية لجمهورية الصين بزعامة زعيم الحزب القومي (قوميندان) تشان كايشي بضغط من القوات الشيوعية بقيادة ماو تسيتونغ بالنزوح إلى تايوان. لتبقى الحكومات المتعاقبة في تايبيه وبكين منذ ذلك الوقت تعتبر نفسها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصيني. ولكن الذي حدث أن اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية اعترف بالقيادة الشيوعية للصين بينما اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بحكومة تشان كايشيه الحليفة لها. واستمر هذا الوضع حتى عام 1972 عندما اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بجمهورية الصين الشعبية وقطعت علاقاتها الدبلوماسية مع تايوان، وحافظت على علاقات غير رسمية مع حكومة الصين الوطنية في تايوان واستمرت بتقديم المساعدات العسكرية لها بموجب قانون عام 1979 حول العلاقات مع تايوان.
وبعد وفاة تشان كايشيه في عام 1975 استمرت حكومة تايوان بإتباع سياسة اعتبار "الصين دولة واحدة" وبضرورة الوحدة القومية للشعب الصيني. ومع مرور الوقت زاد تأثير سكان جزيرة تايوان الأصليين المعارضين للوحدة مع "الصين الشعبية" وطالبوا بإقامة دولة مستقلة في الجزيرة. ومع النمو التدريجي للديمقراطية في تايوان دخلت تلك القوى المعارضة البرلمان التايواني وأصبح تأثيرها على السياسة الخارجية التايوانية كبيراً. مما زاد من حساسية جمهورية الصين الشعبية حيال الوحدة خاصة وأن الضمانات غير الرسمية التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية لقيادة جمهورية الصين الشعبية لم تأخذ طريقها لتوحيد الصين المجزأة مما ترك المجال واسعاً للتفكير باستخدام القوة لضم جزيرة تايوان للصين الشعبية في حال تفكيرها بإعلان الاستقلال والتخلي عن مبدأ الوحدة القومية الصينية كما هو متوقع. ومع ذلك بقيت حكومة جمهورية الصين الشعبية وحكومة تايوان محافظتان على صلات شبه رسمية لبحث شروط إمكانيات إعادة توحيد الصين كما كانت قبل الانفصال. واعترفت بكين بإمكانية قيام "دولة واحدة بنظامين مختلفين"، تتحول بموجبه تايوان إلى محافظة من المحافظات الصينية بعد الوحدة مع محافظتها على نموذجها السياسي واقتصاد السوق ونظام الإدارة الذاتية بينما تحتفظ بكين بالسياسة الخارجية والدفاعية للصين الموحدة وهو ما لم تقبل به الحكومة التايوانية رغم أنها لا تستبعد الوحدة ولكنها تراها عملية ديمقراطية طويلة الأمد لاندماج نظامين سياسيين متساويين وتطالب باعتراف بكين بها كشريك متساوي في الحقوق والواجبات مستندة إلى أنها دولة مستقلة ولها علاقات دبلوماسية مع 29 دولة من دول العالم.
