الثلاثاء، 15 سبتمبر، 2009

محاضرات في العلاقات العامة الدولية والتبادل الإعلامي الدولي 1 من 2


وزارة التعليم العالي والمتوسط الفني بجمهورية أوزبكستان
معهد طشقند العالي الحكومي للدراسات الشرقية
الدكتور محمد البخاري
محاضرات في العلاقات العامة الدولية والتبادل الإعلامي الدولي
طشقند – 2001

تأليف:

أ.د. محمد البخاري: دكتوراه فلسفة في الأدب (صحافة)، أستاذ مساعد بقسم العلاقات الدولية، كلية التاريخ، معهد طشقند العالي الحكومي للدراسات الشرقية

مراجعة: أ. د. فايز الله مؤمينوف: عميد كلية الصحافة، جامعة ميرزة أولوغ بيك الحكومية بطشقند؛ أ. د. أنور قاسيموف: رئيس قسم العلاقات الدولية، كلية التاريخ، معهد طشقند الحكومي العالي للدراسات الشرقية

المحتويات: المقدمة؛ التبادل الإعلامي الدولي من وجهة نظر الأمن القومي؛ العولمة والأمن الإعلامي الوطني والدولي؛ تعريف العولمة، مقدمات العولمة؛ العولمة والدولة والسيادة الوطنية؛ موقف الأمم المتحدة من الأمن الإعلامي الدولي؛ الأمن الإعلامي الدولي والتفوق في تكنولوجيا الاتصال؛ البنى الإعلامية الدولية فوق الدولة؛ التهديدات الجديدة لـلعولمة الإعلامية؛ العولمة الإعلامية والسيطرة على الموارد الإعلامية؛ السلاح الإعلامي في خدمة الدول الصناعية المتقدمة؛ السلاح الإعلامي وإدارة الصراع؛ مشكلة الأمن الإعلامي والمصالح الوطنية والدولية؛ أطر مشاكل الأمن الإعلامي الوطني والدولي؛ المصطلح والحرب الإعلامية؛ مجالات تأثير الصراع الإعلامي الدولي؛ التهديدات المتوقعة للأمن الإعلامي الوطني؛ مجالات استخدام السلاح الإعلامي؛ الرقابة أو الإشراف على المجال الإعلامي الدولي؛ سيناريوهات الحرب الإعلامية؛ الأمن الإعلامي الدولي من وجهة نظر المعارضين للمشكلة؛ الأمن الإعلامي الدولي من وجهة نظر البحث العلمي؛ الأمن الإعلامي والتفاهم الدولي؛ التبادل الإعلامية الدولي كوظيفة للدبلوماسية الرسمية؛ الملحقون الإعلاميون؛ التبادل الإعلامي الدولي كوظيفة دولية؛ الدبلوماسية الشعبية، كوظيفة للتبادل الإعلامي الدولي؛ الإعلان كوظيفة للتبادل الإعلامي الدولي؛ التخطيط الإعلامي، والحملات الإعلامية الدولية؛ الخاتمة؛ المراجع.

المقدمة: أحدثت ثورة المعلومات تغييرات جوهرية داخل المجتمعات في مختلف الدول، بفارق سجل نسب التطور في كل مجتمع من مجتمعات الدول المتطورة والأقل تطوراً والدول النامية في العالم. ومع ذلك بقيت الدولة وكما كانت الحال منذ القدم هي العنصر الأساسي في العلاقات الدولية، رغم التأثر الواضح الذي بدرت ظواهره تزداد وضوحاً كل يوم، من خلال تأثير وسائل الاتصال الجماهيرية المتطورة في عملية التبادل الإعلامي الدولي. ورغم ذلك ظلت الدولة دون سواها هي العنصر الرئيسي في وضع وتنظيم وضبط آليات العلاقات الدولية ومن ضمنها عملية التبادل الإعلامي الدولي. خاصة وأن مفهوم قوة الدولة على الساحة الدولية، كان ولم يزل مرتبطاً منذ البداية بقوة وتماسك الدولة من الداخل.

ومما لاشك فيه اليوم أن ثورة وسائل الاتصال الحديثة، وما نتج عنها من امتداد وانتشار لوسائل الإعلام الجماهيرية بأشكالها التقليدية والحديثة، قد تركت بصماتها على دور الدولة الذي بدأ يضعف في مجتمع عصر التدفق الحر للمعلومات عبر تقنيات الاتصال الحديثة من الجانبين. ولم يعد بالإمكان التحدث اليوم عن السيادة الإعلامية ضمن الحدود السياسية للدولة، وعن التحكم بعملية تدفق المعلومات لداخل تلك الحدود، وبالتالي الانفراد بتشكيل عقول مواطني الدول بما يضمن الولاء التام للدولة، بنفس الطريقة التي كانت مطروحةً به قبل انهيار المنظومة الشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي السابق.

خاصة وأن تأثير ثورة المعلومات قد شمل سلباً الدولة بكل مكوناتها من حدود سياسية معترف بها، وشعب وحكومة. وأصبحت السيطرة على عملية تدفق المعلومات شبه مستحيلة بعد أن تحولت المعلومات إلى عناصر غير ملموسة ومعنوية غير مرئية يسهل تنقلها واختراقها لأي حدود سياسية أو جغرافية كانت مهما بلغت نوعية وكمية ودرجة إجراءات الحماية ضد اختراق التدفق الإعلامي الحديث.

ولا أحد ينكر الدور الذي لعبته الصحافة المطبوعة في بلورة الشخصية القومية للأمم، عندما وفرت للشعوب إمكانية المشاركة في عنصري الزمان والمكان عن طريق اشتراك أبناء الشعب الواحد في قراءة صحيفة تتحدث بنفس اللغة، وتحمل على صفحاتها نفس الزوايا والأبواب وتصدر في مكان وزمن محدد، مما دعم الشعور القومي لدى هذه الشعوب.

أما اليوم فقد تقلص التباعد الجغرافي، والفاصل الزمني، وأصبحت تقنيات الاتصال الحديثة تقفز من فوق الحواجز وتخرقها. وما كان مستحيلاً في عالم الاتصال بالأمس، أصبح اليوم واقعاً، وكأن مصدر المعلومات والقائم بالاتصال والجمهور الإعلامي مهما باعدت المسافة الجغرافية بينهم، داخل ساحة إعلامية واحدة تعجز الدول عن التحكم بها، مما ترك بدوره أثاراً بالغة على الشعور الوطني والتماسك الاجتماعي، والولاء للدولة من قبل المواطنين المنتمين للدول المعرضة للاختراق الإعلامي.

وأحاول تسليط الضوء في هذه الدراسة على عملية التبادل الإعلامي الدولي من وجهة نظر الأمن القومي؛ والعولمة والأمن الإعلامي الوطني والدولي؛ والتبادل الإعلامي الدولي كوظيفة للدبلوماسية الرسمية؛ والتبادل الإعلامي الدولي كوظيفة دولية؛ والعلاقات العامة الدولية (الدبلوماسية الشعبية)، كوظيفة للتبادل الإعلامي الدولي؛ والإعلان كوظيفة للتبادل الإعلامي الدولي؛ والتخطيط الإعلامي، والحملات الإعلامية الدولية، إن كان في جمع المعلومات، أم في إعدادها بمادة إعلامية، أم في طريقة عرضها، أم في اختيار قناة الاتصال الأكثر فاعلية لإيصالها للمتلقي أينما كان. بأقل فاقد وأكثر فاعلية وتأثير.

وما أتمناه أن أكون قد وفقت في ذلك، خدمة للقارئ والطالب والباحث، مضيفاً جهداً علمياً آخر للعمل السابق "مبادئ الصحافة الدولية والتبادل الإعلامي الدولي".

أ.د. محمد البخاري

التبادل الإعلامي الدولي من وجهة نظر الأمن القومي: تنحصر وظائف الدولة عامة في ثلاث وظائف رئيسية، هي: حماية الاستقلال؛ وتأكيد سيادة الدولة؛ وحفظ الأمن الداخلي، بمفهومه الواسع. بما يتضمنه من وجود سلطات شرعية، تعمل على تحقيق الحياة الأفضل، أو تحقيق الرفاه، وإشباع رغبات الأفراد في كافة المجالات.

وتسعى الدولة لتحقيق هذه الأهداف من خلال مجموعة من الخطط تتعلق كل منها بتحقيق أحد تلك الأهداف، وتحاول أيضاً إحداث التوازن والتكامل بين هذه الأهداف من خلال إستراتيجية واحدة تضعها في محاولة لأن يكون هناك تناسق بين تلك الأهداف وبين متطلبات تحقيقها على المستويين الداخلي والخارجي. وهذه السياسة الواحدة هي سياسة الأمن القومي التي تهدف بشكل عام إلى دعم قوة الدولة في مواجهة غيرها من الدول بما يمكنها من المحافظة على كيانها القومي ووحدة أراضيها.

ولا تختلف الدول مهما تباعدت مصالحها في فهم وتطبيق الوظيفتين الأولى والثانية، ولكن عندما نأتي إلى الوظيفة الثالثة، أي تحقيق الحياة الأفضل لمواطنيها، تظهر لنا الخلافات الناتجة عن تباين الأنظمة والمصالح. وكان هذا الخلاف أكثر وضوحاً بين الدول التي تأخذ بالأفكار الرأسمالية، وتلك التي أخذت بالأفكار الاشتراكية أو الشيوعية، قبل انهيار المنظومة الاشتراكية التي كان يقودها والإتحاد السوفييتي السابق.

وتحاول الدولة من خلال سياسة الأمن القومي، الدفاع عن كيانها اعتماداً على قدراتها الذاتية في مواجهة ما قد يتهددها من أخطار، فتخصص من الموارد والإمكانيات ما يتناسب مع حجم وطبيعة هذه الأخطار، واضعة نصب أعينها، عجز الأمم المتحدة عن القيام بمسؤولياتها كاملة، وتأثير الدول الكبرى على كل تحرك تقوم به الأمم المتحدة.

ولذلك تحاول الدولة أن تقدر بطريقة موضوعية المخاطر التي تواجهها في الداخل، أو من الخارج، آخذة بعين الاعتبار ما لديها من مقدرات عسكرية، واقتصادية، وسياسية، وكيف يمكن استخدام هذه المقدرات استخداماً سليماً حينما يتطلب الأمر استخدامها. وبعبارة أخرى كيف توازن بين مواردها والغايات التي ترجوها ؟
وسياسة الأمن القومي تتضمن كافة الإجراءات التي تراها الدولة كفيلة بحماية كيانها، وتحقيق أمنها في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وعادة تتولي هيئات متخصصة داخل الدول وضع تلك السياسات التي تشمل عادة ثلاثة مجالات رئيسية، وهي:

1- المجال السياسي: وينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية، هي:

- السياسة الخارجية: إذ أدى تشابك المصالح بين الدول بفعل التقدم العلمي والتقني في مجال النقل والاتصال إلى إلغاء الحدود والمسافات بين الدول. وأصبح لكل دولة مجموعة من العلاقات المختلفة مع العديد من الدول بمختلف اتجاهاتها الإيديولوجية. وقد تتراوح السياسة الخارجية للدولة مع غيرها من الدول بين التعاون الكامل الذي يصل أحياناً إلى الوحدة أو الإتحاد بمختلف أشكاله، وبين الصراع واستخدام القوة المسلحة، أو اللجوء إلى الحرب الباردة، ومحاولة فرض السيطرة والنفوذ.

- السياسة الداخلية: وهي كل ما يتعلق بسياسة الدولة الداخلية كنظام الحكم، كما تحدده دساتيرها وقوانينها وتشريعاتها المختلفة. ويدخل في ذلك الإطار خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والعمل على توفير الأمن والنظام داخل الدولة.

- النشاطات الدبلوماسية للدولة: إذ تتصل الدولة بغيرها من الدول بالطرق الدبلوماسية، وتعمل على تدعيم أجهزة هذا الاتصال ووسائله، حتى تتجنب الصدام المباشر مع الدول الأخرى عن طريق اللجوء إلى المفاوضات وإلى الإقناع، أو إبرام الاتفاقيات والدخول في تحالفات. كما تعمل على الاستفادة من نظام الأمن الجماعي، في إطار الأمم المتحدة، لتحقيق أهدافها.

وتهدف سياسة الأمن القومي في هذه الحالة إلى تأكيد مكانة الدولة في المجتمع الدولي، ومحاولة التأثير وممارسة النفوذ على غيرها من الدول المجاورة والبعيدة.

2- المجال الاقتصادي: ويعد الجانب الاقتصادي لسياسة الأمن القومي من الأهمية بمكان، لارتباطه أساساً بتوفير الاحتياجات الاقتصادية للدولة أو بقدراتها تجاه الدول الأخرى. وكما تحس الدول باحتياجاتها الاقتصادية من الدول الأخرى، فهي تشعر أيضاً بأهمية ما تملكه من إمكانيات اقتصادية تستطيع استخدامها كورقة رابحة لتحقيق أمنها. وقد تتمثل هذه الإمكانيات فيما تملكه الدولة من رؤوس أموال، أو خبرة، أو منتجات مصنعة، أو مواد أولية، أو أسواق لامتصاص التجارة ورؤوس الأموال.

ولذا تسعى الدولة لزيادة قدرتها الصناعية، وتعمل على توفير المواد الخام أو المواد الغذائية اللازمة، ورفع كفاءة العاملين في المجالات الصناعية، بالإضافة إلى دعم قدراتها المالية للوفاء بالتزاماتها المالية دون مساس باحتياجات الدولة الأساسية.

ويشمل الجانب الاقتصادي في هذا النطاق مجالاً واسعاً يتجاوز إمكانيات الدولة الفعلية ومجموع نشاط الأفراد، ليشمل العلاقات الداخلية والخارجية، بما في ذلك تطوير إمكانيات التطور العلمي لوسائل الإنتاج وغيرها. وذلك عن طريق استغلال العوامل الاقتصادية لمباشرة النفوذ في ميدان العلاقات الدولية، من خلال أساليب معينة وفقاً لما تمليه عليه سياستها الخارجية.

ونتيجة لأهمية تأثير الجانب الاقتصادي على سياسة الأمن القومي، فقد أصبح للمعلومات الاقتصادية أهمية قصوى جعلها تماثل أهمية المعلومات العسكرية والدبلوماسية، فهي تشمل كل ما يتعلق بمصالح الدولة الاقتصادية من مختلف جوانبها، سواء المتعلقة بمصالحها الذاتية أو بمصالحها مع مختلف دول العالم، أياً كانت درجة علاقاتها بها، لذلك فإن المجال الاقتصادي يمثل جانباً هاماً لما له من تأثير على الأمن القومي للدولة.

3- المجال العسكري: ويهدف الجانب العسكري لسياسة الأمن القومي إلى حماية استقلال الدولة، وسلامة أراضيها ضد أي عدوان خارجي قد تتعرض له من الخارج، لذلك فهي تعمل على تدريب قواتها العسكرية، وتسليحها بالأسلحة الحديثة، والاهتمام بخطط الدفاع سواء في أوقات النزاع المسلح، أو في أوقات السلم، وتقوم بإعداد الخطط الدفاعية، والدراسات اللازمة لمواجهة الأخطار المحتملة أو المتوقعة، كما تقوم الدولة في ذات الوقت بالارتباط بمجموعة من مواثيق الدفاع القادرة على ردع أي عدوان من أي نوع قد تتعرض له من الخارج.

وعادة ما يكون الجانب العسكري في سياسة الأمن القومي للدول الصغرى مقتصراً على دعم قدرة الدولة دفاعاً عن النفس، في مواجهة ما يمكن أن تتعرض له من عدوان. أما الدول ذات السياسات التوسعية فتستغل قدراتها العسكرية لتهديد الدول الأخرى أو العدوان عليها. لذلك تسعى تلك الدول إلى زيادة نفوذها من خلال مجموعة من مواثيق الدفاع أو التحالفات العسكرية مع غيرها من الدول التي يكون الهدف المعلن عنها عادة الدفاع عن النفس.

وتجدر الإشارة إلى أن أثر القدرة العسكرية للدولة لا يقتصر على المسائل المرتبطة بالدفاع عن الدولة فحسب، فمن الواضح أنه لا يمكن إنكار أهمية ما تملكه الدولة من قوة عسكرية حتى في مجال المفاوضات السياسية، حيث تكون الدولة ذات القوة العسكرية في مركز القوة في مواجهة الدولة الأضعف تسليحاً.

ولتحقيق الأمن القومي الحقيقي لابد من إيجاد توازن بين المصادر المتاحة، والأهداف المطلوب تحقيقها، وبمعنى آخر تقدير الموارد الاقتصادية والمالية المتاحة للدولة، مع الأخذ بعين الاعتبار القدر اللازم من الموارد لدعم قدرات الدولة العسكرية، والحد الأدنى الواجب الحفاظ عليه من أجل مواطني الدولة، ومدى قدرة البناء الاقتصادي للدولة على تحمل الأعباء الاقتصادية الناجمة عن تحقيق سياستيها الداخلية والخارجية.

إضافة للعوامل الأخرى التي تشكل بمجملها سياسة الأمن القومي الداخلية والخارجية، وأسلوب تنفيذها. الذي ينبع أساساً من التصرفات البشرية والرغبات الجماعية والفردية التي تمارس على نطاق الدولة، مستمدة من خصائص مواطني تلك الدولة ومدى ثقافتهم، وشكل الحكومة التي تدير شؤونهم، والأحوال الاقتصادية والاجتماعية السائدة بين أفراد المجتمع، والزعامات الموجودة فيه في وقت معين، وكذلك النظريات والأفكار التي يتبناها الرأي العام داخل الدول.

وبعبارة أخرى، القوة البشرية التي تمتلكها الدولة ومدى ما يمكن أن تقدمه هذه القوة من تضحيات من أجل سلامة الدولة، والتنظيم الاجتماعي السائد الذي ينظم الأوضاع الداخلية، ومصادر الثروة التي تمتلكها الجماعة، ومدى قوتها العسكرية وقدرتها على استخدامها، وكلها عوامل هامة وأساسية لنجاح سياسة الأمن القومي، وتحتاج قبل كل شيء للمعلومات.

إذ لا يكفي أن تتمتع الدولة بنظام داخلي يحفظ لها تيسير علاقاتها الخارجية، بل يجب أن تمارس الدولة علاقاتها بنجاح، وأن يكون لديها الإمكانيات التي تيسر لها العلم بما يدور حولها في أرجاء العالم المختلفة، والقدرة على تحليل المواقف والأشخاص، والزعامات القادرة على حسن التوجيه حتى تصل إلى تحقيق أهدافها القومية.

وللمعلومات في حد ذاتها ليس لها أهمية للدولة، ما لم تحسن استغلالها، ولذلك يتطلب الأمر وجود ثلاث أنواع من الأجهزة: - الأول: ويناط به جمع المعلومات وتوخي الدقة الكاملة قدر المستطاع؛ - والثاني: ويتولى تفسير المعلومات، وعادة ما تقوم به أجهزة فنية متخصصة تعمل على تحليل المعلومات وتصنيفها حسب أهميتها ودلالاتها؛ - والثالث؛ ويقوم بمراجعة هذه التحليلات واتخاذ القرارات النهائية بشأن المشاكل التي تواجهها الدولة.

وقد أصبح من المتعارف عليه قيام الدول بجمع المعلومات اللازمة لها في مختلف المجالات، على الرغم من عدم وجود سند قانوني يبيح لها هذا العمل، ولم يأت القانون الدولي التقليدي صراحة بالتزامات، ولم ينص على منح الدول حقوقاً في مجال الحصول على المعلومات، أو تقديمها لغيرها من الدول، إلا إذا اعتبرنا حق الدولة في إرسال البعثات الدبلوماسية والتزامها باستقبالها، هو الأساس في تحقيق هذا الحق على ضوء ما هو معروف من أساليب المراقبة بهدف الحصول على المعلومات في نطاق القيود التي يفرضها القانون الدولي. والممارسة الفعلية لهذا الحق، وهو أحد الوظائف الرئيسية للبعثات الدبلوماسية. ونتيجة لذلك يثير العمل الذي تقوم به البعثات الدبلوماسية كثيراً من الخلاف، خاصة وأن التفرقة بين العمل الدبلوماسي البحت، والعمل الدبلوماسي الذي يقوم أساساً، أو ينطوي على جمع للمعلومات، هو من الأمور الدقيقة التي يصعب وضع الحدود بينها.

ومن الأمثلة على هذا الخلاف، ما شهدته الولايات المتحدة الأمريكية من انقسام في الرأي حول نشاط أجهزة الأمن السوفييتية التي تعمل داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، فالمسؤولون في وزارة الخارجية الأمريكية كانوا يشكون من الإجراءات الشديدة التي تتخذها وزارة العدل ضدهم، والتي لا تتفق مع "القواعد العرفية غير المكتوبة" بين الدولتين في مجال الأمن، خاصة إذا تعلق الأمر بمن يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية. ومن الأمثلة الحديثة، أيضاً ما أعلن في أيار/مايو 1996 عن قيام مجموعة من الدبلوماسيين البريطانيين العاملين في موسكو بالتجسس ، بقيامهم بالتحقق من شراء عملاء للجيش الجمهورية الايرلندي IRA أسلحة ومواد نووية من عصابات المافيا الروسية، وهو ما دعى روسيا إلى طرد أربعة دبلوماسيين بريطانيين من روسيا بتهمة التجسس، وهو ما تردد من جهاز المخابرات البريطانية M16 وقيام بريطانيا باتخاذ إجراء مماثل.

ومن ثم كان من أوجه النقد الجدية التي توجه إلى الحصانات الدبلوماسية أنها قد تكون غطاء للعمل غير الدبلوماسي. فالحصانات الدبلوماسية تتطلب المواءمة بين اعتبارين: الأول: وهو سلامة الدولة المستقبلة؛ والثاني: وهو دواعي الأمن التي يتطلبها العمل الدبلوماسي من حصانات دبلوماسية، للبعثات الدبلوماسية أو العاملين فيها. كتسهيلات المواصلات، والإعفاء من الرقابة على البريد والبرقيات والمكالمات الهاتفية وحرية التنقل ... الخ.

وتحديد ما يعتبر من المعلومات التي تدخل في إطار السرية، وتلك التي لا تدخل في هذا الإطار، وهي مسألة معقدة، والحد الفاصل بين النوعين يكاد يكون متداخلاً. وتتزايد هذه المشكلة تعقيداً في عالم اليوم الذي يشهد ثورة معلوماتية، أصبح الحصول فيه على المعلومات أمراً هيناً بفعل التقدم العلمي المستمر في مجال تجميع ونقل المعلومات التي يسري عليها هذا القيد، فتدخل في إطار الأسرار التي تهدد أمن الدولة، وتلك التي تخرج عن دائرة السرية.

ويثير قيام الدولة بجمع المعلومات اللازمة لها عن غيرها من الدول قضية هامة، هي أن المعلومات التي قد تحصل عليها دولة، من دولة أخرى تؤثر على أمنها القومي، خاصة إذا تعلق الأمر بمعلومات تراها الدولة المعنية مرتبطة بأمنها وسلامتها، ومن ثم فإنه من الضروري التفرقة بين المعلومات التي يترتب على الحصول عليها مساس بأمن الدولة وسلامتها وتلك التي لا ينطبق عليها هذا الوصف.

ونظراً لأهمية المعلومات المتعلقة بأمن الدولة وسلامتها، جرت العادة على استبعاد مجموعة منها من نطاق المعاملات المباشرة، سواء في داخل الدولة أو خارجها، وتفرض عليها نطاقاً من السرية والكتمان، معتبرة أن محاولة الحصول عليها، أو الحصول عليها يدخل في دائرة التجريم وفقاً لتشريعاتها العقابية. وتتعدد هذه المعلومات بتعدد المصالح المرتبطة بها، وهي تنحصر عادة في الأسرار السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، التي هي بالنظر إلى طبيعتها يجب أن تبقى في طي الكتمان حرصاً على سلامة الدولة، أو التي يقتصر العلم بها على أشخاص محدودين بذواتهم، أو التي يترتب على كشفها تقييم المقدرة الدفاعية للدولة في جوانبها السلبية والإيجابية.

وتختلف الدول فيما بينها من حيث طبيعة هذه المعلومات أو الصفة التي تلحق بها، نظراً لارتباط هذا الموضوع بموضوعات أخرى كالحريات العامة، داخل الدولة نفسها، أمام مشكلة تحقيق التوازن بين مقتضيات أمنها، وبين ما ينشده الفرد من حماية لحقوقه وحرياته، فمن الأهمية بمكان إحداث التوازن والتوافق بين حق الدولة في الأمن وحقوق الأفراد في المعرفة، دون أن يطغى أحدهما على الآخر.

وذهبت تشريعات بعض الدول إلى تحديد طبيعة المعلومات التي تدخل في دائرة السرية. فقد تكون هذه المعلومات متعلقة بحماية إقليم الدولة وتأمينها كما في بلجيكا ولوكسمبورغ، وقد تكون معلومات تتعلق بحقوق الدولة تجاه الدول الأخرى كما في أيسلندا، أو الأمور التي يفترض أنها تهم أمن الدولة كما في هولندا، أو تلك التي تتعلق بمصالح الدفاع القومي، أو المتعلقة بالأسرار العسكرية والاقتصادية والسياسية كما في سويسرا، وفرنسا.

ولا تتناول تشريعات دول أخرى كبلجيكا، ولوكسمبورغ، وهولندا، وسويسرا، ويوغوسلافيا، وضع تعريف محدد للأسرار المتعلقة بأمنها والدفاع عنها باعتبارها فكرة واسعة تختلف وتتنوع إلى صور كثيرة، مما لا يجوز معه تقييدها بتعريف ضيق محدد. ويؤدي هذا الاتجاه إلى تخويل القضاء سلطات واسعة في تفسير النصوص القانونية.

وتحاول دول أخري التصدي لمحاولة وضع تعريف لأسرار الدفاع، وتعدادها في صيغ عامة. مثال: التفرقة التي أقرها القانون الفرنسي في المادة 78/1/2، والقانون الإيطالي في المادة 257 من قانون العقوبات. بين الأسرار وطبيعتها، وبين الأسرار الحكيمة في المادة 258 من قانون العقوبات الفرنسي والإيطالي. وذلك تبعاً لكون السرية منبثقة من طبيعة الشيء ذاته، أو بناء على أمر من السلطة المختصة. ويلاحظ هنا أن المشرع الفرنسي لم يقصر الحماية على الأسرار المتعلقة بالدفاع القومي عن فرنسا وحدها فحسب، بل امتدت وفقاً للمرسوم الصادر 11/7/1952 لتشمل أسرار الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.

ومن خبرات الدول النامية نرى أن المشرع المصري قد أخذ مجموعة الأسرار المرتبطة بالدفاع عن البلاد، بحكم طبيعتها، فنصت الفقرة 1 من المادة 52 من قانون العقوبات على أنه "يعتبر من أسرار الدفاع عن البلاد، المعلومات الحربية والسياسية والاقتصادية والصناعية التي بحكم صفتها لا يعلمها إلا الأشخاص الذين لهم صفة في ذلك، ويجب مراعاة أنه لمصلحة الدفاع عن البلاد، يجب أن تبقى سراً على ماعدا أولئك الأشخاص". وأوضحها الدكتور ممدوح شوقي السفير بوزارة الخارجية المصرية، في مقالته "الأمن القومي والعلاقات الدولية" المنشورة في مجلة السياسة الدولية، على الشكل التالي: - المعلومات الحربية: الحقائق التي تتعلق باستعداد البلاد العسكري وكفايتها الحربية، ووسائل الدفاع عنها، وعملياتها الحربية في البر والبحر والجو، سواء في وقت السلم أم في وقت الحرب. كالمعلومات المتعلقة بسلاح سري، أو طرق الوقاية منه، والخطط العسكرية وتاريخ ومكان إجراء التجارب العسكرية، والتعليمات الصادرة من القيادة العسكرية لضباطها وجنودها. - المعلومات السياسية: وهي تتعلق بالسياسة الداخلية والخارجية المتبعة، أو التي تنوي الدولة السير عليها، متى كانت ترتبط بشؤون الدفاع عن البلاد، ولو بطرق غير مباشرة. فلا عبرة بالمعلومات التي تتعلق بسياسة الحكومة في السابق. - المعلومات الدبلوماسية: الحقائق المتعلقة بعلاقة الدولة دبلوماسياً مع غيرها من الدول، مثال: اعتزام الدولة قطع علاقاتها السياسية بدولة معينة، أو الاعتراف بهيئة ثورية تناهض الحكومة والاتصالات الدبلوماسية بين الدولة ودولة أخرى أجنبية للتوسط في حل نزاع دولي يمس أمن الدولة. - المعلومات الاقتصادية: وهي ليست إلا نوعاً من المعلومات الاقتصادية التي ترتبط بالمجهود الصناعي للدولة، ولا يقتصر الأمر على الإنتاج الصناعي للدولة، بل يمتد إلى الشركات الخاصة التي تفيد الدولة في إنتاجها في الدفاع عن البلاد، مثال: ما تورده إحدى الشركات من إنتاج للقوات المسلحة، لاستعمالها الخاص في العتاد الحربي.

ولا ينبغي أن يفهم أن جمع المعلومات الحربية أو السياسية أو الدبلوماسية أو الاقتصادية تعد متعلقة بأسرار الدفاع عن البلاد، بل يجب توافر شرطين لذلك: الأول: أن تكون المعلومات متعلقة بالدفاع عن البلاد، أي تتعلق بسلامة الدولة وسيادتها، ووسائل الدفاع عنها وعن كيانها في شتى الميادين في زمن السلم وفي زمن الحرب. الثاني: أن تكون هذه المعلومات بطبيعتها من الأسرار التي لا يعلمها إلا الأشخاص الذين لهم صفة في ذلك. ومن ثم لا يقتصر معنى الدفاع عن البلاد على المدلول العسكري وحده، بل يتسع لكل ما يتعلق بأمن الدولة الخارجي، من النواحي العسكرية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية في زمن السلم أو في زمن الحرب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. وعلى ذلك، فالسرية ليست صفة لصيقة بالمعلومات، ولكنها صفة تخلعها عليها الدولة من زاوية معينة، فهي طبيعة اعتبارية للمعلومات، وهي مسألة نسبية، فما يعتبر سراً في فترة معينة، لا يعتبر سراً بعد مرور فترة زمنية معينة. فالسرية صفة تلحق بالمعلومات في لحظة معينة تمليها سلامة الدولة في تلك اللحظة. ولهذا على المراسلين الأجانب والمستشارين والملحقين الإعلاميين المعتمدين في أي دولة أن يتعرفوا على مضمون ليس القوانين الناظمة للعمل الصحفي في البلاد المعتمدين فيها وحسب، بل والتعرف على مضمون قوانين العقوبات فيها، وخاصة ما يمس منها العمل الإعلامي.

وهناك طائفة أخرى من المشكلات التي ترتبط بقيام دولة ما بالحصول على المعلومات عن غيرها من الدول، بغير الطرق المشروعة أو العلنية، وهي مشكلة نتجت عن التقدم العلمي في مجال المعلومات ونقلها، فالصورة التقليدية للحصول على المعلومات هي عبارة عن علاقة مباشرة بين دولة وأحد الأفراد الذين ينتمون إليها، أو من رعايا دولة أخرى، يقوم بنقل المعلومات إليها، أو قيام مواطن دولة محايدة بالتجسس لصالح إحدى الدول. ولكن الصورة التقليدية تغيرت وأصبحت العلاقة مباشرة بين دولتين دون طرف آخر، يتوسط عملية نقل المعلومات، وذلك نتيجة لحصول الدولة على المعلومات اللازمة لها بصورة مباشرة عن طريق الأقمار الصناعية أو طائرات التجسس. فكان الهدف أو الغاية، فيما مضى هما اللذان يحددان طبيعة الفعل، ثم حدث تطور بظهور العنصر العام للدولة في هذه العلاقة فأصبحت الوسيلة هي التي تحدد طبيعة الفعل.

ويرتبط بذلك أيضاً، مشكلة أخرى يثيرها الحصول على المعلومات عن طريق الأقمار الصناعية، أو طائرات التجسس أو الاستشعار عن بعد بواسطة دولة معينة، ولا تكون الدولة صاحبة الشأن على علم بذلك. وهو ما يطرح بدوره تساؤلات عن مدى التزام الدولة التي حصلت على هذه المعلومات باطلاع الدولة صاحبة الشأن عليها، أم أن لها أن تبقيها كورقة رابحة تستخدمها في مجال الضغوط السياسية ! وما مدى مسؤولية الدولة التي حصلت على هذه المعلومات، إذا قامت بتزويد دولة ثالثة بما حصلت عليه من معلومات ؟

وقد حاولت منظمة الأمم المتحدة منذ عام 1960 من خلال اللجان المتخصصة، ولجنة الأمم المتحدة لاستخدام الفضاء الخارجي، البحث عن إطار قانوني يحدد هذه العلاقة، بالإضافة إلى تنظيم اكتشاف ثروات الأرض عن طريق الاستشعار عن بعد. والمشكلات الأخرى المترتبة على الثورة في مجال نقل المعلومات أو ما يمكن أن يطلق عليه النظام الدولي الجديد للاتصالات والمعلومات واحتمالات تأثير هذا المجال الجديد على سيادة الدولة، وأمنها القومي وقدرتها الاقتصادية والصناعية وغيرها.

وكررت منظمة الأمم المتحدة محاولة التصدي للمشكلات الناتجة عن الحصول على المعلومات بواسطة الأقمار الصناعية في أعوام 1979، 1980، 1981. ولكن جهود اللجان الفرعية ومجموعات العمل الفنية، باءت بالفشل بسبب الخلاف على المصالح القومية للدول، وعلى وجه التحديد بين الدول المتقدمة في هذا المجال وتلك التي لم تنل حظها بعد. وبمعنى آخر خلاف الدول التي تستطيع الحصول على المعلومات وتلك التي تتلقى المعلومات فقط، وهو صراع بين حرية نقل المعلومات والتمسك بالسيادة القومية، بما في ذلك مصادر الثروة الطبيعية وأية معلومات عنها.

فالدول المتقدمة ترى أن المادة 19 من اتفاقية الأمم المتحدة للحقوق السياسية والمدنية، قد نصت على مبدأ حرية نقل المعلومات. في الوقت الذي تمسكت فيه الدول الأخرى بالفقرة 3/ب من نفس المادة التي قيدت هذا الحق بمقتضيات الأمن القومي والنظام العام والصحة العامة والأخلاقيات.

حيث تبلور الخلاف بين فريقين: الأول: ويضم الدول الصناعية المتقدمة؛ والثاني: ويضم الدول التي تدافع عن النظام الاقتصادي الدولي الجديد، الذي نص عليه قرار منظمة الأمم المتحدة عام 1974. وبمعنى آخر الخلاف بين دول الشمال، ودول الجنوب. وقد توصلت المناقشات التي تمت بين أعضاء اللجان الفرعية الفنية إلى ضرورة أن يكون هناك تنسيق بين الدول في حالات الكوارث الطبيعية، وبضرورة إبلاغ الدول المعنية بأية معلومات قد تتوافر في هذا الشأن. أما بالنسبة للمعلومات الأخرى، التي يتم الحصول عليها بواسطة الأقمار الصناعية فكان هناك نوع من الاتفاق على بعض الموضوعات الخلافية، ومنها: - أن تمتنع الدولة التي تقوم بالاستشعار عن بعد - دون موافقة الدول التي يتم تصوير أراضيها، عن تقديم المعلومات لدولة أخرى أو منظمة دولية أو المؤسسات العامة أو الخاصة. وقد أيدت غالبية الدول النامية هذا الاتجاه في حين عارضته الدول المتقدمة. - أن يكون الاستشعار عن بعد بما يتفق مع حق الدولة المعنية في التصرف بمصادرها الطبيعية بما في ذلك المعلومات المتاحة عنها.

وهكذا وفي ظل قواعد قانونية غير واضحة لا يزال المجتمع الدولي بعيداً عن وضع قواعد لتنظيم نقل المعلومات والحصول عليها عن طريق الأقمار الصناعية، مما يدعو إلى وضع بعض القواعد العامة التي يمكن أن يسترشد بها في هذا المجال. أولها: تقييد حرية الفضاء الخارجي باعتبارات الأمن للدولة صاحبة الشأن. ثانيها: حق جميع الدول في الحصول على المعلومات التي تتعلق بأراضيها وثرواتها. ثالثها: ضرورة التعاون الدولي من أجل مساعدة جميع الدول على الحصول والاستفادة من المعلومات التي يتوصل إليها. هذا مع الإبقاء على حق الدولة المعنية في إثارة المسؤولية الدولية ضد الدولة التي تحصل على معلومات عنها، وأن تطالبها بتقديم هذه المعلومات مع اعتبار أن ما قامت به يشكل عملاً غير مشروع. والحل يبقى في التعاون الدولي، وفي النوايا الحسنة بين الدول. لأن الصراع غير ملائم لعالم اليوم، ويؤدي إلى تشتيت الجهود الدولية التي يمكن أن توجه إلى ما فيه صالح المجتمع الدولي نفسه. خاصة في ظل التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل في مجالات النقل والاتصال التي عملت على تقريب المسافات بين أجزاء العالم المختلفة، وأصبح العالم معها اليوم أكثر ترابطاً من ذي قبل، وهو ما يؤكد أن تحقيق الأمن القومي لا يتم من خلال الصراع بين الدول بل من خلال التعاون الوثيق بينها.

ولا ريب في أن تخلي الدول عن سياسة القوة، والتزامها بمبادئ القانون الدولي وقواعده، بروح من التضامن والإخاء، لن يؤتي ثماره بتحقيق الأمن لدولة بعينها فحسب، بل سوف يحقق الأمن لكافة الدول في العالم. ويجنب البشرية ويلات الحروب المدمرة، التي ضاعف من خطورتها التطور التكنولوجي الهائل في كل ميادين الحياة ومن بينها ميدان صناعات وإنتاج الأسلحة التدمير الشامل الفتاكة والمدمرة. وأن تصب جهود التعاون الدولي في مجال مواجهة الآثار الناجمة عن المخاطر الاقتصادية داخل الدولة، وأن تسعى الدول إلى توفير الغذاء ورفع المستوى الثقافي والاقتصادي لمواطنيها، وأن تعيد البناء الاجتماعي داخل الدولة، بما يحقق تنمية حقيقية، بدلاً من إضاعة الوقت والجهود في الصراع من أجل تركيز القوة للمواجهة مع الغير. خاصة وأن الاكتشافات العلمية في مجال النقل والاتصالات ونقل المعلومات عبر الأقمار الصناعية وقنوات الاتصال ونقل المعلومات الأخرى، قد أحدثت تغييراً شاملاً في مفهوم السيادة، وأصبحت الممارسة الفعلية لمظاهر السيادة تتحقق بقدر ما تحوزه الدولة أو يتيسر لها من إمكانيات يوفرها التقدم العلمي في شتى المجالات.

فأصبحت ممارسة السيادة كاملة لدى بعض الدول، ومحدودة لدى البعض الآخر، وأصبح كمال السيادة ونقصها، من الناحية السياسية، مرتبط بما للدولة من إمكانيات علمية وفنية متقدمة، تتيح لها معرفة ما يدور في منطقتها، بل وفي مناطق غيرها من الدول، وأصبح لبعض الدول معلومات، تزيد في كثير من الأحيان، عما يتوافر من معلومات لدى الدولة صاحبة الشأن، ولم تعد الحدود السياسية صعبة الاختراق، بل أصبحت أقل صموداً أمام التقدم التكنولوجي، وعلى سبيل المثال: فإن موجات الإذاعتين المسموعة والمرئية أصبحت تدخل حدود الدولة السياسية دون إذن منها، ولا تستطيع الدولة حيالها شيئاً، إلا من خلال سن التشريعات التي تحظر ذلك، أو بث موجات مضادة، أو الدخول في منافسة تكون غير متكافئة في أكثر الأحيان. وأن الإطار الجديد للتنافس بين الدول في العالم قد أصبح اقتصادياً، وأصبح تحقيق التفوق أو التقدم الاقتصادي يعادل القوة العسكرية، كما أن التقدم الإنتاجي يعادل تطوير الأسلحة الفتاكة، وأن اقتحام الأسواق العالمية الذي تسانده الدولة، لا يقل أهمية عن القواعد العسكرية في أراضي الدول الأجنبية، ولا يقل أهمية عن النفوذ الدبلوماسي في تلك الدول.

العولمة والأمن الإعلامي الوطني والدولي: ازدادت أهمية الاتصال في العصر الحديث بشكل كبير، بفضل تطور وسائل الاتصال وتقنياتها الحديثة. فالمعلومات تحيط بنا في كل مكان ومن كل اتجاه حتى أصبحت طبقة تحيط بالكرة الأرضية كالغشاء الهوائي الذي يوفر لنا الحياة، طبقة تعود الإنسان عليها حتى كاد ينساها أو يجهل وجودها، عدا قلة من الناس الذين يتعاملون مع هذه الطبقة المعلوماتية ويدركون مدى فاعليتها وتأثيرها.

وقد أطلق الباحث في علم الاتصال بيير تايلهارد على هذه الطبقة المعلوماتية التي تحيط بالكرة الأرضية اسم "نوسفير"، ويستفيد الإنسان المعاصر من هذه الطبقة متلقياً سيلاَ من المعلومات تتضمن حقائق وآراء مختلفة يستخدمها في مواقف اتصالية يدخل فيها مع آخرين كمتحدث أو مستمع، ولكنه لا يؤثر في عملية الاتصال كغيره من الفئات الاجتماعية الأكثر تأثيراً في عملية الاتصال كالمفكرين والصحفيين والكتاب والسياسيين ورجال الدين والأساتذة والمعلنين الذين يعطون من خلال وسائل الاتصال أفكاراً ومعلومات في المواقف الاتصالية أكثر مما يأخذون من معلومات، بحكم أدوارهم الاجتماعية التي تسمح لهم بالتأثير والتحكم بتفكير غيرهم من الناس.

وأصبح الاتصال اليوم حقيقة طاغية في حياتنا اليومية المعاصرة، وأصبح الناس أداة فاعلة في عملية الاتصال المستمرة على مدار الساعة مرسلين ومستقبلين على حد سواء بفضل تقنيات الاتصال الحديثة التي حولت العالم بأسره إلى قرية الأمس في عمليات الاتصال المباشرة والمعقدة، والتي لم تعد تعترف لا بالحدود الجغرافية ولا بالحدود السياسية للدول المختلفة في العالم.

وفرض تطور التقنيات الحديثة للاتصال على الإنسان المعاصر تعلم مهارات جديدة لم يكن بحاجة لتعلمها قبل عدة عقود فقط، وأصبحت ضرورية له لمواكبة العصر واستخدام وسائل الاتصال الحديثة المعقدة حتى في اتصالاته الشخصية عبر شبكات الحاسبات الإلكترونية (الكمبيوتر) التي جعلت من الاتصال عملية سريعة وفورية وسهلة بالاتجاهين. ومع تزايد أهمية الاتصال في حياتنا اليومية المعاصرة، ازدادت أهمية أبحاث الاتصال. ويميل بعض علماء الاجتماع إلى التفريق بين الأبحاث الصحفية، والأبحاث الإعلامية. رغم امتداد الدراسات التي استهدفت الصحافة خلال القرن العشرين إلى سائر مجالات الإعلام وقنواته انطلاقاً من مفهوم وحدة المجالات الإعلامية رغم تشعبها. ورغم اهتمام بعض المعاهد الصحفية في العالم بدراسة مجال واحد من المجالات الإعلامية، كدراسة الإذاعة والتلفزيون، أو الصحافة المطبوعة، أو الاتصال الشخصي كل على حدى. إلا أننا نعتبر أن مثل تلك الدراسات الناقصة لا تلبي حاجة البحث العلمي في مجال الإعلام والاتصال بشكله الملائم والمطلوب على أعتاب القرن الواحد العشرين، في زمن تشعبت فيه قنوات الاتصال وتداخلت من خلال شبكات الاتصال الحديثة سمة الحقبة الأخيرة من القرن العشرين.

فالأسلوب العلمي الصحيح اليوم يربط بين أساليب الاتصال وتقنياته الحديثة كوحدة واحدة تتلاقى فيها قنوات الإعلام أصولاً وفروعاً. رغم التقسيم الذي سار عليه بعض الباحثين حينما فرقوا بين الأبحاث الصحفية، التي حاولوا حصرها بدراسة وسائل الإعلام أو الرسائل الإعلامية فقط، بينما حاول البعض الآخر حصر أبحاث الاتصال بعملية الاتصال فقط. لأنه من الصعب جداً دراسة وسائل الإعلام الجماهيرية دون الاهتمام بعمليات الاتصال والمواقف الاتصالية التي يتم من خلالها توجيه وتبادل المعلومات. فأي بحث يتناول الاتصال يجب أن يهتم بالجانبين معاً. فنحن لا نستطيع فهم ما تنشره وما تنقله أو تذيعه أو تبثه وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية، دون أن ندرك عملية الاتصال، وكيف يؤثر مضمون وسائل الإعلام الجماهيرية على الأفراد والجماعات المختلفة. وحينما نحاول أن نعرِّف المادة الإعلامية، نجد صعوبة بالغة في وضع حدود واضحة تحدد الأبحاث الإعلامية وتميزها عن غيرها من أبحاث العلوم الإنسانية. فأهداف واهتمامات أبحاث الاتصال واسعة جداً، لأنها لا تدرس وسائل الاتصال فقط، بل تتعداها لدراسة عمليات الاتصال. وهذا يحتم علينا الاهتمام بعلوم إنسانية أخرى منها التربية، وعلم النفس الفردي، وعلم النفس الاجتماعي، والاقتصاد، والأنثروبولوجية، والقانون، والستسيولوجية، والسياسة، والتاريخ... الخ، فالإعلام يشارك العلوم الإنسانية مسؤولية الكشف عن مختلف أوجه المشاكل التي تتضمنها عملية الاتصال في مختلف مراحلها. ولقد أدرك علماء الاتصال منذ أواسط القرن العشرين، حقيقة أنه لا يمكن فهم الاتصال عن طريق وسائل الإعلام الجماهيرية بدون فهم عملية الاتصال المباشر بين شخص وآخر، وعملية الاتصال داخل الجماعة الصغيرة. فبدون إدراك وفهم عملية الاتصال الفردي، والاتصال داخل الجماعة الصغيرة، لا يمكن فهم عملية الاتصال عن طريق مؤسسات ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية، ولا نستطيع كذلك تقدير تأثير تلك المؤسسات والوسائل.

ومن المسلم به أن فهم ودراسة وسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية هي من مسؤولية علماء الإعلام أساساً، ولكننا لا نستطيع أن ننكر اشتراك علماء السياسة والاقتصاد والمجتمع في هذه المسؤولية بشكل أو بآخر. ولكن المسؤولية تبقى أساساً على عاتق علماء الإعلام والاتصال المسؤولين عن دراسة عمليات الاتصال الجماهيري، والتعرف على تنظيم مؤسسات الاتصال والإعلام، وأساليب السيطرة الاجتماعية عليها، ومركز تلك المؤسسات في التنظيم الاجتماعي بشكل عام، ووظيفة تلك المؤسسات وجمهورها ومسؤوليتها، وطريقة اضطلاعها بتلك المسؤوليات، ودراسة طبيعة تأثير تلك المؤسسات. واكتشاف السبل لتحقيق فاعلية الإعلام والاتصال، واختيار أنجع الوسائل، والتعرف على طبيعة كل وسيلة منها. وطبيعة الجمهور المتلقي، ومشاكل نقل المعاني والرموز عبر وسيلة الاتصال المختلفة.

والتطور التاريخي لأي علم من العلوم الحديثة، يمر بمراحل تطور متشابهة تبدأ بالمرحلة الفلسفية، حيث ينصب الاهتمام فيها على تحديد المسارات الأساسية، وتكوين مفاهيم كلية وافتراضات أساسية، وتحديد طرق وأساليب للبحث العلمي، ويعاد النظر فيها بشكل يمكن بواسطتها جمع المعلومات والحقائق عن العلم المقصود. وتنتهي هذه المرحلة عند التوصل إلى اتفاق عام على بعض المبادئ والافتراضات الأساسية وبعض طرق وأساليب البحث العلمي. وينتقل الاهتمام في المرحلة الثانية إلى تطبيق أساليب جديدة للبحث، مهمتها قياس صحة الافتراضات التي تم الاتفاق عليها في المرحلة الأولى الفلسفية، يرافقها تجميع حقائق مفصلة عن تلك الافتراضات. وتنتهي المراحل التجريبية بجمع جملة من الحقائق تستخدم في بناء نظرية علمية محددة، وهي المرحلة الثالثة التي تتابع فيها الأبحاث والتجارب التي تؤدي إلى تطور البحث العلمي والوصول إلى نتائج جديدة ومقترحات تؤدي للوصول إلى نظريات علمية جديدة. وقد بدأت الأبحاث العلمية في الولايات المتحدة الأمريكية خلال العشرينات من القرن العشرين، وركزت الأبحاث الأولى على دراسة وصفية لتاريخ الصحافة، والشخصيات الصحفية التي قامت بإصدار وتحرير صحف كل مرحلة من المراحل المدروسة. وركزت على مفاهيم فلسفية معينة كحرية الصحافة وحق الأفراد في نشر آرائهم بدون تدخل السلطات، ودور الصحافة في المجتمع إلى آخره من الاهتمامات العلمية. وظهرت في المرحلة التالية دراسات اعتمدت على الأبحاث التجريبية والميدانية الكمية. خرجت بدراسات موضوعية بعيدة عن تحيز الباحث، معتمدة على حقائق علمية ثابتة، مستخدمة أساليب القياس والتجربة للوصول إلى نتائج علمية مقنعة. توصل العلماء بفضلها إلى تكوين نظرية علمية طورت خلال الخمسينات والستينات من القرن العشرين. وتوسع البحث العلمي في مجال الاتصال ليشمل دراسات في الإعلام الدولي وطبيعة الإعلام في الدول الأخرى وخاصة تلك التي تختلف مع الولايات المتحدة الأمريكية إيديولوجياً، أو التي تدخل ضمن مجال اهتمامات سياستها الخارجية والمصالح الأمريكية في العالم عامة.

ورافق هذا التطور بالأبحاث العلمية في مجال الإعلام اهتمام علماء السياسة والاقتصاد والمجتمع وعلم النفس والأنثروبولوجية بعلوم الاتصال، الذين ساهموا في تطوير وبناء نظريات ومفاهيم أساسية لعلم الاتصال. مما أعطى الدراسات الإعلامية طابعاً متميزاً ساهم في اتساعها وإثرائها خلال النصف الثاني من القرن العشرين خاصة بعد أن وظفت بعض اتجاهاتها لأغراض عسكرية، وبقيت تلك الأبحاث حكراً على الدول المتقدمة فقط. وفي تلك الفترة ذاتها تنبأ الكاتب الألماني شارل بروتس بأنه "سيأتي عصر للأمم الصغيرة المستقلة، يكون أول خط دفاعي لها هو المعرفة". وهي المقولة التي اقتنع بها الرئيس جمال عبد الناصر الذي قام في عام 1953 عندما كان رئيساً للوزارة في عهد الرئيس محمد نجيب، بتأسيس وحدة للشؤون العربية لجمع المعلومات عن العالم العربي كله ! ؟ وكان ذلك في وقت اشتد فيه الصراع بين الشرق الأحمر بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق، والغرب الديمقراطي (الاستعماري) بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وكان ذلك في وقت لم تزل ترزح فيه أجزاء كبيرة من العالمين العربي والإسلامي للاستعمار البريطاني والفرنسي، والإسباني، والروسي، وتخوض فيه الأمة العربية حرباً شرسة غير متكافئة مع عدو شرس اغتصب الأرض والحقوق والمقدسات في فلسطين المحتلة، معتمداً على الشرعية الدولية في تبرير عدوانه أمام الرأي العام العالمي من خلال إدراكه لأهمية الرأي العام في عملية اتخاذ القرارات الهامة، وبراعته في توجيه الخطاب الإعلامي إليه. وفي هذا دليل واضح يشير إلى نموذج من نماذج تعامل واحدة من الأقطار العربية والإسلامية المستقلة مع مشكلة المعرفة والإعلام آنذاك، وتنبهها لأهمية المعرفة ودور الإعلام في الدفاع عن الذات الوطنية والسيادة والاستقلال.

ومعروف أن الإعلام هو قناة لنقل ونشر المعرفة، وهو ما دفع ويدفع بعض الأقلام أحياناً لتتبارى في الإشارة إلى ضعف قناة المعرفة تلك وضعف وتشتت الخطاب الإعلامي العربي والإسلامي الموجه للرأي العام العالمي، وبعده عن العلمية واستخدام نتائج الأبحاث الإعلامية الأجنبية من ضمن تقنيات الخطاب الإعلامي واختيار القناة الإعلامية المناسبة للتأثير على الرأي العام المحلي والعالمي، رغم الإشارة إلى تفوق الإعلام المضاد دون ذكر الأسباب الجوهرية لذلك التفوق، أو محاولة تقديم حلول مقترحة واقعية قابلة للتحقيق في الواقع الراهن للعالمين العربي والإسلامي كجزء من الدول النامية، تخرج الإعلام العربي والإسلامي من مأزقه. واليوم وبعد أن طورت الدول المتقدمة في العالم أحادي القطبية وأدخلت أسلوباً جديداً في العلاقات الدولية أطلقت عليه اسم "العولمة" قارعت به بعضها بعضاً وطرقت أبواب الدول الأقل تطوراً والدول النامية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق ومنظومته الاشتراكية، لتضع أمام تلك الدول، والدول المستقلة حديثاً تحديات مصيرية تنال ليس السياسة والاقتصاد والمقدرات والمعتقدات وحسب، بل وتهدد شخصية وثقافات وسيادة واستقلال تلك الدول. اثر توسع الهوة المعرفية بيت العالمين المتقدم والأقل تطوراً والنامي، رغم بساطة وتعقد قنوات المعرفة المتاحة اليوم في آن معاً، إثر الانفجار المعرفي والإعلامي الذي سببه التطور الهائل لوسائل الاتصال الجماهيرية وتنوع قنواتها. وتقف في طليعة تلك الوسائل المتطورة شبكات الحاسب الآلي العالمية التي وظفت لخدمتها ليس شبكات الاتصال الأرضية وحسب، بل وشبكات الاستشعار عن بعد عبر الأقمار الصناعية، والمحطات الفضائية التي أصبحت مألوفة للإنسان منذ أواسط النصف الثاني من القرن المنصرم. مما طرح تحديات جديدة سببتها "العولمة الإعلامية" تهدد باكتساح كل شيء، حاملة معها أنواعاً جديدة من الأسلحة التي أصبحت معروفة بوضوح باسم "الأسلحة الإعلامية"، وأصبحت تستخدم في الحروب والصراعات، لتأخذ حيزاً هاماً من تفكير بعض الدول في العالم المتقدم والأقل نمواً وحتى النامي على حد سواء، وأنشأت له المؤسسات المتخصصة. ودفعت المشكلة ببعض الدول للعمل الجاد من أجل تحقيق أمن إعلامي وطني، وللمطالبة بتحقيق أمن إعلامي دولي يصون الحقوق، ويحمي المقدسات من التطاول والاعتداء والتحريف والتخريب.

وهو ما يدعو للقيام بدراسة وتسليط بعض الضوء على المشكلة من خلال تعريف مصطلح "العولمة"، ومقدماتها، وعلاقتها بالدولة والسيادة الوطنية، وموقف منظمة الأمم المتحدة من قضايا الأمن الإعلامي الدولي، وتحديات التفوق في تكنولوجيا الاتصال للأمن الإعلامي الوطني والدولي. خاصة وأن البنى الإعلامية الدولية أصبحت اليوم فوق سيادة الدولة بمفهومها التقليدي، مما خلق تهديدات جديدة لـ"العولمة الإعلامية"، باتت معها بعض الدول شبه مسيطرة على الموارد الإعلامية للغير من خلال قنوات الاتصال. ولتوضيح الصورة بقدر أكبر لابد من تسليط الضوء على "السلاح الإعلامي" ودوره في خدمة الدول الصناعية المتقدمة، وإدارة الصراع بين القوى العالمية. وهو ما يتطلب التعرض لمشكلة الأمن الإعلامي الوطني والدولي، ومشكلة مصطلح "الحرب الإعلامية"، ومجالات تأثير الصراع الإعلامي الدولي، من خلال تهديداته للأمن الإعلامي الوطني. والتعرض للخصائص الأساسية للأسلحة الإعلامية وأهدافها في: مجالات استخدام السلاح الإعلامي؛ ومجالات الرقابة أو الإشراف على المجال الإعلامي الدولي؛ وسيناريوهات الحرب الإعلامية.

وكل ذلك من أجل توضيح مشكلة الأمن الإعلامي الوطني والدولي التي تحتاج للحل. ولهذا كان لا بد من تناول المشكلة سواء من وجهة نظر المعارضين للمشكلة أساساً وينفون وجودها، أم من وجهة نظر أولئك الذين تنبهوا لها وباتوا يطالبون بإيجاد الحلول لها ضمن الشرعية الدولية واحترام سيادة الدول. ومشكلة الأمن الإعلامي الوطني والدولي من وجهة نظر البحث العلمي، وتأثير الأمن الإعلامي على التفاهم الدولي في ظروف العولمة ما هو إلا عرض لجزء من المشكلة الجاري بحثها علمياً في المجالات الإعلامية.

تعريف العولمة: العولمة Globalization حسب تعبير خبراء السياسة في الدول النامية، تحمل معنى "جعل الشيء على مستوى عالمي، أي نقله من حيز المحدود إلى آفاق "اللامحدود". واللامحدود هنا يعني العالم بأسره، فيكون إطاره النشاط والعلاقات والتعامل والتبادل والتفاعل على اختلاف صوره السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والعلمية وغيرها، متجاوزاً الحدود الجغرافية المعترف بها لدول العالم، وهذا المعنى يجعل "العولمة" تطرح ضمناً مستقبل الدولة القومية وحدود سيادتها الوطنية، ودورها على الصعيدين الداخلي و الخارجي". بعد أن تمكنت وسائط الاستشعار عن بعد المتطورة من اختراق الحدود السياسية والجغرافية المعترف بها لكافة دول العالم. بينما جاء تعريف "العولمة الإعلامية" حسب المفهوم الأمريكي "بتعميم نمط من الأنماط الفكرية والسياسية والاقتصادية لجماعة معينة، أو نطاق معين، أو أمة معينة على الجميع، أو العالم بأسره". وبما أن "العولمة" بدأت أساساً من الولايات المتحدة الأمريكية، فقد جاءت نظرياً كدعوة لتبني النموذج الأمريكي في الاقتصاد والسياسة والثقافة والعلوم وبالتالي طريقة الحياة الأمريكية بشكل عام.

مقدمات العولمة: وجاءت "العولمة" أساساً كنتاج للثورة العلمية والتكنولوجية، التي كانت نقلة نوعية في تطور الرأسمالية العالمية، في مرحلة ما بعد الثورة الصناعية التي ظهرت في منتصف القرن 18 في أوروبا، ونتيجة لاستخدام الطاقة، التي غيرت بشكل جذري أسلوب وعلاقات الإنتاج، لتبدأ معها مرحلة جديدة من مراحل التطور الإنساني، اتصف بالتوسع الاقتصادي، والبحث عن الموارد الطبيعية، وفتح الأسواق العالمية. وكلها كانت من مسببات ظهور الاستعمار التقليدي، وقيام الحروب الأوروبية لتلبية حاجات الرأسمالية الصاعدة. ومما سارع في شيوع "العولمة" استمرار التطور العلمي والتكنولوجي، وما رافقه من تطور هائل لوسائل الاتصال والاستشعار عن بعد ونقل المعلومات الحديثة، التي شكلت بدورها تجديداً لنمط وطبيعة الإنتاج والتفاعلات والتعاملات الدولية. وبذلك لم تعد الحروب التقليدية، واستخدام القوة وسيلة لحسم الخلافات بين الدول الرأسمالية كما كان الوضع حتى الحرب العالمية الثانية، بل أصبحت الحاجة ملحة لتوحيد أسواق الدول الصناعية المتقدمة من خلال سوق عالمية واحدة، أي ضرورة تجاوز الحدود السياسية القومية المعترف بها، وإعادة توزيع الدخل القومي، والعمل على رفع المستوى المعيشي للإنسان ليمكن معه توسيع سوق الدول الصناعية المتقدمة، لاستيعاب المنتجات الحديثة، أي خلق مجتمع من نوع جديد أصطلح على تسميته بـ"المجتمع الاستهلاكي الكبير".

وشكلت هذه السمات كلها نقطة التحول من "الرأسمالية القومية" إلى "الرأسمالية العابرة للقوميات" التي نعيشها اليوم من خلال الشركات متعددة الجنسيات، التي ارتبط فيها ظهور مفهوم "العولمة" الذي عبر عن ظاهرة اتساع مجال الإنتاج والتجارة، ليشمل السوق العالمية بأسرها. وتجاوز الفاعلية الاقتصادية التي كانت لمالكي رؤوس الأموال، من تجار وصناعيين، الذين كانت تصرفاتهم محكومة في السابق بحدود الدولة القومية التي ينتمون إليها، لتصبح الفاعلية الاقتصادية مرهونة بالمجموعات المالية والصناعية العالمية الحرة، المدعومة من قبل الدول المشاركة في رأس مالها، عبر الشركات متعددة الجنسيات. وهكذا لم تعد الدولة القومية هي المحرك الرئيسي للفاعلية الاقتصادية على المستوى العالمي، بل حل مكانها القطاع الخاص بالدرجة الأولى في مجالات الإنتاج والتسويق والمنافسة العالمية. و"العولمة" ليست نظاماً اقتصاديا فقط، بل تعدته إلى كافة مجالات الحياة السياسية والثقافية والعلمية والإعلامية. لأن النمو الاقتصادي الرأسمالي العالمي استلزم وجود أسواق حرة، ووجود أنظمة سياسية من شكل معين لإدارة الحكم. كما وتعددت مراكز القوة الاقتصادية العالمية للرأسمالية الدولية الحديثة، وتعددت معها مراكز القوة السياسية، مما خلق بدائل وتعددية في القوى على مستوى السلطة، وهو ما دعم إمكانيات التطور الديمقراطي بكل شروطه، من عدم احتكار السلطة، وتداولها، وتعدد وتنوع مراكز القوة والنفوذ في المجتمع، ومنع تركيز الثروة في يد الدولة وحدها، وفرض توزيعها لتحقق "العولمة" بذلك نوعاً من اللامركزية في الإدارة والحكم.

ومما ساعد على الانتشار السريع لـ"العولمة" انتصار الرأسمالية على الأنظمة الأخرى، من نازية وفاشية وشيوعية، وكان أخر تلك الانتصارات انهيار الاتحاد السوفييتي السابق ودول ما كان يعرف بالمنظومة الاشتراكية أو الكتلة الشرقية التي كان يقودها الاتحاد السوفييتي السابق، لتحل محله الجمهوريات المستقلة الخمس عشرة. وسقوط النظم الشمولية في أوروبا الشرقية، وتحول الأنظمة الجديدة في تلك الدول نحو أشكال جديدة من الحكم الديمقراطي، الذي يربط في جوهره بين التطور الديمقراطي والنمط الرأسمالي، الذي يعتمد على الديمقراطية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وأتاح الاتصال المباشر عبر القارات من خلال شبكات الاتصال العالمية للحاسب الآلي ومحطات الإذاعة الفضائية المسموعة والمرئية، الفرصة لإبراز ملامح "العولمة الإعلامية" التي أصبحت ملموسة حتى من قبل الأشخاص العاديين في أي مكان من العالم. ومن المنتظر أن يتيح هذا التطور الهائل في تكنولوجيا وسائل الاتصال الحديثة، إمكانية زيادة التواصل والحوار الثقافي بين شعوب العالم، ويساعد على إيجاد آمال وأهداف ومصالح مشتركة تتجاوز المصالح القومية للشعوب والدول ولا تتناقض معها،.فيما إذا لم يساء استخدامها.

العولمة والدولة والسيادة الوطنية: ومع ذلك فقد أثارت العديد من الحكومات مخاوف وشكوك كثيرة. منها المخاوف السياسية التي يمكن أن تنجم عن بث برامج معادية لأنظمة الحكم، وأفكاراً وأيديولوجيات تهدد الأمن والاستقرار السياسي والاجتماعي داخل الدول. وعبرت بعض القوى السياسية والاجتماعية المؤثرة في العديد من دول العالم عن خشيتها من النظام الإعلامي المفتوح الجديد الذي قد يهدد ثقافات وتقاليد وعادات ومقدسات الشعوب، وانطلقت الأصوات تطالب بتحقيق أمن إعلامي وطني ودولي يراعي المصالح الوطنية ولا يتناقض مع المصالح الوطنية لكل دول العالم.

فإذا كانت "العولمة" ترتبط بسيادة نموذج اقتصاد السوق، فإن هذا النموذج بدوره يثير قضية العلاقة بالدولة ودورها، ولا يبرر الانتقال إلى اقتصاد السوق أبداً اختفاء دور الدولة، وكل ما هنالك حدوث تغييرات محدودة لذلك الدور الرتيب الذي اعتادت عليه بعض الدول بطيئة التطور. ومعظم من كتب في أهمية نظام السوق، كان يقرن طروحاته دائماً بضرورة وجود دولة قوية قادرة على تأمين الأمن والاستقرار، ودون تلك الدولة القوية لا تستطيع السوق أن تقوم بدورها. ومن هنا فليس هناك مجال للحديث عن محاولة إلغاء أو تقليص دور الدولة، بل بالعكس لابد من التأكيد على هذا الدور وأهميته وضرورته، مع ضرورة إجراء تعديلات معينة لهذا الدور ليتوافق مع نظام السوق المنفتح عالمياً.

فالولايات المتحدة الأمريكية مثلاً وهي أكبر دولة رأسمالية في العالم، تتدخل في الحياة الاقتصادية، وتحدد شروط النشاطات الاقتصادية، والسياسات النقدية والمالية والتجارية، والفارق المهم بين النظم المركزية، ونظم السوق، هو أن الدولة تتدخل في الحياة الاقتصادية باعتبارها سلطة، وليس باعتبارها منتجاً. لأن سلطة الدولة لا غنى عنها ولا تتناقض مع تطور الحياة الاقتصادية. والاقتصاد الحر لا يعني أبداً غياب الدولة عن النظام الاقتصادي. والفرق بين النظام الليبرالي ونظام التخطيط المركزي، ليس في مبدأ "التدخل" ولكن في مضمونه. ففي ظل التخطيط المركزي تقوم الدولة بالإنتاج المباشر للسلع والخدمات، وتسيطر على مجمل النشاطات الاقتصادية، عن طريق القطاع العام. أما في ظل الاقتصاد الحر، فإن الدولة تترك الإنتاج المباشر للسلع والخدمات للأفراد والمشروعات الخاصة، أي تحقق التكامل بين دور الدولة ودور القطاع الخاص، ويكون تدخلها في سير الحياة الاقتصادية، بوسائل أخرى أكثر فعالية، من حيث الكفاءة الإنتاجية وتحقيق العدالة الاجتماعية. من خلال المحافظة على مستويات عالية في نمو الناتج القومي. والقيام بتوفير الخدمات الأساسية في مجالات التعليم والصحة، والقضاء والأمن والدفاع، ويدخل فيها قيام الدولة بمشروعات البنية الأساسية.

ومبدأ الحرية الاقتصادية لا يعني أبداً إهمال مبدأ العدالة الاجتماعية، فالبلاد التي أخذت بهذا المبدأ، هي في مقدمة بلاد العالم من حيث الاهتمام بالفقراء، وتحقيق العدالة في التوزيع، وتوفير شبكة الأمان لكل المواطنين، ضد المخاطر الاجتماعية بما في ذلك البطالة والعجز والشيخوخة، وغيرها من الأمراض الاجتماعية. وهناك علاقة وثيقة بين الكفاءة في الأداء الاقتصادي وبين شروط العدالة. ذلك أن الكفاءة تعني نمو الاقتصاد القومي بمعدلات عالية، وتعاظم قدرة النظام الاقتصادي لتوفير فرص العمل المنتج لكل القادرين عليه، وهي من المقومات الأساسية للعدالة الاجتماعية التي يؤكدها ويحرص عليها الشرع الإسلامي من خلال التكافل والتضامن. والدور الجديد هذا للدولة يؤهلها للتكيف مع المتغيرات العالمية الجديدة، دون الانتقاص من سيادتها الوطنية، في ظل انتشار مفهوم "العولمة"، وشروط النظام العالمي الجديد. الذي يقوم على مبدأ الاعتماد المتبادل وليس على فرض الآراء بين دول وشعوب العالم. والاندماج الإيجابي والواعي في النظام العالمي الجديد. انطلاقا من حقائق أن "العولمة" ليست ظاهرة بلا جذور، بل هي ظاهرة تاريخية وموضوعية نتجت عن التطور الهائل لتكنولوجيا وسائط النقل ووسائل الاتصال ونقل المعلومات الحديثة وتغير طبيعة دورها الاجتماعي، والطبيعة التوسعية للإنتاج الرأسمالي. وعدم جواز البقاء خارج الظاهرة التاريخية هذه، وضرورة اللحاق بما يجري في العالم، والتعامل معه بوعي ووفقاً لقواعد محددة تجنباً للبقاء خارج إطار التاريخ.

والنظام الاقتصادي الجديد جاء نتيجة لإنجازات كبرى في تاريخ تطور البشرية على كافة المستويات العلمية والثقافية والاقتصادية والتقنية والسياسية والفكرية، ويمثل نقطة جذرية مختلفة تماماً عن كل ما سبقتها من نظم. وأن الحضارة العالمية الحديثة قامت على ما خلفته حضارات القرون الوسطى وثقافاتها وخاصة منها الحضارة الإسلامية التي كانت في أوج ازدهارها آنذاك، وفسحت المجال أمام الجميع للانتماء إلى الوطن المشترك والعمل على رفعته وتقدمه دون تفريق، كما هي الحال في أكثر دول العالم الحديث. وزودت الفكر البشري برؤية عقلانية تاريخية تنويرية، بتوجه ديمقراطي يقوم على أساس الشورى واحترام الرأي، والرأي الآخر، والتعددية، وحرية التعبير، وتكريس مبادئ حقوق الإنسان التي لا تعرف الحدود القومية أو الجغرافية أو السياسية.

و"العولمة الإعلامية" تفرض على الدول الأقل تقدماً، القيام بمزيد من خطوات التحديث الشامل الذي لا يمكن دون الدور الفاعل للدولة، التي تضطلع به من خلال الترشيد والأداء الاقتصادي، وتنظيم تفاعلات السوق، وما تتطلبه تلك العملية من وسائل وتقنيات تجعل الساحة والموارد الإعلامية للقطاعين الخاص والعام متاحة للجميع ضمن الأطر والأنظمة التي تضبط عملها في إطار العلاقات على صعيد الدولة نفسها وفي علاقاتها مع غيرها من دول العالم. ولكن التجاوزات الكثيرة والأعمال التخريبية التي تعرضت لها الموارد الإعلامية لبعض الدول، إضافة للأخطار التي يتنبأ بها المختصون بين الفينة والأخرى، فرض على المجتمع الدولي ضرورة النظر في خطر جديد أصبح يهدد المجتمع الإنساني وعرف بالأمن الإعلامي الدولي.

موقف الأمم المتحدة من الأمن الإعلامي الدولي: كانت منظمة الأمم المتحدة دائماً السباقة في دراسة مشاكل التدفق الحر للمعلومات منذ تأسيسها وحتى اليوم. ولهذا لم يكن غريباً أن تتضمن الوثائق الهامة التي صدرت عن الدورة 54 للهيئة العامة لمنظمة الأمم المتحدة، وثيقة حملت في مضمونها أبعاداً سياسية وإنسانية عميقة، تناولت موضوع "العولمة الإعلامية" واستقرار إستراتيجية العمل السياسي والدبلوماسي في القرن الحادي والعشرين، بعد أن اعترف المجتمع الدولي وللمرة الأولى بوجود مشكلة الأمن الإعلامي الدولي كنتيجة حتمية لـ"العولمة الإعلامية"، على أنها مشكلة تهدد المجتمع الإنساني في المرحلة التالية للقرن النووي. وجاء هذا الاعتراف من خلال القرار 54/49 الذي تناول مشكلة "تحقيق الأمن الدولي في الإعلام والاتصالات المسموعة والمرئية". فقد برزت تلك المشكلة بحدة بعد التقدم الهائل في تكنولوجيا الإعلام ووسائله المختلفة، وخلق هذا التقدم إلى جانب النواحي الإيجابية التي حملها للبشرية التي تنتظر منه الكثير في المستقبل، مجالاً جديداً تماماً من التهديد تمثل في خطر استخدام منجزات التقدم التكنولوجي في الإعلام والاتصال والاستشعار عن بعد لأغراض تتعارض والمهام المنتظرة منها في دعم وتعزيز التفاهم والأمن والاستقرار الدولي. ومشكلة الأخطار التي تهدد الأمن الإعلامي للدول الأقل تطوراً، لم تعد مشكلة منتظرة بل حقيقة قائمة خلقت نوعاً من التبعية الواقعية للدول الأكثر تطوراً في كل مجالات النشاط الإنساني داخل المجتمعات المحلية في الدول ذات السيادة، وشملت كل النواحي الاقتصادية والسياسية والعلمية، والثقافية، والإعلامية، وأصبحت الحاجة معها ملحة لتأمين نوع من الأمن القومي داخل المصالح الدولية المتشابكة بفعل "العولمة الإعلامية" وابتعاد التبادل الإعلامي الدولي عن دوره الطبيعي، وابتعاد استخدام شبكات التبادل الإعلامي الدولية وشبكات الاتصالات المرئية والمسموعة العالمية، وتقنياتها ووسائلها عن أداء وظيفتها الإيجابية المنتظرة منها.

الأمن الإعلامي الدولي والتفوق في تكنولوجيا الاتصال: وأدى اتساع وشمولية تلك الشبكات بفضل تكنولوجيا ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية الحديثة، إلى زيادة تأثيرها على وعي الأفراد والمجتمعات. مما دفع بالكثير من الدول لإضافتها أو التفكير في إضافتها للإمكانيات العسكرية الهائلة المتوفرة لديها، والتي تملكها بالدرجة الأولى الدول عالية التطور، والمعدة للاستخدام في الصراعات والنزاعات الدولية. مما أدى بدوره إلى خلق تبدلات هائلة أصبحت تؤثر على توازن القوى الدولية والإقليمية. هذا إن لم نقل أنها أضافت بذلك مصادر جديدة للتوتر بين مراكز القوى التقليدية والناشئة، وإلى خلق مجالات جديدة للصراع لم تكن في الحسبان لفترة قريبة. وقد أدى تفوق الدول المتقدمة في مجال تكنولوجيا ووسائل الاتصال والإعلام الجماهيرية التي تملكها، إلى احتكار الوعي الفكري والاجتماعي، وأدى إلى استغلال التفوق التكنولوجي والإعلامي والسياسي والاقتصادي والثقافي والعسكري، إلى تشجيع تلك الدول على استخدام ما تملكه من إمكانيات " كسلاح إعلامي " لا يتعارض استخدامه وقواعد القانون الدولي الذي لم يتعرض جدياً حتى الآن لهذه المشكلة الهامة والعويصة التي أفرزتها "العولمة الإعلامية".

فالتقدم الهائل في تقنيات وتكنولوجيا الاتصال والإعلام الجماهيري أصبح اليوم يعادل في خطره، خطر السلاح النووي الذي كان سمة من سمات القرن العشرين. وأصبح فرعاً من فروع سباق التسلح، الذي أصبح مرة أخرى يستنزف موارد ضخمة، كان يجب أن توجه لخير البشرية وليس لتهديدها. خاصة وأن أكثر دول العالم غير مهيأة حالياً وغير مستعدة، أو غير قادرة على إقامة أو تحديث وسائلها الإعلامية المؤثرة، رغم أن الكثير منها بدأت بالميل نحو شراء وامتلاك مثل تلك الوسائل، من الدول المتقدمة التي أصبحت مسيطرة تماماً على الأشكال الجديدة من أسلحة الدمار الشامل ومن بينها السلاح الإعلامي. ولم يقتصر الأمر على الدول فقط، بل اتسع ليشمل القوى السياسية المختلفة المتصارعة، والتنظيمات الإرهابية وعصابات الجريمة المنظمة، مما خلق نوعاً جديداً وسوقاً مربحة لتجارة الأسلحة الجديدة التي أصبحت تتضمن قوائمها تقنيات وتكنولوجيا وبرامج الحاسب الآلي ووسائل الإعلام والاتصال الجماهيرية.

البنى الإعلامية الدولية فوق الدولة

وفي ظروف "العولمة الإعلامية" وتشابك الحياة على الكرة الأرضية، وظهور وتشكل شبكات وبنى إعلامية دولية فوق الدول، أصبحت بما لا يدع المجال لأي شك تستخدم كسلاح إعلامي مؤثر على العقول والمواقف، ووسيلة لشن حروب واسعة النطاق تطال الإنسان أينما كان، بفاعلية يمكن أن تؤدي نتائجها بل وتعادل قوتها وتأثيرها التدميري وتتفوق في بعض الظروف على أسلحة الدمار الشامل التقليدية المعروفة.

وليس عبثاً أن ترصد بعض الدول المتقدمة في ميزانياتها مخصصات للأمن الإعلامي تعادل بمستواها المخصصات التي ترصد لمواجهة أخطار استخدام أسلحة الدمار الشامل التقليدية. رغم اختلاف استخدام السلاح الإعلامي في الحرب عن الأشكال التقليدية من أسلحة الدمار الشامل، لأن تأثيرها يمكن أن يطال الجبهة الداخلية في الصميم. مع إمكانية استخدام الأسلحة الإعلامية الدولية التي تتميز بالقدرة المؤثرة الكبيرة ضد الأهداف المدنية، كوسيلة من وسائل الصراع على السلطة، وفي الصراعات القومية والعرقية والدينية. والأمثلة على ذلك في عالم اليوم كثيرة، ولا ينحصر تهديدها الواقعي على القوى البشرية فقط، بل اتسع ليشمل الأنظمة الإعلامية التي تملكها الدول، والمنظمات والهيئات الدولية، من قبل دول معادية أو قوى الإرهاب والإجرام المنظم على السواء، مما أعطى لطابع تأثيرها طبيعة كارثية من خلال ليس التسلل لداخل تلك الأنظمة وحسب، بل وفي تخريب تلك الأنظمة، والتأثير على محتوياتها من معلومات وإتلافها. وهو ما كان الدافع على ما أعتقد لاتخاذ القرار 54/49 أثناء الدورة 54 للهيئة العامة للأمم المتحدة في 1/12/1999.

التهديدات الجديدة لـلعولمة الإعلامية: وكان من الطبيعي أن تتوصل الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة للتفاهم حول موضوع هام يمس البشرية بأسرها في ظل "العولمة الإعلامية". سبق ونوقش في أيار/مايو 1996 أثناء المؤتمر الدولي للعولمة في المجتمع الإعلامي الذي انعقد في ميدراند بجنوب إفريقيا. واستعرض بجدية موضوع التهديدات الجديدة للعولمة، وأسفر عن نتائج واستجابة عاصفة من قبل كل المشاركين في المؤتمر. مما رفع من مستوى القضية لتصبح من بين القضايا الملحة التي تنتظر الحل من قبل المجتمع الدولي، وتتطلب إيجاد حل ملائم لها قبل أن تتفاقم وتصبح مستعصية كغيرها من المشاكل العالقة في إطار الدبلوماسية الدولية حتى اليوم. وقد تبلورت المشكلة أكثر أثناء التحضيرات التي جرت للإعداد للقاء القمة بين رئيس الولايات المتحدة الأمريكية والرئيس الروسي في أيلول/سبتمبر 1998. فقد اقترح الجانب الروسي مشروع بيان مشترك للقاء القمة تناول مشكلة الأمن الإعلامي. لكن الأمريكيين اكتفوا بالإطلاع على المشروع، وامتنعوا عن مناقشته. ورغم ذلك فقد تضمن البيان الختامي للقاء القمة، إشارة صريحة للتهديدات العامة للأمن على عتبة القرن الحادي والعشرين، حيث أعلن الجانبان أنهما: وافقا على "تنشيط الجهود المشتركة للتصدي للتهديدات عبر القوميات في الاقتصاد والأمن للبلدين، بما فيها تلك التي تعتبر جرائم عن طريق استخدام تكنولوجيا الحاسب الآلي وغيرها من الوسائل التكنولوجية المتقدمة"؛ واعترفا "بأهمية الجهود الإيجابية المشتركة لإضعاف التأثيرات السلبية الجارية الآن نتيجة لثورة تكنولوجيا الاتصال، التي تعتبر مهمة وجادة في الجهود الرامية لحماية مصالح الأمن الإستراتيجي للبلدين في المستقبل".

وأصبح واضحاً بعد ذلك عزم روسيا إثارة المشكلة أبعد من ذلك، فقام وزير الخارجية الروسي ي.س. إيفانوف بتوجيه رسالة خاصة إلى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة في 23/9/1998 تضمنت اقتراحا بإدراج مشكلة الأمن الإعلامي الدولي بين مواضيع عمل المنظمة الدولية، والنظر في مشروع قرار خاص حول هذا الموضوع. وأعلن في كلمته من على منبر الدورة 53 للهيئة العامة للأمم المتحدة، بأن جوهر الاقتراح الروسي يتضمن الاقتراح على الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، التوصل لمفهوم محدد حول التهديد في مجال الأمن الإعلامي، وأن تقدم كل دولة تقديراتها الخاصة للمشكلة، بما في ذلك إعداد مبادئ دولية توفر الأمن في ظروف عولمة المنظومات الإعلامية الدولية. وأن تتضمن تلك التقييمات التي تقدمها الدول الأعضاء في المنظمة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، إلزامه بتقديم تقرير خاص عن المشكلة يبحث خلال الدورة التالية للهيئة العامة لمنظمة الأمم المتحدة. بشكل تتوضح معه جوانب الصراع المبدئي حول موضوع التهديد باستخدام المنجزات العلمية والتقنية والتكنولوجية الحديثة في أغراض تتعارض مع أهداف تعزيز الأمن والاستقرار العالمي.

وجاء القرار الذي استند على الاقتراح الروسي خلال الدورة 53 للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة 53/70 عن "المنجزات في مجال الإعلام والاتصالات المرئية في إطار الأمن الدولي" في 4/12/1998، بشكل ملطف عن المشروع الروسي حيث اختفت من القرار الكثير من المقترحات التي حددت الإجراءات اللازمة حسب التصور الروسي، لتنظيم عملية التصدي لإمكانية استخدام التكنولوجيا الإعلامية في الحرب، وشرح خطر تطوير السلاح الإعلامي، وإشعال الحروب الإعلامية. وبذلك اعترف المجتمع الدولي من خلال منظمة الأمم المتحدة ولأول مرة بوجود الحرب الإعلامية على المستوى الدولي. واعتبر هذا الإنجاز تقدماً سياسياً هاماً رغم عدم استعداد أكثرية الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة لتقبل القضية كمشكلة من كل جوانبها. وعاد المجتمع الدولي وغير من موقفه من المشكلة خلال الدورة 54 للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة. فما الذي حدث بين الدورتين 53 و54 لمنظمة الأمم المتحدة ؟ وهل جاء تغيير المواقف تلك نتيجة للجهود الدبلوماسية والمجاملات السياسية بين الدول ؟ أم لأن العالم استطاع خلال تلك الفترة من التعرف أكثر على أخطار "العولمة الإعلامية"، والدور المتصاعد للإعلام في عالم اليوم. واستخلص العبر من استخدام سلاح الإعلام في الحروب التي جرت خلال تلك الفترة. ومن خلال أمثلة محددة تم فيها استخدام السلاح الإعلامي في عمليات محددة، اجتاز من خلالها الحدود السياسية المعترف بها لمختلف دول العالم، جنباً إلى جنب مع الأسلحة التقليدية والمتقدمة الأخرى المستخدمة في الاستطلاع والعمليات العسكرية، للقضاء على الخصم أو الحد من إمكانيات دفاعاته الذاتية.

العولمة الإعلامية والسيطرة على الموارد الإعلامية: والمعارك للسيطرة على عقول الكثير من الشخصيات السياسية في موقع القرار وتوجيهها هي "حرب غير مرئية" على الرغم من أنها أخذت خطاً واقعياً، وأصبحت بالتدريج تهدد جوهر الصراع من أجل السيطرة على وعي صاحب القرار، ولتحد من إمكانيات أي مواجهة جادة للأخطار الخارجية، إضافة لأخطار التأثير والتخريب المتعمد للموارد الإعلامية المتاحة لكل دولة، ووسائل الحصول عليها وحفظها ونشرها واستعادتها والتعامل معها. مما دفع ببعض الدول إلى الشروع بتطبيق برامج حكومية طويلة المدى على المستوى القومي، الهدف منها تأمين الأمن الإعلامي القومي وسلامة البنى التحتية الإعلامية الوطنية الأساسية. في نفس الوقت الذي بدأت فيه بالتعامل مع "العولمة الإعلامية" وآثار التشابك المتبادل بين المجالين الإعلامي الوطني والدولي. واضطرت مجبرة على الاعتراف بأن نجاح الجهود الوطنية للحفاظ على الموارد الإعلامية الخاصة بكل دولة، ليست في النهاية سوى جهود حثيثة لرفع مستوى "المناعة السلمية" للنظام الإعلامي الوطني في مواجهة الساحات الإعلامية للدول الأخرى التي أصبحت تشمل دولاً بعيدة عنها جغرافياً، وليس بالضرورة أن تكون تلك الدول مجاورة، ولكن يكفي أن تكون متشابكة معها من خلال شبكات الاتصال الدولية وفي الموارد الإعلامية بشكل موضوعي ومتشعب يصعب فصله.

وموضوع "السلاح الإعلامي" و"الحرب الإعلامية" أصبح مثاراً للمناقشة من قبل المتخصصين بشكل واسع، منذ بداية الـتسعينات من القرن العشرين. ومنذ ذلك الوقت بدأت تظهر أعداداً كبيرة من المقالات والدراسات حول هذا الموضوع الهام في العديد من الصحف والمجلات. وبدأ يناقش ضمن موضوعات الكثير من المؤتمرات واللقاءات العلمية الوطنية والإقليمية والدولية، التي صبت اهتمامها بمعظمها على مواضيع الأبحاث التي لا تتفق ومبادئ السلام العالمي، وبرامج تطوير التكنولوجيا الخاصة بطرق حماية الموارد الإعلامية من التأثير الخارجي. ولكن كل تلك المناقشات والمقالات والدراسات المنشورة حملت طابع المحلية، وكانت بعيدة كل البعد عن المناقشات الدولية التي كان يجب أن تتناول مشاكل "العولمة الإعلامية، والأمن الإعلامي". رغم أن المشكلة حظيت ليس باهتمام المتخصصين وحسب، بل واستحوذت على اهتمام عدد كبير من غير المتخصصين وقادة الرأي. ولهذا يمكننا اعتبار صدور القرار 53/70 عن منظمة الأمم المتحدة بمثابة إنذار يشير بجدية للخطر الجاثم، الذي وقعت فيه البشرية ويهدد صميم النظم الإعلامية الوطنية، ويهدد الإنسانية على عتبة القرن الحادي والعشرين.

بعد أن ظهر جلياً للمجتمع الدولي بما لا يدع مجالاً للشك، أنه أصبح متوفراً لدى العديد من الدول المتقدمة تكنولوجيا إعلامية متطورة، ونتائج أبحاث جاهزة وهامة يمكن استخدامها في التأثير على الموارد الإعلامية للغير. وحقائق لا تقبل الجدل من أن نتائج الأبحاث تلك أدت إلى صنع وسائل تستخدم في الأغراض العسكرية البحتة، حتى ولو لم يتم تسميتها بالأسلحة الإعلامية.

السلاح الإعلامي في خدمة الدول الصناعية المتقدمة: وأصبح واضحاً أيضاً بعد توفر معلومات كافية، تتحدث عن شروع العديد من الدول الصناعية المتقدمة في إجراء أبحاث للحصول على تقنيات وتكنولوجيا متطورة في مجال الاتصال، وإعداد تكنولوجيا متطورة وتقنيات وطرق لاستخدامها بهدف السيطرة المباشرة على الموارد الإعلامية للخصم، والتأثير المباشر عليه. حيث أشارت بعض المصادر إلى أن أكثر من 120 دولة من دول العالم وصلت وفي مستويات مختلفة لنتائج ملموسة في هذا المجال الذي لا يقل خطورة عن السلاح النووي. بينما تجرى أبحاثاً لتطوير السلاح النووي في 20 دولة فقط من دول العالم تقريباً.

وتذكر بعض المصادر أن بعض الدول أصبحت تملك وسائل جاهزة للدفاع ضد أخطار السلاح الإعلامي ضد العدو المتوقع في ظروف الصراعات العسكرية على مختلف المجالات والمستويات، حتى في زمن السلم. ويشمل الإطارين الإستراتيجي والعملياتي التكتيكي، وصولاً إلى أرض المعركة. وأن الاهتمام منصب الآن على مواضيع تتعلق بحماية المجال الإعلامي الخاص بتلك الدول من تأثير استخدام السلاح الإعلامي من قبل دول معادية، تفادياً لتأثير الحرب غير المعلنة في المجال الإعلامي. كما وبات معروفاً أيضاً من أن بعض الدول التي تقوم فعلاً بشن الحرب الإعلامية، أو شنتها قد أدخلت السلاح الإعلامي فعلاً في نظمها العسكرية وتقوم بإعداد وحدات عسكرية مدربة خاصة ومدعومة بالمتخصصين في هذا المجال الهام، للقيام بالعمليات الإعلامية الهجومية كأداة من أدوات الصراع الأخرى لتحقيق النصر العسكري الحاسم على العدو. ويعتبر المهتمون بالمشكلة أن الستار قد انكشف فعلاً عن استخدام السلاح الإعلامي عملياً في الحروب الأهلية الجارية هنا وهناك، وفي الصراع على السلطة في معظم دول العالم، وفي الصراعات القومية والعرقية والدينية سمة الحقبة الأخيرة من القرن العشرين. وأن الأسلحة الإعلامية أظهرت مقدراتها الفريدة على أرض المعركة وتأثيرها النفسي والمادي والمعنوي سواء في وقت السلم أو في وقت الحرب، وتجاوزها عملياً لكافة الحدود الوطنية والسياسية والجغرافية بتجاهل تام لاستقلال وسيادة تلك الدول.

السلاح الإعلامي وإدارة الصراع: ومن خلال الصراعات الداخلية الأخيرة والهامة، أكتشف المراقبون أنها تتم ومع الأسف بمساعدة ودعم كبيرين من الخارج. لنستشف من ذلك أن تلك الصراعات لم تنجو من استخدام بعض الوسائل الحديثة في الصراع ضمن المجال الإعلامي، والتي يمكن اعتبارها أسلحة إعلامية. وأصبح واضحاً: أن وقت الأشكال التقليدية من "التخريب الإيديولوجي" و"عمليات الاختراق الفكري" و"الحرب النفسية" قد ذهبت، لتحل محلها الوسائل الحديثة، وعلى مستوى جديد من التأثير. وأن مستوى استخدام تلك الوسائل قد أرتفع بشكل لا يوصف. إذ لا يمكن مقارنة الخطابة أمام حشد من الجمهور يمكن تفريقه، أو مقالة في صحيفة يمكن مصادرتها، أو برنامج إذاعي مسموع أو مرئي يمكن التشويش عليه، بسرعة انتشار المعلومات في كل أنحاء العالم، أو اختفاء تلك المعلومات مباشرة وبسرعة هائلة من كل أنحاء العالم، عبر شبكات الحاسب الآلي وأشهرها شبكة "الانترنيت" العالمية، وهي معلومات أصبحت اليوم مزودة بالصورة الثابتة والمتحركة، والتسجيلات المرئية والمسموعة. وكلها يمكن أن تعادل بفعاليتها الأسلحة الإعلامية، التي يهدف من استخدامها أن تكون فوق القوميات، وفوق الدول، وثبت عملياً أن في كل أنواع "الحروب الإعلامية الأهلية" وبشكل غير مباشر هناك قوة ثالثة، وضعت ضمن أهدافها الحيوية الاختراق وتخطي الحدود لداخل ضمير تلك المجتمعات الضحية. وظهر ذلك جلياً خلال الأعوام الماضية عندما استخدمت أراض الغير لإدارة هذا النوع من الصراعات كما حدث في العراق (أثناء حرب تحرير الكويت)، وإندونيسيا (أثناء انفصال تيمور الشرقية)، وجمهورية إشكيريا (الشيشان) وفي حرب الاستقلال التي خاضتها وتخوضها دول الاتحاد اليوغوسلافي السابق. فعلى مثال يوغوسلافيا انكشفت محاولات توريط الاتحاد الدولي للاتصالات الإلكترونية من خلال مبادرة الأمم المتحدة في كوسفو، وقرار تحديد نهايات الأقنية المستقلة للاتصالات التلفونية والاستيلاء على الرمز الدولي لتلك الدولة، وكان من الممكن أن يبقى ذلك الإجراء شبه مجهول لو لم يعلن. ومثل تلك الخطوة يمكن اعتبارها بالكامل جهوداً إضافية، الهدف منها عزل الأقنية الإعلامية للخصم وبالتالي الحد من تأثيرها وإخراجها من معادلة الصراع. ومثال أدوات الصراع من أجل استقلال تيمور الشرقية، قيام منظمة East Timor campaign مباشرة بعد الاقتراع على استقلال المحافظة الإندونيسية السابقة تلك، ومن أراضي إسبانيا والبرتغال وفرنسا بهجوم كاسح استهدف مواقع الحكومية الإندونيسية في شبكة الانترنيت العالمية، خربت بنتيجتها صفحات الـ WEB ، الخاصة ليس بالحكومة وحدها، بل وصفحات المنظمات الإندونيسية، وأطلقت فيروسات كمبيوتر جديدة، بدأت بالعمل مباشرة للقضاء على المواقع الإعلامية الإندونيسية في شبكات الكمبيوتر العالمية. ولا يمكن أن تعتبر تلك العملية الإعلامية المنفذة من أراضي دول أوروبية بعيدة جداً عن جنوب شرق آسيا، إلا حقيقة تثبت "لا حدودية" استخدام الأسلحة الإعلامية، ومثال لاستخدامات الأسلحة الإعلامية بشكل مباشر من أجل الوصول إلى أهداف سياسية داخلية محددة رغم البعد الجغرافي الشاسع بين المؤثر والمتأثر من استخدام السلاح الإعلامي. وفي الصراع الدائر بين قوات الحكومة الإشكيرية المتطلعة للاستقلال عن الاتحاد الروسي، والمقاتلين الشيشان من جهة، والقوات الفيدرالية الروسية من جهة أخرى على الأرض الشيشانية، فنرى أن الأسلحة الإعلامية لم تبقى جانباً فقد استخدم المقاتلون الشيشان مختلف وسائل الإعلام، وكانت صفحات الانترنيت واحدة من ساحات القتال من أجل "استقلال إشكيريا" والتخلص من الظلم الروسي. وبفضلها اطلع العالم كله على مواد إعلامية ملموسة وواقعية تتحدث عن الوضع في شمال القوقاز، وعن جهود أعضاء الحكومة والدبلوماسية الإيشكيرية لإطلاع العاملين في مؤسسات العلاقات الخارجية الرسمية بالدول المتقدمة في العالم على الحقائق، من خلال محاضراتهم التي دعتهم لإلقائها بعض أقسام الجامعات في تلك الدول وتحدثوا من خلالها عن الشؤون الشيشانية. وفي الحالة العراقية عندما أجبرت الحكومة العراقية على إغلاق مواقعها في الانترنيت بعد أن تم التسلل إليها، وتغيير مضمونها لصالح المعارضة العراقية، وفقاً للنبأ الذي أذاعته إذاعة صوت العراق الحر من براغ يوم 3/6/2000. هذا إن لم نتحدث عن العزل الإعلامي والتعتيم الإعلامي شبه الكامل، من قبل وسائل الإعلام الدولية المؤثرة والتي هي فوق الدول، لرأي الجانب العربي في الصراع الدائر من أجل تحقيق سلام عادل وحقيقي بين العرب وإسرائيل، والاستعاضة عنه بإبراز رأي الجانب الإسرائيلي فقط بشكل سافر، وزج الإسلام بأحداث لا علاقة له بها، تحدث هنا وهناك في أنحاء مختلفة من العالم عن طريق تشويه الحقائق بشكل مقصود، مما يوحي بخلق رأي عام دولي متحيز أحادي الجانب يشوه الحقائق وينصر المعتدي على الضحية، ويؤدي إلى حرمان المعتدى عليه ضمن إطار هذا الوضع غير الطبيعي من التعبير عن رأيه وتوضيح الحقائق أمام الرأي العام العالمي. ناهيك عن الحرب الإعلامية غير المعلنة من الخارج لإشعال نار الفتنة وتفعيل الخلافات العربية العربية، والعربية مع دول الجوار الإقليمي، والإسلامية الإسلامية. وهي أحادية الجانب ولا تواجه أية مقاومة تذكر لضعف أدوات وفعاليات الإعلام العربي والإسلامي الموجه نحو الساحة الدولية حالياً على الأقل.

ولابد أن تلك الصورة هي التي أثرت بشكل نهائي على تقدير المشكلة بالكامل من قبل دول العالم الأقل تطوراً. وهي التي أدت إلى تغيير مواقف الكثير منها بشكل جذري عما كان في السابق. وظهر هذا من خلال مؤتمر جنيف حول الأمن الإعلامي الذي انعقد في صيف عام 1999، والذي نظمه معهد الأمم المتحدة لمشاكل نزع السلاح (يونيدير)، وإدارة قضية نزع السلاح في الأمانة العامة لمنظمة الأمم المتحدة، من ضمن إطار إجراءات تطبيق القرار 53/70 للهيئة العامة للأمم المتحدة. وشارك في المؤتمر ممثلين عن أكثر من 50 بلداً، من بينهم كل اللاعبين الأساسيين على أرض تكنولوجيا الإعلام الدولية المتقدمة، مما سمح برفع مستوى نتائجه، ولو في إثارة المشكلة على المستوى العالمي على الأقل، بعد أن كانت حصراً بلقاءات المتخصصين وحدهم.

مشكلة الأمن الإعلامي والمصالح الوطنية والدولية: كما ويمكننا اعتبار أن الهدف الرئيسي لأكثرية المشاركين في المؤتمر آنف الذكر، كان إظهار الطريقة التي تتعامل فيها كل جهة من الجهات المشاركة، مع مشكلة الأمن الإعلامي الدولي، من خلال المناقشات التي جرت في إطار مواضيع الدورة 54 للهيئة العامة لمنظمة الأمم المتحدة. ولكن كان من الملاحظ أنها لم تكن مستعدة لذلك مما أدى إلى حصر المناقشات حول الاقتراح الروسي فقط، ومتابعة إعداد كل المواضيع المتعلقة بالأمن الإعلامي الدولي على مستوى خبراء الدول المهتمة، تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة. وهذا من حيث الجوهر يعتبر اعترافاً دولياً بأهمية المشكلة ونجاحاً للدبلوماسية الروسية التي أحسنت اختيار التوقيت لعرض الاقتراح سالف الذكر. ومحاولة التأثير في مضمون المشكلة وتوجيهها نحو مداخل تعتبر ذات أهمية خاصة لروسيا، واعتبارها المدخل للتحديد الدقيق لتصور دولي ونهائي تدور من خلاله المناقشات التالية لمشاكل الأمن الإعلامي الدولي، حتى وإن لم تتفق وجهات نظر الكثيرين حول المشكلة، ولكنها قد تساعد على حلها.

أطر مشاكل الأمن الإعلامي الوطني والدولي: ويرى البعض أن مشاكل الأمن الإعلامي الوطني الدولي تنحصر في إطارين اثنين، هما: الإطار الأول: الذي يؤدي عملياً إلى إلغاء الوحدة الموضوعية للمشكلة ويحاول تجزئتها إلى قضيتين فرعيتين هما: الأولى: وتتناول الجريمة الإعلامية؛ والثانية: وتتناول الإرهاب الإعلامي. وفي هذا الإطار يمكن الاستمرار في إعداد الأسلحة الإعلامية وتطويرها مما يهدد بخطر اندلاع الحروب الإعلامية. ولا يعترف المؤيدين لهذا الإطار بوجود المشكلة أساساً، بل يعتبرونها أعراضاً ثانوية يمكن علاجها. وبالتالي وبشكل منطقي كامل تصبح وفق وجهة النظر تلك مشكلة نزع السلاح الإعلامي ملغاة تلقائياً، ولا حاجة لمناقشها. وهو ما يسمح بإخراجها من إطار منظمة الأمم المتحدة وتحويلها إلى المنابر الإقليمية والمتخصصة، لتبقى مشكلة هامشية عالقة إلى الأبد تتحول من لجنة إلى أخرى وهكذا دواليك. الإطار الثاني: ويمثل خط الدول التي أظهرت استعدادها الفوري للمشاركة في إعداد آلية دولية محددة تواجه إقامة واستخدام وسائل مؤثرة على الموارد الإعلامية خارج إطار الشرعية والقانون الدولي. واقترحت بذلك تقديم المشكلة للمجتمع الدولي، واتخاذ تدابير من بينها إحداث محكمة دولية خاصة للنظر في الجرائم الإعلامية. والقيام في نفس الوقت بإعداد تكنولوجيا عالمية للوقاية من الهجمات والتعديات الإعلامية الدولية.

ورغم ذلك فإنه يمكننا اعتبار الاعتراف بالمشكلة دولياً، والاعتراف بضرورة إيجاد حلول لها في إطار قرارات الشرعية الدولية من خلال قرارات الهيئة العامة للأمم المتحدة، ودفعها إلى الأمام لتصبح واحدة من المشاكل التي تناقش في إطار منظمة الأمم المتحدة من أهم نتائج المؤتمر. وبذلك يكون الهدف النهائي من القضية إعداد برامج عملية تمكن الدول من اتخاذ إجراءات ذاتية أو مشتركة لمواجهة خطر التهديدات الإعلامية الدولية. لتتحول نتائج هذا المؤتمر من حيث الجوهر إلى مرحلة تحضيرية لنقل المشكلة الناتجة عن العولمة إلى إطار الهيئة العامة للأمم المتحدة، بغض النظر عن الخلافات في وجهات النظر حول الاعتراف بها، أو بطرق التعامل معها بشكل مكشوف، انطلاقا من مصالح الأمن الوطني والقومي والعالمي.

المصطلح والحرب الإعلامية: ومن القضايا الهامة التي تنتظر الحل من قبل المجتمع الدولي، وخاصة منه الوسط الأكاديمي في إطار المنظمات الدولية المتخصصة، مشكلة الاتفاق من حيث المبدأ على المصطلح والتوصل لتعريف مشترك لماهية الحرب الإعلامية غير المرئية تلك، وأسلحتها وأدواتها ووسائلها المشتركة في جوهر الصراع. لتؤدي في النهاية إلى الاعتراف بالحرب الإعلامية، مثلها مثل الاعتراف بالحروب التقليدية، والمحدودة، والنووية، والباردة، والأسلحة التقليدية وغير التقليدية المستخدمة في الصراعات بين الدول. ورغم ضيق الهوة بين فهم الخبراء في الدول المختلفة حول المصطلح، فقد لوحظ تباين واضح في التوجهات. التي يمكن تحديدها ببعض الاتجاهات الرئيسية والتي نلخصها بالتالي:

الحرب الإعلامية: ويمكن أن تعبر عن المواجهات الإعلامية التي تهدف إلحاق الضرر أو تخريب الأنظمة الإعلامية الهامة للخصم، وتخريب نظمه السياسية، والاجتماعية، وزعزعة الأمن والاستقرار داخل المجتمع والدولة الخصم.

الصراع الإعلامي: ويمكن أن يعبر عن شكل من أشكال الصراع بين الدول، من خلال تأثير دولة ما إعلامياً على نظم إدارة الصراع في غيرها من الدول أو على قواتها المسلحة، والتأثير على القيادات السياسية والعسكرية وحتى المجتمع بأسره. وكذلك التأثير على الأنظمة الإعلامية ووسائل الإعلام الجماهيرية لتلك الدول من أجل تحقيق أهداف محددة ومناسبة لها، والحد من تأثير أية ممارسات مشابهة قد تخرق المجال الإعلامي للقائم بالصراع.

التأثير الإعلامي: ويمكن أن يعبر عن الفعل الموجه ضد الخصم باستخدام الأسلحة الإعلامية المختلفة.

الأسلحة الإعلامية: ويمكن أن تعبر عن مجموعة من الوسائل التكنولوجية وغيرها من التقنيات والأساليب والتقنيات المستخدمة من قبل القائم بالصراع بغرض: السيطرة على الموارد الإعلامية والإمكانيات المعلوماتية والتقنية المتاحة للخصم؛ والتدخل في عمل أنظمة إدارة الخصم وشبكاته الإعلامية، ونظم اتصاله وغيرها، بهدف تخريبها عملياً، وإخراجها تماماً من حيز العمل. والتسلل للمواقع الإعلامية للخصم بهدف الاستيلاء على موارده الإعلامية فيها، وتحريف مضمونها أو إدخال معلومات مغايرة، أو استبدالها بمعلومات أخرى، أو تخريبها بشكل موجه ومدروس؛ ونشر معلومات أخرى منافية، أو معلومات مضللة من خلال نظم تشكيل الرأي العام ومراكز اتخاذ القرار، لصالح القائم بالصراع؛ وإتباع مجموعة من الأساليب الخاصة باستخدام وسائل تؤثر على وعي وسلوك القيادة السياسية والعسكرية، وتؤثر على الحالة المعنوية للقوات المسلحة، وأجهزة الأمن الوطني، ومواطني الدولة الخصم، لتحقيق التفوق عليها أو إضعاف تأثيرها الإعلامي.

الأمن الإعلامي، ويمكن أن يعبر عن: إجراءات محددة لحماية المجال الإعلامي والموارد الإعلامية، بشكل يؤمن تشكلها وتطورها لصالح المواطنين والمؤسسات والمنظمات والدول؛ وإجراءات محددة لحماية نظم الإعلام الخاصة بالأفراد والمنظمات والدول، التي يتم من خلالها استخدام المعلومات ومواردها بأشكال محددة ودقيقة، وضمان عدم التأثير السلبي عليها أثناء الاستخدام؛ وإجراءات محددة لحماية المعلومات التي تحمل طابع السرية ومواردها، لضمان عدم وصول الغير إليها بسهولة، وتوفير إجراءات تؤكد صعوبة الوصول إليها أو تخريبها، والمحافظة على خصائصها وسريتها وسلامتها، واسترجاعها عند الحاجة من قبل الأشخاص والجهات المصرح لها بالوصول إلى تلك المعلومات.

المجال الإعلامي: ويمكن أن يعبر عن مجال النشاط الإنساني الذي يتضمن إحداث وتشكيل واستخدام نظم المعلومات من أجل: تشكيل الوعي المعرفي الفردي والاجتماعي؛ وتوفير الموارد الإعلامية، أي البنية التحتية الإعلامية بما فيها مجموعة الأجهزة والأنظمة، والتجهيزات التكنولوجية والتقنيات، والبرامج وغيرها، التي تؤمن تكوين وحفظ المعلومات، وإعدادها والتعامل معها وإرسالها واستردادها وتدفقها؛ وتكوين وتوفير المعلومات الخاصة وتأمين تدفقها.

الجريمة الإعلامية، ويمكن أن تعبر عن: أي تصرف يؤدي إلى حدوث تأثير سلبي على المجال الإعلامي وموارده، لفرد أو جماعة أو منظمة أو دولة، أو لأي جزء منه بشكل مخالف للقانون. وينتج عنها أضراراً اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو ثقافية بما فيها تخريب المجال الإعلامي للغير وموارده، لأهداف أيديولوجية أو اقتصادية أو سياسية أو عسكرية.

مجالات تأثير الصراع الإعلامي الدولي: في الوقت الحاضر لا يستطيع أحد أن ينكر الصعاب الكثيرة التي تعترض توفير الأمن الإعلامي في ظروف الصراع الإعلامي الإقليمي والدولي. الذي أصبح يستهدف كل مجالات حياة الإنسان اليومية. الأمر الذي دعى الكثير من الخبراء للنظر في ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة توفر الأمن الإعلامي في المجالات:

السياسية: بما فيها بنية النظام السياسي والاجتماعي والحكومي للدولة، ونظم دراسة وإعداد واتخاذ القرار السياسي. والأجهزة المختصة بإجراء الانتخابات والاستفتاء العام وغيرها من أدوات قياس الرأي العام. ونظم الإدارة المحلية والمركزية والإقليمية، والهياكل الإعلامية ووسائل الاتصالات المرئية والمسموعة، وشبكات الحاسب الآلي التابعة لأجهزة السلطات الحكومية والإدارية.

والوعي الاجتماعي والتربوي: وتشمل نظم التعليم، ووسائل تشكيل الرأي العام، ووسائل الإعلام الجماهيرية المقروءة والمسموعة والمرئية، والأحزاب السياسية والمنظمات والاتحادات والهيئات الاجتماعية والثقافية والدينية والقومية والوطنية؛

والاقتصادية: وتشمل نظم الإدارة الاقتصادية، ونظم جمع وتخزين واسترداد وإعداد المعلومات الخاصة بالمقدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني، ونظم التحليل الاقتصادي العامة، وتوقعات تطور الاقتصاد الوطني العام والخاص، ونظم الإدارة والتنسيق في المجالات الصناعية والزراعية والمواصلات، ونظم الإدارة والإمداد المركزية للطاقة، ونظم اتخاذ القرار والتنسيق في حالات الطوارئ، ونظم الإعلام الاقتصادي المقروءة والمسموعة والمرئية، وشبكات الحاسب الآلي؛

والمالية: بما فيها بنوك المعلومات وشبكات الاتصال وتبادل المعلومات، بين البنوك والاتحادات المصرفية، ونظم الاتصال الخاصة بالتبادل المالي والحسابات المالية، الخاصة والحكومية والدولية؛

والدفاعية: وتشمل موارد المعلومات الخاصة بالقوات المسلحة، والهيئات العلمية والمنشآت العاملة في المجالات الصناعة الدفاعية، ونظم إمداد وإدارة القوات المسلحة، ونظم السيطرة والمراقبة الدائمة، وقنوات تدفق المعلومات ذات الطبيعة الإستراتيجية والعملياتية والاستطلاعية؛

والعلمية والتكنولوجية: بما فيها نظم إجراء البحوث والدراسات العلمية النظرية والتطبيقية، ونظم جمع وتخزين واستعادة المعلومات الخاصة بالبحوث والدراسات العلمية الجارية، والاكتشافات العلمية، والاختراعات التي تم التوصل إليها، سواء أكانت في المجالات التكنولوجية أم في مجالات العلوم الإنسانية أم في مجالات العلوم الحية وغيرها من المواضيع الخاصة بالملكية الفكرية؛

والأمن الداخلي: وتشمل نظام التحقيق، والتحقق، والنيابة العامة، والإجراءات العدلية، والموارد الإعلامية لأجهزة الأمن، ومنظومات جمع وحفظ وإعداد واسترجاع المعلومات والإحصائيات الخاصة بالجريمة، بما فيها بنوك معلومات الشرطة الدولية (الإنتربول).

التهديدات المتوقعة للأمن الإعلامي الوطني: لما كان الأمن الإعلامي الدولي أساساً كل ما يدخل في مجالات تهديد الأمن الإعلامي الوطني، من:

تهديدات البنى التحتية الإعلامية: التي تستهدف تخريب مواقع تبادل المعلومات الفورية عبر شبكات الحاسب الآلي، وتكنولوجيا معالجة المعلومات، وتقنيات التسلل للمواقع الخاصة في شبكات الحاسب الآلي، وجمع وتخزين واستخدام ونشر المعلومات بشكل مخالف للقانون.

وتهديدات الأمن الإعلامي: الموجهة أصلاً ضد الخصائص الهامة التي يجب أن تتمتع بها المعلومات مثل السلامة والسرية وقيود أو حرية الوصول إليها.

وتهديدات الحياة المعنوية للمجتمع: والتي تتم من خلال إدخال معلومات دينية أو سياسية مغلوطة في أجهزة الإعلام الحكومية ووسائل الإعلام الجماهيرية بشكل يهدد المصالح الوطنية العليا والمصالح الخاصة، ومصالح المجتمع والدولة بشكل عام. أو عن طريق الاحتكار والحجب المتعمد للمعلومات الموجهة للمواطنين. أو في ترويج وبث الأنباء الكاذبة، والإخفاء أو التحريف المتعمد للمعلومات بشكل يؤدي إلى تحريف وتشويه الوسط الإعلامي المحلي ويزعزع الحالة النفسية للمجتمع، ويخرب ويشوه التقاليد الدينية والثقافية، ويفسد الأخلاق العامة، ويشوه القيم الجمالية والتربوية لدى الفرد والمجتمع.

يتبع

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق