الخميس، 20 أغسطس، 2009

طشقند البوابة الشمالية لما وراء النهر في تاريخ طريق الحرير العظيمة

طشقند البوابة الشمالية لما وراء النهر في تاريخ طريق الحرير العظيمة
أ.د. محمد البخاري
[1]
نشرت صحيفة برافدا فاستوكا الطشقندية مقالة للبروفيسور ديلاروم عليموفا الدكتورة في العلوم التاريخية، في مطلع العام الجاري أشارت فيها إلى الدور الهام الذي لعبته مدينة طشقند في تاريخ تطور طريق الحرير العظيم عبر التاريخ الطويل للمدينة وعكست مقالتها صورة من صور تأثير مدرسة الاستشراق الروسية والسوفييتية على المفكرين الأوزبك المعاصرين والتغييرات التي جرت على ذلك التأثير منذ استقلال أوزبكستان في عام 1991 وحتى اليوم ولأهمية المقالة للباحثين العرب المهتمين بتاريخ وسط آسيا أقدم للقارئ العربي ترجمة لبعض فقرات تلك المقالة التي ذكرت فيها: أن ("التراث القيم الذي بقي للعالم من طريق الحرير العظيمة كان التفاعل الثقافي. وكان مفهوماً في مطلع القرون الوسطى أنه هناك في الشرق أربع إمبراطوريات في العالم دخلت فيها الحدود الأساسية للدول. وكانت تلك الإمبراطوريات ممثلة بالصين القوية، وإمبراطورية الحكام الهنود في حوض نهر الغانج، وإمبراطورية الترك الممتدة من المحيط الهادئ إلى البحر الأسود، والدولة الفارسية، والدولة البيزنطية. حيث مجد كتاب القرون الوسطى كل من تلك الإمبراطوريات. وفسرت أسباب شهرة تلك الممالك وملوكها في داخل تلك الدول وخارجها بالتقييم الذي انطلق من وجهة النظر التي تشير إلى استيعاب شعوب تلك الإمبراطوريات للمنجزات الثقافية للشعوب كشكل من أشكال تشكل الثقافة العالمية. ولم يكن مصادفة أن كتب جلال الدين رومي الشهير: أنه "كما كان يحدث دائماً أن الترك والهنود وجدوا لغة مشتركة، ومشاعر مشتركة وليس أي شيء آخر لأن المشاعر المشتركة هي أغلى من اللغة المشتركة".
وهذه المشاعر المشتركة عبرت عن نفسها عبر التاريخ الطويل كله من خلال انتشار الثقافات وتبادل البضائع، والنماذج الثقافية والفنون التطبيقية، وفنون العمارة، والرسوم الجدارية، والموسيقى، والرقصات، والعروض الجماهيرية، وأدوات الاستعمال اليومي، والنقود المعدنية، والورق، والكتب، التي وفرتها طريق الحرير العظيمة، وأن مدينة طشقند انتصبت على واحدة من تفرعات تلك الطريق، وربطت العديد من أجزاء العالم من خلال التجارة وكانت مصدراً للإشعاع الثقافي الغني في المنطقة. وأن الكثير من المكتشفات الأثرية والمصادر تشهد على دور طشقند في التبادل المادي والتفاعل الفكري الغني للشعوب.
وأن اللقيات الأثرية في مدن: شاش تيبا، واق تيبا، ومينغ أوروك، وكانكا، وغيرها من المدن التاريخية التي تضم أكثر من 30 موقعاً أثرياً تعكس تاريخ تطور بناء المدن من القرون الأولى قبل الميلاد ولأكثر من 2000 سنة. وتحتفظ المراجع التاريخية المكتوبة بالتسميات القديمة للمدن في واحة تشاتش، التي يشار إليها بالعربية باسم شاش أو مدينة شاش. ومن القرن التاسع أطلق على المدينة اسم بينكينت، وجاءت التسمية المعاصرة للمدينة طشقند في القرن الـ11 عندما ذكرها محمود قشقاري وأبو ريحان بيروني في مؤلفاتهم.
وكانت طشقند في ذلك الوقت من المراكز الكبيرة على طريق الحرير العظيمة، وكانت بحق البوابة الشمالية لما وراء النهر. لأن الكميات الكبيرة من البضائع كانت تأتي إليها من الصحاري المحاذية لها، ومن العالم العربي، ومن الصين، ومن الهند. وتشير المصادر إلى تمتع المصنوعات الحرفية، والأسلحة المصنوعة في شاش والأوعية الفخارية، والأقمشة الصوفية، والسجاد بشهرة عالمية. وكتب المؤلفون الصينيون عن أن المصنوعات الذهبية والملونة كانت تستورد من تشاتش، وخاصة "الأحجار الزرقاء" الفيروزية الذي أطلق عليه الصينيون تسمية "سه سه". وتشير المخطوطات إلى أن المناجم التي تستخرج منها كانت في جنوب شرق العاصمة طشقند. وأن خامات السفينيتس وخامات الفضة الغنية بمحتواها من الفضة كانت تستخرج من منطقة تقع عند ملتقى نهري لاشكار أكا، ولويا أكا، بكميات كبيرة حتى أن العرب أطلقوا على تلك المناجم اسم "مدينة الشاش"، وفي وقت متأخر اسم "كوهيسيم" (أي جبل الفضة)، وفرضوا حينها ضرائب كبيرة على المناجم التي كانت تمثل ثلثي الضرائب المفروضة على أملاك شاش.
وتمتعت المدينة بالشهرة منذ القرون الأولى للعصر الحديث ومن بين الهدايا المقدمة من دول منطقة وسط آسيا وأشير إليها في سجلات القصر الإمبراطوري الصيني من القرن الأول قبل الميلاد وحتى القرنين الـ 7 والـ 8 الميلاديين كانت: خيول دافان، والأدوية المصنوعة من الأعشاب الطبية، والمصنوعات الزجاجية، والأحجار الثمينة التي جلبت من سمرقند، وبخارى، وشاش. وكان الصينيون يعطون تقييماً عالياً للنبيذ المستورد من تشاتش. وتثبت اللقيات الأثرية في المقابر المكتشفة على تلال واحات طشقند حيث عثر منقبي الآثار على مرايا برونزية مصنوعة محلياً وفي الصين.
وتشير العديد من الشواهد على الدور الكبير الذي لعبته طشقند في نشر الفنون الموسيقية عبر طريق الحرير العظيمة. ومن بين اللقيات الأثرية الفريدة التي تم العثور عليها في البلدات الأثرية في واحة طشقند رسومات لآلات موسيقية من عصر أسرة تان الصينية يعود تاريخها للقرن الـ 7 الميلادي. وهناك شواهد في المصادر الصينية من عصر أسرة تان عن الرقصات الطشقندية "خوتينأو" (الرقصات القادمة من الغرب) التي أداها فتيان على أنغام موسيقى الآلات الموسيقية المشتركة، كما وظهرت تلك الرقصات في الرسوم المنفذة على الأوعية الصينية بالألوان الصفراء والعائدة لعام 575 للميلاد. وأشارت المصادر الصينية إلى رقصات فتيات من تشاتش وهن يرتدين ملابس زاهية وأحزمة فضية وعبرت عن الإعجاب بأداء المغنين من تشاتش.
ولعبت طشقند في عصر كاغانات الكوشانيين، والإفتالتيين، والترك، دوراً هاماً في إقامة علاقات موسيقية بين الصغد وتركستان الشرقية، وبكتيريا، وشمال الهند.
ومن الأمثلة الساطعة على العلاقات التجارية التي هيأت لطشقند الظروف في تطوير القطع النقدية، إذ عثر في مدينة كانكا الأثرية عاصمة الكانغيو في القرن الـ 3 قبل الميلاد على قطع نقدية معدنية تعود لخانية أوشو، وأكثر من 300 قطعة نقدية معدنية قديمة ضربت في تشاتش.
وكانت طشقند من المراكز الأساسية (للانفجار السكاني) في المنطقة خلال القرون الوسطى، الذي أدى لزيادة نشاطات الفرع الشمالي لطريق الحرير العظيمة. وأشار الجغرافيون العرب في القرنين الـ 9 والـ 10 قدامة وابن خوردادبيك إلى توجه طريقين من ما وراء النهر نحو الشرق: الأول نحو شاش والمدن التركية؛ والثاني إلى طهارستان. وإلى أن شاش كانت مركزاً هاماً للتبادل البضاعي في القسم الشمالي لطريق الحرير العظيمة. وأن عدد المدن الآهلة بالسكان بالمنطقة خلال الفترة الممتدة من القرن الـ 6 وحتى القرن الـ 8 زاد بنحو المرتين ونصف المرة.
وأشارت المصادر العربية والفارسية في القرون الوسطى إلى كثرة المدن وتطور الاقتصاد في تشاتس. وهو ما أشار إليه الإسطخري الجغرافي في القرن الـ 10 إلى أنه "في شاش وإيلاك مدن كثيرة بأبواب وأسوار ونقاط حراسة وقلاع وأسواق وقنوات مياه تسيل عبر المدن". وأكد ابن حوقل على أنه: "في ما وراء النهر لا توجد بلدان" مشابهة لشاش، وإيلاك، "بكثرة عدد المساجد الجامعة، والمنازل المشيدة، وسعة ووفرة المباني".
ولا يمكننا أن لا نتفق مع رأي الأكاديمي يو. ف. بورياكوف الذي يقول أن نمو ظاهرة السكن في المدن بمنطقة تشاتش وثقافة المدن التي وفرته فيها قاعدة الخامات والظروف الجوية الملائمة، والصلات التجارية والاقتصادية مع الممالك المجاورة لما وراء النهر وإسهامها بتجارة الترانزيت الذي وفرته المدن كعقد تجارية وحرفية. بالإضافة لطرق قوافل الترانزيت التي ربطت الغرب مع الشرق وعبرت فرغانة وتفرعت واحدة منها لتمر عبر طشقند.
وبلغت تشاتش قمة ازدهارها في القرون الممتدة من القرن الـ 9 وحتى القرن الـ 12 قبل الميلاد ووقتها كانت تمر عبر تشاتش الطريق الرئيسية المتوجهة نحو مناطق الرحل في تركستان الشرقية. وشكلت المدن الكبيرة الموزعة إلى جانب بعضها البعض في الواحة نظام يمر في يوم واحد على طريق القوافل ما بين بينكينت، وتونكينت، وخاراشكينت، وناوكينت، وبيناكينت، وشوتوركينت.
وكانت طشقند في القرن الـ 16 ولم تزل مدينة مزدهرة بغض النظر عن الجراح التي لحقت بها من جراء الحروب الكثيرة بين الفرقاء، وانهيار إمبراطورية الأمير تيمور والأسرة التيمورية من بعده.
ورغم فقدان طريق الحرير العظيمة لأهميتها خلال الفترة الممتدة بين القرنين الـ 16 والـ 17 اثر اكتشاف الطرق البحرية، بقيت طشقند ولعدة قرون مركزاً للقوافل التجارية في المنطقة. وفي القرن الـ 18 تواجدت فيها عشرات مراكز القوافل (كرفان ساراي) وأكثرها كان بالقرب من السوق الرئيسية بالمدينة (حالياً سوق بيشيغاتش)، وأكبرها كان في منطقة شيخاً طهور حالياً. وتمركز في تلك الأسواق أساساً التجار الهنود. وفي بعض أسواقها تمركز التجار الروس ومن بينها كانت السوق المحاذية لنهر سالار. وحتى أواسط القرن التاسع عشر كان عدد مراكز القوافل في طشقند يبلغ 18 مركزاً تضم أكثر من 4500 متجراً.
ومن روسيا جلبت القوافل عبر أورونبيرغ، وترويتسك، وسيمبالاتينسك: الفولاذ، والمعادن، والخيول، والسكر. ومن طشقند حملت الفواكه، والحبوب، والقطن، والأقمشة، والجلود.
وفي كل الظروف ومنذ القدم وحتى الآن كانت طشقند ولم تزل مركزاً هاماً للطرق التجارية التاريخية ويشهد التاريخ على أهميتها الاقتصادية والثقافية الغنية كمركز للطرق التاريخية. وبمناسبة إعلان المنظمة الإسلامية العالمية للثقافة والعلوم والثقافة الـ (ISESCO) لطشقند عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2007 أشار الرئيس إسلام كريموف وبحق إلى أن ذلك كان "اعترافاً كبيراً بإسهام الشعب الأوزبكي في تطوير الثقافة الإسلامية". وأشار إلى دور طشقند في تاريخ طريق الحرير العظيمة منذ القدم وحتى وقتنا الحاضر").

[1] أ.د. محمد البخاري: عربي سوري مقيم في أوزبكستان، دكتوراه علوم في العلوم السياسية DC اختصاص: الثقافة السياسية والأيديولوجيا، والقضايا السياسية للنظم الدولية وتطور العولمة. أستاذ بكلية الصحافة، جامعة ميرزة أولوغ بيك القومية الأوزبكية.

هناك تعليقان (2):