ورغم إتباع تايوان لسياسة مرنة مع جمهورية الصين الشعبية منذ عام 1990، إلا أنها كانت تسعى دائماً لتحسين وتوسيع علاقاتها مع الدول الأجنبية. وفي عام 1995 سمح الكونغرس وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية بإعطاء تأشيرة دخول لرئيس تايوان لي دينخويو المنتخب لهذا المنصب منذ عام 1990 ليصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية بزيارة خاصة لجامعة كورنوإيل التي تخرج منها. ورغم قيام الجانب الأمريكي بإعلام جمهورية الصين الشعبية بشكل مسبق عن نيته منح تأشيرة الدخول تلك إلا أن السلطات في جمهورية الصين الشعبية اتخذت موقفاً متشدداً من تصرف الحكومة الأمريكية. وزاد من تأزم الموقف نشوء أزمة عسكرية في منطقة مضيق تايوان في آذار/مارس 1996 أثناء التحضيرات للانتخابات الدورية على منصب رئيس جمهورية تايوان. عندما قامت القوات المسلحة لجمهورية الصين الشعبية بإجراء استعراض للقوة (بحوالي 150 ألف عسكري) أمام ساحل جزيرة تايوان، وشرعت بإطلاق صواريخ حربية تدريبية في المنطقة. للضغط على الناخبين التايوانيين وخلق صعوبات لأنصار استقلال تايوان والحيلولة دون تحقيق أية نجاحات لهم في الانتخابات. واستقبل الجانب التايواني والولايات المتحدة الأمريكية تصرفات جمهورية الصين الشعبية باستنكار شديد. وأعقبه استعراض للقوة قامت به الولايات المتحدة الأمريكية أرسلت من أجله سفنها الحربية إلى منطقة تايوان، فما كان من سلطات الصين الشعبية إلا أن طلبت من الولايات المتحدة الأمريكية عبر القنوات الدبلوماسية عدم إرسال سفنها الحربية إلى مضيق تايوان. ورغم عدم تعهد الإدارة الأمريكية رسمياً باتخاذ أية إجراءات تحد من دعمها لتايوان بقيت سفنها الحربية خارج المضيق في منطقة قريبة منه. وأعلنت تاي بيه عن استمرار "مرحلة الدولتين الصينيتين" مبدية تحفظها على مبدأ "الدولة الصينية الواحدة" مستندة لحقيقة وجود جمهورية الصين الشعبية، وجمهورية الصين الوطنية في تايوان كدولتين متساويتين، ولم ينفي التحفظ الوحدة مع جمهورية الصين الشعبية في المستقبل. أما روسيا التي اعترفت بموقف جمهورية الصين الشعبية الرسمي من تايوان فهي تقيم صلات غير رسمية مع تايوان منذ عام 1992.
حل قضية هونغ كونغ: كانت هونغ كونغ لقرن من الزمن تقريباً مستعمرة بريطانية ضمن الأراضي الصينية استناداً لمعاهدة استئجار بريطانيا لمستعمرة هونغ كونغ من الصين لمدة 99 سنة. وأثناء زيارة رئيسة وزراء بريطانيا مرغريت تاتشر إلى بكين عام 1984 وبعد محادثات صعبة أكد الجانب البريطاني على مبدأ إعادة هونغ كونغ للصين عند انتهاء المعاهدة وتعهدت جمهورية الصين الشعبية بإقامة نظام إداري خاص في المستعمرة البريطانية السابقة للمحافظة على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية. وفي عام 1997 تم إعادة هونغ كونغ إلى جمهورية الصين الشعبية.
الخلافات الحدودية في منطقة جنوب بحر الصين إلى جانب القضية التايوانية هناك قضايا الخلاف حول جزر سبارتلي في جنوب بحر الصين والتي تؤثر في العلاقات الإقليمية. وتتألف جزر سبارتلي من 230 جزيرة صغيرة وجرف صخري تبلغ مساحتهم الإجمالية 250 ألف كيلو متراً مربعاً، وتقع بين فيتنام والفيليبين وماليزيا. وتضم جزر سبارتلي مجموعة جزر باراسيل التي احتلتها اليابان خلال الحرب العالمية الثانية وتنازلت عنها بموجب معاهدة سان فرانسيسكو للسلام عام 1951، والتي لم تتضمن أي نص يشير لتبعية تلك الجزر التي بقيت عملياً تحت السيطرة الفرنسية والفيتنامية الجنوبية، دون أن تثير أية خلافات حتى بدأت قضايا الخلاف حول مسائل استثمار المناطق الغنية بالنفط فيها. واستغلت جمهورية الصين الشعبية عام 1974 ضعف القدرات العسكرية لجنوب فيتنام وقامت باحتلال جزر باراسيل. فاعتبرت جمهورية فيتنام الديمقراطية الخطوة الصينية اعتداء على حقوقها ولكنها لم تقم بإثارة أي نزاع مع جمهورية الصين واكتفت بإنزال قواتها على إحدى جزر مجموعة باراسيل التي لم تصل إليها القوات الصينية بعد.
وفي عام 1992 أصدرت جمهورية الصين الشعبية قانوناً جديداً للأملاك البحرية تعلن فيه من جانب واحد سيادتها على منطقة جنوب بحر الصين، وتضمن حق الصين باستعمال القوة للتصدي لكل من يحاول القيام باستثمارات غير قانونية ضمن الأراضي والمياه الصينية. وطالبت السفن الأجنبية بالحصول على موافقتها للمرور في المنطقة التي تعتبرها تابعة لها وطالبت الغواصات بالمرور فيها طافية فوق سطح البحر. وبموجب القانون الجديد اعتبرت جمهورية الصين الشعبية المساحة البحرية الإجمالية البالغة (3) ملايين كيلو متراً مربعاً منطقة تابعة لها وتقوم بعض الدول باستخدام ثلثها بشكل غير قانوني، وهكذا أصبحت الصين تعتبر مجموعة جزر باراسيل ومجموعة جزر سبراتلي داخل المنطقة التابعة لها. وفي عام 1992 بدأت جمهورية الصين الشعبية بالتعاون مع شركات أميركية دولية بالتنقيب عن البترول في منطقة خليج تونكين، وعلى مسافة 70م ميلاً بحرياً عن الشواطئ الفيتنامية، فما كان من هانوي إلا أن احتجت بشدة معبرة عن شكوكها حيال نوايا جمهورية الصين الشعبية من دول "آسيان". ومما زاد تعقيد الموقف في عام 1995 قيام جمهورية الصين الشعبية بوضع علامات حدودية وأجهزة ملاحية على جرف صخري ضمن مجموعة الجزر التي تعتبرها الفيليبين ضمن حدودها البحرية مما دفع بدول المنطقة للاحتجاج على هذا التصرف واعتباره شكلاً من أشكال استخدام القوة.
وتسيطر جمهورية الصين الشعبية عملياً على (70) جزيرة، وفيتنام على (21) جزيرة، وماليزيا على (3) جزر، والفيليبين على (8) جزر، وتايوان على جزيرة واحدة من أكبر الجزر. وتطالب إندونيسيا بجزر تقع ضمن منطقتها الاقتصادية ولكنها خاضعة للمطالب الصينية. ومما يزيد من تعقيد الموقف أن الدول التي تطالب بقسم من مجموعة جزر سبراتلي (باستثناء بروني)، لها على الجزر قوات مسلحة كبيرة منها جمهورية الصين الشعبية، وفيتنام، بالإضافة لقوات فيليبينية، وماليزية على عدد من تلك الجزر. وتتحفظ دول "آسيان" على تعزيز جمهورية الصين الشعبية لسيطرتها على المناطق الغنية بالبترول عن طريق القوة لتبقى الدول الضعيفة أمام الأمر الواقع. وأساس تلك الشكوك يعتمد على رفض الصين الموافقة على اقتراح الدول الصغيرة بإجراء محادثات لاقتسام المناطق المتنازع عليها.
تطور العلاقات اليابانية الأمريكية: تبقى الالتزامات المتبادلة المنصوص عنها في معاهدة الأمن من خصائص العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان. لأن المادة التاسعة من دستور اليابان لعام 1947 نصت على امتناع اليابان الأبدي عن استخدام القوة لحل الخلافات الدولية، والمعاهدة توفر حماية الولايات المتحدة الأمريكية لليابان دون التزام اليابان بالدفاع عن الولايات المتحدة الأمريكية. وعلى أساس هذه المعاهدة أقامت الولايات المتحدة الأمريكية في اليابان (52) قاعدة عسكرية من بينها القاعدة العسكرية البحرية في يوكوسوكا والقاعدة الجوية في كادإنا على جزيرة أوكينانوا. وبعد احتجاجات السكان المحليين التي بدأت في عام 1996 شرعت اليابان والولايات المتحدة الأمريكية بإجراء محادثات لإغلاق قواعد أمريكية في اليابان يتمركز فيها حوالي (45) ألف عسكري أمريكي.
ورغم احتفاظ الاقتصاد الياباني بالمركز الثاني الذي يشغله اليوم في العالم، فهي تحتفظ منذ منتصف سبعينات القرن العشرين بمؤشرات نفقات عسكرية لا تتجاوز الـ 1% من دخلها القومي وهذا أقل بكثير مما تخصصه جميع الدول الصناعية في العالم ورغم ذلك فقد شغلت المركز السادس في العالم من حجم الإنفاق الفعلي على شؤون الدفاع. واليابان لم تزل حتى الآن مستمرة بالتزامها الطوعي منذ عام 1971 بقرار البرلمان الياباني الذي تضمن المبادئ الثلاثة التي تضمن خلو اليابان من الأسلحة الذرية، وهي: عدم إنتاج الأسلحة الذرية، وعدم امتلاك الأسلحة الذرية، عدم نقل الأسلحة الذرية، ولو أن اليابان تستطيع إنتاج الأسلحة الذرية خلال مدة قصيرة في حال اتخاذها للقرار السياسي اللازم بهذا الشأن.
وبقي التزام قوة الدفاع الذاتي اليابانية بالمشاركة عند الضرورة بحماية الملاحة الحرة للسفن البحرية في ثلاث مضائق بحرية دولية قائماً وهي مضائق لابيروز، وسانغار، ومضيق كوريا للخروج إلى المياه المفتوحة من المحيط الهادئ وبحر اليابان وبحر الصيد.
ولم توجه قوات الدفاع الذاتي اليابانية للعمل خارج حدودها الإقليمية نتيجة للتقييدات الدستورية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى مطلع تسعينات القرن العشرين، عندما اضطرت وبضغوط من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في الناتو في آب/أغسطس 1992 للمشاركة في عمليات السلام لمنظمة الأمم المتحدة في الخليج، وفي عام 1992 وعام 1993 في كمبوديا، وموزامبيق، وفي عام 2003 في العراق بعد أن اتخذ البرلمان الياباني وبعد خلافات شديدة قانوناً يسمح بإرسال عسكريين يابانيين إلى الخارج للمشاركة قي عمليات السلام.
وتبقى المشكلة الأساسية لمستقبل العلاقات الثنائية اليابانية الأمريكية واستمرار العمل بالمعاهدة والتحالف القائم بموجبها بينهما، تصور بعض القوى في الولايات المتحدة الأمريكية بأن اليابان توفر من خلال ذلك التحالف من مصاريفها الدفاعية مما يسمح لها برفع قدراتها الاقتصادية لمنافسة الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا يعني من وجهة نظرها بأن نجاحات الاقتصاد الياباني جاءت على حساب الولايات المتحدة الأمريكية التي تتحمل مصاريف الأمن الإقليمي لليابان وبدأت تطالب بضرورة إجبار اليابان على تحمل جزء كبير من المسؤولية بدلاً من الولايات المتحدة الأمريكية لحماية أمنها القومي والأمن الإقليمي. ويعتقدون بأنه لو ظلت الحكومة اليابانية ماضية على هذا الطريق فمسألة إقامة قوة مسلحة يابانية قوية ومستقلة تعتبر مسألة وقت لا أكثر. بينما تعتبر مجموعة ثانية من السياسيين الأمريكيين أنه يكفي الإشراف على القوات المسلحة اليابانية والسياسة الخارجية اليابانية كتعويض للمصاريف التي تتحملها الولايات المتحدة الأمريكية من أجل أداء التزاماتها حيال اليابان. ويعتبر أنصار هذا المبدأ أن الاستقلال التام للعلاقات العسكرية اليابانية يمكن أن يشكل تهديداً كبيراً ليس لجيرانها وحسب بل وللولايات المتحدة الأمريكية نفسها.
وتبقى المناقشات الدائرة حول أهمية الحفاظ على المعاهدة مع الولايات المتحدة الأمريكية دائرة حتى في اليابان نفسها حيث تقوم قوى يابانية مؤثرة بالمطالبة بإعادة النظر بمضمون المعاهدة على الأقل وليس الامتناع عن الحفاظ على علاقات التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية. وخلال النصف الثاني من تسعينات القرن العشرين تم على مستوى الخبراء وضع خطوط وسط للعلاقات اليابانية الأمريكية مفادها أن: التحالف يجب أن يستمر، ولكن يجب إعادة النظر بالمعاهدة وإزالة بعض الالتزامات التي فقدت فعاليتها والتوقيع على معاهدة جديدة تؤكد على علاقات الشراكة اليابانية الأمريكية التي تلبي الإمكانيات الجديدة الكبيرة التي تتمتع بها اليابان وتتعامل مع الأوضاع الجديدة الناشئة في آسيا والمحيط الهادئ.
وخلال الزيارة الدورية لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية بيل كلينتون لليابان في نيسان/أبريل 1996، تم التوقيع على بيان ياباني أمريكي مشترك حول الأمن أكد فيه الجانبين على ضرورة التعاون من خلال معاهدة للأمن مع الإشارة إلى أن اليابان تتعهد بتقديم المساعدة اللازمة للولايات المتحدة الأمريكية أثناء إجراء التدريبات العسكرية المشتركة وفي حال مشاركة القوات المسلحة الأمريكية في عمليات السلام. وفي أيلول/ سبتمبر 1997 تم في نيويورك التوقيع على وثيقة "الاتجاهات الأساسية للتعاون بين اليابان والولايات المتحدة الأمريكية في مجال الدفاع"، التي حددت أطر العلاقات المشتركة في المجال العسكري، ونصت على توسيع العمل الياباني الأمريكي المشترك من خلال معاهدة عام 1961، وهو ما يعني ضمناً التزام اليابان بتقديم المساعدة للولايات المتحدة الأمريكية في حال نشوء ما يهدد الأوضاع القائمة في "المناطق المحيطة باليابان". وهو ما كان قد لمح له القادة اليابانيون خلال ستينات وسبعينات القرن العشرين عن إمكانية استخدام مضمون "معاهدة الأمن" لتشمل مناطق الطرق البحرية الرئيسية من الشرق الأوسط إلى اليابان ومنها إلى منطقة الشرق الأوسط. وفي اتفاقية 1997 القائمة على القواعد الدولية وتعطي اليابان دوراً فاعلاً في دعم الإستراتيجية العسكرية الأمريكية في العالم كله. رغم أن دستور اليابان لم يزل يحد كالسابق من القدرات العسكرية لطوكيو، مما يطرح موضوع تعديل القانون الأساسي لـ "قوات الدفاع الذاتية" اليابانية في المستقبل لتستطيع تقديم الدعم المباشر للولايات المتحدة الأمريكية عسكرياً.
جمهورية كوريا "الجنوبية" في السياسة الإقليمية: العلاقات العسكرية والسياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وجمهورية كوريا (الجنوبية) لم تتطور إلى مستوى العلاقات الثلاثية بل بقيت على مستوى العلاقات الثنائية بينهم، أي أن اليابان وجمهورية كوريا تبنيان علاقاتهما العسكرية والسياسية مع الولايات المتحدة الأمريكية بمعزل عن بعضهما البعض، والعلاقات السياسية اليابانية مع جمهورية كوريا لا تعادل العلاقات القائمة بين واشنطن وطوكيو، وواشنطن وسيئول. والولايات المتحدة الأمريكية تبقى الجهة الضامنة عسكرياً لأمن جمهورية كوريا في حال نشوب أي صراع مع كوريا الشمالية، ورغم أن جمهورية كوريا تملك جيشاً قوياً إلا أن قواتها المسلحة تبقى أقل عدداً من قوات جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية (الشمالية)، ولهذا تحافظ الولايات المتحدة الأمريكية على تمركز قوات عسكرية تبلغ (37) ألف جندياً على أراضي جمهورية كوريا منذ الحرب الكورية التي استمرت من عام 1950 وحتى عام 1953 وتعتبر تلك القوات شكلاً من قوات حفظ السلام التابعة لمنظمة الأمم المتحدة في كوريا ويقودها جنرال أمريكي.
وتشير بعض المصادر إلى التطور الناجح للعلاقات الاقتصادية بين اليابان وجمهورية كوريا، وتعتبر أن اليابان أهم مصدر للمساعدات والتكنولوجيا اللازمة لتطوير جمهورية كوريا، ومع ذلك تبقى الثقة المتبادلة بين الطرفين في المجالات العسكرية والسياسية ضئيلة جداً، بسبب وجود خلافات حدودية بين الدولتين حول جزيرة تاكيسيما (تيكتو) في بحر اليابان. وتستمر جمهورية كوريا بالنظر بحذر شديد خوفاً من بعث القدرات العسكرية اليابانية. وفي نفس الوقت يعتبر الخبراء تنامي الشعور القومي في الكوريتين كمصدر للتحدي المباشر لليابان في حال اتحادهما بدولة كورية واحدة تتمتع بقدرات اقتصادية وعسكرية قوية.
وأدى تدعيم الموقف السياسي على الصعيد العالمي لجمهورية كوريا بعد إقامتها علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفييتي (في كانون ثاني/يناير 1990) ومع عدد من الدول الاشتراكية السابقة الأخرى، وتحسن العلاقات غير الرسمية بين جمهورية كوريا، وجمهورية الصين الشعبية، إلى إتاحة الفرصة لخلق أفضل الظروف لعملية التقارب بين الكوريتين وأدت إلى الاعتراف الدبلوماسي غير المباشر بالكوريتين، وبالنتيجة قام اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية، وجمهورية الصين الشعبية كحليفين سابقين لجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية خلال الحرب 1950 – 1953 بالاعتراف بجمهورية كوريا، وأقامت الولايات المتحدة الأمريكية واليابان علاقات دبلوماسية مع جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، وتبعت تلك الخطوات خطوة قبول الكوريتين في وقت واحد في 17/9/1991 لعضوية منظمة الأمم المتحدة. وفي عام 1992 أقامت الصين علاقات دبلوماسية مع جمهورية كوريا. ووقعت جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وجمهورية كوريا على اتفاقية سلام وعدم اعتداء وتعاون في كانون أول/ديسمبر 1991 ، وفي شباط/فبراير 1992 تم التوقيع على وثيقة مشتركة لإنشاء منطقة خالية من الأسلحة الذرية في شبه الجزيرة الكورية، أعلنا بموجبها عن امتناعهما عن إنتاج وتخزين ونشر وشراء أو تجربة الأسلحة الذرية.
ولأول مرة جرت في كانون أول/ديسمبر 1992 ومنذ سنوات عديدة انتخابات حرة مباشرة وضعت حداً للحكم العسكري الذي استمر ثلاثين عاماً في جمهورية كوريا. وهيأت الوثائق التي وقعتها سيؤول وبهينيان قاعدة صلبة لمستقبل محادثات التسوية التزم فيها الجانبين بحل خلافاتهما سلمياً، ووافقت جمهورية كوريا من حيث المبدأ على قبول آراء جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بضرورة منع وجود الأسلحة النووية الأمريكية على أراضي جمهورية كوريا. مما دعم من مستوى الثقة العسكرية بين سيؤول وبهينيان بعد أن كان ينظر للأسلحة النووية الأمريكية في جنوب شبه الجزيرة الكورية دائماً كوسيلة للتوازن في مواجهة تفوق جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بالأسلحة التقليدية على جمهورية كوريا. ومع ذلك توقفت عملية التسوية بسبب عدم قدرة الدولتين الكوريتين التوصل إلى تفاهم مشترك حول الواقع السياسي القائم في شبه الجزيرة الكورية. وبقي العائق الأساسي للتسوية متوقفاً على خوف القيادة الشيوعية في الشمال من فقدان قدرتها على الاحتفاظ بالسلطة في حال انفتاح جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية على العالم الخارجي، مما يضعف سيطرتها على الحياة السياسية والخاصة للمواطنين، بسبب سيل المعلومات الذي يمكن أن يتدفق إلى جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وما تجره معها من تطبيقات لخبرة اقتصاد السوق والتعددية السياسية. ولهذا سعت القيادة الكورية الشمالية للتمسك بسلطتها من خلال البحث عن معادلة لتنظيم علاقتها مع جمهورية كوريا، والولايات المتحدة الأمريكية، واليابان تمكنها في نفس الوقت من تجاوز عزلتها الاقتصادية والسياسية عالمياً، والحفاظ على كيانها كمصدر للاشتراكية وقاعدة لأفكار "تشوتشخيه" (الاعتماد على الذات"). مما ميز السياسة الخارجية لجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بالصعوبة ودقة التكتيك وهو ما أثار في العديد من الحالات حفيظة وقلق على المستوى الإقليمي، لأن جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية تمكنت من تعزيز دورها على الصعيد الدولي وخاصة علاقاتها مع أكثر شركائها قوة ونفوذاً.
"الخطر النووي" في شبه الجزيرة الكورية: رغم انضمام الدولتين الكوريتين إلى عضوية منظمة الأمم المتحدة لم تقم طوكيو وواشنطن بالاعتراف بجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية. ولم تكن المحادثات التي جرت عام 1992 بين جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية واليابان من وجهة نظر الأخيرة سوى لبحث المطالب الكورية الشمالية بدفع تعويضات عن فترة السيادة الاستعمارية اليابانية لكوريا. بينما وصل الحوار بين جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، والولايات المتحدة الأمريكية إلى طريق مسدودة بسبب الخلافات بين الجانبين حول الوجود العسكري الأمريكي في جنوب شبه الجزيرة الكورية. وإصرار كوريا الشمالية على انسحاب قوات الولايات المتحدة الأمريكية ورفضها الاعتراف بجمهورية كوريا، لأنها تعتبر قيادتها وكأنها قيادة لأحزاب سياسية، تمثل لعبة في أيدي الغير. وعلى هذا الأساس رفضت جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية السماح لجمهورية كوريا بالمشاركة في محادثات التسوية لتبديل اتفاقية وقف إطلاق النار النافذة منذ عام 1953 في شبه الجزيرة الكورية باتفاقية سلام بين الدولتين. ورفضت جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية إجراء محادثات مع غير الولايات المتحدة الأمريكية لعقد اتفاقية سلام. واعتبرت جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية مسائل العلاقات بين الشمال والجنوب شأنا داخليا، ورفضت مطالب الولايات المتحدة الأمريكية لعقد معاهدة سلام وتطبيع علاقاتها مع جمهورية كوريا كجزء من التسوية الشاملة.
وجاء رد الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية كوريا على مواقف جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بتجديد التدريبات العسكرية السنوية المشتركة "تيم سبيريت" التي كانت مجمدة منذ بداية عام 1993. أما رد جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية فكان عن طريق إعلانها في 12/3/1993 عن وقف مشاركتها في معاهدة منع انتشار الأسلحة الذرية التي انضمت لعضويتها في عام 1985، وامتناعها عن تنفيذ الاتفاقيات التي سبق ووقعتها مع منظمة الطاقة الذرية الدولية لإجراء تفتيش على منشآتها النووية. مما سمح لخبراء الطاقة الذرية بالتنبؤ في بداية تسعينات القرن العشرين باقتراب جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية من إنتاج أسلحة ذرية بإمكانياتها الذاتية، معتبرين أن المفاعل الذري لتوليد الطاقة الكهربائية بمدينة يونبون منشأة عسكرية وتوجد فيها معدات ومواد لصنع السلاح الذري ولهذا لم يسمح للخبراء الأجانب بدخوله، وتوقعت المخابرات المركزية الأمريكية بأن جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية خزنت كمية من البلوتينيوم كافية لتصنيع عدد من القنابل الذرية.
ولهذا عرضت الولايات المتحدة الأمريكية على جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية إجراء محادثات في نيويورك وجينيف، لمناقشة مطالب جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بوقف مناورات "تيم سبيريت" بشكل نهائي، والقيام بتفتيش المواقع العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية في جنوب كوريا للكشف عن تواجد أسلحة ذرية فيها وإلغاء الضمانات الذرية التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية لجمهورية كوريا وعندما فشلت تلك المحادثات، اندفعت الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية كوريا إلى توجيه ضغوط على جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية من خلال تهديدها بإصدار قرار مقاطعة من منظمة الأمم المتحدة ضدها وهو الذي أفشله موقف الصين التي أبلغت الولايات المتحدة الأمريكية بأنها ستصوت ضد القرار في منظمة الأمم المتحدة، وفي نفس الوقت حاولت إقناع جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بالموافقة على مطالب وكالة الطاقة الذرية الدولية بإجراء التفتيش على منشآتها النووية وهو ما رفضته جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية. ومن ربيع وبداية صيف عام 1994 بدأ الموقف بالتصاعد والتعقيد وأعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن نيتها دراسة إمكانية توجيه ضربات للمواقع الذرية في جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية لإعاقة برامجها الذرية، ولكن موجة الاحتجاجات التي أبدتها بعض دول العالم منعت الولايات المتحدة الأمريكية من تحقيق نيتها وتم تأجيلها.
وفي 8/7/1994 توفي كيم إير سين مما أدى إلى انفراج في الأوضاع. وفي آب/أغسطس 1994 وقع ممثلي الولايات المتحدة الأمريكية وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية في جينيف على اتفاقية تمنح بموجبها الولايات المتحدة الأمريكية مساعدة تقنية لجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية تساعدها على الاستخدام السلمي للطاقة الذرية لمدة خمس سنوات. ووافقت جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية على تجميد برنامجها الذري وأعادت انضمامها لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة الذرية. وتعهدت الولايات المتحدة الأمريكية بعدم استخدام أو التهديد باستخدام الأسلحة الذرية ضد جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، على أن تتخذ الأخيرة الإجراءات اللازمة لإتاحة الفرصة لإعلان شبه الجزيرة الكورية منطقة خالية من الأسلحة الذرية، والبدء بحوار حول ذلك مع جمهورية كوريا. وفي إطار هذا الاتفاق تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية بتزويد جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بمفاعلين ذريين حديثين لا يمكن استخدامهما للحصول على مواد صالحة لإنتاج أسلحة ذرية. وفي نفس الوقت وافقت الولايات المتحدة الأمريكية على تزويد جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بالنفط من أجل سد النقص الحاصل بالطاقة الكهربائية الذي برز بعد تجميد العمل بالمفاعل الذري. واتفق الجانبان على افتتاح مكاتب اتصال وإلغاء الإجراءات الأمريكية لمنع التجارة والاستثمار في اقتصاد جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية على مراحل.
ومن أجل تسوية مسائل التعاون وتقديم المعونة لجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية في الاستخدام السلمي للطاقة الذرية تم تشكيل المنظمة الدولية (Коrea Energy Development Organization) لحل المسائل التقنية وتوفير أطر المشروع وتأديته لوظيفته وإدارته العملية. وبطريقة غير رسمية عملت (Коrea Energy Development Organization) كمؤسسة متفق عليها ووحيدة في الإقليم تهتم بالرقابة على الأسلحة الذرية. وفي نيسان/أبريل 1996 تقدم رئيسي جمهورية كوريا، والولايات المتحدة الأمريكية باقتراح لعقد مؤتمر رباعي لتسوية المسألة الكورية بمشاركة الدولتين الكوريتين والولايات المتحدة الأمريكية، وجمهورية الصين الشعبية. واستبعدت الفيدرالية الروسية عن المؤتمر فما كان منها إلا أن أصرت على ضرورة إقامة حوار متعدد الأطراف حول كوريا بمشاركتها وبمشاركة دولية أوسع وفي عام 1997 وافقت جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية على المشاركة في المحادثات التحضيرية للدعوة للمؤتمر المقترح.
وفي عام 2005 أعلنت جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية عن انسحابها مما تعهدت به بسبب عدم تقيد الولايات المتحدة الأمريكية بتعهداتها لتزويدها بمفاعلين ذريين حديثين لا يمكن استخدامهما للحصول على مواد صالحة لإنتاج الأسلحة الذرية وتزويدها بالنفط لسد النقص الحاصل بالطاقة الكهربائية الذي برز بعد تجميد العمل بالمفاعل الذري، وطردت مراقبي هيئة الطاقة الذرية الدولية وأعادت تشغيل مفاعلها النووي
وبدأت بسلسلة تجارب على صواريخ بعيدة المدى يمكنها إصابة أهداف في اليابان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق